حدَّثني عبد الكريم بن عبد الرحيم الأنباري قال: حدَّثني إسماعيل العمري قال: رأيت الحسن بن هانئ غلامًا مع والبة بن الحباب صغيرًا مليحًا نادرًا، يخدمه ويتصرف في حوائجه الخفاف. ووالبة هو الذي أدب أبا نواس. وحدثني محمد بن الهيثم الموصلي قال: حدَّثني العامري وإبراهيم بن عقيل قالا:
[ ٨٦ ]
قال والبة: رأيت إبليس فيما يرى النائم كأنه أتاني فقال لي: ترى غلامك الحسن بن هانئ هذا؟ قلت: ما شأنه؟ قال: إنّ له لشأنا والله لأغوين به أمة محمد ﵇، ولألقين محبته في قلوبهم.
ومما يستحسن لوالبة:
أحسن من در ومرجان آثار إنسان بإنسان
قد عضه ذو حنق مشفق وقلبه ليس بغضبان
عاقبني منتقمًا جهده وقد جزاني كلّ إحسان
لو كان يدري أنه محسنٌ بدل إحسانًا بهجران
ولوالبة في المجون والفتك والخلاعة ما ليس لأحد، وإنما أخذ أبو نواس ذلك عنه. ومما روى لوالبة في المجون:
شبيه الفاتك العيار مثلي نعيم حين يشرب بالبواطي
يعاطينا الزجاجة أريحي رخيم الدل بورك من معاطي
أقول له على طرب ألطني ولو بمواجر علج نباطي
فإن الخمر ليس تطيب إلاّ علي وضر الجنابة باللواط
وله أيضًا في ذلك:
قد قابلتنا الكئوس ودابرتنا النحوس
واليوم هرمز روز قد عظمته المجوس
لم تخطه في حساب وذاك مما تسوس
[ ٨٧ ]
ونحن عند عميد قد غاب عنا البسوس
نعير كأسًا وكأسًا أوصى بها جالنوس
أنا وجي عروس والكأس أيضًا عروس
يسقي العروس عروسًا إحداهما الخندريس
حتى إذا ما انتشينا وهزّنا إبليس
رأيت أعجب شيءٍ منّا ونحن جلوس
هذا يقبّل هذا وذاك هذا يبوس
وهذا الشعر مما ينحله العامة أبا نواس. وذلك غلط، لأن العامة الحمقى قد لهجت بأن تنسب كل شعر في المجون إلى أبي نواس، وكذلك تصنع في أمر مجنون بني عامر كل شعر فيه ذكر ليلى تنسبه إلى المجنون.
وحدثني اليزيدي قال: حدَّثني أبو سلهب الشاعر قال: كان والبة بن الحباب ماجنًا خليعًا. ما يبالي ما قال ولا ما صنع. وكان منزله في آخر زقاق لا منفذ له. فكان إذا أتاه السائل يسأله، ويتركه حتى يطيل ويكثر ولا يجيبه، فإذا علم أنه قد انصرف ومشى إلى طرف الزقاق - والزقاق طويل جدًا - فتح بابه ثم ناداه، فيجيبه: لبيك لبيك، يظن أنه قد أخرج له شيئًا، ويقبل نحوه، فإذا قرب منه قال: صنع الله لك.
وحدثت أن المهدي ذكره ذات يوم فقال: ما أشعره وأملح شعره! وهو مع ذلك أديب واسع الحفظ. فقال له بعض من في مجلسه: ما يمنعك
[ ٨٨ ]
من منادمته؟ قال: يمنعني من ذلك قوله:
قلت لساقينا على خلوة أدن كذا رأسك من رأسي
وادن فضع صدرك لي ساعة إني امرؤٌ أنكح جلاسي
فتريد أن ينكحنا لا أم لك.