حدثني إسحاق بن إبراهيم الكرخي: حدثني ابن عوف قال: تزوج أبو دلف سعاد بن باذان أخت منصور، فبلغ ذلك منصورًا فكرهه، وعلم أنه سيخرجها عن قريب فقال عمدًا ليطلقها أبو دلف: ومما رويناه من شعره واخترناه من قوله:
ألا سقني الصهباء إن كنت ساقيا وروّح من الراح الرؤوس الصواديا
رءوسًا تراها في الرجاء مصونة وعند التحام الحرب تلقى الدواهيا
فطورًا ترى فيها أكفًا نواعمًا وطورًا ترى فيها الرماح المداريا
وله في ابن أبي نوفل:
خوانك يا ابن أبي نوفلِ كما زعموا فلكةُ المغزلِ
وكبرى قصاعك مخروطة من البخل من أصغر الخردل
وله:
يا نفس لا تجزعي من التلف فإن في الله أعظم الخلفِ
[ ٣٤٤ ]
فإن تجتزي بالقليل تغتبطي ويغنك الله عن أبي دلف
إني إذا النفس راودت طمعًا يقصر عن نيله ذوو الشرف
وحاولت خطة تقصر بي كبحتها بالحياء والأنف
حتى أتاني الذي أؤمله بالرفق من حيلتي ومن لَطَفي
وله أيضًا:
أبا دُلَفٍ ما الحبس عندي بعينه سوى رجل يرجو نداك ونائله
رأيتك لا تهدي من الفكر ضلة وشحَّا على الشيء الذي أنت آكله
وأنت كطبل فارع الصوت فارغ خلاءٍ من الخيرات قفر مداخله
ومن أعجب الأشياء تسليم إمرة عليك على طنزٍ وإنك قابله
ومن مختاراته في أبي دلف يمدحه:
إذا حدثته النفس أمضى حديثها وهان عليها ما يرى في العواقبِ
فما إن تراه الدهر إلا معززًا بنفس أبت إلا صعاب المطالب
يعاف من الكسب الذي ليس دونه حمام المنايا أو قراع الكتائب
إذا فاجأته الخيل لم ينتظر لها لحاق رجال واجتماع مقانب
ولكنه يرمي الصفوف بنخوة إذا جشأت نفس الجبان المواربِ
[ ٣٤٥ ]
يكون، إذا قالوا: البراز، أمامها ويلفى إذا ولت حمى كل هارب
ولست تراه الدهر إلا مغامسًا بِخوض رماح لاكتساب الرغائب
فأحر بهذا إن توق حمامه إذا كان يستدعيه من كل جانب
ومن قارع الأبطال أوشك أن يرى منيته بين القنا والقواضب
وله:
كفى حزنًا أن النوى قذفت بنا بعيدًا وأن النأي أعيت مطالبه
فلو أننا إذ فرق الدهر بيننا عسى واحد منا تمول صاحبه
ولكننا من دهرنا في مؤونة يكالبنا طورًا وطورًا نكالبه
ومن طلب الدنيا على ما يريده أصاب ثراء أو أرنت حبائبه
فدونك هذا الصبر إني وجدته معينًا على الأمر الذي عز جانبه
فلا تحسب المقدور فات وقوعه فإن قضاء الله لا بد طالبه
ومما يستحسن له قوله أيضًا:
فدهري دؤوب بين حل ورحلة يطوف بي ما عشت أرضًا إلى أرضِ
كأني، بتعبير البلاد موكَّل لأَبلغ منها مبلغ الطول والعرض
فإن يقض لي يومًا رجوع فإننيسأكفر بالديوان والقرض والفرض
وأبعد نفسي عن أمور تشينها وألزم بيتي وافر الدين والعرض
فإن دام لي عز القناعة سرني وإلا فبعض الشر أهون من بعض
[ ٣٤٦ ]
وله في أخيه خثنام:
دلس لي خثنام برذونه وكان دهرًا طالما دلسا
كان يناوي دهره موسرا فكيف باليائس إذ أفلسا
لما فشا في الناس إفلاسه ولم يجز تمويهه غطسا
فلا تغرنك قعاقيعه ما عنده شيء وإن دخمسا
لم يبق إلا شبح ماثل يا ويحه في الفقر ما أفرسا
قرطس في الإفلاس من غلوة ولو رمى من فرسخ قرطسا
وله في آل الفيض:
لا تعجبوا جهلًا بأحسابكم فتوقعوا أنفسكم في الحتوف
متى غزوناكم فأفلتم بعفو أو بقتل عنيف
فكم أقمنا بينكم مأتمًا بطعنة من قيل شريف
يلجأ في الروع إلى نفسه ما إن يعاف الموت بين الصفوف
يصونها في الأمن لكنه يهينها تحت ظلال السيوف
وله أيضًا
ليتك أدبتني بواحدة أولها آخر لدى العدد
تحلف ألا تبرني أبدًا فإن فيها بردًا على كبدي
اشف فؤادي مني فإن به علي قرحًا نكأته بيدي
[ ٣٤٧ ]
أبعدني الله حيث تحملني نفسي على مثل ذا من الأود
عهدي بنفسي وليس يبعثها هذا الذي قد نعت من أحد
فكيف أخطأت لا أصبت ولا نهضت من عثرة إلى سدد
إن كان رزقي إليك فارم به في ناظري حية على الرصد
أصبحت فيما رضيت منك به أدعى أبا الكلب لا أبا الأسد
وقد رويت هذه الأبيات لأبي الأسد وهي لمنصور أثبت: وله أيضًا:
يا ذا الذي ذم دهره من أجل أن حط قدره
لا تأسفن لشيءٍ ففي المغيرة عِبره
لو نيل رزق بعقل لم يعطه الله بعره
أو لم يكن منه جود كفته ما عاش كسره
وله فيه أيضًا
فضيحة جاءت على غفلة يبلى الجديدان ولا تبلى
مغيرة بن الفيض في بيته جارية من غيره حبلى
وله فيه أيضًا:
وجه المغيرة كله أنفُ موف عليه كأنه سقف
رجل كوجه البغل طلعته ما ينقضي من قبحه الوصف
من حيث ما تأتيه تبصره من أجل ذاك أمامه خلف
[ ٣٤٨ ]
حصن له من كل نائبة وعلى بنيه بعده وقْف
جفت المدائح عن خلائقه ولقد يليق بوجهه القذف
ولمنصور أيضًا في المغيرة:
ثكلتك أمك لم تذد عنك الذي سيرت فيك من الهجاء السائر
حتى أتيت مشاتمًا لتكفني عن شتم فاجرة ونغلٍ فاجر
زعم المغيرة أنه بي آمر إن كان يكذب نكت أم الآمر
ومما يستحسن له في آل سلم:
أن مستيقن رضاك ولكن ليس يخفيه منك طرف حقود
حُدث عني وصرت تنظر شزرا نظرًا دونه يكون الوعيد
وله في أخيه وكان خطيب البلد:
أقول غداة العيد والناس شُهدٌ ومنبرنا العالي البناء رفيع
لعمري لئن أضحى رفيعًا فإنه بمن يرتقي أعواده لوضيع
أقول إذا ما قام ينهق فوقه أتبلغ هذا المرتقى وأضيع
ومن عجب الدنيا صعودك منبرًا وحولك ألف سامع ومطيع
[ ٣٤٩ ]
وما كنت أخشى مثلها البوم نكبة أذل لها، والمسلمون جميع
وله فيه أيضًا:
قلت لخثنام على بخله يا بأبي يا ذا القرون الطوال
لو تملك الأرض بأقطارها لكنت كشخانًا على كل حال
فهمة الأنذال في بخله وهم من في البيت جمش الرجال
ولمنصور في رجل يرميه بأنه كان حجّامًا:
يا ذا الذي صار يعمل القلما قد كنت دهرًا تقعقع الجلما
عشت زمانًا وأنت تعمله أحذق من يمشي ومن حجما
فإن تكن بالقريض مشتغلًا فرب يوم سفكت فيه دما
كم من كريم سفعت نقرته فطأطأ الرأس منك ما انتقما
وكم رقاب جرحت خاضعة وإن يرمها سواك كن حمى
بسيف شيخ قد كان فارسه ومن حكى شيخه فما ظلما
حتى إذا هزه ليعمله شفى بذاك الصداع والألما
فإن يكن بالجبال منكتما فإنه بالعراق على كسائي
[ ٣٥٠ ]
أصيرتم كسائي قهرمانًا تكفل بالغداء وبالعشاء
فكيف سلبت من بين الندامى ألم يحضر غداءكم سوائي
فردوا قد نصحت لكم كسائيولا تجلو إلى كشف الغطاء
فإني إن هجوتكم ببيت كشفت الستر عن باب النساء
وله أيضًا:
أأترك الخمر لان حرمت وأسأل الأنذال شرب الحلال
آليت لا أتركها طائعًا قد آذنت توبتنا بارتحالِ
وله أيضًا:
غيرك الدهر بعد ود ما أقبح الغدر يا غزالُ
داريت فيك العدو دهرًا حتى إذا أمكن الوصال
وصار ما أرتجي خلالًا وطاب فيه لنا المقال
أعرضت عني فليس ود ولا حرام ولا حلال
وله:
أنا محلول الحرام مثل عيسى بن هشام
وعلي الهدى والمش يُ إلى بيت الحرام
إن رأى عيسى لعبد ال قيس وجهًا في المنام
وله:
لا تكثري اللوم فيما ليس ينفعني إليك عني جرى المقدور بالقلم
سأتلف المال في عسر وفي يسر إن الجواد الذي يعطى على العدم
كم قد قضيت حقوقًا كان أهملها غيري، وقد أخذ الإفلاس بالكظم
[ ٣٥١ ]
ولمنصور في محمد بن وهيب الشاعر:
أني احتجبت وذاك منك عجيب أجهلت ما يأتي وأنت أديبُ
أو ما علمت بأن ذلك منكرٌ من فع من قرض القريض عجيب
من ذا الذي يأتيك إلا مكرهًا وهو الخبير بأنه مغلوب
فدع الحجاب لمن يليق ببابه فمن الكبائر شاعر محجوب
وله في علي بن المهلب:
عجبت لجسمك ما أصغره ومما تلقم ما أكبره
أراك تطفل طول الحياة ويأمن خبزك أن تكسره
وتلفي لعودك مستبطنا تدير على زيره الحنجره
فليتك وريتني بعضه وكثر ربي بك المقبره
وبكت المزعفر في خده وملت إلى النار من زعفره
فقد كان يحرمه نفسه وكل نعيم مع المقتره
إذا ما بدا لك فوق الحمار فقنبرة فوقها قنبره
تحرم في بيتك المشربات وفي بيت غيرك ما أكثره
فطورًا تجرجرها نخبةً وطورًا تجرجرها تذكره
[ ٣٥٢ ]
وله أيضًا:
له وجه خنزير وخيشوم بغلة وصدرة ملاح وتقطيع حائك
شكا فسوه جن البلاد وإنسها وقد خفت أن يؤذي خيار الملائكِ
فلو كان في أهل الجحيم لَوَلْوَلُوا إلى ربهم من فسوه المتدارك
وقالوا: العذاب الضعف أهون عندنا وكلهم مستصرخ نحو مالك
وله أيضًا:
قل للذي جاء من الحج يا أحوج الناس إلى العفجِ
لم تهد لي نعلًا ولا مقلة كأنما جئت من البرج
تهت بأن جئت بحجامة ونعفة من نعف الزنج
لو نلت ملكًا ناله طاهر لكنت مقطوع الايرطنج
كيف انكباب يا أبا جعفر تقدم اللبد مع السرج
فلست تلفي بعده مفلحا ما أطلع الحجاج من فجّ
وله في عقبة بن مالك:
يا خطبة ضيعها مالك أضيع منها المنبر الهالكُ
يا آل بكر قبلوا قاسما صار على شرطته مالك
عضادة المنبر في كفه أير حمار أسود حالك
وكان أبو دلف يقول: ما رأيت أحدًا فوق منبر، وعضادة المنبر في كفه
[ ٣٥٣ ]
إلا ذكرت قول منصور بن باذان فكدت أضحك. وكان منصور من المجيدين لا سيما للهجو فإنه كان أهجى الناس.