واسمه منصور بن سلمة بن الزبرقان، وهو من رأس العين. ويكنى أبا الفضل حدثني أبو رجاء الضحاك بن رجاء الكوفي قال: حدثني ابن عبدل قال: مر منصور النمري يومًا بالعتابي - وكان صديقًا له، وكان النمري
[ ٢٤١ ]
يجل العتابي ويعظمه لقناعته وديانته، ولعلمه مع ذلك وسعة أدبه - فسلم عليه فرأى به العتابي كآبة. فقال له النمري إني مغتم بامرأتي فلانة، فإنها تمخض منذ ثلاث وقد عسرت عليها ولادتها، فقال له العتابي: ويحك، فأين تركت الحزم ودواؤها عندك؟ قال: وما هو؟ فقال: تكتب على متاعها: الرشيد، حتى تسهل ولادتها فإنما عسر الولادة من ضيق المسلك. وإذا كتبت الرشيد على فرجها اتسع. فغضب النمري واختلط. وقال ويحك، أشكو إليك مثل هذا الأمر أفتستقبلني بمثل هذا، وتستخف باسم أمير المؤمنين وذكره؟ فقال العتابي: فلا تغضبن فأنت علمتنا هذا. ألست القائل في الرشيد في قصيدتك العينية:
إن أخلف القطر لم تخلف مخايله أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
- وهذه القصيدة عجيبة في المدح فصيحة، وتشبيبها في الشيب لم يقل مثله أحد - فاستحكم غضب النمري وغيظه عليه، ومر من وجهه ذلك إلى الرشيد فأعلمه، وحكى لفظه، ففار كما يفور المرجل غيظًا عليه، وحلف ليقتلنه. وكان جعفر بن يحيى يستخص العتابي ويقربه ويعاشره، فما زال بالرشيد حتى عفا عنه، ورضي وسكنت نفسه. وسكت العتابي على هذه مدة، حتى تمكن من الرشيد بعلمه وغزارة أدبه، فإنه كان بحرًا لا ينزف، وحضر مجلسه ليلة يسامره، والنمري غائب بالرقة، فتحدث عنه طويلًا وأجرى الحديث إلى ذِكر الروافض محمدًا، ثم أنشده القصيدة التي للنمري وأولها:
شاء من الناس رابع هامل يعللون النفوس بالباطل
[ ٢٤٢ ]
تقتل ذرية النبي وير جون خلود الجنات للقاتل
ويلك يا قاتل الحسين لقد بؤت بحمل ينوء بالحامل
أي حباء حبوت أحمد في حفرته من حرارة الثاكل
بأي وجه تلقى النبي وقد دخلت في قتله مع الداخل
هلم فاطلب غدًا شفاعته أو لا فرد حوضه مع الناهل
ما الشك عندي في حال قاتله لكنني قد أشك في الخاذل
نفسي فداء الحسين يوم غدا إلى المنايا غدو لا قافل
ذلك يوم أخنى بشفرته على سنام الإسلام والكاهل
حتى متى أنتِ تعجلين: ألا تنزل بالقوم نقمة العاجل
لا يعجل الله إن عجلت وما ربك عما ترين بالغافل
وعاذلي أنني أحب بني أحمد فالترب في فم العاذل
قد دِنت ما دينكم عليه فما وصلت من دينكم إلى طائل
دينكم جفوة النبي وما ال جافي لآل النبي كالواصل
فلما بلغ قوله في ذكر فاطمة ﵇ وأمر فدك، وذكر أبي بكر وعمر، وزعمه أنهما ظلماها في أمر فدك وهو قوله:
مظلومة والإله ناصرها تُديرُ أرجاء مقلة حافل
قال له الرشيد: يا عتابي، من قال هذا؟ قال: عدوك يا أمير المؤمنين الذي تظن أنه وليك. فقال: ويلي على ابن الفاعلة، يحض الناس على الخروج علي، يضمر عداوتي ويظهر من موالاتي ما يظهر، وقد اقتني مني هذه الأموال، ومنزلته هذه المنزلة - وكان منصور يعتزي إلى الرشيد بالخؤولة من جهة نتيلة النمرية أم العباس بن عبد المطلب، وكان يمدح الرشيد بالمدائح
[ ٢٤٣ ]
الجياد التي ليس لأحد مثلها، وكان يصله بالصلات الجزيلة، وكان النمري يدين بالإمامة سرًا، ويمدح آل الرسول، ويعرض في شعره بالسلف، والرشيد لا يعلم ذلك حتى كثر، وكان ذلك اليوم - ثم أقبل العتابي يحضه، ويذكر مذهبه، وينشد شعره في الطالبيين شيئًا بعد شيءٍ، فدعا الرشيد بأبي عصمة الشيعي وهو من الزيدية في شيعة بني العباس. فقال له: اخرج من ساعتك هذه إلى الرقة، فخذ منصورًا النمري، فسل لسانه من قفاه، واقطع يده ورجله، ثم اضرب عنقه، واحمل إلى رأسه، واصلب هناك بدنه. فخرج أبو عصمة لذلك، فلما صار بباب الرقة، وهو يدخل المدينة، إذا هو بجنازة النمري قد استقبلته فانكفأ راجعًا إلى الرشيد فاعلمه. فقال له: فألا إذ صادفته ميتًا أحرقته بالنار؟ وهو القائل بقصيدته التي يمدح فيها الرشيد:
يا بن الأئمة من بعد النبي ويا أب ن الأوصياء أقر الناس أم دفعوا
لولا عدي وتيم لم تكن وصلت إلى أمية تمريها وترتضعُ
إن الخلافة كانت إرث والدكم من دون تيم وعفو الله متسع
وما لآل علي في إمارتكم حق وما لهم في إرثكم طمع
يا أيها الناس لا تغرب عقولكم ولا تضفكم إلى أكنافها البدع
العم أولى من ابن العم فاستمعوا قول النصيح فإن الحق يستمع
وقد أقام القيامة في تشبيب هذه القصيدة بالشباب فالتشبيب منها:
أودى الشباب وفاتتني بشرته صروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفي شبابي كنت غرته حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
[ ٢٤٤ ]
إن كنت لم تطمعي ثكل الشباب ولم تشجى بغصته فالعذر لا يقع
وأول هذه القصيدة:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع إذا ذكرت شبابًا ليس يرتجع
ورووا أنه دخل على الرشيد يومًا فانشده:
بني حسن وقل لبني حسينٍ عليكم بالسداد من الأمورِ
أميطوا عنكم كذب الأماني وأحلامًا يعدن عدات زور
مننت على ابن عبد الله يحيى وكان من الحتوف على شفير
ولو جايت ما اقترفت يداه دلفت له بقاصمة الظهور
يدٌ لك في رقاب بني علي ومن ليس بالمن الصغير
وإنك حين تبلغهم أذاة وإن ظلموا لمحترق الضمير
ألا لله در بني علي وزور من مقالتهم كبير
يُسمون النبي أبًا، ويأبى من الأحزاب سطر في سطور
يريد قوله ﷿ " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله " قال: فقال الرشيد لما سمع قوله:
وإنك حين تبلغهم أذاةوإن ظلموا لمحترق الضمير
ويحك، ما هذا؟ شيء كان في نفسي منذ عشرين سنة لم أقدر على إظهاره فأظهرته بهذا البيت. ثم قال للفضل بن الربيع: خذ بيد النمري فأدخله بيت المال، ودعه يأخذ ما شاءَ، فأدخلني وليس فيه إلا سبع وعشرون بدرة، فاحتملتها.
وأخذ النمري على شعره في دفعتين ما لم يأخذه شاعر قط: إحداهما
[ ٢٤٥ ]
هذه، والأخرى أن الرشيد كان بالرقة، وكان يستحسنها ويستطيبها، فيقيم بها، وأطال المقام بها مرة، فقالت زبيدة للشعراء: من وصف مدينة السلام وطيبها في أبيات يشوق أمير المؤمنين إليها أغنيته. فقال في ذلك جماعة، منهم النمري قال أبياتًا أولها:
ماذا ببغداد من طيب أفانين ومن عجائب للدنيا وللدين
إذا الصبا نفحت والليل معتكر فحرشت بين أغصان الرياحين
فوقعت أبياته من بين جميع ما قالوا، وانحدر الرشيد إلى بغداد. فوهبت زبيدة للنمري جوهرة. ثم دست إليه من اشتراها، بثلاثمائة ألف درهم.
ومن جيد ما قال في آل الرسول ﵈:
آل الرسول ومن يحبهم يتطامنون مخافة القتلِ
أمن النصارى واليهود وهم من أمة التوحيد في أزلِ
وله الميمية التي يغني بها، يمدح فيها الرشيد وهي جيدة أولها:
يا زائرينا من الخيامِ حياكما الله بالسلام
لم تطرقاني وبي حراك إلى حلال ولا حرامِ
هيهات للهو والتصابي وللغواني وللمدامِ
أقصر جهلي وثاب حلمي ونهنه الشيب من عرامي
لله حبي وترب حبي ليلة أعياهما مرامي
آذنتاني بطول هجري وعدتاني مع السوامِ
وانطوتا لي على ملامٍ والشيب شر من الملام
[ ٢٤٦ ]
بورك هارون من إمام بطاعة الله ذو اعتصام
يسعى على أمة تمنى أن لو تقية من الحمام
لو استطاعت لقاسمته أعمارها قسمة السهام
يا خير ماض وخير باقٍ بعد النبيين في الأنام
وميميته في المأمون وهو ولي عهد عجيبة، قد صارت مثلًا في سائر الناس وأولها:
لعل عُذرًا وأنت تلومْ وكم لائم قد لام وهو مُليم
وأشعار النمري في آل الرسول ﵈ كثيرة جيدةً، من أجود ما مُدحوا به. وكذلك ما له في المدح والغزل كله جيد. وهو من فحولة المحدثين. وله أخبار كثيرة ونوادر.