وهو صريع الغواني.
حدثني صالح بن محمد العوفي قال: حدَّثنا إبراهيم بن أبي يحيى المدني الأنصاري قال:
[ ٢٣٤ ]
كان مسلم بن الوليد صريع الغواني مداحًا محسنًا مجيدًا مفلقًا، وهو أول من وسع البديع، لأن بشار بن برد أول من جاء به. ثم جاء مسلم فحشا به شعره، ثم جاء أبو تمام فأفرط فيه وتجاوز المقدار.
وجل مدائح مسلم في يزيد بن مزيد، وداود بن مزيد، وفي البرامكة. وقد مدح الخلفاء حدثني ابن المغير قال.
كان مسلم بن الوليد مدح الرشيد باللامية السائرة، فلما دخل عليه فأنشده وبلغ قوله:؟ هل العيش إلا أن تروح مع الصبا وتغدو صريع الكأس والأعين النجل قال له: أنت صريع الغواني. فسمي بذلك حتى صار لا يعرف إلا به. ويقال: إن الرشيد كتب شعره بماء الذهب. وأول القصيدة:
أديرا الكأس لا تشربا قبلي ولا تطلبا من عند قاتلي ذحلي
وهي مشهورة سائرة جيدة عجيبة. ومما يستحسن له - على أن شعره كله ديباج حسن لا يدفعه عن ذلك أحد - قوله:
فإني وإسماعيل يوم وداعه لكالغمد يوم الروع زايله النصل
فإن أغش قومًا بعده أو أزرهم فكالوحش يدنيها من الأنس المحل
وهذا معنى لا يتفق للشاعر مثله في ألف سنة.
وهو القائل في يزيد بن مزيد في قصيدة له جيدة طويلة عجيبة.
موف على مهج في يوم رهج كأنه أجل يسعى إلى أمل
[ ٢٣٥ ]
لا يرحل الناس إلا نحو حجرته كالبيت يضحى إليه ملتقى السبل
يكسو السيوف نفوس الناكثين به ويجعل الروس تيجانًا على الذيل
قد عود الطير عادات وثقن بها فهن يتبعنه في كل مرتحل
تراه في الأمن في ردع مضاعفة لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
لله من هاشم في أرضه جبل وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
صدقت ظني وصدقت الظنون به وحط جودك جل الرحل عن جملي
وأول هذه القصيدة:
أجررت حبل خليع في الصبا غزل وشمرت همم العذال في العذل
وهي كما قلنا مشهورة، فتركناها إلا هذه الأبيات فإنها من عيون القصيدة، وإن كانت القصيدة كلها عينا.
ومما سار له من هجوه قوله:
يا ضعيف موسى أخي خزيمة صم أو فتزود إن كنت لم تصم
أطرق لما أتيت ممتدحًا فلم يقل لا فضلًا على نعم
فخفت إن مات أن أقاد به فقمت أبغي النجاة من أمم
لو أن كنز البلاد في يده لم يدع الإعتلال بالعدم
ومما يختار له أيضًا قوله:
لن يبطئ الأمر ما أملت أوبته إذا أعانك فيه رفق متئد
والدهر آخذ ما أعطي مكدر ما أصفى ومفسد ما أهوى له بيد
فلا يغرك من دهر عطيته فليس يترك ما أعطي على أحد
[ ٢٣٦ ]
ومما يستملح له قوله:
شججتها بلعاب المزن فاغتزلت نسجين من بين محلول ومعقود
أهلًا بوافدة للشيب واردة وإن تراءت بشخص غير مودود
لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنت نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد
ومما يختار له قوله للفضل بن يحيى أو الفضل بن جعفر بن يحيى:
تساقط يمناه الندى وشماله ال ردى وعيون القول منطقه الفصل
بكف أبي العباس يستمطر الغنى وتستنزل النعمى ويسترعف النصل
متى شئت رفعت الستور عن الغنى إذا أنت زرت الفضل أو أذن الفضل
ومن السائر الذي يروي له قوله في السفينة:
كشفت أهاويل الدجى عن مهولة بجارية محمولة حامل بكر
إذا أقبلت راعت بقلة قرهب وإن أدبرت راقت بقادمتي نسر
أقلت بمجدافين يعتورانها وقومها كبح اللجام من الدبر
كأن الصبا تحكي بها حين واجهتنسم الصبا مشي العروس إلى الخدر
ركبنا إليه البحر في أخرياته فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر
ومما يستملح له حسن تشبيه وجودة معنى قوله:
إبريقنا سلب الغزالة جيدها وحكى المدير بمقلتيه فزالا
[ ٢٣٧ ]
يسقيك باللحظات كأس صبابة ويعيدها من كفه جريالا
ومن مختاراته أيضًا قوله:
إذا شئتما أن تسقياني مدامة فلا تقتلاها، كل ميت محرم
خلطنا دمًا من كرمة بدمائنا فأظهر في الألوان منا الدم الدم
ومن بديع ما يروي له قوله:
إن كنت تسقين عين الراح فاسقيني كأسًا ألذ بها من فيك تشفيني
عيناك راحي وريحاني حديثك لي ولون خديك لون الورد يكفيني
ومن بدائعه أيضًا قوله:
خفين على ريب المنون وغصت ال رين فلم ينطق لها أبدًا ححل
ولما تلاقينا قضى الليل نحبه بوجه كوجه الشمس ما إن له مثل
وخال كخال البدر في وجه مثله لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل
وماء كماء الشمس لا يقبل الأذى إذا درجت فيه الصبا خلته يغلو
من الضحك الغر اللواتي إذا التقت تحدث عن أسراره السبل السبل
صدغنا به حد الشمول وقد طغت فألبسها حلمًا وفي حلمها جهل
ومما يستحسن من لاميته في الرشيد قوله:
ومانحة شرابها الملك قهوة يهودية الأصهار مسلمة البعل
بعثنا لها منا خطيبًا لبضعها فجاء بها يمشي العرضنة في مهل
[ ٢٣٨ ]
قد استودعت دناّ فهو قائمٌ بها شغفًا بين الكروم على رجل
شققنا لها في الدن عينًا فأسبلت كألسنة الحيات خافت من القتل
ويختار من قوله هجوه لسعيد بن سلم:
وأحببت من حبها الباخلي ن حتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفًا كسا وجهه ثيابًا من اللوم صفرا وسودا
ومما السحر معناه رقة وحسنًا
إذا التقينا منعنا النوم أعيننا ولا تلائم غمضاَ حين نفترق
أقر بالذنب مني لست أعرفه كيما أقول كما قالت فنتفق
حبست دمعي على ذنب تجدده فكل يوم دموع العين تستبق
ومن جيد ما يروى له قوله:
فما سلوت الهرى جهلًا بلذته ولا عصيت إليه الحلم من خرق
يا واشيًا أحسنت فينا إساءته نجي حذارك إنساني من الغرق
ويختار له أيضًا قوله في غلبة اليأس على النفس والرجوع إلى الطمع:
أعاود ما قدمته من رجائها إذا عاودت باليأس منها المطامع
رأتني عمى الطرف عنها فأعرضت وهل خفت إلا ما تشير الأصابع
وما زينتها النفس لي عن لجاجة ولكن جرى فيها الهوى وهو طائع
مللت من العذال فيها فأطرقت لهم أذن قد صم عنها المسامع
فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصبا وقد فاجأتها العين والستر واقع
ومما يستحسن له في الزهد قوله:
كم رأينا من أناس هلكوا فبكى أحبابهم ثم بكوا
[ ٢٣٩ ]
تركوا الدنيا لمن بعدهم ودهم لو قدموا ما تركوا
كم رأينا من ملوك سوقوا ورأينا سوقة قد ملكوا
وضع الدهر عليهم بركة فاستداروا حيث دار الفلك