٢١ - وَمِنْهُم الْجُنَيْد بن مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم الخزاز
وَكَانَ أَبوهُ يَبِيع الزّجاج فَلذَلِك كَانَ يُقَال لَهُ القواريري أَصله من نهاوند ومولده ومنشؤه بالعراق كَذَلِك سَمِعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول وَكَانَ فَقِيها تفقه على أبي ثَوْر وَكَانَ يُفْتِي فِي حلقته وَصَحب السّري السَّقطِي والْحَارث المحاسبي وَمُحَمّد بن القصاب الْبَغْدَادِيّ وَغَيرهم وَهُوَ من أَئِمَّة الْقَوْم وسادتهم مَقْبُول على جَمِيع الْأَلْسِنَة
توفّي سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ يَوْم نيروز الْخَلِيفَة يَوْم السبت وَقيل توفّي فِي آخر سَاعَة من يَوْم الْجُمُعَة وَدفن يَوْم السبت سَمِعت أَبَا الْحسن بن مقسم يذكر ذَلِك وَأسْندَ الحَدِيث
حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا بكير بن أَحْمد الْحداد الصُّوفِي بِمَكَّة حَدثنَا الْجُنَيْد بن مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم الصُّوفِي حَدثنَا الْحسن بن عَرَفَة حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير الْكُوفِي عَن عَمْرو بن قيس الْملَائي عَن عَطِيَّة
[ ١٢٩ ]
عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (احْذَرُوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله تَعَالَى وَقَرَأَ ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ قَالَ للمتفرسين) (الْحجر ٧٥)
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول قَالَ الْجُنَيْد الْقرب بالوجد جمع والغيبة بالبشرية تَفْرِقَة
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت همام بن الْحَارِث يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول بَاب كل علم نَفِيس جليل بذل المجهود وَلَيْسَ من طلب الله ببذل المجهود كمن طلبه من طَرِيق الْجُود
سَمِعت أَبَا الْفَتْح يُوسُف بن عمر الزَّاهِد بِبَغْدَاد يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نصير يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول إِن الله تَعَالَى يخلص إِلَى الْقُلُوب من بره حسب مَا خلصت الْقُلُوب بِهِ إِلَيْهِ من ذكره فَانْظُر مَاذَا خالط قَلْبك
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله شَاذان يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول يَا ذَاكر الذَّاكِرِينَ بِمَا بِهِ ذَكرُوهُ وَيَا بادئ العارفين بِمَا بِهِ عرفوه وَيَا موفق العابدين لصالح مَا عملوه من ذَا الَّذِي يشفع عنْدك إِلَّا بإذنك وَمن ذَا الَّذِي يذكرك إِلَّا بِفَضْلِك
سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد وَسُئِلَ من الْعَارِف يَقُول من نطق عَن سرك وَأَنت سَاكِت
[ ١٣٠ ]
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الْجريرِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول مَا أَخذنَا التصوف عَن القيل والقال لَكِن عَن الْجُوع وَترك الدُّنْيَا وَقطع المألوفات والمستحسنات لِأَن التصوف هُوَ صفاء الْمُعَامَلَة مَعَ الله تَعَالَى وَأَصله التعزف عَن الدُّنْيَا كَمَا قَالَ حَارِث عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فأسهرت ليلِي وَأَظْمَأت نهاري
سَمِعت نصر بن أبي نصر الْعَطَّار يَقُول سَمِعت أَحْمد بن الْعَلَاء يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الملاعقي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول إِنَّمَا هَذَا الِاسْم يَعْنِي التصوف نعت أقيم العَبْد فِيهِ فَقلت يَا سَيِّدي نعت للْعَبد أم نعت للحق فَقَالَ نعت للحق حَقِيقَة ونعت للْعَبد رسما
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الْأنمَاطِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول إِنَّك لن تكون لَهُ على الْحَقِيقَة عبدا وَشَيْء مِمَّا دونه لَك مسترق وَإنَّك لن تصل إِلَى صَرِيح الْحُرِّيَّة وَعَلَيْك من حَقِيقَة عبوديته بَقِيَّة فَإِذا كنت لَهُ وَحده عبدا كنت مِمَّا دونه حرا
سَمِعت أَبَا بكر يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الْجريرِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول لرجل ذكر الْمعرفَة فَقَالَ أهل الْمعرفَة بِاللَّه يصلونَ إِلَى ترك الحركات من بَاب الْبر والتقرب إِلَى الله تَعَالَى فَقَالَ الْجُنَيْد إِن هَذَا قَول قوم تكلمُوا بِإِسْقَاط الْأَعْمَال وَهَذِه عِنْدِي عَظِيمَة وَالَّذِي يسرق ويزني أحسن حَالا من الَّذِي يَقُول هَذَا وَإِن العارفين بِاللَّه أخذُوا الْأَعْمَال عَن الله وَإِلَيْهِ رجعُوا فِيهَا وَلَو بقيت ألف عَام لم أنقص من أَعمال الْبر ذرة إِلَّا أَن يُحَال بِي دونهَا وَإنَّهُ لأوكد فِي معرفتي وَأقوى فِي حَالي
[ ١٣١ ]
سَمِعت أَبَا الْحسن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا إِسْحَاق الدينَوَرِي يَقُول سُئِلَ الْجُنَيْد من الْعَارِف فَقَالَ من لم يأسره لحظه وَلَا لَفظه
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الْغَفْلَة عَن الله تَعَالَى أَشد من دُخُول النَّار
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن الخشاب يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول إِن أمكنك أَلا تكون آلَة بَيْتك إِلَى خزفا فافعل وَكَذَلِكَ كَانَت آلَة بَيته
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الطّرق كلهَا مسدودة على الْخلق إِلَّا من اقتفى أثر الرَّسُول ﷺ وَاتبع سنته وَلزِمَ طَرِيقَته فَإِن طرق الْخيرَات كلهَا مَفْتُوحَة عَلَيْهِ
سَمِعت الْحُسَيْن بن يحيى يَقُول سَمِعت جعفرا يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول حَاجَة العارفين إِلَى كلائته ورعايته قَالَ تَعَالَى ﴿قل من يكلؤكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار من الرَّحْمَن﴾ (الْأَنْبِيَاء ٤٢)
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد نجح قَضَاء كل حَاجَة من الدُّنْيَا تَركهَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ الْجُنَيْد إِذا لقِيت الْفَقِير فَلَا تبدأه بِالْعلمِ وابدأه بالرفق فَإِن الْعلم يوحشه والرفق يؤنسه
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الفرغاني يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول للشبلي يَا ابا بكر إِذا وجدت من يوافقك على كلمة مِمَّا تَقول فتمسك بِهِ
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يذكر عَن خَاله
[ ١٣٢ ]
أبي عَليّ عَن الْجُنَيْد أَنه قَالَ لَا تقوم بِمَا عَلَيْك حَتَّى تتْرك مَا لَك وَلَا يقوى على ذَلِك إِلَّا نَبِي أَو صديق
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الْأنس بالمواعيد والتعويل عَلَيْهَا خلل فِي الشجَاعَة
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الْوَقْت إِذا فَاتَ لَا يسْتَدرك وَلَيْسَ شَيْء أعز من الْوَقْت
سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْقزْوِينِي يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب العكي يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول فتح كل بَاب شرِيف بذل المجهود
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الْأنمَاطِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول لَو أقبل صَادِق على الله ألف ألف سنة ثمَّ أعرض عَنهُ لَحْظَة كَانَ مَا فَاتَهُ أَكثر مِمَّا ناله
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول أَكثر النَّاس علما بالأوقات أَكْثَرهم آفَات
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد لرجل سَأَلَهُ من أصحب فَقَالَ من تقدر أَن تطلعه على مَا يُعلمهُ الله مِنْك
قَالَ وَقيل لَهُ مرّة أُخْرَى من أصحب فَقَالَ من يقدر أَن ينسى مَا لَهُ وَيَقْضِي مَا عَلَيْهِ
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الْحيَاء من الله ﷿ أَزَال عَن قُلُوب أوليائه سرُور الْمِنَّة
[ ١٣٣ ]
سَمِعت أَحْمد بن نصر بن عبد الله بن الْفَتْح الذِّرَاع بالنهروان قَالَ سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول مقَام الْغَرِيب بِبَغْدَاد بعد خَمْسَة أَيَّام فضول
وَسمعت أَحْمد يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول من نظر إِلَى ولي من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى فَقبله وأكرمه أكْرمه الله على رُءُوس الأشهاد
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الرِّضَا ثَانِي دَرَجَات الْمعرفَة فَمن رَضِي صحت مَعْرفَته بِاللَّه بدوام رِضَاهُ عَنهُ
سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول رَأَيْت الْجُنَيْد فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ أَلَيْسَ كَلَام الْأَنْبِيَاء إشارات عَن مشاهدات فَتَبَسَّمَ وَقَالَ كَلَام الْأَنْبِيَاء نبأ عَن حُضُور وَكَلَام الصديقين إشارات عَن مشاهدات
سَمِعت أَبَا الْحسن يَقُول سَمِعت جعفرا يَقُول كتب الْجُنَيْد إِلَى بعض إخوانه يَقُول من أَشَارَ إِلَى الله وَسكن إِلَى غَيره ابتلاه الله تَعَالَى وحجب ذكره عَن قلبه وأجراه على لِسَانه فَإِن انتبه وَانْقطع مِمَّن سكن إِلَيْهِ كشف الله مَا بِهِ من المحن والبلوى وَإِن دَامَ على سكونه نزع الله تَعَالَى من قُلُوب الْخلق الرَّحْمَة عَلَيْهِ وألبس لِبَاس الطمع فتزداد مُطَالبَته مِنْهُم مَعَ فقدان الرَّحْمَة من قُلُوبهم فَتَصِير حَيَاته عَجزا وَمَوته كمدا ومعاده أسفا وَنحن نَعُوذ بِاللَّه من السّكُون إِلَى غير الله
[ ١٣٤ ]
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد قد مَشى رجال بِالْيَقِينِ على المَاء وَمن مَاتَ على الْعَطش أفضل مِنْهُم يَقِينا
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد من عرف الله لَا يسر إِلَّا بِهِ
سَمِعت أَبَا عَليّ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْبَزَّاز يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الزجاجي يَقُول سَأَلت الْجُنَيْد عَن الْمحبَّة فَقَالَ تُرِيدُ الْإِشَارَة قلت لَا قَالَ تُرِيدُ الدَّعْوَى قلت لَا قَالَ فأيش تُرِيدُ قلت عين الْمحبَّة فَقَالَ أَن تحب مَا يحب الله تَعَالَى فِي عباده وَتكره مَا يكره الله تَعَالَى فِي عباده
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الْأنمَاطِي يَقُول وَقَالَ رجل للجنيد على مَاذَا يتأسف الْمُحب من أوقاته قَالَ على زمَان بسط أورث قبضا أَو زمَان أنس أورث وَحْشَة ثمَّ أنشأ يَقُول
(قد كَانَ لي مشرب يصفو برؤيتكم فكدرته يَد الْأَيَّام حِين صفا)
٢٢ - وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن النوري واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد وَقيل مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد وَأحمد أصح
بغدادي المنشأ والمولد خراساني الأَصْل يعرف بِابْن الْبَغَوِيّ
سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن بن خَالِد يَقُول سَمِعت ابْن الْأَعرَابِي يَقُول كَانَ أَبُو الْحُسَيْن النوري خراساني الأَصْل من قَرْيَة بَين هراة ومرو الروذ يُقَال لَهَا بغشور لذَلِك كَانَ يعرف بِابْن الْبَغَوِيّ
[ ١٣٥ ]
وَكَانَ من أجل مَشَايِخ الْقَوْم وعلمائهم لم يكن فِي وقته أحسن طَريقَة مِنْهُ وَلَا ألطف كلَاما
صحب سريا السَّقطِي وَمُحَمّد بن عَليّ القصاب وَرَأى أَحْمد بن أبي الْحوَاري توفّي سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ كَذَلِك سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله ابْن عبد الْعَزِيز الطَّبَرِيّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الرَّحِيم يَقُول ذَلِك وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحِيم بن عَليّ الْبَزَّاز الْحَافِظ بِبَغْدَاد قَالَ حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر بن الْفضل حَدثنَا مُحَمَّد بن عِيسَى الدهْقَان قَالَ كنت أَمْشِي مَعَ أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْبَغَوِيّ الصُّوفِي فَقلت لَهُ مَا الَّذِي تحفظ عَن سري السَّقطِي فَقَالَ حَدثنَا السّري عَن مَعْرُوف الْكَرْخِي عَن ابْن السماك عَن الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من قضى لِأَخِيهِ الْمُسلم حَاجَة كَانَ لَهُ من الْأجر كمن خدم الله عمره)
قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى الدهْقَان فَذَهَبت إِلَى سري السَّقطِي فَسَأَلته عَنهُ فَقَالَ سَمِعت مَعْرُوف بن فَيْرُوز الْكَرْخِي يَقُول خرجت من الْكُوفَة فَرَأَيْت رجلا من الزهاد يُقَال لَهُ ابْن السماك فتذاكرنا الْعلم فَقَالَ حَدثنِي الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش مثله
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد يُقَال قَالَ النوري الْجمع بِالْحَقِّ تَفْرِقَة عَن غَيره والتفرقة عَن غَيره جمع بِهِ
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الرَّحِيم يَقُول سَمِعت النوري يَقُول التصوف ترك كل حَظّ للنَّفس
[ ١٣٦ ]
قَالَ وَسمعت النوري يَقُول من وصل إِلَى وده انس بِقُرْبِهِ وَمن توسل بالوداد فقد اصطفاه من بَين الْعباد
أَنْشدني مَنْصُور بن عبد الله قَالَ سَمِعت الفرغاني ينشد لأبي الْحُسَيْن النوري
(كم حسرة لي قد غصت مرارتها جعلت قلبِي لَهَا وَقفا لبلواكا)
(وَحقّ مَا مِنْك يبليني ويتلفني لأبكينك أَو أحظى بلقياكا)
قَالَ وَسُئِلَ النوري عَن الحبيب والخليل فَقَالَ لَيْسَ من طُولِبَ بِالتَّسْلِيمِ كمن بَادر بِالتَّسْلِيمِ
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت القناد يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن النوري يَقُول رَأَيْت غُلَاما جميلا بِبَغْدَاد فَنَظَرت إِلَيْهِ ثمَّ أردْت أَن أردد النّظر فَقلت لَهُ تلبسُونَ النِّعَال الصرارة وتمشون فِي الطرقات قَالَ أَحْسَنت أتجمش بِالْعلمِ ثمَّ أنشأ يَقُول
(تَأمل بِعَين الْحق إِن كنت نَاظرا إِلَى صفة فِيهَا بَدَائِع فاطر)
(وَلَا تعط حَظّ النَّفس مِنْهَا لما بهَا وَكن نَاظرا بِالْحَقِّ قدرَة قَادر)
قَالَ وَسُئِلَ النوري عَن التصوف فَقَالَ لَيْسَ التصوف رسوما وَلَا علوما وَلكنهَا أَخْلَاق
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت عليا الْفَتى يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن النوري يَقُول أهل الدّيانَة موقوفون وَأهل التَّوْحِيد يَسِيرُونَ وَأهل الرِّضَا يستروحون وَأهل الِانْقِطَاع يتحيرون ثمَّ قَالَ إِن الْحق إِذا ظهر تلاشى كل مَا حجب وَستر
[ ١٣٧ ]
سَمِعت نصر بن أبي نصر الْعَطَّار يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الله الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت فَارِسًا الْحمال يَقُول لحق أَبَا الْحُسَيْن النوري عِلّة والجنيد عِلّة فالجنيد أخبر عَن وجده والنوري كتم فَقيل لَهُ لم لم تخبر كَمَا أخبر صَاحبك فَقَالَ مَا كُنَّا لنبتلى ببلوى فتوقع عَلَيْهِ اسْم الشكوى ثمَّ أنشأ يَقُول
(إِن كنت للسقم أَهلا فَأَنت للشكر أَهلا)
(عذب فَلم يبْق قلب يَقُول للسقم مهلا)
فأعيد ذَلِك على الْجُنَيْد فَقَالَ مَا كُنَّا شاكين وَلَكِن أردنَا أَن نكشف عَن عين الْقُدْرَة فِينَا ثمَّ بَدَأَ يَقُول
(أجل مَا مِنْك يَبْدُو لِأَنَّهُ عَنْك جلا)
(وَأَنت يَا أنس قلبِي أجل من أَن تجلا)
(أفنيتني عَن جميعي فَكيف أرعى المحلا)
قَالَ فَبلغ ذَلِك الشبلي فَبَدَأَ يَقُول
(محنتي فِيك أَنِّي لَا أُبَالِي بمحنتي)
(يَا شفائي من السقام وَإِن كنت علتي)
(تبت دهرا فمذ عرفتك ضيعت تَوْبَتِي)
(قربكم مثل بعدكم فَمَتَى وَقت راحتي)
[ ١٣٨ ]
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن فاتك يَقُول سَمِعت النوري يَقُول مقامات أهل النّظر فِي النّظر شَتَّى فَمنهمْ من كَانَ نظره نظر التسلي وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر استفادة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر عيان المكاشفة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر المنافسة فِي الْمُشَاهدَة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر المشاكلة والمماثلة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر طيبَة وملاحظة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر إشراف ومطالعة وكل وَاحِد مِنْهُم أهل النّظر
قَالَ وَقَالَ النوري أعز الْأَشْيَاء فِي زَمَاننَا شَيْئَانِ عَالم يعْمل بِعِلْمِهِ وعارف ينْطق عَن حَقِيقَته
قَالَ وَقَالَ النوري من عقل الْأَشْيَاء بِاللَّه فرجوعه فِي كل شَيْء إِلَى الله
قَالَ وَسُئِلَ النوري عَن الْفَقِير الصَّادِق فَقَالَ الَّذِي لَا يتهم الله تَعَالَى فِي الْأَسْبَاب ويسكن إِلَيْهِ فِي كل حَال
قَالَ وأنشدنا النوري
(وَكم رمت أمرا خرت لي فِي انْصِرَافه فَلَا زلت بِي مني أبر وأرحما)
(عزمت على أَلا أحس بخاطر على الْقلب إِلَّا كنت أَنْت المقدما)
(وَألا تراني عِنْد مَا قد كرهته لِأَنَّك فِي قلبِي كَبِيرا مُعظما)
قَالَ وأحضر النوري مَجْلِسا للسُّلْطَان فَقَالَ لَهُ من أَيْن تَأْكُلُونَ فَقَالَ لسنا نَعْرِف الْأَسْبَاب الَّتِي تستجلب بهَا الأرزاق نَحن قوم مدبرون
[ ١٣٩ ]
٢٣ - وَمِنْهُم أَبُو عُثْمَان سعيد بن إِسْمَاعِيل بن سعيد بن مَنْصُور الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي
وَأَصله من الرّيّ صحب قَدِيما يحيى بن معَاذ الرَّازِيّ وشاه بن شُجَاع الْكرْمَانِي ثمَّ رَحل إِلَى نيسابور إِلَى أبي حَفْص وَصَحبه وَأخذ عَنهُ طَرِيقَته
وَهُوَ فِي وقته من أوحد الْمَشَايِخ فِي سيرته وَمِنْه انْتَشَر طَريقَة التصوف بنيسابور
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ يَقُول لقِيت الْجُنَيْد ورويما ويوسف بن الْحُسَيْن وَمُحَمّد بن الْفضل وَأَبا عَليّ الْجوزجَاني وَغَيرهم من الْمَشَايِخ فَلم أر أحدا أعرف بِالطَّرِيقِ إِلَى الله ﷿ من أبي عُثْمَان
مَاتَ أَبُو عُثْمَان بنيسابور سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَكَذَلِكَ سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان يذكر ذَلِك وَقَالَ صليت عَلَيْهِ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا سعيد بن عبد الله بن سعيد بن إِسْمَاعِيل قَالَ وجدت فِي كتاب جدي أبي عُثْمَان بِخَط يَده حَدثنِي أَبُو صَالح حمدون الْقصار صاحبنا قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عَبْثَر عَن أَشْعَث عَن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من
[ ١٤٠ ]
مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم شهر رَمَضَان أطْعم عَنهُ وليه كل يَوْم مِسْكينا) وَرَأَيْت أَنا هَذَا الحَدِيث بِخَط أبي عُثْمَان فِي كِتَابه
سَمِعت أَبَا عَمْرو بن حمدَان يَقُول وجدت فِي كتاب أبي سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول أصل الْعَدَاوَة من ثَلَاثَة أَشْيَاء من الطمع فِي المَال والطمع فِي إكرام النَّاس والطمع فِي قبُول النَّاس
قَالَ وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول لَا يكمل الرجل حَتَّى يَسْتَوِي قلبه فِي أَرْبَعَة اشياء فِي الْمَنْع وَالعطَاء والعز والذل
قَالَ وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول صَلَاح الْقلب فِي ارْبَعْ خِصَال فِي التَّوَاضُع لله والفقر إِلَى الله وَالْخَوْف من الله والرجاء فِي الله
قَالَ وسمعته يَقُول الْمُوفق من لَا يخَاف غير الله وَلَا يَرْجُو غَيره فيؤثر رِضَاهُ على هوى نَفسه
قَالَ وسمعته يَقُول الْعجب يتَوَلَّد من رُؤْيَة النَّفس وَذكرهَا ورؤية الْخلق وَذكرهمْ
قَالَ وَوجدت بِخَط أبي قلت لأبي عُثْمَان كنت أجد فِي قلبِي حلاوة عِنْد إقبال اللَّيْل وَأَنا لَا أَجدهَا السَّاعَة فَقَالَ لَعَلَّك سررت بِشَيْء من الدُّنْيَا فَذَهَبت بحلاوة ذَلِك من قَلْبك وَرُبمَا يعرفك الله ضعفك ويريك قدرك فيلبسك حلاوة مُنَاجَاة اللَّيْل حَتَّى تتضرع إِلَيْهِ فَيردهُ عَلَيْك لِئَلَّا تأمن مكره
قَالَ وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الْخَوْف من الله يوصلك إِلَى الله وَالْكبر
[ ١٤١ ]
وَالْعجب فِي نَفسك يقطعك عَن الله واحتقار النَّاس فِي نَفسك مرض عَظِيم لَا يداوى
قَالَ وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول النَّاس على أَخْلَاقهم مَا لم يُخَالف هواهم فَإِذا خُولِفَ هواهم بَان ذَوُو الْأَخْلَاق الْكَرِيمَة من ذَوي الْأَخْلَاق اللئيمة
سَمِعت أَبَا عَمْرو بن مطر يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من جلّ مِقْدَاره فِي نَفسه جلّ أقدار النَّاس عِنْده وَمن صغر مِقْدَاره فِي نَفسه صغر أقدار النَّاس عِنْده
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن يُوسُف يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول تعززوا بعز الله كي لَا تذلوا
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان سرورك بالدنيا أذهب سرورك بِاللَّه من قَلْبك وخوفك من غَيره أذهب خوفك مِنْهُ عَن قَلْبك ورجاؤك من دونه أذهب رجاءك إِيَّاه من قَلْبك
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الْعَاقِل من تأهب للمخاوف قبل وُقُوعهَا
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان قطيعة الْفَاجِر غنم
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان حق لمن أعزه الله بالمعرفة أَلا يذله بالمعصية
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان كَانَ يُقَال الْأَدَب سَنَد الْفُقَرَاء وزين الْأَغْنِيَاء
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أوجب الله على نَفسه الْعَفو عَن الْمُقَصِّرِينَ من عباده لذَلِك قَالَ ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾ (الْأَنْعَام ٥٤)
[ ١٤٢ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الزّهْد فِي الْحَرَام فَرِيضَة وَفِي الْمُبَاح فَضِيلَة وَفِي الْحَلَال قربَة
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان التَّفْوِيض رد مَا جهلت علمه إِلَى عالمه والتفويض مُقَدّمَة الرِّضَا وَالرِّضَا بَاب الله الْأَعْظَم
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الصَّبْر على الطَّاعَة حَتَّى لَا تفوتك الطَّاعَة وَالصَّبْر عَن الْمعْصِيَة حَتَّى تنجو من الْإِصْرَار على الْمعْصِيَة
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الفراسة ظن وَافق الصَّوَاب وَالظَّن يُخطئ ويصيب فَإِذا تحقق فِي الفراسة تحقق فِي حكمهَا لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك يحكم بِنور الله تَعَالَى لَا بِنَفسِهِ
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أصل التَّعَلُّق بالخيرات قصر الأمل
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أَنْت فِي سجن مَا تبِعت مرادك وشهواتك فَإِذا فوضت وسلمت استرحت
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الذّكر الْكثير أَن تذكره فِي ذكرك لَهُ إِنَّك لم تصل إِلَى ذكره إِلَّا بِهِ وبفضله
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْوراق يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان وَسُئِلَ كَيفَ يستجيز للعاقل أَن يزِيل اللائمة عَمَّن يَظْلمه فَقَالَ ليعلم أَن الله سلطه عَلَيْهِ
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أصحب الْأَغْنِيَاء بالتعزز والفقراء بالتذلل فَإِن التعزز على الْأَغْنِيَاء تواضع والتذلل للْفُقَرَاء شرف
[ ١٤٣ ]
سَمِعت مَحْفُوظًا يَقُول سَأَلت أَبَا عُثْمَان عَن قَول النَّبِي ﷺ (أعوذ بك مِنْك) فَقَالَ اسْتعْمل الصدْق فِي اللفظتين المتقدمتين يبلغ فهمك إِلَى هَذِه الْكَلِمَة وَهُوَ قَوْله أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عُقُوبَتك
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَان مَا عَلامَة السَّعَادَة والشقاوة فَقَالَ عَلامَة السَّعَادَة أَن تطيع الله وَتخَاف أَن تكون مردودا وعلامة الشقاوة أَن تَعْصِي الله وترجو أَن تكون مَقْبُولًا
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان من صحب نَفسه صَحبه الْعجب وَمن صحب أَوْلِيَاء الله وفْق للوصول إِلَى الطَّرِيق إِلَى الله
٢٤ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله بن الْجلاء واسْمه أَحْمد بن يحيى وَيُقَال مُحَمَّد بن يحيى وَأحمد أصح
كَانَ أَصله من بَغْدَاد أَقَامَ بالرملة ودمشق وَكَانَ من جلة مَشَايِخ الشَّام
[ ١٤٤ ]
صحب أَبَاهُ يحيى الْجلاء وَأَبا تُرَاب النخشبي وَذَا النُّون الْمصْرِيّ وَأَبا عبيد البسري وَكَانَ أستاذ مُحَمَّد بن دَاوُد الدقي
وَكَانَ عَالما ورعا سَمِعت جدي إِسْمَاعِيل بن نجيد يَقُول كَانَ يُقَال إِن فِي الدُّنْيَا ثَلَاثَة من أَئِمَّة الصُّوفِيَّة لَا رَابِع لَهُم الْجُنَيْد بِبَغْدَاد وَأَبُو عُثْمَان بنيسابور وَأَبُو عبد الله بن الْجلاء بِالشَّام
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الدِّمَشْقِي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله بن الْجلاء يَقُول الْحق استصحب أَقْوَامًا للْكَلَام وأقواما للخلة فَمن استصحبه الْحق لِمَعْنى ابتلاه بأنواع المحن فليحذر أحدكُم طلب رُتْبَة الأكابر
وبإسناده قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول من بلغ بِنَفسِهِ إِلَى رُتْبَة سقط عَنْهَا وَمن بلغ بِهِ ثَبت عَلَيْهَا
وبإسناده قَالَ وَقد سَأَلَهُ رجل على أَي شَرط أصحب الْخلق فَقَالَ إِن لم تبرهم فَلَا تؤذهم وَإِن لم تسرهم فَلَا تسؤهم
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله لَا تضيعن حق أَخِيك اتكالا على مَا بَيْنك وَبَينه من الْمَوَدَّة والصداقة فَإِن الله تَعَالَى فرض لكل مُؤمن حقوقا لَا يضيعها إِلَّا من لم يراع حُقُوق الله عَلَيْهِ
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو عبد الله كَيفَ تكون ليَالِي الأحباب فَأَنْشَأَ يَقُول
(من لم يبت وَالْحب حَشْو فُؤَاده لم يدر كَيفَ تفتت الأكباد)
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الْعَبَّاس بن عِصَام يَقُول
[ ١٤٥ ]
سَمِعت أَبَا عبد الله بن الْجلاء يَقُول يحْتَاج أَن يكون للْعَبد شَيْء يعرف بِهِ كل شَيْء
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من اسْتَوَى عِنْده الْمَدْح والذم فَهُوَ زاهد وَمن حَافظ على الْفَرَائِض فِي أول مواقيتها فَهُوَ عَابِد وَمن رأى الْأَفْعَال كلهَا من الله ﷿ فَهُوَ موحد
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَليّ يَقُول قَالَ رجل لأبي عبد الله مَا تَقول فِي الرجل يدْخل الْبَادِيَة بِلَا زَاد فَقَالَ هَذَا من فعل رجال الله ﷿ قَالَ فَإِن مَاتَ قَالَ الدِّيَة على الْقَاتِل
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله اهتمامك بالرزق يزيلك عَن الْحق ويفقرك إِلَى الْخلق
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله كل حق يُشَارِكهُ بَاطِل فقد خرج من قسْمَة الْحق إِلَى قسْمَة الْبَاطِل فَإِن الْحق غيور
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من غيرَة الْحق أَن لم يَجْعَل لأحد إِلَيْهِ طَرِيقا وَلم يؤيس أحدا من الْوُصُول إِلَيْهِ وَترك الْخلق فِي مفاوز التحير يركضون وَفِي بحار الظَّن يغرقون فَمن ظن أَنه وَاصل فاصله وَمن ظن أَنه فاصل مناه فَلَا وُصُول إِلَيْهِ وَلَا مهرب عَنهُ وَلَا بُد مِنْهُ
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله الدُّنْيَا أوسع رقْعَة وَأكْثر زحمة من أَن يجفوك
[ ١٤٦ ]
وَاحِد فَلَا يرغب فِيك آخر وَأنْشد
(تلقى بِكُل بِلَاد إِن حللت بهَا أَهلا بِأَهْل وجيرانا بجيران)
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو عبد الله عَن الْحق فَقَالَ إِذا كَانَ الْحق وَاحِدًا يجب أَن يكون وحداني الذَّات
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله سمت همم العارفين إِلَى مَوْلَاهُم فَلم تعكف على شَيْء سواهُ وسمت همم المريدين إِلَى طلب الطَّرِيق إِلَيْهِ فأفنوا نُفُوسهم فِي الطّلب
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من علت همته على الأكوان وصل إِلَى مكونها وَمن وقف بهمته على شَيْء سوى الْحق فَاتَهُ الْحق لِأَنَّهُ أعز من أَن يرضى مَعَه بِشريك
٢٥ - وَمِنْهُم رُوَيْم بن أَحْمد بن يزِيد كنيته أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال رُوَيْم ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد وَالْأول أصح
وَهُوَ من أهل بَغْدَاد من جلة مشايخهم وجده رُوَيْم بن يزِيد حدث عَن لَيْث بن سعد وَغَيره وَقيل كنيته أَبُو بكر
[ ١٤٧ ]
وَكَانَ فَقِيها على مَذْهَب دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ وَكَانَ مقرئا فَقَرَأَ على إِدْرِيس ابْن عبد الْكَرِيم الْحداد مَاتَ سنة ثَلَاث وثلاثمائة
وَوجدت بِخَط قديم حَدِيثا مُسْندًا وَلم أسمعهُ من أحد وَفِيه مَكْتُوب
حدثت عَن رُوَيْم بن أَحْمد الصُّوفِي بِبَغْدَاد قَالَ حَدثنَا يزِيد بن سِنَان الْبَصْرِيّ حَدثنَا صَفْوَان بن عِيسَى حَدثنَا سُوَيْد أَبُو حَاتِم عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك أَن رجلا لعن برغوثا عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ النَّبِي (لَا تلعنه فَإِنَّهُ أيقظ نَبيا من الْأَنْبِيَاء للصَّلَاة)
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن شَاذان يَقُول سَمِعت رويما وَسُئِلَ عَن أدب الْمُسَافِر يَقُول لَا يُجَاوز همه قدمه وحيثما وقف قلبه يكون منزله
وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول سَمِعت رُوَيْم بن أَحْمد يَقُول لَا يزَال الصُّوفِيَّة بِخَير مَا تنافروا فَإِن اصْطَلحُوا هَلَكُوا
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم بن أَحْمد من حكم الْحَكِيم أَن يُوسع على إخوانه فِي الْأَحْكَام ويضيق على نَفسه فِيهَا فَإِن التَّوسعَة عَلَيْهِم اتِّبَاع الْعلم والتضييق على نَفسه من حكم الْوَرع
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم إِن الله تَعَالَى غيب أَشْيَاء فِي أَشْيَاء غيب مكره فِي حلمه وغيب خداعه فِي لطفه وغيب عِقَابه فِي كرامته
[ ١٤٨ ]
قَالَ وَقيل لَهُ هَل ينفع الْوَلَد صَلَاح الْوَالِدين فَقَالَ من لم يكن بِنَفسِهِ لَا يكون بِغَيْرِهِ بل من لم يكن بربه لَا يكون بِنَفسِهِ وَأنْشد لِابْنِ الرُّومِي
(إِذا الْعود لم يُثمر وَإِن كَانَ شُعْبَة من المثمرات اعتده النَّاس فِي الْحَطب)
قَالَ وَسُئِلَ رُوَيْم عَن الشاطر فَقَالَ من شطرت نَفسه عَن الْبَاطِل
قَالَ وَسُئِلَ رُوَيْم عَن حَقِيقَة الْفقر فَقَالَ أَخذ الشَّيْء من جِهَته وَاخْتِيَار الْقَلِيل على الْكثير عِنْد الْحَاجة
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم قعودك مَعَ كل طبقَة من النَّاس أسلم من قعودك مَعَ الصُّوفِيَّة فَإِن كل الْخلق قعدوا على الرسوم وَقَعَدت هَذِه الطَّائِفَة على الْحَقَائِق وطالب الْخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشَّرْع وطالبوا هم أنفسهم بِحَقِيقَة الْوَرع ومداومة الصدْق فَمن قعد مَعَهم وَخَالفهُم فِي شَيْء مِمَّا يتحققون فِيهِ نزع الله نور الْإِيمَان من قلبه
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم لما عظمت فيهم البلية استحكمت عَلَيْهِم الْفِتْنَة واستصغروا عِنْد ذَلِك كل مقَام وعزب عَنْهُم التَّدْبِير والنظام
سَمِعت الْحُسَيْن بن يحيى الشَّافِعِي يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد الْخَواص يَقُول سَمِعت رويما يَقُول الْإِخْلَاص ارْتِفَاع رؤيتك من الْفِعْل
قَالَ وَسُئِلَ رُوَيْم عَن الفتوة فَقَالَ أَن تعذر إخوانك فِي زلاتهم وَلَا تعاملهم بِمَا تحْتَاج أَن تعتذر مِنْهُ
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن خَفِيف يَقُول سَأَلت رُوَيْم بن أَحْمد فَقلت لَهُ أوصني فَقَالَ أقل مَا فِي هَذَا الْأَمر بذل الرّوح
[ ١٤٩ ]
فَإِن أمكنك الدُّخُول مَعَ هَذَا فِيهِ وَإِلَّا فَلَا تشتغل بترهات الصُّوفِيَّة
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن فاتك يَقُول قَالَ رُوَيْم الصَّبْر ترك الشكوى
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم الرِّضَا استلذاذ الْبلوى
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم الْيَقِين هُوَ الْمُشَاهدَة
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم يُعَاتب الْخلق بالإرفاق ويعاتب الْمُحب بالغلظة وَأنْشد لغيره
(لَو كنت عاتبة لسكن عبرتي أمْلى رضاك وزرت غير مراقب)
(لَكِن مللت فَلم تكن لي حِيلَة صد الملول خلاف صد العاتب)
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم التَّوَكُّل إِسْقَاط رُؤْيَة الوسائط والتعلق بِأَعْلَى العلائق
قَالَ وَسُئِلَ عَن الْمحبَّة فَقَالَ الْمُوَافقَة فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأنْشد
(وَلَو قلت لي مت مت سمعا وَطَاعَة وَقلت لداعي الْمَوْت أَهلا ومرحبا)
[ ١٥٠ ]
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم الْأنس أَن تستوحش مِمَّا سوى محبوبك
قَالَ وَقيل لَهُ كَيفَ حالك فَقَالَ كَيفَ يكون حَال من دينه هَوَاهُ وهمته شقاه لَيْسَ بِصَالح تَقِيّ وَلَا عَارِف نقي
قَالَ وَقَالَ رُوَيْم من أحب لعوض بغض الْعِوَض إِلَيْهِ محبوبه
قَالَ وَسُئِلَ رُوَيْم عَن الشوق فَقَالَ أَن تشوقه آثَار المحبوب وتفنيه مشاهدته
٢٦ - وَمِنْهُم يُوسُف بن الْحُسَيْن أَبُو يَعْقُوب الرَّازِيّ
شيخ الرّيّ وَالْجِبَال فِي وقته كَانَ أوحد فِي طَرِيقَته فِي إِسْقَاط الجاه وَترك التصنع وَاسْتِعْمَال الْإِخْلَاص
صحب ذَا النُّون الْمصْرِيّ وَأَبا تُرَاب النخشبي ورافق أَبَا سعيد الخراز فِي بعض أَسْفَاره وَكَانَ عَالما دينا
سَمِعت عبد الله بن عَطاء يَقُول مَاتَ يُوسُف سنة أَربع وثلاثمائة وروى الحَدِيث
[ ١٥١ ]
حَدثنَا أَبُو نصر عبد الله بن عَليّ الطوسي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الرَّاوِي يَقُول سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول حَدثنِي بعض رُفَقَائِي عَن أبي بكر بن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ عَن أَبِيه عَن سُوَيْد بن سعيد عَن عَليّ بن مسْهر عَن أبي يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من عشق فعف وكتم ثمَّ مَاتَ فَهُوَ شَهِيد)
وَأخْبرنَا عبد الله قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا يُوسُف حَدثنَا عبد الله بن حَاضر حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا روح عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ)
سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول علم الْقَوْم بِأَن الله يراهم فاستحيوا من نظره أَن يراعوا شَيْئا سواهُ
قَالَ وَقَالَ يُوسُف من ذكر الله بِحَقِيقَة ذكره نسى ذكر غَيره وَمن نسى ذكر كل شَيْء فِي ذكره حفظ عَلَيْهِ كل شَيْء إِذْ كَانَ الله لَهُ عوضا من كل شَيْء
قَالَ وَقَالَ رجل ليوسف دلَّنِي على طَرِيق الْمعرفَة فَقَالَ أر الله الصدْق
[ ١٥٢ ]
مِنْك فِي جَمِيع أحوالك بعد أَن تكون مُوَافقا للحق وَلَا ترق إِلَى حَيْثُ لم يرق بك فتزل قدمك فَإنَّك إِذا رقيت سَقَطت وَإِذا رقي بك لم تسْقط وَإِيَّاك أَن تتْرك الْيَقِين لما ترجوه ظنا
قَالَ وَقَالَ يُوسُف إِذا رَأَيْت الله قد أقامك لطلب شَيْء وَهُوَ يمنعك ذَلِك فَاعْلَم أَنَّك معذب
قَالَ وَسُئِلَ يُوسُف بِمَاذَا يقطع الطَّرِيق إِلَى الله قَالَ بِهِ وبخطاب كراماته ولطائف جذبه إِلَى ساحات توحيده ومروج كراماته
قَالَ وَقَالَ يُوسُف يتَوَلَّد الْإِعْجَاب بِالْعَمَلِ من نِسْيَان رُؤْيَة الْمِنَّة فِيمَا يجْرِي الله لَك من الطَّاعَات
قَالَ وَقَالَ يُوسُف خفَّة الْمعدة من الشَّهَوَات والفضول قُوَّة على الْعِبَادَة
قَالَ وَسُئِلَ يُوسُف عَن الْفَقِير الصَّادِق فَقَالَ من آثر وقته فَإِن كَانَ فِيهِ تطلع إِلَى وَقت ثَان لم يسْتَحق اسْم الْفقر
قَالَ وَقَالَ يُوسُف من تفتت عذاره وَانْقطع حزامه وساح فِي مفاوز المخاطرات تجرى عَلَيْهِ أَحْكَام السعايات وَهُوَ يَقُول فِي تيهه
(كَيفَ السَّبِيل إِلَى مرضاة من غَضبا من غير جرم وَلم أعرف لَهُ سَببا)
قَالَ وَقَالَ يُوسُف أَرغب النَّاس فِي الدُّنْيَا أَكْثَرهم ذما لَهَا عِنْد أبنائها لِأَن المذمة لَهَا حِرْفَة عِنْدهم
قَالَ وَقَالَ يُوسُف اصل الْعقل الصمت وباطن الْعقل كتمان السِّرّ وَظَاهر الْعقل الِاقْتِدَاء بِالسنةِ
[ ١٥٣ ]
قَالَ وَقَالَ يُوسُف كل مَا رَأَيْتُمُونِي أَفعلهُ فافعلوه إِلَّا صُحْبَة الْأَحْدَاث فَإِنَّهُم أفتن الْفِتَن
قَالَ وَقَالَ يُوسُف أذلّ النَّاس الْفَقِير الطموع والمحب لمحبوبه
قَالَ وَقَالَ يُوسُف الْخَيْر كُله فِي بَيت ومفتاحه التَّوَاضُع وَالشَّر كُله فِي بَيت ومفتاحه التكبر وَمِمَّا يدلك على ذَلِك أَن آدم ﵇ تواضع فِي ذَنبه فنال الْعَفو والكرامة وَأَن إِبْلِيس تكبر فَلم يَنْفَعهُ مَعَه شَيْء
قَالَ وَقَالَ يُوسُف بالأدب تفهم الْعلم وبالعلم يَصح لَك الْعَمَل وبالعمل تنَال الْحِكْمَة وبالحكمة تفهم الزّهْد وتوفق لَهُ وبالزهد تتْرك الدُّنْيَا وبترك الدُّنْيَا ترغب فِي الْآخِرَة وبالرغبة فِي الْآخِرَة تنَال رضى الله
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول بَلغنِي أَن يُوسُف بن الْحُسَيْن كَانَ يَقُول إِذا أردْت أَن تعرف الْعَاقِل من الأحمق فحدثه بالمحال فَإِن قبل فَاعْلَم أَنه أَحمَق
قَالَ وَقَالَ يُوسُف إِن عين الْهوى عوراء
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول قَالَ يُوسُف بن الْحُسَيْن عارضني بعض النَّاس فِي كَلَام وَقَالَ لي لَا تستدرك مرادك من علمك إِلَّا أَن تتوب فَقلت مجيبا لَو أَن التَّوْبَة طرقت بَابي مَا أَذِنت لَهَا على أَنِّي أنجو بهَا من رَبِّي وَلَو أَن الصدْق وَالْإِخْلَاص كَانَا لي عَبْدَيْنِ لبعتهما زهدا مني فيهمَا لِأَنِّي إِن كنت عِنْد الله فِي علم الْغَيْب سعيدا مَقْبُولًا لم أَتَخَلَّف باقتراف الذُّنُوب والمآثم وَإِن كنت عِنْده شقيا مخذولا لم تسعدني تَوْبَتِي وإخلاصي وصدقي وَإِن الله خلقني إنْسَانا بِلَا عمل وَلَا شَفِيع كَانَ لي إِلَيْهِ وهداني لدينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لنَفسِهِ فَقَالَ ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾
[ ١٥٤ ]
) (آل عمرَان: ٨٥) فاعتمادي على فَضله وَكَرمه أولى بِي إِن كنت حرا عَاقِلا من اعتمادي على أفعالي المدخولة وصفاتي المعلولة لِأَن مُقَابلَة فَضله وَكَرمه بأفعالنا من قلَّة الْمعرفَة بالكريم المتفضل
قَالَ وَقَالَ يُوسُف لَوْلَا أَنِّي مستعبد بترك الذُّنُوب لأحببت أَن أَلْقَاهُ بذنوب الْعباد أجمع فَإِن هُوَ عذبني كَانَ أعذر لَهُ فِي عَذَابي مَعَ أَنه لَو عذب الْخلق جَمِيعًا كَانَ عدلا مِنْهُ وَإِن عَفا عني كَانَ أظهر لكرمه عِنْدهم فِي عفوي مَعَ أَنه لَو لم يعف عَن أحد من خلقه لَكَانَ ذَلِك مِنْهُ فضلا وكرما وَكَانَت لَهُ الْحجَّة الْبَالِغَة وَذَلِكَ أَن الْملك ملكه وَالسُّلْطَان سُلْطَانه والخلق مترددون بَين عدله وفضله بل الْكل كرم وإفضال فقد أحسن مَعَ الْكل حَيْثُ قَالَ ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ (غَافِر ٤٦) فَمن عَفا عَنهُ فبفضله وَمن عذبه فبعدله وَهُوَ إِلَى الْفضل أقرب ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢٣)
قَالَ وَقَالَ يُوسُف نظرت فِي آفَات الْخلق فَعرفت من أَيْن أَتَوا وَرَأَيْت آفَة الصُّوفِيَّة فِي صُحْبَة الْأَحْدَاث ومعاشرة الأضداد وأرفاق النسوان
قَالَ وَقَالَ يُوسُف عَاهَدت رَبِّي أَكثر من مائَة مرّة أَلا أصحب حَدثا ففسخها عَليّ حسن الخدود وقوام القدود وغنج الْعُيُون وَمَا سالني الله تَعَالَى مَعَهم عَن مَعْصِيّة وَأنْشد لصريع الغواني
(إِن ورد الخدود والحدق النجل وَمَا فِي الثغور من أقحوان)
(واعوجاج الأصداغ فِي ظَاهر الخد وَمَا فِي الصَّدْر من رمان)
(تَرَكتنِي بَين الغواني صَرِيعًا فَلهَذَا أدعى صريع الغواني)
[ ١٥٥ ]
قَالَ وَقَالَ يُوسُف فِي الدُّنْيَا طغيانان طغيان الْعلم وطغيان المَال فَالَّذِي ينجيك من طغيان الْعلم الْعِبَادَة وَالَّذِي ينجيك من طغيان المَال الزّهْد فِيهِ
قَالَ وَسُئِلَ يُوسُف عَن قَول النَّبِي ﷺ (أَرحْنَا بهَا يَا بِلَال) فَقَالَ مَعْنَاهُ أَرحْنَا بهَا من اشغال الدُّنْيَا وحديثها لِأَنَّهُ كَانَ ﷺ قُرَّة عينه فِي الصَّلَاة
٢٧ - وَمِنْهُم شاه الْكرْمَانِي وَهُوَ شاه بن شُجَاع أَبُو الفوارس
كَانَ من أَوْلَاد الْمُلُوك صحب أَبَا تُرَاب النخشبي وَأَبا عبد الله بن الذِّرَاع الْبَصْرِيّ وَأَبا عبيد البسري
وَكَانَ من أجلة الفتيان وعلماء هَذِه الطَّبَقَة وَله رسالات مَشْهُورَة والمثلثة الَّتِي سَمَّاهَا مرْآة الْحُكَمَاء
ورد نيسابور فِي زِيَارَة أبي حَفْص وَمَعَهُ أَبُو عُثْمَان الْحِيرِي وَمَات قبل الثلاثمائة وَيُقَال إِن أَصله من مرو
[ ١٥٦ ]
رَأَيْت بِخَط جدي أبي عَمْرو إِسْمَاعِيل بن نجيد قَالَ شاه بن شُجَاع الْكرْمَانِي شغل الْعَارِف بِثَلَاثَة أَشْيَاء بِالنّظرِ إِلَى معبوده مستأنسا بِهِ والملاحظة لمننه وفوائده شاكرا لَهُ والتذكر لذنبه معترفا بِهِ ومنيبا تَائِبًا إِلَيْهِ
قَالَ وَقَالَ شاه من صحبك ووافقك على مَا يحب وخالفك فِيمَا تكره فَإِنَّمَا يصحب هَوَاهُ وَمن صحب هَوَاهُ فَهُوَ طَالب رَاحَة الدُّنْيَا
قَالَ وَقَالَ شاه اعْمَلُوا الطَّاعَات أنزه مَا يكون وانظروا إِلَيْهَا أقذر مَا يكون
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الْأنْصَارِيّ باصطخر يَقُول سَمِعت شاه بن شُجَاع الْكرْمَانِي يَقُول لأهل الْفضل فضل مَا لم يروه فَإِذا رَأَوْهُ فَلَا فضل لَهُم وَلأَهل الْولَايَة ولَايَة مَا لم يروها فَإِذا رأوها فَلَا ولَايَة لَهُم
قَالَ وَقَالَ شاه الفتوة من طباع الْأَحْرَار واللوم من شيم الأنذال وَمَا تعبد متعبد بِأَكْثَرَ من التحبب إِلَى أَوْلِيَاء الله بِمَا يحبونَ
قَالَ وَقَالَ شاه محبَّة أَوْلِيَاء الله تَعَالَى دَلِيل على محبَّة الله ﷿
قَالَ وَقَالَ شاه الْإِعْرَاض عَن الْحق هُوَ السخط
قَالَ وَقَالَ شاه عَلامَة الركون إِلَى الْبَاطِل التَّقَرُّب من المبطلين
[ ١٥٧ ]
قَالَ وَقَالَ شاه من عرف ربه طمع فِي عَفوه وَرَجا فَضله
قَالَ وَقَالَ شاه عَلامَة الْحِكْمَة معرفَة أقدار النَّاس
قَالَ وَقَالَ شاه عَلامَة التَّقْوَى الْوَرع وعلامة الْوَرع الْوُقُوف عِنْد الشُّبُهَات وعلامة الْخَوْف الْحزن وعلامة الرخَاء حسن الطَّاعَة وعلامة الزّهْد قصر الأمل
قَالَ وَقَالَ شاه مَا أعجب عبد بِنَفسِهِ حَتَّى يكون محجوبا عَن ربه
قَالَ وَقَالَ شاه من عرف ربه نسي كل مَا دونه وَمن جهل ربه تعلق بِكُل شَيْء دونه وَمن اعتز بِالْعلمِ فَازَ وَمن اعتز بِالْجَهْلِ خَابَ وخسر
قَالَ وَقَالَ شاه الْجَاهِل فِي ظلمَة جَهله فَكيف يكون إِذا كَانَ الْعَالم فِي ظلمَة علمه وظلمة الْعلم أَشد
٢٨ - وَمِنْهُم سمنون بن حَمْزَة وَيُقَال سمنون بن عبد الله أَبُو الْحسن الْخَواص وَيُقَال كنيته أَبُو الْقَاسِم
سمى نَفسه سمنون الْكذَّاب لكتمه عسر الْبَوْل بِلَا تضرر صحب سريا
[ ١٥٨ ]
السَّقطِي وَمُحَمّد بن عَليّ القصاب وَأَبا أَحْمد القلانسي وسوس وَكَانَ يتَكَلَّم فِي الْمحبَّة بِأَحْسَن كَلَام وَهُوَ من كبار مَشَايِخ الْعرَاق مَاتَ بعد الْجُنَيْد
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن بن زرعان يَقُول كنت عِنْد سمنون فشهق شهقة ثمَّ قَالَ لَو صَاح إِنْسَان لشدَّة وجده بحبه لملأ مَا بَين الْخَافِقين صياحا
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر العجان يَقُول سَمِعت سمنون يَقُول إِذا بسط الْجَلِيل غَدا بِسَاط الْمجد دخل ذنُوب الْأَوَّلين والآخرين فِي حَاشِيَة من حَوَاشِيه وَإِذا أبدى عينا من عُيُون الْجُود ألحق الْمُسِيء بالمحسن
سَمِعت عَليّ بن سعيد الثغري يَقُول سَمِعت عَليّ بن إِبْرَاهِيم الثَّقَفِيّ يَقُول سَمِعت عمر بن رفيل يَقُول سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْهَاشِمِي يَقُول سَمِعت سمنون يَقُول كنت بِبَيْت الْمُقَدّس وَكَانَ برد شَدِيد وَعلي جُبَّة وَكسَاء وَأَنا أجد الْبرد والثلج يسْقط فَإِذا شب مار فِي الصحن عَلَيْهِ خرقتان فَقلت يَا
[ ١٥٩ ]
حَبِيبِي لَو استترت بِبَعْض هَذِه الأروقة فيكنك من الْبرد فَقَالَ لي يَا أخي سمنون
(وَيحسن ظَنِّي أنني فِي فنائه وَهل أحد فِي كنه يجد القرا)
سَمِعت عَليّ بن سعيد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول قَالَ إِبْرَاهِيم بن المولد قَالَ سمنون الْمُحب لَا يعبر عَن الشَّيْء إِلَّا بِمَا هُوَ أرق مِنْهُ وَلَا شَيْء أرق من الْمحبَّة فَبِمَ يعبر عَنْهَا
أَنْشدني أَبُو بكر الرَّازِيّ قَالَ أنشدي أَبُو بكر الْحَرْبِيّ قَالَ أَنْشدني سمنون
(أَنْت الحبيب الَّذِي لَا شكّ فِي خلدي مِنْهُ فَإِن فقدتك النَّفس لم تعش)
(يَا معطشي بوصال أَنْت واهبه هَل فِيك لي رَاحَة إِن صحت واعطشي)
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد زَكَرِيَّا يَقُول سَمِعت عَليّ بن الْحُسَيْن بن طفان يَقُول أَنْشدني بعض أَصْحَابنَا لسمنون
(أَمْسَى بخدي للدموع رسوم أسفا عَلَيْك وَفِي الْفُؤَاد كلوم)
(وَالصَّبْر يحسن فِي المصائب كلهَا إِلَّا عَلَيْك فَإِنَّهُ مَذْمُوم)
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب العكي يَقُول ذكر لي أَن سمنون كَانَ جَالِسا على شاطئ الدجلة وَبِيَدِهِ قضيب يضْرب بِهِ فَخذه حَتَّى بَان عظم فَخذه وَسَاقه وتبدد لَحْمه وَهُوَ يَقُول
[ ١٦٠ ]
(كَانَ لي قلب أعيش بِهِ ضَاعَ مني فِي تقلبه)
(رب فاردده عَليّ فقد ضَاقَ صَدْرِي فِي تطلبه)
(وأغث مَا دَامَ بِي رَمق يَا غياث المستغيث بِهِ)
أنشدنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز قَالَ أنشدنا أَبُو جَعْفَر الفرغاني قَالَ أَنْشدني سمنون
(يعاتبني فينبسط انقباضي وتسكن روعتي عِنْد العتاب)
(جرى فِي الْهوى مذ كنت طفْلا فَمَا لي قد كَبرت عَن التصابي)
وأنشدنا مُحَمَّد قَالَ أنشدنا أَبُو جَعْفَر قَالَ أنشدنا سمنون
(أحن بأطراف النَّهَار صبَابَة وَفِي اللَّيْل يدعوني الْهوى فَأُجِيب)
(وأيامنا تفنى وشوقي زَائِد كَأَن زمَان الشوق لَيْسَ يغيب)
أَنْشدني عَليّ بن أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ أَنْشدني ابْن فراس لسمنون
(وَكَانَ فُؤَادِي خَالِيا قبل حبكم وَكَانَ بِذكر الْخلق يلهو ويمزح)
(فَلَمَّا دَعَا قلبِي هَوَاك أَجَابَهُ فلست أرَاهُ عَن فنائك يبرح)
(رميت ببين مِنْك إِن كنت كَاذِبًا وَإِن كنت فِي الدُّنْيَا بغيرك أفرح)
(وَإِن كَانَ شَيْء فِي الْبِلَاد بأسرها إِذا غبت عَن عَيْني بعيني يملح)
(فَإِن شِئْت واصلني وَإِن شِئْت لَا تصل فلست أرى قلبِي لغيرك يصلح)
قَالَ وَسُئِلَ سمنون عَن الْفَقِير الصَّادِق فَقَالَ الَّذِي يأنس بِالْعدمِ كَمَا
[ ١٦١ ]
يأنس الْجَاهِل بالغنى ويستوحش من الْغنى كَمَا يستوحش الْجَاهِل من الْفقر
أنشدنا مُحَمَّد بن عبد الله قَالَ أَنْشدني أَبُو جَعْفَر قَالَ أَنْشدني سمنون
(بَكَيْت ودمع الْعين للنَّفس رَاحَة وَلَكِن دمع الشوق ينكى بِهِ الْقلب)
(وذكري لما أَلْقَاهُ لَيْسَ بنافعي وَلكنه شَيْء يهيج بِهِ الكرب)
(فَلَو قيل لي مَا أَنْت قلت معذب بِنَار مواجيد يضرمها العتب)
(بليت بِمن لَا أَسْتَطِيع عتابه ويعتبني حَتَّى يُقَال لي الذَّنب)
٢٩ - وَمِنْهُم عَمْرو الْمَكِّيّ وَهُوَ عَمْرو بن عُثْمَان بن كرب بن غصص وكنيته أَبُو عبد الله
كَانَ ينتسب إِلَى الْجُنَيْد فِي الصُّحْبَة وَلَقي أَبَا عبد الله النباجي وَصَحب أَبَا سعيد الخراز وَغَيره من الْمَشَايِخ القدماء
وَهُوَ عَالم بعلوم الاصول وَله كَلَام حسن روى عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل
[ ١٦٢ ]
وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَسليمَان بن سيف الْحَرَّانِي وَغَيرهم
مَاتَ بِبَغْدَاد سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَيُقَال سبع وَتِسْعين وَالْأول أصح وروى الحَدِيث
حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَصْبَهَانِيّ الْعقيلِيّ حَدثنَا عَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ حَدثنَا أَبُو بكر العائذي المَخْزُومِي حَدثنَا أَبُو عبد الله المَخْزُومِي وَأَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ قَالَا حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن الْأَعْمَش عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن عبد الله ابْن مَسْعُود قَالَ كُنَّا نقُول قبل أَن يفْرض علينا التَّشَهُّد السَّلَام على الله السَّلَام على فلَان
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد القناديلي يَقُول قَالَ عَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ التَّوْبَة فرض على جَمِيع المذنبين والعاصين صغر الذَّنب أَو كبر وَلَيْسَ لأحد عذر فِي ترك التَّوْبَة بعد ارْتِكَاب الْمعْصِيَة لِأَن الْمعاصِي كلهَا قد توعد الله عَلَيْهَا أَهلهَا وَلَا يسْقط عَنْهُم الْوَعيد إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَهَذَا مِمَّا يبين أَن التَّوْبَة فرض
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو اعْلَم أَن كل مَا توهمه قَلْبك أَو سنح فِي
[ ١٦٣ ]
مجاري فكرك أَو خطر لَك فِي معارضات قَلْبك من حسن أَو بهاء أَو جمال أَو قبح أَو نور أَو شبح أَو شخص أَو خيال فَالله تَعَالَى ذكره بعيد من ذَلِك كُله بل هُوَ أعظم وَأجل وأكبر أَلا تسمع إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ (الشورى ١١) وَإِلَى قَوْله ﴿لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ (الأخلاص ٣٤)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو الْمُرُوءَة التغافل عَن زلل الإخوان
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو لَا يَقع على كَيْفيَّة الوجد عبارَة لِأَنَّهُ سر الله تَعَالَى عِنْد الْمُؤمنِينَ الموقنين
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو لقد علم الله نبيه ﷺ مَا فِيهِ الشِّفَاء وجوامع النَّصْر وفواتح الْعِبَادَة فَقَالَ ﴿وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ فاستعذ بِاللَّه إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ (فصلت ٣٦)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو الْمعرفَة دوَام محبَّة الله تَعَالَى ودوام مخافته ودوام الإقبال عَلَيْهِ ودوام انتصاب الْقلب بِذكرِهِ وَهِي علم الْقُلُوب بِفَسْخ العزوم وخلع الإرادات وإحياء الفهوم
وَبِه قَالَ عَمْرو الْمعرفَة صِحَة التَّوَكُّل على الله تَعَالَى
وَبِه قَالَ عَمْرو لقد وبخ الله تَعَالَى التاركين للصبر على دينهم بِمَا أخبرنَا عَن الْكفَّار أَنهم قَالُوا ﴿امشوا واصبروا على آلِهَتكُم﴾ (ص ٦) فَهَذَا توبيخ لمن ترك الصَّبْر من الْمُؤمنِينَ على دينه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو اعْلَم أَن الْعلم قَائِد وَالْخَوْف سائق وَالنَّفس حرون بَين ذَلِك جموح خداعة رواغة فاحذرها وراعها بسياسة الْعلم وسقها بتهديد الْخَوْف يتم لَك مَا تُرِيدُ
[ ١٦٤ ]
وَبِه قَالَ عَمْرو اعْلَم أَن الرِّعَايَة مصحوبة لَك فِي كل الْأَحْوَال من الْعِبَادَة إِلَى أَن تلقى رَبك كَذَلِك التَّقْوَى
وَبِه قَالَ عَمْرو الصدْق فِي الْوَرع مفترض كافتراض الصَّبْر فِي الْوَرع وَمعنى الصدْق الِاعْتِدَال وَالْعدْل
وَبِه قَالَ عَمْرو اعْلَم أَن رَأس الزّهْد وَأَصله فِي الْقُلُوب هُوَ احتقار الدُّنْيَا واستصغارها وَالنَّظَر إِلَيْهَا بِعَين الْقلَّة وَهَذَا هُوَ الأَصْل الَّذِي يكون مِنْهُ حَقِيقَة الزّهْد
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو إِذا كَانَ أَنِين العَبْد إِلَى ربه ﷿ فَلَيْسَ بشكوى وَلَا جزع
وَبِه قَالَ عَمْرو اعْلَم أَن الْمحبَّة دَاخِلَة فِي الرِّضَا وَلَا محبَّة إِلَّا بِالرِّضَا وَلَا رضَا إِلَّا بمحبة لِأَنَّك لَا تحب إِلَّا مَا رضيت وارتضيت وَلَا ترْضى إِلَّا مَا أَحْبَبْت
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو الرَّجَاء دَاخل فِي تَحْقِيق الرِّضَا
قَالَ وَقَالَ عَمْرو واغماه من عهد لم نقم لَهُ بوفاء وَمن خلْوَة لم نصحبها بحياء وَمن مَسْأَلَة مَا الْجَواب فِيهَا غَدا وَمن أَيَّام تفنى وَيبقى مَا كَانَ فِيهَا أبدا
سَمِعت مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الاصفهاني يَقُول سَمِعت عَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ يَقُول مَا صَحِبت أحدا كَانَ أَنْفَع لي صحبته ورؤيته من أبي عبد الله النباجي
سَمِعت مُحَمَّد بن جَعْفَر يَقُول بَلغنِي أَن عمرا الْمَكِّيّ دخل أصفهان
[ ١٦٥ ]
فصحبه حدث وَكَانَ وَالِده يمنعهُ من صحبته فَمَرض الصَّبِي فَدخل عَلَيْهِ عَمْرو مَعَ قَوَّال فَنظر الْحَدث إِلَى عَمْرو وَقَالَ لَهُ قل لَهُ يَقُول شَيْئا فَقَالَ القوال
(مَا لي مَرضت فَلم يعدني عَائِد مِنْكُم ويمرض عبدكم فأعود)
فتمطى الْحَدث على فرَاشه وَقعد فَقَالَ للقوال زِدْنِي بحقك فَقَالَ القوال
(وَأَشد من مرضِي عَليّ صدودكم وصدود عبدكم عَليّ شَدِيد)
فَزَاد بِهِ الْبُرْء حَتَّى قَامَ وَخرج مَعَهم فَسئلَ عَمْرو عَن ذَلِك فَقَالَ إِن الْإِشَارَة إِذا كَانَت قبل السماع كَانَت من فَوق فالقليل مِنْهَا يشفي وَإِذا كَانَت بعد السماع كَانَت من تَحت والقليل مِنْهَا يهْلك
٣٠ - وَمِنْهُم سهل بن عبد الله التسترِي وَهُوَ سهل بن عبد الله بن يُونُس بن عِيسَى بن عبد الله بن رفيع وكنيته أَبُو مُحَمَّد
أحد أَئِمَّة الْقَوْم وعلمائهم والمتكلمين فِي عُلُوم الرياضات وَالْإِخْلَاص وعيوب الْأَفْعَال
[ ١٦٦ ]
صحب خَاله مُحَمَّد بن سوار وَشَاهد ذَا النُّون الْمصْرِيّ سنة خُرُوجه إِلَى الْحَج بِمَكَّة
توفّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَقيل سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وأظن أَن ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ أصح وَالله أعلم وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا يُوسُف بن عمر بن مسرور الزَّاهِد بِبَغْدَاد قَالَ حَدثنَا عبيد الله أَبُو الْقَاسِم الصَّنْعَانِيّ حَدثنَا عمر بن وَاصل حَدثنَا سهل بن عبد الله التسترِي حَدثنَا خَالِي مُحَمَّد بن سوار عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان عَن ثَابت عَن أنس قَالَ (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَغْزُو وَمَعَهُ عدَّة من نسَاء الْأَنْصَار يسقين المَاء ويداوين الْجَرْحى) وَذكر الحَدِيث
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول سَمِعت أَبَا صَالح الْبَصْرِيّ يَقُول سَمِعت سهل بن عبد الله يَقُول النَّاس نيام فَإِذا انتهبوا ندموا وَإِذا ندموا لم تنفعهم ندامتهم
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان قَالَ سَمِعت الْمَالِكِي الْبَصْرِيّ قَالَ سَمِعت سهل بن عبد الله يَقُول مَا طلعت شمس وَلَا غربت على أحد على وَجه الأَرْض إِلَّا وهم جهال بِاللَّه إِلَّا من يُؤثر الله على نَفسه وزوجه ودنياه وآخرته
وَبِه قَالَ سهل أدنى الْأَدَب أَن تقف عِنْد الْجَهْل وَآخر الْأَدَب أَن تقف عِنْد الشُّبْهَة
وَبِه قَالَ سهل شكر الْعلم الْعَمَل وشكر الْعَمَل زِيَادَة الْعلم
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن سَالم يَقُول سَمِعت
[ ١٦٧ ]
سهل بن عبد الله يَقُول مَا من قلب وَلَا نفس إِلَّا وَالله مطلع عَلَيْهَا فِي سَاعَات اللَّيْل وَالنَّهَار فأيما قلب أَو نفس رأى فِيهِ حَاجَة إِلَى سواهُ سلط عَلَيْهِ إِبْلِيس
قَالَ وَقَالَ سهل بن عبد الله الَّذِي يلْزم الصُّوفِي ثَلَاثَة أَشْيَاء حفظ سره وَأَدَاء فَرْضه وصيانة فقره
قَالَ وَقَالَ سهل الله قبْلَة النِّيَّة وَالنِّيَّة قبْلَة الْقلب وَالْقلب قبْلَة الْبدن وَالْبدن قبْلَة الْجَوَارِح والجوارح قبْلَة الدُّنْيَا
قَالَ وَقَالَ سهل لَيْسَ فِي الضَّرُورَة تَدْبِير فَإِذا صَار إِلَى التَّدْبِير خرج من الضَّرُورَة
قَالَ وَقَالَ سهل من لم تكن ضَرُورَته لرَبه فَهُوَ مُدع لنَفسِهِ
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن سَالم يَقُول سَمِعت سهل بن عبد الله يَقُول من أَرَادَ أَن يسلم من الْغَيْبَة فليسد على نَفسه بَاب النُّون فَمن سلم من الظَّن سلم من التَّجَسُّس وَمن سلم من التَّجَسُّس سلم من الْغَيْبَة وَمن سلم من الْغَيْبَة سلم من الزُّور وَمن سلم من الزُّور سلم من الْبُهْتَان
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سهل لَا يسْتَحق إِنْسَان الرياسة حَتَّى يجْتَمع فِيهِ أَربع خِصَال يصرف جَهله عَن النَّاس وَيحمل جهلهم وَيتْرك مَا فِي أَيْديهم ويبذل مَا فِي يَده لَهُم
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن الْبَغْدَادِيّ قَالَ حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد
[ ١٦٨ ]
الْخُلْدِيِّ قَالَ سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الْجريرِي يَقُول سَمِعت سهل بن عبد الله يَقُول من أَخْلَاق الصدقين أَلا يحلفوا بِاللَّه لَا صَادِقين وَلَا كاذبين وَلَا يغتابون وَلَا يغتاب عِنْدهم وَلَا يشبعون بطونهم وَإِذا وعدوا لم يخلفوا وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا وَالِاسْتِثْنَاء فِي كَلَامهم وَلَا يمزحون أصلا
وبإسناده قَالَ سهل ذَروا التَّدْبِير وَالِاخْتِيَار فَإِنَّهُمَا يكدران على النَّاس عيشهم
وبإسناده قَالَ سهل اعلموا أَن هَذَا زمَان لَا ينَال أحد فِيهِ النجَاة إِلَّا بِذبح نَفسه بِالْجُوعِ وَالصَّبْر والجهد لفساد مَا عَلَيْهِ أهل الزَّمَان
سَمِعت أَبَا نصر عبد الله بن عَليّ يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن بن الصَّباح قَالَ قَالَ سهل أَعمال الْبر يعملها الْبر والفاجر وَلَا يجْتَنب الْمعاصِي إِلَّا صديق
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سهل من ظن حرم الْيَقِين وَمن تكلم فِيمَا لَا يعنيه حرم الصدْق وَمن شغل جوارحه بِغَيْر مَا أمره الله بِهِ حرم الْوَرع
وَسمعت أَبَا نصر يَقُول سَمِعت الدقي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الفرغاني يَحْكِي عَن سهل بن عبد الله قَالَ الْفِتَن ثَلَاثَة فتْنَة الْعَامَّة من إِضَاعَة الْعلم وفتنة الْخَاصَّة من الرُّخص والتأويلات وفتنة أهل الْمعرفَة من أَن يلْزمهُم حق فِي وَقت فيؤخروه إِلَى وَقت ثَان
[ ١٦٩ ]
وَبِه قَالَ سهل أصولنا سَبْعَة أَشْيَاء التَّمَسُّك بِكِتَاب الله تَعَالَى والاقتداء بِسنة رَسُوله ﷺ وَأكل الْحَلَال وكف الْأَذَى وَاجْتنَاب الآثام وَالتَّوْبَة وَأَدَاء الْحُقُوق
وَبِه قَالَ سهل من أحب أَن يطلع الْخلق على مَا بَينه وَبَين الله فَهُوَ غافل
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا يَعْقُوب الْبَلَدِي يَقُول سَمِعت سهل بن عبد الله يَقُول لقد أيس الْعلمَاء والحكماء من هَذِه الثَّلَاث خلال مُلَازمَة التَّوْبَة ومتابعة السّنة وَترك أَذَى الْخلق
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت الْعَبَّاس بن عِصَام قَالَ سَمِعت سهل بن عبد الله يَقُول الْبلوى من الله على وَجْهَيْن بلوى رَحْمَة وبلوى عُقُوبَة فبلوى الرَّحْمَة يبْعَث صَاحبه على إِظْهَار فقره إِلَى الله وَترك التَّدْبِير وبلوى الْعقُوبَة يبْعَث صَاحبه على اخْتِيَاره وتدبيره
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن يَقُول قَالَ سهل من خلا قلبه من ذكر الْآخِرَة تعرض لوساوس الشَّيْطَان
وسمعته يَقُول سَمِعت ابْن عَاصِم يَقُول سَمِعت سهل بن عبد الله يَقُول لَا معِين إِلَّا الله وَلَا دَلِيل إِلَّا رَسُول الله وَلَا زَاد إِلَّا التَّقْوَى وَلَا عمل إِلَّا الصَّبْر
[ ١٧٠ ]
قَالَ وَقَالَ سهل الْآيَات لله والمعجزات للأنبياء والكرامات للأولياء والمغوثات للمريدين والتمكين لأهل الْخُصُوص
قَالَ وَقَالَ سهل الْعَيْش على أَرْبَعَة أوجه عَيْش الْمَلَائِكَة فِي الطَّاعَة وعيش الْأَنْبِيَاء فِي الْعلم وانتظار الْوَحْي وعيش الصدقين فِي الِاقْتِدَاء وعيش سَائِر النَّاس عَالما كَانَ أَو جَاهِلا زاهدا كَانَ أَو عابدا فِي الْأكل وَالشرب
قَالَ وَقَالَ سهل الضَّرُورَة للأنبياء والقوام للصدقين والقوت للْمُؤْمِنين والمعلوم للبهائم
قَالَ وَقَالَ سهل الْأَعْمَال بالتوفيق والتوفيق من الله ومفتاحها الدُّعَاء والتضرع
٣١ - وَمِنْهُم مُحَمَّد بن الْفضل الْبَلْخِي وَهُوَ مُحَمَّد بن الْفضل بن الْعَبَّاس بن حَفْص وكنيته أَبُو عبد الله
سَاكن سَمَرْقَنْد وَأَصله من بَلخ وَلكنه أخرج مِنْهَا بِسَبَب الْمَذْهَب فَدخل سَمَرْقَنْد ونزلها وَبهَا مَاتَ سنة تسع عشرَة وثلاثمائة
[ ١٧١ ]
صحب أَحْمد بن خضرويه وَغَيره من الْمَشَايِخ وَهُوَ من أجلة مَشَايِخ خُرَاسَان وَلم يكن أَبُو عُثْمَان يمِيل إِلَى أحد من الْمَشَايِخ ميله إِلَيْهِ
سَمِعت مُحَمَّد بن عَليّ الْحبرِي يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول لَو وجدت من نَفسِي قُوَّة لرحلت إِلَى أخي مُحَمَّد بن الْفضل فاستروح سري بِرُؤْيَتِهِ وَأسْندَ مُحَمَّد الحَدِيث
حَدثنَا أَبُو الْحَارِث عَليّ بن الْقَاسِم الْخطابِيّ بمرو إملاء قَالَ حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْفضل الْبَلْخِي الزَّاهِد الصُّوفِي بسمرقند حَدثنَا أَبُو رَجَاء قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا من الْأَنْبِيَاء من نَبِي إِلَّا وَقد أعطي من الْآيَات مَا مثله آمن عَلَيْهِ الْبشر وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتيت وَحيا أوحى الله إِلَيّ فأرجو أَن أكون أَكْثَرهم تَابعا يَوْم الْقِيَامَة)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل أعرف النَّاس بِاللَّه أَشَّدهم مجاهدة فِي أوامره وأتبعهم لسنة نبيه ﷺ
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول الرَّحْمَن هُوَ الَّذِي يحسن إِلَى الْبر والفاجر
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول ذهَاب
[ ١٧٢ ]
الْإِسْلَام من أَرْبَعَة أَولهَا لَا يعْملُونَ بِمَا يعلمُونَ وَالثَّانِي يعْملُونَ بِمَا لَا يعلمُونَ وَالثَّالِث لَا يتعلمون مَا لَا يعلمُونَ وَالرَّابِع يمْنَعُونَ النَّاس من التَّعَلُّم
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد بن الْفضل الدُّنْيَا بَطْنك فبقدر زهدك فِي بَطْنك زهدك فِي الدُّنْيَا
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول الْعجب مِمَّن يقطع الأودية والقفار والمفاوز حَتَّى يصل إِلَى بَيته وَحرمه لِأَن فِيهِ آثَار أنبيائه كَيفَ لَا يقطع نَفسه وهواه حَتَّى يصل إِلَى قلبه فَإِن فِيهِ آثَار مَوْلَاهُ
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت الْحسن بن عُلْوِيَّهُ يَقُول قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل الْعلم حرز وَالْجهل غرر وَالصديق مُؤنَة والعدو هم والصلة بَقَاء والقطيعة مُصِيبَة وَالصَّبْر قُوَّة والجرأة عجز وَالْكذب ضعف والصدق قُوَّة والمعرفة صداقة وَالْعقل تجربة
وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل أنزل نَفسك منزلَة من لَا حَاجَة لَهُ فِيهَا وَلَا بُد لَهُ مِنْهَا فَإِن من ملك نَفسه عز وَمن ملكته نَفسه ذل
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل سِتّ خِصَال يعرف بهَا الْجَاهِل الْغَضَب فِي غير شَيْء وَالْكَلَام فِي غير نفع والعطية فِي غير موضعهَا
[ ١٧٣ ]
وإفشاء السِّرّ والثقة بِكُل أحد وَألا يعرف صديقه من عدوه
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد بن الْفضل خطأ الْعَالم أضرّ من عمد الْجَاهِل
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد بن الْفضل من ذاق حلاوة الْعلم لَا يصبر عَنهُ
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد بن الْفضل من ذاق حلاوة الْمُعَامَلَة أنس بهَا
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد بن الْفضل من عرف الله اكْتفى بِهِ بعد قَوْله تَعَالَى ﴿أولم يكف بِرَبِّك أَنه على كل شَيْء شَهِيد﴾ (فصلت ٥٣)
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد بن الْفضل الْعُلُوم ثَلَاثَة علم بِاللَّه وَعلم من الله وَعلم مَعَ الله فالعلم بِاللَّه معرفَة صِفَاته ونعوته وَالْعلم من الله علم الظَّاهِر وَالْبَاطِن والحلال وَالْحرَام وَالْأَمر وَالنَّهْي فِي الْأَحْكَام وَالْعلم مَعَ الله علم الْخَوْف والرجاء والمحبة والشوق
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد الْبكاء بكاءان بكاء الزاهدين بعيونهم وبكاء العارفين بقلوبهم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل الْعَارِف يدافع عيشه يَوْمًا بِيَوْم وَيَأْخُذ من عيشه يَوْمًا ليَوْم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ مُحَمَّد بن الْفضل مَا ثَمَرَة الشُّكْر فَقَالَ الْحبّ لله وَالْخَوْف مِنْهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل ذكر اللِّسَان كَفَّارَات ودرجات وَذكر الْقلب زلف وقربات
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل إِذا رَأَيْت المريد يستزيد من الدُّنْيَا فَذَاك من عَلَامَات إدباره
[ ١٧٤ ]
وَبِه قَالَ مُحَمَّد الْمُوَافقَة أصل الْمحبَّة وأصل الْوِصَال ترك الْقَرار وأصل الْفقر معرفَة التَّقْصِير وأصل الثَّبَات على الْحق دوَام الْفقر إِلَى الله تَعَالَى
وَبِه قَالَ مُحَمَّد من اسْتَوَى عِنْده مَا دون الله نَالَ الْمعرفَة بِاللَّه
سَمِعت أَبَا الْفرج عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الخمي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول وَسُئِلَ مَا الفتوة فَقَالَ حفظ السِّرّ مَعَ الله على الْمُوَافقَة وَحفظ الظَّاهِر مَعَ الْخلق بِحسن الْعشْرَة وَاسْتِعْمَال الْخلق
وسمعته يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ يَقُول سُئِلَ مُحَمَّد عَن الزّهْد فَقَالَ النّظر إِلَى الدُّنْيَا بِعَين النَّقْص والإعراض عَنْهَا تعززا وتظرفا فَمن اسْتحْسنَ من الدُّنْيَا شَيْئا فقد نبه عَن قدرهَا
٣٢ - وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عَليّ التِّرْمِذِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحسن وكنيته أَبُو عبد الله
لَقِي أَبَا تُرَاب النخشبي وَصَحب يحيى الْجلاء وَأحمد بن خضرويه وَهُوَ من كبار مَشَايِخ خُرَاسَان وَله التصانيف الْمَشْهُورَة كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ
حَدثنَا القَاضِي أَبُو مُحَمَّد يحيى بن مَنْصُور قَالَ حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن عَليّ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن رزام الأبلي حَدثنَا مُحَمَّد بن عَطاء
[ ١٧٥ ]
الهُجَيْمِي حَدثنَا مُحَمَّد بن نصر عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس (قَالَ تَلا رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ (الْأَعْرَاف ١٤٣) فَقَالَ قَالَ يَا مُوسَى إِنَّه لَا يراني حَيّ إِلَّا مَاتَ وَلَا يَابِس إِلَّا تدهده وَلَا رطب إِلَّا تفرق وَإِنَّمَا يراني أهل الْجنَّة الَّذين لَا تَمُوت أَعينهم وَلَا تبلى أَجْسَادهم)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ التِّرْمِذِيّ لَيْسَ الْفَوْز هُنَاكَ بِكَثْرَة الْأَعْمَال إِنَّمَا الْفَوْز هُنَاكَ بإخلاص الْأَعْمَال وتحسينها
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ من شَرَائِط الخدام التَّوَاضُع والاستسلام
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ النَّاس فِي اسْتِمَاع الْحِكْمَة رجلَانِ عَاقل وعامل فالعاقل يتعجب وَهُوَ لما يسمعهُ يَشْتَهِي وَالْعَامِل يتقلب كَأَن قلبه مِنْهُ حَيَّة تلتوي
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا حمل أثقل من الْبر لِأَن من برك فقد أوثقك وَمن جفاك فقد أطلقك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد كفى بِالْمَرْءِ عَيْبا أَن يسره مَا يضرّهُ
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت الْحسن بن عَليّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عَليّ التِّرْمِذِيّ يَقُول دَعَا الْمُوَحِّدين إِلَى هَذِه الصَّلَوَات الْخمس رَحْمَة مِنْهُ عَلَيْهِم فَهَيَّأَ لَهُم فِيهَا ألوان الضيافات لينال العَبْد من كل قَول وَفعل شَيْئا من عطاياه فالأفعال كالأطعمة والأقوال كالأشربة وَهِي عرس الْمُوَحِّدين
[ ١٧٦ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الْعَاقِل من اتَّقى ربه وحاسب نَفسه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ من جهل أَوْصَاف الْعُبُودِيَّة فَهُوَ بنعوت الربانية أَجْهَل
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ صَلَاح خَمْسَة أَصْنَاف فِي خَمْسَة مَوَاطِن صَلَاح الصّبيان فِي الْكتاب وَصَلَاح القطاع فِي السجْن وَصَلَاح النِّسَاء فِي الْبيُوت وَصَلَاح الفتيان فِي الْعلم وَصَلَاح الكهول فِي الْمَسَاجِد
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ ضمن الله تَعَالَى للعباد الرزق وَفرض عَلَيْهِم التَّوَكُّل
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ حَقِيقَة محبَّة الله دوَام الْأنس بِذكرِهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الْمُؤمن بشره فِي وَجهه وحزنه فِي قلبه وَالْمُنَافِق حزنه فِي وَجهه وبشره فِي قلبه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الدُّنْيَا عروس الْمُلُوك ومرآة الزهاد أما الْمُلُوك فتجملوا بهَا وَأما الزهاد فنظروا إِلَى آفتها فتركوها
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ مُحَمَّد بن عَليّ عَن الْخلق فَقَالَ ضعف ظَاهر وَدَعوى عريضة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ اجْعَل مراقبتك لمن لَا يغيب عَن نظره إِلَيْك وَاجعَل شكرك لمن لَا تَنْقَطِع نعمه عَنْك وَاجعَل خضوعك لمن لَا تخرج عَن ملكه وسلطانه
[ ١٧٧ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ ملاك الْقُلُوب بِكَمَال الخشية وملامك النُّفُوس بِكَمَال التَّقْوَى
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ المكلم والمحدث إِذا تحققا فِي درجتهما لم يخافا من حَدِيث النَّفس وكما أَن النُّبُوَّة مَحْفُوظَة بالنسخ لإلقاء الشَّيْطَان كَذَلِك مَحل المكالمة والمحادثة مصونة من الْإِلْقَاء النَّفس وفتنتها محروسة بِالْحَقِّ والسكينة لِأَن السكينَة حجاب المكلم والمحدث عَن نَفسه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ مُحَمَّد بن عَليّ هَل يخَاف المحدثون سوء الْعَاقِبَة فَقَالَ خوف هول وقلق يكون كالخطرات ثمَّ يمْضِي فَإِن الله تَعَالَى لَا يحب أَن يكدر عَلَيْهِم مننه
٣٣ - وَمِنْهُم أَبُو بكر الْوراق وَهُوَ مُحَمَّد بن عمر الْحَكِيم
أَصله من ترمذ وَأقَام ببلخ لَقِي أَحْمد بن خضرويه وَصَحبه وَصَحب مُحَمَّد بن سعد بن إِبْرَاهِيم الزَّاهِد وَمُحَمّد بن عمر بن خشنام الْبَلْخِي
لَهُ الْكتب الْمَشْهُورَة فِي أَنْوَاع الرياضات والمعاملات والآداب وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا عَليّ بن الْحُسَيْن الْبَلْخِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَاتِم حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عمر الْوراق الْبَلْخِي فِي درب النسْوَة قَالَ أخبرنَا أَبُو
[ ١٧٨ ]
عمرَان مُوسَى بن حزَام حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن عمر بن حَمْزَة عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي سعيد عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن من أعظم الْأَمَانَة عِنْد الله الرجل يُفْضِي إِلَى امْرَأَته وتفضي إِلَيْهِ ثمَّ ينشر سرها)
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن يَعْقُوب التِّرْمِذِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا ذَر التِّرْمِذِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الْوراق يَقُول النَّاس ثَلَاثَة الْعلمَاء والأمراء والقراء فَإِذا فسد الْأُمَرَاء فسد المعاش وَإِذا فسد الْعلمَاء فَسدتْ الطَّاعَات وَإِذا فسد الْقُرَّاء فَسدتْ الْأَخْلَاق
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن سعيد يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الْوراق يَقُول شكر النِّعْمَة مُشَاهدَة الْمِنَّة وَحفظ الْحُرْمَة
وسمعته يَقُول سَمِعت أَحْمد بن مُزَاحم يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الْوراق يَقُول للقلب سِتَّة أَشْيَاء حَيَاة وَمَوْت وَصِحَّة وسقم ويقظة ونوم فحياته الْهدى وَمَوته الضَّلَالَة وَصِحَّته الطَّهَارَة والصفاء وسقمه الكدورة والعلاقة ويقظته الذّكر ونومه الْغَفْلَة
وَلكُل وَاحِد من ذَلِك عَلامَة فعلامة الْحَيَاة الرَّغْبَة والرهبة وَالْعَمَل بهما وَالْمَوْت بِخِلَاف ذَلِك وعلامة الصِّحَّة الْقُوَّة واللذة والسقم بِخِلَاف ذَلِك وعلامة الْيَقَظَة السّمع وَالْبَصَر وَالنَّوْم بِخِلَاف ذَلِك
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الِاشْتِغَال بالخلق والتزين لَهُم حجاب عَن الْمِنَّة وَمن لم يعرف النة لم يعرف الخذلان
[ ١٧٩ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر صَاحب الْعُقَلَاء بالاقتداء والزهاد بِحسن المداراة والحمقى بجميل الصَّبْر
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو البيكندي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن حَامِد يَقُول قلت لأبي بكر الْوراق عَلمنِي شَيْئا يقربنِي إِلَى الله تَعَالَى ويقربني من النَّاس فَقَالَ أما الَّذِي يقربك إِلَى الله فمسألته وَأما الَّذِي يقربك إِلَى النَّاس فَترك مسألتهم
وَسمعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت غيلَان السَّمرقَنْدِي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الْوراق يَقُول من اكْتفى بالْكلَام من الْعلم دون الزّهْد وَالْفِقْه تزندق وَمن اكْتفى بالزهد دون الْفِقْه وَالْكَلَام تبدع وَمن اكْتفى بالفقه دون الزّهْد وَالْكَلَام تفسق وَمن تفنن فِي هَذِه الْأُمُور كلهَا تخلص
قَالَ وَدخل رجل على أبي بكر فَقَالَ إِنِّي أَخَاف من فلَان فَقَالَ لَا تخف مِنْهُ فَإِن قلب من تخافه بيد من ترجوه
سَمِعت مُحَمَّد بن مُحَمَّد أَبَا نصر الزَّاهِد يَقُول سَمِعت إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْحَلِيم يَقُول كتب أَبُو بكر الْوراق إِلَى صديق لَهُ فَكَانَ فِيمَا كتب رَاحَة الدُّنْيَا تُؤدِّي إِلَى عناء عقابها وتعب الدُّنْيَا بِالْحَقِّ يُؤَدِّي إِلَى رَاحَة ثَوَابهَا وتارك الشَّهَوَات هُوَ الْمُصِيب للشهوات والمصيب للشهوات هُوَ التارك للشهوات وَالسَّلَام
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الْأَدَب للعارف كالتوبة للمستأنف
[ ١٨٠ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر خضوع الْفَاسِقين أفضل من صولة المطيعين
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن أحيد الْبَلْخِي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الْوراق يَقُول لَو قيل للطمع من أَبوك لقَالَ الشَّك فِي الْمَقْدُور وَلَو قيل مَا حرفتك لقَالَ اكْتِسَاب الذل وَلَو قيل مَا غايتك لقَالَ الحرمان
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر النَّاس كلهم فِي أَحْوَال الدُّنْيَا أَرْبَعَة مَرْحُوم ومخدوع ومعاقب ومكره
وسمعته يَقُول سَمِعت الْحسن بن عُلْوِيَّهُ يَقُول قَالَ أَبُو بكر الْوراق من صحت مَعْرفَته بِاللَّه ظَهرت عَلَيْهِ الهيبة والخشية
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر عوام الْخلق هم الَّذين سلمت صُدُورهمْ وَحسنت أَعْمَالهم وطهرت ألسنتهم فَإِذا خلوا من هَذَا فهم الغوغاء لَا الْعَوام
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر إِذا فَسدتْ الْعَامَّة غلبت الْفُسَّاق على أهل الصّلاح وولاة الْجور على وُلَاة الْعدْل وَالْكفَّار على الْمُسلمين
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الْخَاصَّة هم الَّذين فقهت قُلُوبهم وَحسنت أَخْلَاقهم وَكَانُوا أَئِمَّة يدعونَ النَّاس إِلَى الْخَيْر وَالْعَمَل بِهِ وسالموا السُّلْطَان على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْعُلَمَاء على صدق الْخَبَر وَالْعُلَمَاء على ظَاهر الْأُمُور فَإِذا خلوا من ذَلِك فهم المفترون وَإِذا فَسدتْ الْخَاصَّة غلبت الكذبة على الصَّادِقين والكهنة على الموقنين والموسوسون على المخلصين
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر أصل غَلَبَة الْهوى مقارفة الشَّهَوَات فَإِذا غلب الْهوى أظلم الْقلب وَإِذا أظلم الْقلب ضَاقَ الصَّدْر وَإِذا ضَاقَ الصَّدْر سَاءَ الْخلق وَإِذا سَاءَ الْخلق أبغضه الْخلق وَإِذا أبغضه الْخلق أبْغضهُم وَإِذا أبْغضهُم جفاهم وَإِذا جفاهم صَار شَيْطَانا
[ ١٨١ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الْحُكَمَاء خلف الْأَنْبِيَاء وَلَيْسَ بعد النُّبُوَّة إِلَّا الْحِكْمَة وَهِي أَحْكَام الْأُمُور وَأول عَلَامَات الْحِكْمَة طول الصمت وَالْكَلَام على قدر الْحَاجة
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر احذر صُحْبَة السُّلْطَان إبْقَاء على نَفسك والملوك إبْقَاء على عيشك والأغنياء إبْقَاء على ملكك والسوقة إبْقَاء على خلقك وَالنِّسَاء وَالصبيان إبْقَاء على قَلْبك والفساق والمبتدعين إبْقَاء على دينك والفقراء إبْقَاء على مَالك وَالْعُلَمَاء إبْقَاء على إيمانك وإسلامك والإخوان فِي مخالفتهم إبْقَاء على فضلك ومروءتك
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الْوراق لِلْمُؤمنِ أَربع عَلَامَات كَلَامه ذكر وصمته تفكر وَنَظره عِبْرَة وَعَمله بر
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الْخلاف يهيج الْعَدَاوَة والعداوة تستنزل الْبلَاء
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر العَبْد لَا يسْتَحق الْيَقِين حَتَّى يقطع كل سَبَب بَينه وَبَين الْعَرْش إِلَى الثرى حَتَّى يكون الله مُرَاده لَا غَيره ويؤثر الله على كل مَا سواهُ
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر من عشق نَفسه عشقه الْكبر والحسد والذل والمهانة
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر لَا تصْحَب من يمدحك بِخِلَاف مَا أَنْت عَلَيْهِ أَو بِغَيْر مَا فِيك فَإِنَّهُ إِذا غضب عَلَيْك ذمك بِمَا لَيْسَ فِيك
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر ازهد فِي حب الرياسة والعلو فِي النَّاس إِن أَحْبَبْت أَن تذوق شَيْئا من سبل الزاهدين
[ ١٨٢ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الْيَقِين نور يستضيء بِهِ العَبْد فِي أَحْوَاله فيبلغه إِلَى دَرَجَات دَرَجَات الْمُتَّقِينَ
٣٤ - وَمِنْهُم أَبُو سعيد الخراز واسْمه أَحْمد بن عِيسَى
وَهُوَ من أهل بَغْدَاد صحب ذَا النُّون الْمصْرِيّ وَأَبا عبد الله النباجي وَأَبا عبيد البسري وَصَحب أَيْضا سريا السَّقطِي وَبشر بن الْحَارِث وَغَيرهم
وَهُوَ من أَئِمَّة الْقَوْم وَجلة مشايخهم قيل إِنَّه أول من تكلم فِي علم الفناء والبقاء مَاتَ سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
[ ١٨٣ ]
أخبرنَا أَبُو الْفَتْح يُوسُف بن عمر بن مسرور الزَّاهِد بِبَغْدَاد قَالَ حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ حَدثنَا أَبُو سعيد أَحْمد بن عِيسَى الخراز الْبَغْدَادِيّ الصُّوفِي حَدثنَا عبد الله بن إِبْرَاهِيم الْغِفَارِيّ حَدثنَا جَابر بن سليم عَن يحيى ابْن سعيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ (سوء الْخلق شُؤْم وشراركم أسوأكم أَخْلَاقًا)
سَمِعت عمر بن عبد الله الفرغاني يَقُول سَمِعت ابْن الْكَاتِب يَقُول سَمِعت ابا سعيد الخراز يَقُول إِن الله تَعَالَى عجل لأرواح أوليائه التَّلَذُّذ بِذكرِهِ والوصول إِلَى قربه وَعجل لأبدانهم النِّعْمَة بِمَا نالوه من مصالحهم وأجزل نصِيبهم من كل كَائِن فعيش أبدانهم عَيْش الجنانيين وعيش أَرْوَاحهم عَيْش الربانيين لَهُم لسانان لِسَان فِي الْبَاطِن يعرفهُمْ صنع الصَّانِع فِي الْمَصْنُوع ولسان فِي الظَّاهِر يعلمهُمْ علم المخلوقين فلسان الظَّاهِر يكلم أجسامهم ولسان الْبَاطِن يُنَاجِي أَرْوَاحهم
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو سعيد عَن الْأنس مَا هُوَ فَقَالَ استبشار الْقُلُوب بِقرب الله تَعَالَى وسرورها بِهِ وهدوها فِي سكونها إِلَيْهِ وأمنها مَعَه من حَيْثُ الروعات وإعفاؤه لَهَا من كل مَا دونه أَن يُشِير إِلَيْهِ حَتَّى يكون هُوَ المشير لِأَنَّهَا ناعمة بِهِ وَلَا تحمل جفَاء غَيره
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الزقاق يَقُول كَانَ أَبُو سعيد الخراز نَائِما فانتبه وَقَالَ اكتبوا مَا وَقع لي فِي هَذَا النّوم إِن الله تَعَالَى جعل الْعلم دَلِيلا عَلَيْهِ ليعرف وَجعل الْحِكْمَة رَحْمَة مِنْهُ عَلَيْهِم ليؤلف فالعلم دَلِيل إِلَى الله والمعرفة دَالَّة على الله فبالعلم تنَال المعلومات وبالمعرفة تنَال
[ ١٨٤ ]
المعروفات وَالْعلم بالتعلم والمعرفة بالتعرف فالمعرفة تقع بتعريف الْحق وَالْعلم يدْرك بتعريف الْخلق ثمَّ تجْرِي الْفَوَائِد بعد ذَلِك
حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْهَرَوِيّ قَالَ حَدثنِي أَحْمد بن عَطاء قَالَ حَدثنِي أَبُو صَالح قَالَ قَالَ أَبُو سعيد الخراز مثل النَّفس مثل مَاء وَاقِف طَاهِر صَاف فَإِن حركته ظهر مَا تَحْتَهُ من الحمأة وَكَذَلِكَ النَّفس تظهر عِنْد المحن والفاقة والمخافة وَمن لم يعرف مَا فِي نَفسه كَيفَ يعرف ربه
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الْجريرِي يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد الخراز يَقُول فِي معنى قَول النَّبِي ﷺ (جبلت الْقُلُوب على حب من أحسن إِلَيْهَا) وَاعجَبا مِمَّن لم ير حسنا غير الله كَيفَ لَا يمِيل بكليته إِلَيْهِ
سَمِعت نصر بن أبي نصر يَقُول سَمِعت قاسما غُلَام الزقاق يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد السكرِي يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد الخراز يَقُول كل بَاطِن يُخَالف ظَاهرا فَهُوَ بَاطِل
وَسمعت نصرا يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب بن فرخان يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الْجريرِي يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد الخراز يَقُول إِذا كَانَت الْعين وَاحِدَة فَمن
[ ١٨٥ ]
أَي حَال تلونت عَلَيْك فَاجر فِيهَا فَإِن التَّغْيِير من جهتك لِأَن عين الْحق لَا تتقلب
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عَليّ الكتاني يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد الخراز يَقُول للعارفين خَزَائِن أودعوها علوما غَرِيبَة وأنباء عَجِيبَة يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا بِلِسَان الأبدية ويخبرون عَنْهَا بِعِبَارَة الأزلية
قَالَ وَقَالَ أَبُو سعيد لَوْلَا أَن الله ﷿ أَدخل مُوسَى ﵇ فِي كنفه لأصابه مثل مَا أصَاب الْجَبَل
سَمِعت أَبَا عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الصياد بِمصْر يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد الخراز يَقُول رَأَيْت إِبْلِيس فِي النّوم وَهُوَ يمر عني نَاحيَة فَقلت لَهُ تعال فَقَالَ أيش أعمل بكم أَنْتُم طرحتم من نفوسكم مَا أخادع بِهِ النَّاس قلت مَا هُوَ قَالَ الدُّنْيَا فَلَمَّا ولى عني الْتفت إِلَيّ وَقَالَ غير أَن لي فِيكُم لَطِيفَة قلت مَا هِيَ قَالَ صُحْبَة الْأَحْدَاث قَالَ أَبُو سعيد وَقل من يتَخَلَّص من هَذَا من الصُّوفِيَّة
سَمِعت عَليّ بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الطَّحَّان يَقُول قَالَ أَبُو سعيد الخراز الْمُحب يتعلل إِلَى محبوبه بِكُل شَيْء وَلَا يتسلى عَنهُ بِشَيْء وَيتبع آثاره وَلَا يدع استخباره وَأنْشد
(أسائلكم عَنْهَا فَهَل من مخبر فَمَا لي بنعم مذ نأت دارها علم)
(فَلَو كنت أَدْرِي أَيْن خيم أَهلهَا وَأي بِلَاد الله إِذْ ظعنوا أموا)
(إِذا لسلكنا مَسْلَك الرّيح خلفهَا وَلَو أَصبَحت نعم وَمن دونهَا النَّجْم)
[ ١٨٦ ]
٣٥ - وَمِنْهُم عَليّ بن سهل الْأَصْبَهَانِيّ وَهُوَ عَليّ بن سهل بن الْأَزْهَر وكنيته أَبُو الْحسن
وَهُوَ من قدماء مَشَايِخ أَصْبَهَان كَانَ يُكَاتب الْجُنَيْد ويراسله وَهُوَ من أقرانه قَصده عَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ فِي دين كَانَ عَلَيْهِ بِمَكَّة فَكتب بديونه سفاتج إِلَى مَكَّة وَلم يُعلمهُ بذلك وَهُوَ ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم صحب مُحَمَّد ابْن يُوسُف بن معدان وَلَقي أَبَا تُرَاب النخشبي
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الطَّبَرِيّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن سهل بن الْأَزْهَر يَقُول الْمُبَادرَة إِلَى الطَّاعَات من عَلَامَات التَّوْفِيق والتقاعد عَن المخالفات من عَلَامَات حسن الرِّعَايَة ومراعاة الْأَسْرَار من عَلَامَات التيقظ وَإِظْهَار الدعاوي من رعونات البشرية وَمن لم يصحح مبادئ إِرَادَته لَا يسلم فِي مُنْتَهى عواقبه
وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول سَمِعت عليا يَقُول الغافلون يعيشون فِي حلم الله والذاكرون يعيشون فِي رَحْمَة الله والعارفون يعيشون فِي لطف الله والصادقون يعيشون فِي قرب الله والمحبون يعيشون فِي الْأنس بِاللَّه والشوق إِلَيْهِ
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا جَعْفَر الْأَصْبَهَانِيّ يَقُول سَمِعت
[ ١٨٧ ]
عَليّ بن سهل يَقُول الْحُضُور أفضل من الْيَقِين لِأَن الْحُضُور وطنات وَالْيَقِين خطرات
سَمِعت أَبَا نصر يَقُول سَمِعت أَبَا سلم الْأَصْبَهَانِيّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن سهل يَقُول حرَام على من عرف الله أَن يسكن إِلَى شَيْء غَيره
وَسمعت أَبَا نصر يَقُول سَمِعت أَبَا سلم يَقُول سَمِعت أَبَا جَعْفَر الْحداد يَقُول سَمِعت عَليّ بن سهل يَقُول من وَقت آدم إِلَى قيام السَّاعَة النَّاس يَقُولُونَ الْقلب الْقلب وَأَنا أحب أَن أرى رجلا يصف لي أيش الْقلب وَكَيف الْقلب فَلَا أرى
وبإسناده قَالَ عَليّ الْأنس بِاللَّه أَن تستوحش من الْخلق إِلَّا من أهل ولَايَة الله فَإِن الْأنس بِأَهْل ولَايَة الله هُوَ الْأنس بِاللَّه
وبإسناده قَالَ عَليّ لَا يغرنك من الأحمق كَثْرَة الِالْتِفَات وَسُرْعَة الْجَواب
وبإسناده قَالَ عَليّ الْعقل مَعَ الرّوح يدعوان إِلَى الْآخِرَة وَمُخَالفَة الْهوى والشهوات فَلذَلِك سمي روحا
وبإسناده قَالَ عَليّ المستهتر السالي بِاللَّه عَن كل شَيْء
وبإسناده قَالَ عَليّ من فقه قلبه أورثه ذَلِك الْإِعْرَاض عَن الدُّنْيَا وأبنائها فَإِن من جهل الْقلب مُتَابعَة سرُور لَا يَدُوم
وَأنْشد
(لَيْتَني مت فاسترحت فَإِنِّي كلما قلت قد قربت بَعدت)
وبإسناده قَالَ عَليّ الْفَقِيه من لَا يدْخل تَحت المنسوبات إِلَيْهِ
[ ١٨٨ ]
وبإسناده قَالَ عَليّ أعاذنا الله وَإِيَّاكُم من غرور حسن الْأَعْمَال مَعَ فَسَاد بواطن الْأَسْرَار
وبإسناده قَالَ عَليّ التصوف التبري عَمَّن دونه والتخلي عَمَّن سواهُ
وبإسناده قَالَ عَليّ الْعقل والهوى متنازعان فمعين الْعقل التَّوْفِيق وقرين الْهوى الخذلان وَالنَّفس واقفة بَينهمَا فَأَيّهمَا ظفر كَانَت فِي حيزه
وبإسناده قَالَ عَليّ التمست الْغنى فَوَجَدته فِي الْعلم والتمست الْفَخر فَوَجَدته فِي الْفقر والتمست الْعَافِيَة فَوَجَدتهَا فِي الزّهْد والتمست قلَّة الْحساب فَوَجَدتهَا فِي الصمت والتمست الرَّاحَة فَوَجَدتهَا فِي الْإِيَاس
وبإسناده قَالَ عَليّ رَأَيْت النَّاس قد أسرهم تَعْظِيم نُفُوسهم وتحسين ألفاظهم فَلَا يتفرغون مِنْهُمَا إِلَى من عظمهم بتخصيص الْخلقَة وأنطق ألسنتهم بتوحيده
وبإسناده قَالَ سُئِلَ عَليّ عَن حَقِيقَة التَّوْحِيد فَقَالَ قريب من الظنون بعيد من الْحَقَائِق وَأنْشد لبَعْضهِم
(فَقلت لِأَصْحَابِي هِيَ الشَّمْس ضوءها قريب وَلَكِن فِي تنَاولهَا بعد)
٣٦ - وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس بن مَسْرُوق واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَسْرُوق
[ ١٨٩ ]
من أهل طوس سكن بَغْدَاد وَمَات بهَا صحب الْحَارِث بن اسد المحاسبي وَالسري بن الْمُغلس السَّقطِي وَمُحَمّد بن مَنْصُور الطوسي وَمُحَمّد ابْن الْحُسَيْن البرجلاني
وَهُوَ من قدماء مَشَايِخ الْقَوْم وجلتهم توفّي بِبَغْدَاد سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الشعراني الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَسْرُوق الطوسي حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن البرجلاني حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن بكر بن سوَادَة عَن زِيَاد ابْن نعيم عَن وَرْقَاء بن عَمْرو الْحَضْرَمِيّ عَن رويفع بن ثَابت عَن النَّبِي ﷺ
[ ١٩٠ ]
قَالَ (من صلى عَليّ وَقَالَ اللَّهُمَّ أنزلهُ الْمقَام الْمَحْمُود المقرب عنْدك يَوْم الْقِيَامَة كَانَ فِي شَفَاعَتِي)
سَمِعت يحيى بن يحيى الشَّافِعِي يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نصير يَقُول سُئِلَ أَبُو الْعَبَّاس بن مَسْرُوق مَا التَّوَكُّل فَقَالَ اعْتِمَاد الْقلب على الله
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد أَيْضا سُئِلَ عَن التَّوَكُّل فَقَالَ اشتغالك عَمَّا لَك بِمَا عَلَيْك وخروجك مِمَّا عَلَيْك لمن ذَلِك لَهُ وَإِلَيْهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد أَيْضا سُئِلَ عَن التصوف فَقَالَ خلو الْأَسْرَار مِمَّا عَنهُ بُد وتعلقها بِمَا لَيْسَ مِنْهُ بُد
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سُئِلَ عَن سَماع الرباعيات فَقَالَ إِن قُلُوبنَا قُلُوب لم تألف الطَّاعَات طبعا وَإِنَّمَا ألفتها تكلفا فأخشى إِن أبحنا لَهَا رخصَة أَن تَتَخَطَّى إِلَى رخص وَلَا أرى سَماع الرباعيات إِلَّا لمستقيم الظَّاهِر وَالْبَاطِن قوي الْحَال تَامّ الْعلم
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَأَلت أَبَا الْعَبَّاس بن مَسْرُوق مَسْأَلَة فِي الْعقل فَقَالَ لي يَا أَبَا مُحَمَّد من لم يحْتَرز بعقله من عقله لعقله هلك بعقله
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سُئِلَ أَبُو الْعَبَّاس من الزَّاهِد فَقَالَ الَّذِي لَا يملكهُ مَعَ الله سَبَب
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس كَثْرَة النّظر فِي الْبَاطِل تذْهب بِمَعْرِفَة الْحق من الْقلب
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس علم الْحَال أقرب إِلَى الْيَقِين من علم الْقيام وَعلم الْقيام أَعلَى وأشرف
[ ١٩١ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس من كَانَ مؤدبه ربه لَا يغلبه أحد
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس من راقب الله تَعَالَى فِي خطرات قلبه عصمه الله فِي حركات جوارحه
وَبِه قَالَ إِن الله تَعَالَى وسم الدُّنْيَا بالوحشة لِئَلَّا يكون أنس المطيعين إِلَّا بِاللَّه ﷿
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَرَرْت مَعَ الْجُنَيْد فِي بعض دروب بَغْدَاد فَإِذا مغن يُغني وَيَقُول
(منَازِل كنت تهواها وتألفها أَيَّام أَنْت على الْأَيَّام مَنْصُور)
فَبكى الْجُنَيْد بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ لي يَا أَبَا الْعَبَّاس مَا أطيب منَازِل الألفة والأنس وأوحش مقامات المخالفات لَا أَزَال أحن إِلَى بَدْء إرادتي وحدة سعي وركوبي الْأَهْوَال طَمَعا فِي الْوُصُول وَهَا أنذا فِي أَيَّام الفترة أتلهف على أوقاتي الْمَاضِيَة
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَنْت فِي هدم عمرك مُنْذُ خرجت من بطن أمك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمُؤمن يقوى بِذكر الله وَالْمُنَافِق يقوى بِالْأَكْلِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس من تحقق بالتقوى هان عَلَيْهِ الْإِعْرَاض عَن الدُّنْيَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس تَعْظِيم حرمات الْمُؤمنِينَ من تَعْظِيم
[ ١٩٢ ]
حرمات الله تَعَالَى وَبِه يصل العَبْد إِلَى مُجمل حَقِيقَة التَّقْوَى
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس التَّقْوَى أَلا تمد عَيْنَيْك إِلَى زهرَة الدُّنْيَا وَلَا تتفكر بقلبك فِيهَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَكثر مَا يخَاف مِنْهُ الْعَارِف فَوت الْحق
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس شَجَرَة الْمعرفَة تسقى بِمَاء الفكرة وشجرة الْغَفْلَة تسقى بِمَاء الْجَهْل وشجرة التَّوْبَة تسقى بِمَاء الندامة وشجرة الْمحبَّة تسقى بِمَاء الِاتِّفَاق والمراقبة والإيثار
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس من يكن سروره بِغَيْر الْحق فسروره يُورث الهموم وَمن لم يكن أنسه فِي خدمَة ربه فَهُوَ من أنسه فِي وَحْشَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَتى مَا طمعت فِي الْمعرفَة وَلم تحكم قبلهَا مدارج الْإِرَادَة فَأَنت فِي جهل وَمَتى مَا طلبت الْإِرَادَة قبل تَصْحِيح مقَام التَّوْبَة فَأَنت فِي غَفلَة مِمَّا تطلبه
أَنْشدني الْحُسَيْن بن أَحْمد بن مُوسَى قَالَ أَنْشدني ابْن مخلد لأبي الْعَبَّاس ابْن مَسْرُوق
(وَإِنِّي لأهواه مسيئا ومحسنا وأقضي على قلبِي لَهُ بِالَّذِي يقْضى)
(فحتى مَتى روح الرِّضَا لَا ينالني وَحَتَّى مَتى أَيَّام سخطك لَا تمْضِي)
[ ١٩٣ ]
٣٧ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله المغربي واسْمه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل
كَانَ أستاذ إِبْرَاهِيم الْخَواص وَإِبْرَاهِيم بن شَيبَان صحب عَليّ بن رزين وعاش كَمَا قيل مائَة وَعشْرين سنة وَمَات على جبل طور سيناء وقبره عَلَيْهِ مَعَ قبر أستاذه عَليّ بن رزين مَاتَ سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَقيل تسع وَتِسْعين وَهَذَا أصح إِن شَاءَ الله وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز الطَّبَرِيّ قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن شَيبَان حَدثنَا أَبُو عبد الله المغربي حَدثنَا عَمْرو بن أبي غيلَان حَدثنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس أَن رجلا زار أَخا لَهُ فِي قَرْيَة فأرصد الله على مدرجته ملكا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْن تُرِيدُ قَالَ أُرِيد أَخا لي فِي هَذِه الْقرْيَة قَالَ هَل لَك عَلَيْهِ من نعْمَة تربها قَالَ لَا غير أَنِّي أحببته فِي الله قَالَ فَإِنِّي رَسُول الله إِلَيْك بِأَن الله قد أحبك كَمَا أحببته فِيهِ
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن شَيبَان يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله المغربى يَقُول الأبدال بِالشَّام والنجباء بِالْيمن وَالْأَخْبَار بالعراق وَسمعت أَبَا بكر يَقُول سَمِعت جعفرا يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله المغربي يَقُول الْفَقِير الْمُجَرّد من الدُّنْيَا وَإِن لم يعْمل شَيْئا من أَعمال الْفَضَائِل ذرة مِنْهُ أفضل من هَؤُلَاءِ المتعبدين الْمُجْتَهدين وَمَعَهُمْ الدُّنْيَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله مَا رَأَيْت أنصف من الدُّنْيَا إِن خدمتها خدمتك وَإِن تركتهَا تركتك
[ ١٩٤ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله أفضل الْأَعْمَال عمَارَة الْأَوْقَات بالموافقات
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله أعظم النَّاس ذلا فَقير داهن غَنِيا وتواضع لَهُ وَأعظم النَّاس عزا غَنِي تذلل لفقير وَحفظ حرمته
أَنْشدني أَبُو الْفرج الورثاني قَالَ أَنْشدني أَبُو عَليّ الْموصِلِي لأبي عبد الله المغربي
(يَا من يعد الْوِصَال ذَنبا كَيفَ اعتذاري ولي ذنُوب)
(إِن كَانَ ذَنبي إِلَيْك حبي فإنني مِنْهُ لَا أَتُوب)
سَمِعت عبد الله بن عَليّ بن يحيى يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله المغربي يَقُول أهل الْخُصُوص مَعَ الله تَعَالَى على ثَلَاث منَازِل قوم يضن بهم عَن الْبلَاء لِئَلَّا يسْتَغْرق الْجزع صبرهم فيكرهون حكمه أَو يكون فِي صُدُورهمْ حرج من قَضَائِهِ وَقوم يضن بهم عَن مساكنة أهل الْمعاصِي لِئَلَّا تغتم قُلُوبهم فَمن أجل ذَلِك سلمت صُدُورهمْ للْعَالم وَقوم صب عَلَيْهِم الْبلَاء صبا وصبرهم وارتضاهم فَمَا ازدادوا بذلك إِلَّا حبا لَهُ ورضا لحكمه وَله عباد منحهم نعما تجدّد عَلَيْهِم وأسبغ عَلَيْهِم بَاطِن الْعلم وَظَاهره وأحمل ذكرهم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله من ادّعى الْعُبُودِيَّة وَله مُرَاد بَاقٍ فِيهِ فَهُوَ كَاذِب فِي دَعْوَاهُ إِنَّمَا تصح الْعُبُودِيَّة لمن أفنى مراداته وَقَامَ بِمُرَاد سَيّده
[ ١٩٥ ]
يكون اسْمه مَا سمى بِهِ ونعته مَا حلى بِهِ إِذا سمى باسم أجَاب عَن الْعُبُودِيَّة فَلَا اسْم لَهُ وَلَا وسم لَا يُجيب إِلَّا لمن يَدعُوهُ بعبودية سَيّده ثمَّ بَكَى أَبُو عبد الله وَأَنْشَأَ يَقُول
(لَا تدعني إِلَّا بيا عَبدهَا فَإِنَّهَا أصدق أسمائي)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله الْفُقَرَاء الراضون هم أُمَنَاء الله فِي أرضه وحجته على عباده بهم ينْدَفع الْبلَاء عَن الْخلق
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله الْفَقِير الَّذِي لَا يرجع إِلَى مُسْتَند فِي الْكَوْن غير الالتجاء إِلَى من إِلَيْهِ فقره ليغنيه بالاستغناء بِهِ كَمَا عززه بالافتقار إِلَيْهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله مَا فطنت إِلَى هَذِه الطَّائِفَة واحترقت بِمَا فطنت
٣٨ - وَمِنْهُم أَبُو عَليّ الْجوزجَاني واسْمه الْحسن بن عَليّ
من كبار مَشَايِخ خُرَاسَان لَهُ التصانيف الْمَشْهُورَة تكلم فِي عُلُوم الْآفَات والرياضات والمجاهدات وَرُبمَا تكلم أَيْضا فِي شَيْء من عُلُوم المعارف وَالْحكم
صحب مُحَمَّد بن عَليّ التِّرْمِذِيّ وَمُحَمّد بن الْفضل وَهُوَ قريب السن مِنْهُم
[ ١٩٦ ]
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الْجوزجَاني يَقُول ثَلَاثَة أَشْيَاء من عقد التَّوْحِيد الْخَوْف والرجاء والمحبة فَزِيَادَة الْخَوْف من كَثْرَة الذُّنُوب لرؤية الْوَعيد وَزِيَادَة الرَّجَاء من اكْتِسَاب الْخَيْر لرؤية الْوَعْد وَزِيَادَة الْمحبَّة من كَثْرَة الذّكر لرؤية الْمِنَّة فالخائف لَا يستريح من الْهَرَب والراجي لَا يستريح من الطّلب والمحب لَا يستريح من ذكر المحبوب فالخوف نَار منورة والرجاء نور منور والمحبة نور الْأَنْوَار
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الْجوزجَاني يَقُول فِي الْبُخْل هُوَ ثَلَاثَة أحرف الْبَاء وَهُوَ الْبلَاء وَالْخَاء وَهُوَ الخسران وَاللَّام وَهُوَ اللوم فالبخيل بلَاء فِي نَفسه وخاسر فِي سَعْيه وملوم فِي بخله
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عَليّ يَقُول السَّابِقُونَ هم المقربون بالعطيات والمرتفعون فِي المقامات وهم الْعلمَاء بِاللَّه من بَين الْبَريَّة عرفُوا الله حق مَعْرفَته وعبدوه بإخلاص الْعِبَادَة وآووا إِلَيْهِ بالشوق والمحبة وهم الَّذين قَالَ الله ﷿ فيهم ﴿وَإِنَّهُم عندنَا لمن المصطفين الأخيار﴾ (ص: ٤٧)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عَليّ يَقُول من عَلَامَات السَّعَادَة على العَبْد تيسير الطَّاعَة عَلَيْهِ وموافقته للسّنة فِي أَفعاله وصحبته لأهل الصّلاح وَحسن خلقه مَعَ الإخوان وبذل معروفه لِلْخلقِ واهتمامه للْمُسلمين ومراعاته لأوقاته
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عَليّ يَقُول الشقي من أظهر مَا كتم الله عَلَيْهِ من مَعَاصيه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَأَلَهُ بعض أَصْحَابه كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الله فَقَالَ الطّرق إِلَيْهِ كَثِيرَة وَأَصَح الطّرق وأعمرها وأبعدها عَن الشّبَه اتِّبَاع السّنة قولا
[ ١٩٧ ]
وفعلا وعزما وعقدا وَنِيَّة لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَإِن تطيعوه تهتدوا﴾ (النُّور: ٥٤)
فَسَأَلَهُ كَيفَ الطَّرِيق إِلَى اتِّبَاع السّنة فَقَالَ مجانبة الْبدع وَاتِّبَاع مَا اجْتمع عَلَيْهِ الصَّدْر الأول من عُلَمَاء الْإِسْلَام والتباعد عَن مجَالِس الْكَلَام وَأَهله وَلُزُوم طَرِيق الِاقْتِدَاء والاتباع بذلك أَمر النَّبِي ﷺ بقوله ﷿ ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ (النَّحْل: ٢٣)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عَليّ وَسُئِلَ عَن أبي يزِيد البسطامي وَهَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي تحكى عَنهُ فَقَالَ رحم الله أَبَا يزِيد لَهُ حَاله وَمَا نطق بِهِ وَلَعَلَّه تكلم بهَا على حد الْغَلَبَة أَو حَال سكر كَلَامه لَهُ وَلمن تكلم عَلَيْهِ وَلَيْسَ لمن يحْكى عَنهُ فَالْزَمْ أَنْت يَا أخي أَولا مجاهدة أبي يزِيد وتقطعه ومعاملاته وَلَا ترتق إِلَى الْمقَام الَّذِي بلغ بِهِ بعد تِلْكَ المجاهدات فَإِن بلغ بك إِلَى شَيْء من ذَلِك فاحك إِذْ ذَاك كَلَامه فَلَيْسَ بعاقل من ضيع الْأَدْنَى من المقامات وَادّعى الْأَعْلَى مِنْهَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عَليّ يَقُول الْخلق كلهم فِي ميادين الْغَفْلَة يركضون وعَلى الظنون يعتمدون وَعِنْدهم أَنهم فِي الْحَقِيقَة يَتَقَلَّبُونَ وَعَن المكاشفة ينطقون
٣٩ - وَمِنْهُم مُحَمَّد وَأحمد ابْنا أبي الْورْد
[ ١٩٨ ]
وهما من كبار مَشَايِخ الْعِرَاقِيّين وجلتهم وَكَانَا من جلساء الْجُنَيْد وأقرانه صحبا سريا السَّقطِي وَأَبا الْفَتْح الْحمال وحارثا المحاسبي وبشرا الحافي وطريقتهما فِي الْوَرع قريبَة من طَريقَة بشر وَأسْندَ مُحَمَّد الحَدِيث
أخبرنَا سعيد بن الْقَاسِم بن الْعَلَاء البرذعي قَالَ حَدثنَا أَبُو طَلْحَة أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الْقَارئ بِالْبَصْرَةِ قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن أبي الْورْد قَالَ سَمِعت بشر بن الْحَارِث يَقُول حَدثنَا الْمعَافى بن عمرَان عَن إِسْرَائِيل عَن مُسلم عَن حَبَّة عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا عَليّ كل الثوم نيا فلولا أَن الْملك يأتيني لأكلته)
سَمِعت أَبَا الْفرج الورثاني عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الدِّمَشْقِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أبي الْورْد يَقُول فِي ارْتِفَاع الْغَفْلَة ارْتِفَاع الْعُبُودِيَّة ثمَّ الْغَفْلَة غفلتان غَفلَة رَحْمَة وغفلة نقمة فَأَما الَّتِي هِيَ رَحْمَة فَلَو كشف الغطاء وَشهد الْقَوْم العظمة مَا انْقَطَعُوا عَن الْعُبُودِيَّة ومراعاة السِّرّ وَأما الَّتِي هِيَ نقمة فَهِيَ الْغَفْلَة الَّتِي تشغل العَبْد عَن طَاعَة الله بمعصيته
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول قَالَ أَحْمد ابْن أبي الْورْد بسط بِسَاط الْمجد للأولياء ليأنسوا بِهِ وليرفع عَنْهُم حشمة بديهة الْمُشَاهدَة وبساط الهيبة بسط للأعداء ليستوحشوا من قبائح أفعالهم فَلَا يشاهدوا مَا يستروحون مِنْهُ إِلَيْهِ فِي المشهد الْأَعْلَى
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَحْمد بن أبي الْورْد يَقُول وصل الْقَوْم بِخمْس بِلُزُوم الْبَاب وَترك الْخلاف والنفاذ فِي الْخدمَة وَالصَّبْر على المصائب وصيانة الكرامات
[ ١٩٩ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت مُحَمَّد بن أبي الْورْد وَسُئِلَ من الْوَلِيّ فَقَالَ من يوالي أَوْلِيَاء الله ويعادي أعداءه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ مُحَمَّد بن أبي الْورْد من كَانَت نَفسه لَا تحب الدُّنْيَا فَأهل الأَرْض يحبونه وَمن كَانَ قلبه لَا يحب الدُّنْيَا فَأهل السَّمَاء يحبونه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَحْمد بن أبي الْورْد يَقُول إِذا زَاد الله فِي الْوَلِيّ ثَلَاثَة أَشْيَاء زَاد مِنْهُ ثَلَاثَة أَشْيَاء إِذا زَاد جاهه زَاد تواضعه وَإِذا زَاد مَاله زَاد سخاؤه وَإِذا زَاد عمره زَاد اجْتِهَاده
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت مُحَمَّد بن أبي الْورْد وَسُئِلَ عَن قَول تَعَالَى ﴿أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا﴾ (فاطر: ٨) فَقَالَ من ظن فِي إساءته أَنه محسن
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَحْمد بن أبي الْورْد يَقُول الْعَالم كُله فِي حَاشِيَة من حَوَاشِي الْملك وَالْملك فِي نَاحيَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت مُحَمَّد بن أبي الْورْد يَقُول طرح الدُّنْيَا إِلَى من أقبل عَلَيْهَا والإعراض عَنْهَا وَعَمن أقبل عَلَيْهَا من عمل الأكياس
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت بن أبي الْورْد يَقُول من آدَاب الْفَقِير فِي فقره ترك الْمَلَامَة وَالتَّعْبِير لمن ابتلى بِطَلَب الدُّنْيَا وَالرَّحْمَة والشفقة عَلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ ليريحه من تَعبه فِيهَا
أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن وَاصل قَالَ حَدثنَا عبد الْخَالِق بن الْحسن الْبَغَوِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن هَارُون الْهَاشِمِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي الْورْد قَالَ سَمِعت بشر بن الْحَارِث يَقُول رحلت إِلَى عِيسَى بن يُونُس على قدمي مَاشِيا فأكرمني وأدناني وَقَالَ لي مَا الَّذِي أقدمك قلت أَحْبَبْت
[ ٢٠٠ ]
لقاءك وَالنَّظَر إِلَيْك فَبكى وَقَالَ يَا أخي وَمن أَنا وَأي شَيْء أحسن أَنا ثمَّ قَالَ مَعَك شَيْء تسْأَل فَقلت حَدثنِي حَدِيث عبد الله بن عرَاك ابْن مَالك وَحَدِيث الْحسن عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ فَقَالَ عِيسَى نعم حَدثنَا عبد الله بن عرَاك بن مَالك عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَيْسَ على الْمُسلم فِي عَبده وَلَا فِي فرسه صَدَقَة)
ثمَّ قَالَ عِيسَى وَحدثنَا عَمْرو بن عبيد الْمُحدث المذموم عَن الْحسن عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله هَل على النِّسَاء جِهَاد (قَالَ نعم جِهَاد بِلَا قتال الْحَج وَالْعمْرَة)
٤٠ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله السجْزِي
صحب أَبَا حَفْص وَهُوَ من كبار مَشَايِخ خُرَاسَان وفتيانهم قطع الْبَادِيَة مرَارًا على التَّوَكُّل
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد الْفراء يَقُول قَالَ أَبُو عبد الله السجْزِي من لم يقدس علمه لم يقدس فعله وَمن لم يقدس فعله لم يقدس بدنه وَمن لم يقدس بدنه لم يقدس قلبه وَمن لم يقدس قلبه لم يقدس نِيَّته والأمور كلهَا مَبْنِيَّة على النِّيَّة
وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول قَالَ أَبُو عبد الله الْعبْرَة أَن تجْعَل كل حَاضرا غَائِبا والفكرة أَن تجْعَل كل غَائِب حَاضرا
سَمِعت جدي يَقُول دخل رجل على أبي عبد الله السجْزِي فَقَالَ لَهُ معي دِينَار أُرِيد أَن أدفعه إِلَيْك فَمَا ترى قَالَ إِن دَفعته إِلَيّ فَهُوَ خير لَك وَإِن لم تَدْفَعهُ إِلَيّ فَهُوَ خير لي وَأَنت أبْصر
[ ٢٠١ ]
وَسمعت جدي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول عَلامَة الْأَوْلِيَاء ثَلَاثَة تواضع عَن رفْعَة وزهد عَن قدرَة وإنصاف عَن قُوَّة
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله يَقُول كل واعظ لَا يقوم الْغنى من مَجْلِسه فَقِيرا وَالْفَقِير من مَجْلِسه غَنِيا فَلَيْسَ بواعظ
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله يَقُول بئس العَبْد عبد عصى الله بِقَلْبِه وجوارحه وَاعْتذر إِلَيْهِ بِلِسَانِهِ من غير رُجُوع عَمَّا سلف
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله يَقُول أَنْفَع شَيْء للمريدين صُحْبَة الصَّالِحين والاقتداء بهم فِي أفعالهم وأخلاقهم وشمائلهم وزيارة قُبُور الْأَوْلِيَاء وَالْقِيَام بِخِدْمَة الْأَصْحَاب والرفقاء
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله يَقُول لَا تعير أحدا بذنب حَتَّى تتيقن أَن ذنوبك مغفورة
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله وَقيل لَهُ لم لَا تلبس المرقعة فَقَالَ من النِّفَاق أَن تلبس لِبَاس الفتيان وَلَا تدخل فِي حمل أثقال الفتوة إِنَّمَا يلبس لِبَاس الفتيان من يصبر على حمل أثقال الفتوة فَقيل لَهُ مَا الفتوة فَقَالَ رُؤْيَة أعذار الْخلق وتقصيرك وتمامهم ونقصانك والشفقة على الْخلق كلهم برهم وفاجرهم وَكَمَال الفتوة هُوَ أَلا يشغلك الْخلق عَن الله ﷿
[ ٢٠٢ ]