٨١ - وَمِنْهُم سعيد بن الْأَعرَابِي واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد بن بشر بن دِرْهَم الْعَنزي
بَصرِي الأَصْل سكن بِمَكَّة وَكَانَ فِي وقته شيخ الْحرم وَمَات بهَا صنف للْقَوْم كتبا كَثِيرَة وَصَحب أَبَا الْقَاسِم الْجُنَيْد بن مُحَمَّد وَعَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ وَأَبا الْحُسَيْن النوري وحسنا المسوحي وَأَبا جَعْفَر الحفار وَأَبا الْفَتْح الْحمال وَكَانَ من جلة مشايخهم وعلمائهم مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَاسْنِدِ الحَدِيث وَرَوَاهُ وَكَانَ ثِقَة
أخبرنَا مُحَمَّد بن الْحسن بن الخشاب الْبَغْدَادِيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو سعيد أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد الْأَعرَابِي الصُّوفِي بِمَكَّة قَالَ أخبرنَا أَبُو يحيى مُحَمَّد ابْن سعيد بن غَالب الضَّرِير قَالَ حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تسبوا
[ ٣٢٠ ]
أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَن أحدكُم أنْفق مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد بن الْأَعرَابِي يَقُول إِن الله تَعَالَى طيب الدُّنْيَا للعارفين بِالْخرُوجِ مِنْهَا وَطيب الْجنَّة لأَهْلهَا بالخلود فِيهَا فَلَو قيل للعارف إِنَّك تبقى فِي الدُّنْيَا لمات كمدا وَلَو قيل لأهل الْجنَّة إِنَّكُم تخرجُونَ مِنْهَا لماتوا كمدا فطابت الدُّنْيَا بِذكر الْخُرُوج مِنْهَا وَطَابَتْ الْجنَّة بِذكر الخلود فِيهَا
قَالَ وَسمعت ابْن الْأَعرَابِي يَقُول أخسر الخاسرين من أبدى للنَّاس صَالح أَعماله وبارز بالقبيح من هُوَ أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد
سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن بن الخشاب يَقُول سَمِعت ابْن الْأَعرَابِي يَقُول الْمعرفَة كلهَا الِاعْتِرَاف بِالْجَهْلِ والتصوف كُله ترك الفضول والزهد كُله أَخذ مَا لَا بُد مِنْهُ وَإِسْقَاط مَا بَقِي والمعاملة كلهَا اسْتِعْمَال الأولى فَالْأولى من الْعلم والتوكل كُله طرح الكنف وَالرِّضَا كُله ترك الِاعْتِرَاض والمحبة كلهَا إِيثَار المحبوب على الْكل والعافية كلهَا إِسْقَاط التَّكَلُّف وَالصَّبْر كُله تلقي الْبلَاء بالرحب والتفويض كُله الطُّمَأْنِينَة عِنْد الْمَوَارِد وَالْيَقِين كُله ترك الشكوى عِنْدَمَا يضاد مرادك والثقة بِاللَّه علمك أَنه بك وبمصالحك أعلم مِنْك بِنَفْسِك
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد يَقُول إِن الله تَعَالَى أعَار بعض أَخْلَاق أوليائه أعداءه ليستعطف بهم على أوليائه
قَالَ وَسمعت أَبَا سعيد يَقُول الْقُلُوب إِذا أَقبلت روحت بالأرفاق وَإِذا
[ ٣٢١ ]
أَدْبَرت ردَّتْ إِلَى المشاق
قَالَ وَسمعت أَبَا سعيد يَقُول من أصلح الله همته لَا يتبعهُ بعد ذَلِك ركُوب الْأَهْوَال وَلَا مُبَاشرَة الصعاب وَعلا بعلو همته إِلَى أَسْنَى الْمَرَاتِب وتنزه عَن الدناءة أجمع
قَالَ وَسمعت أَبَا سعيد يَقُول اشتغالك بِنَفْسِك يقطعك عَن عبَادَة رَبك واشتغالك بهموم الدُّنْيَا يقطعك عَن هموم الْآخِرَة وَلَا عبد أعجز من عبد نسي فضل ربه وعد عَلَيْهِ تسبيحه وتكبيره الَّذِي هُوَ إِلَى الْحيَاء مِنْهُ أقرب من طلب ثَوَاب عَلَيْهِ أَو افتخار بِهِ
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد بن الْأَعرَابِي بِمَكَّة يَقُول ثَبت الْوَعْد والوعيد من الله تَعَالَى فَإِن كَانَ الْوَعْد قبل الْوَعيد فالوعيد تهديد وَإِن كَانَ الْوَعيد قبل الْوَعْد فالوعيد مَنْسُوخ وَإِذا اجْتمعَا مَعًا فالغلبة والثبات للوعد لِأَن الْوَعْد حق العَبْد والوعيد حَقه ﷿ والكريم يتغافل عَن حَقه وَلَا يهمل وَيتْرك مَا عَلَيْهِ
قَالَ وَسمعت أَبَا سعيد بن الْأَعرَابِي يَقُول إِن الله تَعَالَى جعل نعْمَته سَببا لمعرفته وتوفيقه سَببا لطاعته وعصمته سَببا لاجتناب مَعْصِيَته وَرَحمته سَببا للتَّوْبَة وَالتَّوْبَة سَببا لمغفرته والدنو مِنْهُ
قَالَ وَسمعت أَبَا سعيد يَقُول إِن الله تَعَالَى خلق ابْن آدم من الْغَفْلَة وَركب فِيهِ الشَّهْوَة وَالنِّسْيَان فَهُوَ كُله غَفلَة إِلَّا أَن يرحم الله عبدا فينبهه وَأقرب النَّاس إِلَى التَّوْفِيق من عرف نَفسه بِالْعَجزِ والذل والضعف وَقلة الْحِيلَة مَعَ التَّوَاضُع لله وَقل من ادّعى فِي أمره قُوَّة إِلَّا خذل ووكل إِلَى قوته
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد يَقُول مدارج الْعُلُوم بالوسائط ومدارج الْحَقَائِق بالمكاشفة
[ ٣٢٢ ]
قَالَ وَسمعت أَبَا سعيد يَقُول من طلب الطَّرِيق إِلَيْهِ وصل إِلَى الطَّرِيق بِجهْد واجتهاد ومجاهدة وَمن طلبه اسْتغنى عَن الطَّرِيق والأدلة وَكَانَ الْحق دَلِيله إِلَيْهِ وموصله لَا غير
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو سعيد مَا الَّذِي ترْضى من أوقاتك فَقَالَ الْأَوْقَات كلهَا لله تَعَالَى وَأحسن الْأَوْقَات وَقت يجْرِي الْحق فِيهِ عَليّ مَا يرضيه عني
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو سعيد عَن أَخْلَاق الْفُقَرَاء فَقَالَ أَخْلَاقهم السّكُون عِنْد الْفقر وَالِاضْطِرَاب عِنْد الْوُجُود والأنس بالهموم والوحشة عِنْد الأفراح
قَالَ وَسمعت أَبَا سعيد يَقُول العارفون بَين ذائق وشائق ووامق فالمقة شاقتهم والشوق ذوقهم فَمن ذاق فِي شوق فروى سكن وَتمكن وَمن ذاق فِيهِ من غير ري أورثه الإنزعاج والهيمان
٨٢ - وَمِنْهُم أَبُو عَمْرو الزجاجي واسْمه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن يُوسُف ابْن مُحَمَّد
نيسابوري الأَصْل صحب أَبَا عُثْمَان والجنيد والنوري ورويما وَإِبْرَاهِيم الْخَواص دخل مَكَّة وَأقَام بهَا وَصَارَ شيخها والمنظوم إِلَيْهِ فِيهَا حج قَرِيبا من سِتِّينَ حجَّة
سَمِعت جدي ﵀ يَقُول كنت بِمَكَّة وَكَانَ بهَا الكتاني والنهرجوري والمرتعش وَغَيرهم من الْمَشَايِخ فَكَانُوا يعقدون حَلقَة وَصدر
[ ٣٢٣ ]
الْحلقَة لأبي عَمْرو وَإِذا تكلمُوا فِي شَيْء رَجَعَ جَمِيعهم إِلَى مَا يَقُول أَبُو عَمْرو
وَسمعت ابا عُثْمَان المغربي يَقُول كَانَ أَبُو عَمْرو من السالكين
وآياته وفضائله أَكثر من أَن تحصى وتعد وَقيل إِنَّه لم يبل وَلم يتغوط فِي الْحرم أَرْبَعِينَ سنة وَهُوَ مُقيم بِهِ توفّي بِمَكَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الزجاجي يَقُول الْمعرفَة على سِتَّة أوجه معرفَة الوحدانية وَمَعْرِفَة التَّعْظِيم وَمَعْرِفَة الْمِنَّة وَمَعْرِفَة الْقُدْرَة وَمَعْرِفَة الْأَزَل وَمَعْرِفَة الْأَسْرَار
سَمِعت جدي يَقُول سُئِلَ أَبُو عَمْرو الزجاجي مَا بالك تَتَغَيَّر عَن التَّكْبِيرَة الأولى فِي الْفَرَائِض فَقَالَ لِأَنِّي افْتتح فريضتي بِخِلَاف الصدْق فَمن يقل الله أكبر وَفِي قلبه شَيْء أكبر مِنْهُ أَو قد كبر شَيْئا سواهُ على مُرُور الْأَوْقَات كذب نَفسه على لِسَانه
قَالَ وَسمعت أَبَا عَمْرو الزجاجي يَقُول من تكلم على حَال لم يصل إِلَيْهِ كَانَ كَلَامه فتْنَة لمن يسمعهُ وَدَعوى تتولد فِي قلبه وَحرمه الله الْوُصُول إِلَى ذَلِك الْحَال وبلوغه
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو يَقُول قسم الله الرَّحْمَة لمن اهتم بِأَمْر دينه
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو عَمْرو عَن الحمية فَقَالَ الحمية فِي الْقُلُوب تَصْحِيح الْإِخْلَاص وملازمته وَالْحمية فِي النُّفُوس ترك الدَّعْوَى ومجانبتها
قَالَ وَسمعت أَبَا عَمْرو يَقُول الحمية ترك الشكوى من الْبلوى بل
[ ٣٢٤ ]
استلذاذ الْبلوى إِذْ الْكل مِنْهُ فَمن أسخطه وَارِد من محبوبه يبين عَلَيْهِ نُقْصَان محبته
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو عَمْرو عَن السماع فَقَالَ مَا أدون حَال من يحْتَاج إِلَى مزعج يزعجه إِلَيْهِ السماع من ضعف الْحَال وَلَو قوي لاستغنى عَن السماع والأوتار
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عمر الزجاجي يَقُول من جاور بِالْحرم وَقَلبه مُتَعَلق بِشَيْء سوى الله تَعَالَى فقد أظهر خسارته
قَالَ وَسمعت أَبَا عَمْرو الزجاجي يَقُول من تشوف بِالْحرم رفقا من غير من جاوره بعده الله تَعَالَى عَن جواره ووكل بِقَلْبِه الشُّح وَأطلق لِسَانه بالشكوى وَمسح قلبه عَن المعارف وأظلمه عَن أنوار الْيَقِين ووكله إِلَى حوله وقوته ومقته عِنْد خلقه
قَالَ وَسمعت أَبَا عَمْرو الزجاجي يَقُول الضَّرُورَة مَا تمنع صَاحبهَا عَن القال والقيل وَالْخَبَر والاستخبار وتشغله بالاهتمام بوقته عَن التفرغ إِلَى أَوْقَات غَيره
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الزجاجي يَقُول كَانَ النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة يتبعُون مَا تستحسنه عُقُولهمْ وطبائعهم فجَاء النَّبِي ﷺ فردهم إِلَى الشَّرِيعَة والاتباع فالعقل الصَّحِيح هُوَ الَّذِي يستحسن محَاسِن الشَّرِيعَة ويستقبح مَا تستقبحه
سَمِعت أَبَا عبد الله الْكرْمَانِي يَقُول قَالَ رجل لأبي عَمْرو الزجاجي كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى فَقَالَ لَهُ أَبُو عَمْرو أبشر فشوقك إِلَيْهِ أزعجك لطلب دَلِيل يدلك عَلَيْهِ
[ ٣٢٥ ]
قَالَ قَالَ أَبُو عَمْرو قَلْبك أعرف أدلتك إِذا ساعده التَّوْفِيق فدع مَا أنكرهُ قَلْبك فَقل قلب يسكن إِلَى الْمُخَالفَة على دوَام الْأَوْقَات
٨٣ - وَمِنْهُم جَعْفَر الْخُلْدِيِّ وَهُوَ جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نصير أَبُو مُحَمَّد الْخَواص
بغدادي المنشأ والمولد صحب الْجُنَيْد بن مُحَمَّد وَعرف بِصُحْبَتِهِ وَصَحب أَبَا الْحُسَيْن النوري ورويما وسمنون وَأَبا مُحَمَّد الْجريرِي وَغَيرهم من مَشَايِخ الْوَقْت وَكَانَ الْمرجع إِلَيْهِ فِي عُلُوم الْقَوْم وكتبهم وحكاياتهم وسيرهم
سَمِعت الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد ابْن نصير يَقُول عِنْدِي مائَة ونيف وَثَلَاثُونَ ديوانا من دواوين الصُّوفِيَّة قَالَ فَقلت لَهُ عنْدك من كتب مُحَمَّد بن عَليّ التِّرْمِذِيّ شَيْئا فَقَالَ لَا مَا عددته فِي الصُّوفِيَّة
كَانَ من أفتى الْمَشَايِخ وأجلهم وَأَحْسَنهمْ قولا حج قَرِيبا من سِتِّينَ حجَّة
وَتُوفِّي بِبَغْدَاد سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة وقبره بالشونيزية عِنْد قبر
[ ٣٢٦ ]
سري السَّقطِي والجنيد وَأسْندَ الحَدِيث وَرَوَاهُ
أخبرنَا يُوسُف بن عمر بن مسرور الزَّاهِد بِبَغْدَاد قَالَ حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نصير الْخُلْدِيِّ إملاء قَالَ حَدثنَا الْحَارِث بن أبي أُسَامَة قَالَ حَدثنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ أخبرنَا أَزْهَر بن سِنَان الْقرشِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن وَاسع قَالَ قدمت مَكَّة فَلَقِيت بهَا سَالم بن عبد الله بن عمر فَحَدثني عَن أَبِيه عَن جده عمر عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من دخل السُّوق فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير كتب الله لَهُ ألف ألف حَسَنَة ومحا عَنهُ ألف ألف سَيِّئَة وَرفع لَهُ ألف ألف دَرَجَة أَو قَالَ بنى لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة) شكّ يزِيد
قَالَ فَقدمت خُرَاسَان فَلَقِيت قُتَيْبَة بن مُسلم فَقلت أَتَيْتُك بهدية فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ فَكَانَ قُتَيْبَة يركب فِي موكبه فَيَأْتِي السُّوق فيقولها ثمَّ ينْصَرف
سَمِعت أَبَا الْفَتْح القواس الزَّاهِد بِبَغْدَاد يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد الْخُلْدِيِّ يَقُول لَا يجد العَبْد لَذَّة الْمُعَامَلَة مَعَ لَذَّة النَّفس لِأَن أهل الْحَقَائِق قطعُوا العلائق الَّتِي تقطعهم عَن الْحق قبل أَن تقطعهم العلائق
قَالَ وَقَالَ جَعْفَر الْفرق بَين الرِّيَاء وَالْإِخْلَاص أَن الْمرَائِي يعْمل ليرى والمخلص يعْمل ليصل
قَالَ قَالَ جَعْفَر الفتوة احتقار النَّفس وتعظيم حُرْمَة الْمُسلمين
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الْخلال بمرو يَقُول سَمِعت
[ ٣٢٧ ]
جَعْفَر الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد وَسُئِلَ عَن التصوف يَقُول الْعُلُوّ إِلَى كل خلق شرِيف والعدول عَن كل خلق دنيء فَسَأَلَهُ السَّائِل فَقَالَ مَا تَقول أَنْت فَقَالَ مثل قَوْله ثمَّ قَالَ المتناهي فِي حَاله يتوقى كل شَيْء وَيدخل فِي كل شَيْء وَيَأْخُذ من كل شَيْء وَلَا يسترقه شَيْء وَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْء وَاسْتدلَّ بِأَمْر النَّبِي ﷺ فِي أوليته إِذا رأى نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ يَقُول دَثرُونِي دَثرُونِي حَتَّى تمكن
قَالَ وَسمعت جَعْفَر الْخُلْدِيِّ يَقُول كن لله عبدا خَالِصا تكن عَن الأغيار حرا
سَمِعت الْحُسَيْن بن يحيى الشَّافِعِي يَقُول سَمِعت جَعْفَر الْخُلْدِيِّ وَسُئِلَ عَن التَّوَكُّل فَقَالَ اسْتِوَاء الْقلب عِنْد الْوُجُود والعدم بل الطَّرب عِنْد الْعَدَم والخمول عِنْد الْوُجُود بل الاسْتقَامَة مَعَ الله تَعَالَى على الْحَالين
قَالَ وَسمعت بعض أَصْحَاب جَعْفَر يَقُول مَرَرْت مَعَه بمقبرة الشونيزية وَامْرَأَة تبْكي بكاء وتندب على قبر فَقَالَ لَهَا جَعْفَر مَا لَك فَقَالَت ثَكْلَى بولدي فَأَنْشد جَعْفَر يَقُول
(يَقُولُونَ ثَكْلَى وَمن لم يذقْ فِرَاق الْأَحِبَّة لم يثكل)
(لقد جرعتني ليَالِي الْفِرَاق شرابًا أَمر من الحنظل)
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْخلال بمرو يَقُول سَمِعت جَعْفَر يَقُول لرجل كن شرِيف الهمة فَإِن الهمم تبلغ بِالرِّجَالِ لَا المجاهدات
قَالَ وَسمعت جَعْفَر يَقُول سعي الْأَحْرَار لإخوانهم لَا لأَنْفُسِهِمْ
قَالَ قَالَ جَعْفَر لبَعض أَصْحَابه اجْتنب الدعاوي وَالْتزم الْأَوَامِر فكثيرا
[ ٣٢٨ ]
مَا كنت أسمع سيدنَا الْجُنَيْد يَقُول من لزم طَريقَة الْمُعَامَلَة على الْإِخْلَاص أراحه الله من الدعاوي الكاذبة
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول سَمِعت جَعْفَر الْخُلْدِيِّ يَقُول إِن مَا بَين العَبْد وَبَين الْوُجُود أَن تسكن التَّقْوَى قلبه فَإِذا سكن التَّقْوَى قلبه نزل عَلَيْهِ بَرَكَات الْعلم وطردت رَغْبَة الدُّنْيَا عَنهُ
قَالَ وَسُئِلَ جَعْفَر عَن الزّهْد فَقَالَ من أَرَادَ أَن يزهد فليزهد أَولا فِي الرياسة ثمَّ ليزهد فِي قدر نصيب نَفسه ومراداتها
قَالَ قَالَ جَعْفَر المجاهدات فِي السياحات والسياحة سياحتان سياحة النَّفس ليجول فِي الملكوت فيورد على صَاحبه بَرَكَات بَرَكَات مشاهدات الغيوب فيطمئن الْقلب عِنْد الْمَوَارِد لمشاهدة الغيوب وتطمئن النَّفس عَن المرادات لبركة آثَار الْقُدْرَة عَلَيْهِ
قَالَ وَسُئِلَ جَعْفَر عَن الْعقل فَقَالَ الْعقل مَا يبعدك عَن مراتع الهلكة
قَالَ وَقَالَ جَعْفَر الْمُحب يجْهد فِي كتمان حبه وتأبى الْمحبَّة إِلَّا الاشتهار وكل شَيْء ينم على الْحبّ حَتَّى يظهره
قَالَ وأنشدنا جَعْفَر فِي خلال كَلَام لبَعْضهِم
(زائر نم عَلَيْهِ حسنه كَيفَ يخفى اللَّيْل بَدْرًا طلعا)
(راقب الْغَفْلَة حَتَّى أمكنت ورعا الحارس حَتَّى هجما)
(ركب الْأَهْوَال فِي زورته ثمَّ مَا سلم حَتَّى ودعا)
قَالَ وَسُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله﴾
[ ٣٢٩ ]
الْمَائِدَة ٥ فَقَالَ من لَا يجْتَهد فِي مَعْرفَته لَا يقبل خدمته
قَالَ وَقَالَ جَعْفَر من ألْقى إِلَيْهِ الصّلاح الْتزم الْحُرْمَة لِلْخلقِ وَمن ألْقى إِلَيْهِ روح الصديقية طَالب نَفسه بِالصّدقِ فِي أَحْوَاله وَمن ألْقى إِلَيْهِ روح الْمعرفَة عرف موارد الْأُمُور ومصادرها وَمن ألْقى إِلَيْهِ روح الْمُشَاهدَة أكْرم بِالْعلمِ اللدني
٨٤ - وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس السياري واسْمه الْقَاسِم بن الْقَاسِم بن مهْدي ابْن بنت أَحْمد بن سيار
كَانَ من أهل مرو وشيخهم وَأول من تكلم عِنْدهم من أهل بلدهم فِي حقائق الْأَحْوَال صحب أَبَا بكر مُحَمَّد بن مُوسَى الفرغاني الوَاسِطِيّ وَإِلَيْهِ ينتمي فِي عُلُوم هَذِه الطَّائِفَة وَكَانَ أحسن الْمَشَايِخ لِسَانا فِي وقته يتَكَلَّم فِي عُلُوم التَّوْحِيد على لِسَان الْجَبْر وَجَمِيع من بكورته من أهل السّنة فهم أَصْحَابه كَانَ فَقِيها عَالما كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا عبد الْوَاحِد بن عَليّ السياري قَالَ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس الْقَاسِم بن الْقَاسِم السياري حَدثنَا أَبُو الموجه مُحَمَّد بن عَمْرو بن الموجه أخبرنَا عبد الله بن عُثْمَان قَالَ قَرَأت على أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (خير الْكَلَام أَربع لَا يَضرك بأيهن بدأت سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر)
[ ٣٣٠ ]
وَأخْبرنَا عبد الْوَاحِد بن عَليّ قَالَ أخبرنَا خَالِي أَبُو الْعَبَّاس قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن عباد بن سُلَيْمَان وَكَانَ من الزهاد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عُبَيْدَة النافقاني قَالَ حَدثنَا عبد الله بن عبيد بن العامري حَدثنَا سُورَة بن شَدَّاد الزَّاهِد عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم عَن مُوسَى بن يزِيد عَن أويس الْقَرنِي عَن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِد مَا من عبد يَدْعُو بِهَذِهِ الْأَسْمَاء إِلَّا وَجَبت لَهُ الْجنَّة إِنَّه وتر يحب الْوتر هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر الْخَالِق البارئ المصور الْغفار القهار الْوَهَّاب الرَّزَّاق الفتاح الْعَلِيم الْقَابِض الباسط الْخَافِض الرافع الْمعز المذل السَّمِيع الْبَصِير الحكم الْعدْل اللَّطِيف الْخَبِير الْحَلِيم الْعَظِيم الغفور الشكُور الْعلي الْكَبِير الحفيظ المقيت الحسيب الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجيب الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمجِيد الْبَاعِث الشَّهِيد الْحق الْوَكِيل الْقوي المتين الْوَلِيّ الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الْحَيّ القيوم الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الْأَحَد الصَّمد الْقَادِر المقتدر الْمُقدم الْمُؤخر الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن الْوَالِي المتعالي الْبر التواب المنتقم الْعَفو الرءوف مَالك الْملك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام المقسط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغنِي الْمَانِع الضار النافع النُّور الْهَادِي البديع الْبَاقِي الرشيد الصبور مثل حَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن عَليّ السياري يَقُول سَمِعت خَالِي أَبَا الْعَبَّاس السياري يَقُول كَيفَ السَّبِيل إِلَى ترك ذَنْب كَانَ عَلَيْك فِي اللَّوْح
[ ٣٣١ ]
الْمَحْفُوظ مَحْفُوظًا أَو إِلَى صرف قَضَاء كَانَ بِهِ العَبْد مربوطا
قَالَ وسمعته يَوْمًا وَقيل لَهُ بِمَ يروض المريد نَفسه وَكَيف يروضها فَقَالَ بِالصبرِ على الْأَوَامِر وَاجْتنَاب النواهي وصحبة الصَّالِحين وخدمة الرفقاء ومجالسة الْفُقَرَاء والمرء حَيْثُ وضع نَفسه ثمَّ تمثل وَأنْشد يَقُول
(صبرت على اللَّذَّات حَتَّى تولت وألزمت نَفسِي هجرها فاستمرت)
(وَمَا النَّفس إِلَّا حَيْثُ يَجْعَلهَا الْفَتى فَإِن أطعمت تاقت وَإِلَّا تسلت)
(وَكَانَت على الْأَيَّام نفس عزيزة فَلَمَّا رَأَتْ عزمي على الذل)
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْأَغْنِيَاء أَرْبَعَة غَنِي بِاللَّه وغني بغنى الله قَالَ النَّبِي ﷺ (الْغَنِيّ غَنِي الْقلب) وغني بِالْيَقِينِ قَالَ النَّبِي ﷺ (كفى بِالْيَقِينِ غنى) وغني لَا يذكر غنى وَلَا فقرا لما ورد على سره من هَيْبَة الْقُدْرَة
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن عَليّ قَالَ سُئِلَ أَبُو الْعَبَّاس عَن الْمعرفَة فَقَالَ حَقِيقَة الْمعرفَة الْخُرُوج عَن المعارف
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس ايضا حَقِيقَة الْمعرفَة أَلا يخْطر بِالْقَلْبِ مَا دونه
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَا التذ عَاقل بمشاهدة قطّ لِأَن مُشَاهدَة الْحق فنَاء لَيْسَ فِيهِ لَذَّة وَلَا التذاذ وَلَا حَظّ وَلَا احتظاظ
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس من عرف الله خضع لَهُ كل شَيْء لِأَنَّهُ عاين أثر ملكه فِيهِ
[ ٣٣٢ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَا نطق أحد عَن الْحق إِلَّا من كَانَ محجوبا
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْحق إِذا لاحظ عبدا ببره غيبه عَن كل مَكْرُوه فِي وقته وَإِذا لاحظه بسخطه أظهر عَلَيْهِ من الوحشة مَا يهرب مِنْهُ كل أحد
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس من حفظ قلبه مَعَ الله بِالصّدقِ أجْرى الله على لِسَانه الْحِكْمَة
قَالَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الخطرة للأنبياء والوسوسة للأولياء والفكرة للعوام والعزم للفتيان
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو الْعَبَّاس عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا﴾ الْفَتْح ٢٦ فَقَالَ أهلهم فِي الْأَزَل للتقوى فأظهر عَلَيْهِم فِي الْوَقْت كلمة الْإِيمَان وَالْإِخْلَاص
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَا استقام إِيمَان عبد حَتَّى يصبر على الذل مثل مَا يصير على الْعِزّ
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس حسوس قصرت عَن أوائلها فتخلفت عَن أواخرها وغذيت بِمَا لَا خطر لَهُ كَيفَ يمر بهَا ذكر بارئها
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس ظلم الأطماع تمنع أنوار المشاهدات
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن عَليّ يَقُول قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الربوبية نَفاذ الْأَمر والمشيئة وَالتَّقْدِير والقضية والعبودية معرفَة المعبود وَالْقِيَام بالعهود
قَالَ وَسمعت أَبَا الْعَبَّاس يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ الرَّحْمَن ٢٩ قَالَ إِظْهَار غَائِب وتغييب ظَاهر
[ ٣٣٣ ]
قَالَ وَقَالَ لَهُ رجل أوصني فَقَالَ كن شرِيف الهمة قريب المنظر بعيد المأخذ عَزِيزًا غَرِيبا
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس لِبَاس الْهِدَايَة للعامة ولباس الهيبة للعارفين ولباس الزِّينَة لأهل الدُّنْيَا ولباس اللِّقَاء للأولياء ولباس التَّقْوَى لأهل الْحُضُور قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير﴾ الْأَعْرَاف ٢٦
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس قيل لبَعض الْحُكَمَاء من أَيْن معاشك قَالَ من عِنْد من ضيق المعاش على من شَاءَ من غير عِلّة ووسع على من شَاءَ من غير عِلّة
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس من دقق النّظر فِي أَمر دينه وسع عَلَيْهِ الصِّرَاط فِي وقته وَمن وسع النّظر فِي أَمر دينه ضيق عَلَيْهِ الصِّرَاط فِي وقته وَمن غَابَ عَن حُقُوقه بحقوقه تَعَالَى غَابَ عَن كل شدَّة وعقوبة
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن عَليّ السياري يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس السياري يَقُول لَو جَازَ أَن يُصَلِّي بِبَيْت من الشّعْر لجَاز أَن يُصَلِّي بِهَذَا الْبَيْت
(أَتَمَنَّى على الزَّمَان محالا أَن ترى مقلتاي طلعة حر)
قَالَ وَسمعت أَبَا الْعَبَّاس السياري يَقُول مَا أظهر الله تَعَالَى شَيْئا إِلَّا تَحت ستره وَستر سَيِّئَة الْأَشْيَاء عَن الاشياء حَتَّى لَا يَسْتَوِي علمَان وَلَا معرفتان وَلَا قدرتان
قَالَ وَكَثِيرًا مَا كَانَ أَبُو الْعَبَّاس ينشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
[ ٣٣٤ ]
(فَلَمَّا استنار أدرج ضوؤه بأسفاره أنوار ضوء الْكَوَاكِب)
(يجرعهم كأسا لَو ابتلى اللظى يتحريقه طارت كأسرع ذَاهِب)
٨٥ - وَمِنْهُم أَبُو بكر الدقي وَهُوَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن دَاوُد الدينَوَرِي
أَقَامَ بِالشَّام وَعمر فَوق مائَة سنة وَكَانَ من أَقْرَان أبي عَليّ الرُّوذَبَارِي إِلَّا أَنه عمر صحب أَبَا عبد الله بن الْجلاء وَإِلَيْهِ كَانَ ينتمي وَكَانَ من أجل مَشَايِخ وقته وَأَحْسَنهمْ حَالا وأقدمهم صُحْبَة للمشايخ وَصَحب أَيْضا أَبَا بكر الزقاق الْكَبِير وَأَبا بكر الْمصْرِيّ مَاتَ بعد الْخمسين وثلاثمائة
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن دَاوُد الدقي وَسُئِلَ عَن الْفرق بَين الْفقر والتصوف فَقَالَ الْفقر حَال من أَحْوَال التصوف
فَقيل لَهُ مَا عَلامَة الصُّوفِي فَقَالَ أَن يكون مَشْغُولًا بِكُل مَا هُوَ أولى بِهِ من غَيره وَيكون مَعْصُوما عَن المذمومات
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الدقي يَقُول عَلامَة الْقرب الِانْقِطَاع عَن كل شَيْء سوى الله تَعَالَى
[ ٣٣٥ ]
سَمِعت أَبَا عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الدقي يَقُول كم من مسرور سروره بلاؤه وَكم من مغموم غمه نجاته
قَالَ وَسمعت الدقي يَقُول الْفَقِير هُوَ الَّذِي عدم الْأَسْبَاب من ظَاهره وَعدم طلب الْأَسْبَاب من بَاطِنه
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الدقي يَقُول من عرف ربه لم يَنْقَطِع رجاؤه وَمن عرف نَفسه لم يعجب بِعِلْمِهِ وَمن عرف الله لَجأ إِلَيْهِ وَمن نسي الله لَجأ إِلَى المخلوقين وَالْمُؤمن لَا يسهو حَتَّى يغْفل فَإِذا تفكر حزن واستغفر
وسمعته يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الدقي يَقُول كَلَام الله تَعَالَى إِذا اضاء على السرائر بإشراقه أَزَال البشرية برعوناتها
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سُئِلَ الدقي عَن سوء أدب الْفُقَرَاء مَعَ الله تَعَالَى فِي أَحْوَالهم فَقَالَ ذَاك انحطاطهم عَن حَقِيقَة الْعلم إِلَى ظَاهر الْعلم
قَالَ وَسمعت الدقي يَقُول الْمعدة مَوضِع لجمع الْأَطْعِمَة فَإِذا طرحت فِيهَا الْحَلَال صدرت الْأَعْضَاء الصَّالِحَة وَإِذا طرحت فِيهَا الشُّبْهَة اشْتبهَ عَلَيْك الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى وَإِذا طرحت فِيهَا الْحَرَام كَانَ بَيْنك وَبَين الله حجاب
سَمِعت أَبَا عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الدقي يَقُول إِن الْقُلُوب الَّتِي نزهت عَن الْعُيُوب لتأييد ورد عَلَيْهَا من الغيوب
قَالَ وَسمعت أَبَا بكر الدقي يَقُول الْإِخْلَاص أَن يكون ظَاهر الْإِنْسَان وباطنه وسكونه وحركاته خَالِصا لله لَا يشوبه حَظّ نفس وَلَا هوى وَلَا خلق وَلَا طمع
[ ٣٣٦ ]
قَالَ وسمعته يَقُول خلق الله تَعَالَى الْخَلَائق كلهم متحركين يدبون على الأَرْض وَجعل الْحَيَاة مِنْهُم لأهل الْمعرفَة فالخلق متحركون فِي أسبابهم وَأهل الْمعرفَة أَحيَاء بحياة معروفهم فَلَا حَيَاة حَقِيقَة إِلَّا لأهل الْمعرفَة لَا غير
٨٦ - وَمِنْهُم عبد الله الرَّازِيّ وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ الشعراني
رازي الاصل ومولده ومنشأه بنيسابور صحب الْجُنَيْد بن مُحَمَّد وَأَبا عُثْمَان وَمُحَمّد بن الْفضل ورويما وسمنون ويوسف بن الْحسن وَأَبا عَليّ الْجوزجَاني وَمُحَمّد بن حَامِد وَغَيرهم من مَشَايِخ الْقَوْم وَهُوَ من جلة أَصْحَاب أبي عُثْمَان وَكَانَ أَبُو عُثْمَان يُكرمهُ ويجله وَيعرف لَهُ مَحَله
وَهُوَ من أجل مَشَايِخ نيسابور فِي وقته لَهُ من الرياضات مَا يعجز عَنْهَا إِلَّا أَهلهَا وَكَانَ عَالما بعلوم الطَّائِفَة وَكتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ وَكَانَ ثِقَة مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا عبد الله الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا يحيى بن أَحْمد بن جبلة قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن أنس ﵁ قَالَ أَمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة
سَمِعت أَبَا عَليّ بن جمشاد الصَّائِغ يَقُول سَمِعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول وَسُئِلَ أَو سَأَلته مَا بَال النَّاس يعْرفُونَ عيوبهم وعيوب مَا هم فِيهِ وَلَا ينتقلون من ذَلِك وَلَا يرجعُونَ إِلَى طَرِيق الصَّوَاب فَقَالَ لأَنهم اشتغلوا بالمباهاة بِالْعلمِ وَلم يشتغلوا بِاسْتِعْمَالِهِ بآداب الظَّوَاهِر وَتركُوا آدَاب
[ ٣٣٧ ]
البواطن فَأعمى الله قُلُوبهم عَن النّظر إِلَى الصَّوَاب وَقيد جوارحهم عَن الْعِبَادَات
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد الْمعلم يَقُول سَمِعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول الْعَارِف لَا يعبد الله على مُوَافقَة الْخلق بل يعبده على مُوَافَقَته ﷿
سَمِعت أَبَا نصر مُحَمَّد بن أَحْمد يَقُول سَمِعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول دَلَائِل الْمعرفَة الْعلم وَالْعَمَل بِالْعلمِ وَالْخَوْف على الْعَمَل
قَالَ وَقَالَ عبد الله الْمعرفَة تهتك الْحجب بَين العبيد وَبَين مَوْلَاهُم وَالدُّنْيَا هِيَ الَّتِي تحجبهم عَن مَوْلَاهُم
قَالَ وَقَالَ عبد الله الرَّازِيّ الْخلق كلهم يدعونَ الْمعرفَة وَلَكنهُمْ عَن صدق الْمعرفَة بمعزل وَصدق الْمعرفَة خص بهَا الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم والسادة من الْأَوْلِيَاء ﵃
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد الْمعلم يَقُول سَمِعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول من أَرَادَ أَن يعرف مَحل نَفسه ومتابعتها للحق أَو مخالفتها لَهُ فَلْينْظر إِلَى من يُخَالِفهُ فِي مُرَاد لَهُ كَيفَ يجد نَفسه عِنْد ذَلِك فَإِن لم تَتَغَيَّر فَليعلم أَن نَفسه مُتَابعَة للحق
قَالَ وَسمعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول قيل لبَعض العارفين مَا الَّذِي حبب إِلَيْك الْخلْوَة وَنفى عَنْك الْغَفْلَة قَالَ وثبة الأكياس من فخ الدُّنْيَا
قَالَ وَسمعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول من لم يغتنم السُّكُوت فَإِنَّهُ إِذا نطق نطق بلغو
سَمِعت أَبَا نصر الْحَرَّانِي يَقُول قلت لعبد الله الرَّازِيّ عَلمنِي دُعَاء أَدْعُو
[ ٣٣٨ ]
بِهِ فَقَالَ لي قل اللَّهُمَّ اُمْنُنْ علينا بصفاء الْمعرفَة وهب لنا تَصْحِيح الْمُعَامَلَة بَيْننَا وَبَيْنك على السّنة وَصدق التَّوَكُّل عَلَيْك وَحسن الظَّن بك وامنن علينا بِكُل مَا يقربنا مِنْك مَقْرُونا بالعوافي فِي الدَّاريْنِ
٨٧ - وَمِنْهُم أَبُو عَمْرو بن نجيد وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن نجيد بن أَحْمد بن يُوسُف بن سَالم بن خَالِد السّلمِيّ جدي لأمي ﵀
صحب أَبَا عُثْمَان الْحِيرِي وَهُوَ من كبار أَصْحَابه وَهُوَ آخر من مَاتَ من أَصْحَاب أبي عُثْمَان وَلَقي الْجُنَيْد وَكَانَ من أكبر مَشَايِخ وقته لَهُ طَريقَة ينْفَرد بهَا من تلبيس الْحَال وصون الْوَقْت سمع الحَدِيث وَرَوَاهُ وَأسْندَ الحَدِيث وَكَانَ ثِقَة مَاتَ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة
حَدثنَا جدي إِسْمَاعِيل بن نجيد بن أَحْمد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقبل الْهَدِيَّة ويثيب عَلَيْهَا
وسمعته يَقُول من لم تهذبك رُؤْيَته فَأعْلم أَنه غير مهذب
وَسمعت جدي وَسُئِلَ مَا التصوف فَقَالَ الصَّبْر تَحت الْأَمر وَالنَّهْي
وسمعته وَسُئِلَ مَا التَّوَكُّل فَقَالَ أدناه حسن الظَّن بِاللَّه ﷿
[ ٣٣٩ ]
وسمعته يَقُول من أَرَادَ أَن يعرف قدر مَعْرفَته بِاللَّه تَعَالَى فَلْينْظر قدر هيبته لَهُ وَقت خدمته لَهُ
وسمعته يَقُول إِنَّمَا تتولد الدعاوي من الاغترار وتستوطن الاسرار
سَمِعت جدي إِسْمَاعِيل بن نجيد يَقُول كل حَال لَا يكون عَن نتيجة علم وَإِن جلّ فَإِن ضَرَره على صَاحبه أَكثر من نَفعه
وسمعته يَقُول من كرمت عَلَيْهِ نَفسه هان عَلَيْهِ دينه
وسمعته يَقُول من ضيع فِي وَقت من أوقاته فَرِيضَة افترضها الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت حرم لَذَّة تِلْكَ الْفَرِيضَة إِلَّا بعد حِين
وسمعته يَقُول المتَوَكل الَّذِي يرضى بِحكم الله تَعَالَى فِيهِ
وسمعته يَقُول تربية الْإِحْسَان خير من الْإِحْسَان
وسمعته يَقُول لَا يصفو لأحد قدم فِي الْعُبُودِيَّة حَتَّى تكون أَفعاله كلهَا عِنْده رِيَاء وأحواله كلهَا عِنْده دعاوى
وسمعته يَقُول وَسُئِلَ مَا الَّذِي لَا بُد للْعَبد مِنْهُ فَقَالَ مُلَازمَة الْعُبُودِيَّة على السّنة ودوام المراقبة
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْحَوْزِيِّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو بن نجيد يَقُول إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا رزقه خدمَة الصَّالِحين والأخيار ووفقه لقبُول مَا يشيرون بِهِ عَلَيْهِ وَسَهل عَلَيْهِ سبل الْخَيْر وحجبه عَن رؤيتها
وَسمعت جدي حِين سُئِلَ من أَيْن تتولد الدعاوي يَقُول إِنَّمَا تتولد
[ ٣٤٠ ]
الدعاوي من فَسَاد الِابْتِدَاء فَمن صحت بدايته تصح لَهُ النِّهَايَة وَمن فَسدتْ بدايته فَإِنَّهُ يهْلك فِي أرجاء أَحْوَاله وقتا مَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار﴾ التَّوْبَة ١٠٩
وسمعته يَقُول التهاون بِالْأَمر من قلَّة الْمعرفَة بالآمر
وسمعته يَقُول لَا يكون لملامتي دَعْوَى لِأَنَّهُ لَا يرى لنَفسِهِ شَيْئا فيدعى بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ فاطر ٢٨
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن عَليّ السياري بمرو يَقُول قلت لأبي عَمْرو بن نجيد آخر مَا فارقته أوصني فَقَالَ لي الزم مواجب الْعلم واحترم لجَمِيع الْمُسلمين وَلَا تضيع أيامك فَإِنَّهَا أعز شَيْء لَك وَلَا تتصدر مَا أمكنك وَكن خاملا فِيمَا بَين النَّاس فبقدر مَا تتعرف إِلَيْهِم وتشتغل بهم تضيع حظك من أوَامِر رَبك
وَسمعت عبد الْوَاحِد يَقُول سَمِعت أَبَا عمر بن نجيد يَقُول من قدر على إِسْقَاط جاهه عِنْد الْخلق سهل عَلَيْهِ الْإِعْرَاض عَن الدُّنْيَا وأهليها
وَسمعت عبد الْوَاحِد يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو يَقُول من أظهر محاسنه لمن لَا يملك ضره وَلَا نَفعه فقد أظهر جَهله
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الهمم توصل النُّفُوس إِلَى سني الرتب
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو من استقام لَا يعوج بِهِ أحد وَمن اعوج لَا يَسْتَقِيم بِهِ أحد
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الْأنس بِغَيْر الله تَعَالَى وَحْشَة
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو من صَحَّ تفكره صدق نطقه وخلص عمله
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الطُّمَأْنِينَة إِلَى الْخلق عجز
[ ٣٤١ ]
٨٨ - وَمِنْهُم أَبُو الْحسن البوشنجي واسْمه عَليّ بن أَحْمد بن سهل
كَانَ أوحد فتيَان خُرَاسَان لَقِي أَبَا عُثْمَان وَصَحب بالعراق ابْن عَطاء والجريري وبالشام طَاهِرا وَأَبا عَمْرو الدِّمَشْقِي وَتكلم مَعَ الشبلي فِي مسَائِل
وَهُوَ من أعلم مَشَايِخ وقته بعلوم التَّوْحِيد وعلوم الْمُعَامَلَات وَأَحْسَنهمْ طَريقَة فِي الفتوة والتجريد وَكَانَ ذَا خلق متدينا متعهدا للْفُقَرَاء مَاتَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن سهل البوشنجي الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الشَّامي قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي أويس قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن أبي حَبِيبَة عَن دَاوُد بن الْحصين عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا من الأوجاع كلهَا أَن نقُول (بِسم الله الْكَبِير أعوذ بِاللَّه الْعَظِيم من شَرّ عرق نعار وَمن شَرّ حر النَّار)
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن الخشاب يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن البوشنجي وَسَأَلته عَن السّنة فَقَالَ الْبيعَة تَحت الشَّجَرَة وَمَا وَافق ذَلِك من الْأَفْعَال والأقوال
[ ٣٤٢ ]
قَالَ وَسَأَلته عَن التصوف فَقَالَ اسْم وَلَا حَقِيقَة وَقد كَانَ قبل حَقِيقَة وَلَا اسْم
قَالَ وَسَأَلته عَن الْمُرُوءَة فَقَالَ ترك اسْتِعْمَال مَا هُوَ محرم عَلَيْك مَعَ الْكِرَام الْكَاتِبين
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن البوشنجي يَقُول النَّاس على ثَلَاث منَازِل الْأَوْلِيَاء وهم الَّذين باطنهم أفضل من ظَاهِرهمْ وَالْعُلَمَاء وهم الَّذين سرهم وعلانيتهم سَوَاء والجهال وهم الَّذين علانيتهم تخَالف أسرارهم لَا ينصفون من أنفسهم وَيطْلبُونَ الْإِنْصَاف من غَيرهم
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو الْحسن عَن التصوف فَقَالَ هُوَ الْحُرِّيَّة والفتوة وَترك التَّكَلُّف فِي السخاء والتظرف فِي الْأَخْلَاق
سَمِعت أَبَا عُثْمَان سعيد بن أبي سعيد يَقُول سُئِلَ أَبُو الْحسن البوشنجي من الظريق فَقَالَ الْخَفِيف فِي ذَاته وأخلاقه وأفعاله وشمائله من غير تكلّف
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أسمج من محب لسَبَب أَو عوض
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو الْحسن البوشنجي مَا الْمُرُوءَة فَقَالَ فَقَالَ حسن السِّرّ والبشر
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن السراج يَوْمًا للبوشنجي ادْع الله لي فَقَالَ
[ ٣٤٣ ]
أَعَاذَك الله من فتنتك وبلائك لِأَن الْفِتْنَة وَالْبَلَاء ليسَا إِلَّا من نَفسه
قَالَ وَسُئِلَ عَن الْمحبَّة فَقَالَ بذلك مجهودك مَعَ معرفَة محبوبك لِأَن محبوبك مَعَ بذل مجهودك يفعل مَا يَشَاء
قَالَ وَقَالَ البوشنجي التَّوْحِيد حَقِيقَة مَعْرفَته كَمَا عرف نَفسه إِلَى عباده ثمَّ الِاسْتِغْنَاء بِهِ عَن كل مَا سواهُ
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن البوشنجي أول الْإِيمَان مَنُوط بِآخِرهِ أَلا ترى أَن عقد الْإِيمَان لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْإِسْلَام مَنُوط بأَدَاء الشَّرِيعَة بالإخلاص قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ البنية ٥
سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن البوشنجي وَسُئِلَ عَن الفتوة يَقُول حسن المراعاة ودوام المراقبة وَألا ترى من نَفسك ظَاهرا يُخَالِفهُ باطنك
قَالَ وسمعته يَقُول الْخَيْر منا زلَّة لِأَن الشَّرّ لنا صفة
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن البوشنجي من ذل فِي نَفسه رفع الله قدره وَمن عز فِي نَفسه أذله الله فِي أعين عباده
[ ٣٤٤ ]
٨٩ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله بن خَفِيف واسْمه مُحَمَّد بن خَفِيف بن إسفكشاذ الضَّبِّيّ الْمُقِيم بشيراز
كَانَت أمه نيسابورية وَكَانَ شيخ الْمَشَايِخ فِي وقته
صحب رويما والجريري وَأَبا الْعَبَّاس بن عَطاء وطاهرا الْمَقْدِسِي وَأَبا عَمْرو الدِّمَشْقِي وَلَقي الْحُسَيْن بن مَنْصُور وَكَانَ عَالما بعلوم الظَّاهِر وعلوم الْحَقَائِق أوحد الْمَشَايِخ فِي وقته حَالا وعلما وخلقا مَاتَ سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة وَاسْنِدِ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف إجَازَة قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن سمْعَان قَالَ حَدثنَا الْفضل بن حَمَّاد قَالَ حَدثنَا عبد الْكَرِيم بن معالي بن عمرَان قَالَ حَدثنَا صَالح بن مُوسَى الطلحي عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَو عدلت الدُّنْيَا عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا أعْطى كَافِرًا مِنْهَا شربة)
وَأخْبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف إجَازَة قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن شَاذ هُرْمُز قَالَ حَدثنَا زيد بن أخزم عَن أبي دَاوُد عَن شُعْبَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لما عرج بِي إِلَى السَّمَاء سَمِعت تذمرا فَقلت يَا جِبْرِيل من هَذَا قَالَ
[ ٣٤٥ ]
مُوسَى يتذمر على ربه فَقلت وَلم ذَلِك قَالَ عرف ذَلِك مِنْهُ فاحتمله)
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن خَفِيف إجَازَة أَنه سُئِلَ عَن التصوف فَقَالَ تصفية الْقلب عَن مُوَافقَة البشرية ومفارقة أَخْلَاق الطبيعة وإخماد صِفَات البشرية ومجانبة دعاوي النفسانية ومنازلة صِفَات الروحانية والتعلق بعلوم الْحَقِيقَة وَاسْتِعْمَال مَا هُوَ أولى على السرمدية والنصح لجَمِيع الْأمة وَالْوَفَاء لله على الْحَقِيقَة وَاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ فِي الشَّرِيعَة
وَقَالَ ابْن خَفِيف لما خلق الله تَعَالَى الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس خلق الْعِصْمَة والكفاية وَالْحِيلَة فَقَالَ للْمَلَائكَة اخْتَارُوا فَاخْتَارُوا الْعِصْمَة
ثمَّ قَالَ للجن اخْتَارُوا فَاخْتَارُوا الْعِصْمَة فَقَالَ قد سبقتم فَاخْتَارُوا الْكِفَايَة ثمَّ قَالَ للإنس اخْتَارُوا فَقَالُوا نَخْتَار الْعِصْمَة فَقَالَ قد سبقتم فَقَالُوا نَخْتَار الْكِفَايَة فَقَالَ قد سبقتم فَأخذُوا الْحِيلَة فبنو آدم يحتالون بجهدهم
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف السكر غليان الْقلب عِنْد معارضات ذكر المحبوب
وَقَالَ ابْن خَفِيف الرياضة كسر النُّفُوس بِالْخدمَةِ ومنعها عَن الفترة
وَقَالَ ابْن خَفِيف الانبساط سُقُوط الاحتشام عِنْد السُّؤَال
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف قدم علينا بعض أَصْحَابنَا فاعتل وَكَانَت بِهِ عِلّة الْبَطن فَكنت أخدمه وآخذ مِنْهُ الطست طول اللَّيْل فغفوت عَنهُ مرّة
[ ٣٤٦ ]
فَقَالَ لي نمت لعنك الله فَقيل لَهُ كَيفَ وجدت نَفسك عِنْد قَوْله لعنك الله فَقَالَ كَقَوْلِه رَحِمك الله
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف الْإِيمَان تَصْدِيق الْقلب بِمَا أعلمهُ الْحق من الغيوب
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف الْخَوْف اضْطِرَاب الْقُلُوب بِمَا علمت من سطوة المعبود
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف التَّقْوَى مجانبة مَا يبعدك عَن الله تَعَالَى
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف التَّوَكُّل هُوَ الِاكْتِفَاء بضمانه وَإِسْقَاط التُّهْمَة عَن قَضَائِهِ
وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف حَقِيقَة الْإِرَادَة اسْتِدَامَة الكد وَترك الرَّاحَة
وَقَالَ أَبُو عبد الله المطالبات شَتَّى فمطالبة الْإِيمَان مَا حداك عَلَيْهِ من صِحَة التَّصْدِيق بوعده ووعيده ومطالبة الْعلم مَا تبين بِهِ أَحْكَامه فظهرت دلائله وطالبك الْحق بِاسْتِعْمَالِهِ ومطالبة الْحق وَهُوَ الَّذِي إِذا بدا قهرك وجذبك إِلَى مَا أَرَادَ بصولته
وَقَالَ أَبُو عبد الله ليش شَيْء أضرّ بالمريد من مُسَامَحَة النَّفس فِي ركُوب الرُّخص وَقبُول التأويلات
[ ٣٤٧ ]
وَقَالَ أَبُو عبد الله بن خَفِيف الْيَقِين تحقق الاسرار بِأَحْكَام المغيبات
وَقَالَ أَبُو عبد الله الْمُشَاهدَة اطلَاع الْقُلُوب بصفاء الْيَقِين إِلَى مَا أخبر الْحق عَن الغيوب
وَقَالَ أَبُو عبد الله الْقرب طي المسافات بلطيف المداناة
وَسُئِلَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف عَن الْقرب فَقَالَ قربك مِنْهُ بملازمة الموافقات وقربه مِنْك بدوام التَّوْفِيق
وَقَالَ أَبُو عبد الله الْوَاصِل من اتَّصل بمحبوبه دون كل شَيْء سواهُ وَغَابَ عَن كل شَيْء سواهُ
وَقَالَ أَبُو عبد الله الدنف من احْتَرَقَ فِي الأشجان وَمنع من بَث الشكوى
وَقَالَ أَبُو عبد الله الهمة جذب شَوَاهِد المهموم بالذهاب إِلَيْهِ
وَسُئِلَ مُحَمَّد بن خَفِيف لم صَار بلَاء المحبين أعظم من سَائِر الْأَحْوَال فَقَالَ لأَنهم آثروه على أَرْوَاحهم فَابْتَلَاهُمْ بحبه لَهُم فَقَالَ ﴿يُحِبهُمْ﴾ الْمَائِدَة ٥٤ وَمن يُطيق سَماع هَذَا الْكَلَام إِلَّا أَن يَبْدُو لَهُ فِيهِ الْحَقَائِق
وكل هَذِه الحكايات أخبرنيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف ﵁ إجَازَة لي بِخَطِّهِ
[ ٣٤٨ ]
٩٠ - وَمِنْهُم بنْدَار بن الْحُسَيْن وَهُوَ بنْدَار بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْمُهلب كنيته أَبُو الْحُسَيْن
من أهل شيراز سكن أرجان وَكَانَ عَالما بالأصول لَهُ اللِّسَان الْمَشْهُور فِي علم الْحَقَائِق وَكَانَ أَبُو بكر الشبلي يُكرمهُ ويعظم قدره وَبَينه وَبَين أبي عبد الله بن خَفِيف مفاوضات فِي مسَائِل شَتَّى مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وثلاثمائة وغسله أَبُو زرْعَة الطَّبَرِيّ
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الإصبهاني يَقُول سَمِعت بنْدَار بن الْحُسَيْن وَسَأَلته عَن الْفرق بَين المتصوفة والمتقرية يَقُول إِن الصُّوفِي من اخْتَارَهُ الله لنَفسِهِ فصافاه وَعَن نَفسه براه وَلم يردهُ إِلَى تعْمل وتكلف بِدَعْوَى وصوفي
[ ٣٤٩ ]
على زنة عوفي أَي عافاه الله وكوفي أَي كافأه الله وجوزي أَي جازاه الله فَفعل الله تَعَالَى ظَاهر على اسْمه
وَأما المتقرى فَهُوَ الْمُتَكَلف بِنَفسِهِ الْمظهر لزهده مَعَ كمون رغبته وتربيته لبشريته فاسمه مُضْمر فِي فعله لرؤية نَفسه ودعواه
قَالَ وَسمعت بنْدَار بن الْحُسَيْن يَقُول الْبكاء شَتَّى بكاء فَرح لوُجُود حَال عدمهَا فِيمَا قيل وبكاء أَسف لفقد حَال كَانَ مَقْرُونا بهَا قَالَ الله تَعَالَى فِي بكاء الْفَرح ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾ الْمَائِدَة ٨٣
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي بكاء الاسف ﴿توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا﴾ التَّوْبَة ٩٢
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت بنْدَار يَقُول الْجمع مَا كَانَ بِالْحَقِّ والتفرقة مَا كَانَ للحق
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول لَا تخاصم لنَفسك فَإِنَّهَا لَيست لَك دعها لمَالِكهَا يفعل بهَا كل مَا يُرِيد
قَالَ وَقَالَ بنْدَار لَيْسَ من الْأَدَب أَن تسْأَل رفيقك إِلَى أَيْن وَفِي ايش
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول اترك مَا تهوى لما تَأمل
قَالَ وَسمعت بنْدَار وَسَأَلته عَن الْفرق بَين الْمحبَّة وَالْحيَاء يَقُول الْمحبَّة
[ ٣٥٠ ]
رَغْبَة وَهِي مزعجة وَالْحيَاء خجلة والمحب طَالب غَائِب والمستحي حَاضر وَبَينهمَا فرقان لِأَن الْمحبَّة تصح مَعَ الْغَيْبَة وَالْحيَاء يَصح مَعَ الْمُشَاهدَة فشتان بَين غَائِب غَرِيب وحاضر قريب
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول الإغانة ثقل مُطَالبَة الْحق ﷿ على قلب النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ مطالبا بالأوامر فَكَانَ إِذا أَمر بِأَمْر الْتَزمهُ وَكَانَ يثقل عَلَيْهِ إِلَى أَن يدْخل فِيهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ المزمل ٥
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول الصُّوفِيَّة متفقون فِي الوحدانية فِي الْجُمْلَة قولا متفرقون فِي الْوُصُول إِلَيْهَا مُعَاينَة ومنازلة وكل وَاحِد يسْتَحق اسْم مَا ظهر عَلَيْهِ من حَاله الَّذِي هُوَ بِهِ مَوْصُوف بعد اتِّفَاقهم فِي الوحدانية قولا فَمن بَين مُجْتَهد وزاهد وعابد وخائف وراج وغني وفقير ومريد وَمُرَاد وصابر وراض ومتوكل ومحب ومستهتر ومستأنس ومشتاق وواله وهائم وواجد وَيُسمى بِمَا عَلَيْهِ من الْجَمِيع
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول صُحْبَة أهل الْبدع تورث الْإِعْرَاض عَن الْحق
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول من لم يَجْعَل قبلته على الْحَقِيقَة ربه فَسدتْ عَلَيْهِ صلَاته
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول من لم يتْرك الْكل رسما فِي جنب الْحق وَيحصل لَهُ الْكل حَقِيقَة وَهُوَ الْحق ﷿
أَنْشدني مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ قَالَ أَنْشدني بنْدَار
(نَوَائِب الدَّهْر أدبتني وَإِنَّمَا يوعظ الأريب)
[ ٣٥١ ]
(قد ذقت حلوا وذقت مرا كَذَاك عَيْش الْفَتى ضروب)
(مَا مر بؤس وَلَا نعيم إِلَّا ولي فيهمَا نصيب)
٩١ - وَمِنْهُم أَبُو بكر الطمستاني الْفَارِسِي
وَهُوَ من أجل الْمَشَايِخ وَأَعْلَاهُمْ حَالا متفرد بِحَالهِ وَوَقته لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد من الْمَشَايِخ وَلَا يدانيه وَكَانَ أَبُو بكر الشبلي يبجله وَيعرف لَهُ مَحَله
صحب إِبْرَاهِيم الدّباغ وَغَيره من مَشَايِخ الْفرس وَكَانَ مَشَايِخ وقته يحترمونه ورد نيسابور وَمَات بهَا بعد سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة
قَالَ أَبُو بكر الطمستاني الدُّنْيَا كلهَا كلمة وَاحِدَة وكل وَاحِد مِنْهُم أصَاب على قدر مَا كشف لَهُ
وَقَالَ أَبُو بكر مَا الْحَيَاة إِلَّا فِي الْمَوْت أَي مَا حَيَاة الْقلب إِلَّا فِي إماتة النَّفس
وَقَالَ أَبُو بكر الْيَقَظَة فِي أهل الْيَقَظَة لعمارة الْآخِرَة كَمَا أَن الْغَفْلَة فِي أهل الْغَفْلَة لعمارة الدُّنْيَا
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني لَا يُمكن الْخُرُوج من النَّفس بِالنَّفسِ وَإِنَّمَا يُمكن الْخُرُوج من النَّفس بِاللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ بِصِحَّة الْإِرَادَة لله ﷿
وَقَالَ أَبُو بكر الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى بِعَدَد الْخلق ثمَّ قَالَ الطَّرِيق لَهُ وَلَا طَرِيق إِلَيْهِ
[ ٣٥٢ ]
وَكَانَ أَبُو بكر الطمستاني يَقُول كَيفَ أصنع والكون كُله عَدو لي
وَقَالَ أَبُو بكر الْوَصْل بِلَا فصل فَإِذا جَاءَ الْفَصْل فَلَا وصل
وَقَالَ أَبُو بكر من فضل الْفقر على الْغنى والغنى على الْفقر فَهُوَ مربوط بهما وهما محلا علل
وَقَالَ أَبُو بكر إياك أَن تغتر بلعل وَعَسَى
وَقَالَ أَبُو بكر النِّعْمَة الْعُظْمَى الْخُرُوج من النَّفس لِأَن النَّفس أعظم حجاب بَيْنك وَبَين الله تَعَالَى
وَقَالَ أَبُو بكر مَا الْحَقِيقَة إِلَّا فِي موت النَّفس
وَقَالَ أَبُو بكر كل من فر من إماتة النَّفس فقد رَجَعَ إِلَى تَأْوِيل الْعلم
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني الْمَوْت بَاب من أَبْوَاب الْآخِرَة وَلنْ يصل العَبْد إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا بِدُخُولِهِ
وَقَالَ أَبُو بكر جالسوا الله كثيرا وجالسوا النَّاس قَلِيلا
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني خير النَّاس من يرى أَن الْخَيْر فِي غَيره وَيعلم أَن السَّبِيل إِلَى الله كثير غير السَّبِيل الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ لكَي يرى تَقْصِير نَفسه فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني يَنْبَغِي أَن تكون حركات الْمَرْء وسكونه لله تَعَالَى أَو ضَرُورَة يضْطَر إِلَيْهَا وَمَا كَانَ غير ذَلِك فَلَا شَيْء
وَقَالَ أَبُو بكر الطَّرِيق وَاضح وَالْكتاب وَالسّنة قائمان بَين أظهرنَا
[ ٣٥٣ ]
وَفضل أَصْحَاب النَّبِي ﷺ بشيئين اثْنَيْنِ بصحبتهم مَعَ النَّبِي ﷺ فِي الظَّوَاهِر وهجرتهم إِلَى الله تَعَالَى فِي السرائر وغربتهم مَعَ أنفسهم أَلا ترى أَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ النِّسَاء ١٠٠
فَمن صحب منا الْكتاب وَالسّنة وَغرب عَن نَفسه والخلق وَالدُّنْيَا وَهَاجَر إِلَى الله بِقَلْبِه فَهُوَ الصَّادِق الْمُصِيب المتبع لآثار الصَّحَابَة إِلَّا أَن الصَّحَابَة سَبَقُوهُ بصحبتهم مَعَ النَّبِي ﷺ
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني من أحب من الْعُقَلَاء الْبَقَاء فِي الدَّار الفانية فَإِنَّمَا أحبه للتلذذ بمناجاة سَيّده والإقبال على الطَّاعَة بِحَسب طاقته وَأَن يكون تَحت أمره وَنَهْيه فالعاقل لهَذَا أحب الْبَقَاء وكر الفناء
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني من عَلامَة المريد أَن يتنافر عَن غير أَبنَاء جنسه وَيطْلب الْجِنْس
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني الْعَاقِل يتَكَلَّم على قدر الْحَاجة ويدع مَا فضل عَنهُ
وَقَالَ أَبُو بكر كل من اسْتعْمل الصدْق بَينه وَبَين ربه شغله صدقه مَعَ الله عَن الْفَرَاغ إِلَى خلق الله
[ ٣٥٤ ]
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني من لم يكن الصمت وَطنه فَهُوَ فِي فضول وَإِن كَانَ سَاكِنا
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني من صحب الْعلم فَلَيْسَ لَهُ بُد من مُشَاهدَة الْأَمر وَالنَّهْي
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني الْعلم قَطعك عَن الْجَهْل فاجتهد أَلا يقطعك عَن الله تَعَالَى
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني التصوف اضْطِرَاب فَإِذا وَقع سُكُون فَلَا تصوف
وَقَالَ أَبُو بكر النَّفس كالنار إِذا أطفئ من مَوضِع تأجج من مَوضِع كَذَلِك النَّفس إِذا هدأت من جَانب ثارت من جَانب
وَقَالَ رجل لأبي بكر الطمستاني أوصني فَقَالَ الهمة الهمة فَإِنَّهَا مُقَدّمَة الاشياء وَعَلَيْهَا مدارها وإليها رُجُوعهَا
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني مَا أبرز الْحق لِلْخلقِ إِلَّا اسْما أَو رسما وَمَا تكلم بِهِ إِلَّا كل من لم يوفق
٩٢ - وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد
صحب يُوسُف بن الْحُسَيْن وَعبد الله الخراز وَأَبا مُحَمَّد الْجريرِي وَأَبا
[ ٣٥٥ ]
الْعَبَّاس بن عَطاء وَلَقي رويما وَهُوَ من أفتى الْمَشَايِخ وَأَحْسَنهمْ طَريقَة واستقامة
ورد نيسابور وَأقَام بهَا مُدَّة وَكَانَ يعظ النَّاس وَيتَكَلَّم على لِسَان الْمعرفَة بِأَحْسَن كَلَام ثمَّ رَحل من نيسابور إِلَى سَمَرْقَنْد
وَمَات بهَا بعد الْأَرْبَعين وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم يَقُول دخلت على أبي الْعَبَّاس الدينَوَرِي حِين أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى سَمَرْقَنْد وَقلت لَهُ مَا الَّذِي يحملك على الْخُرُوج إِلَيْهَا مَعَ ميل أهل نيسابور إِلَيْك ومجبتهم لَك فَأَنْشَأَ يَقُول
(إِذا عقد الْقَضَاء عَلَيْك عقدا فَلَيْسَ يحله غير الْقَضَاء)
(فَمَا لَك قد أَقمت بدار ذل وَدَار الْعِزّ وَاسِعَة الفضاء)
وسمعته يَقُول قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي اعْلَم أَن طلب الله تَعَالَى ترك الطّلب واستحياء من الهيبة فِي الطّلب فَإِذا فني العَبْد فِي الطّلب اختطفه الْحق فِي الطّلب عَن الطّلب
سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي مكاشفات الْأَعْيَان بالأبصار ومكاشفات الْقُلُوب بالاتصال
وَرَأَيْت بِخَط عبد الله بن مُحَمَّد الْمعلم قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي الْعَالم متفاوتون فِي تَرْتِيب مشاهدات الْأَشْيَاء فقوم رجعُوا من الْأَشْيَاء إِلَى الله تَعَالَى فشاهدوا الْأَشْيَاء من حَيْثُ الْأَشْيَاء ثمَّ رجعُوا عَنْهَا إِلَى الله ﷿ وَقوم رجعُوا من الله تَعَالَى إِلَى الْأَشْيَاء من غير غيبتهم عَنهُ فَلم يرَوا شَيْئا إِلَّا وَرَأَوا الْحق قبله وَقوم بقوا مَعَ الْأَشْيَاء لأَنهم لم يكن لَهُم طَرِيق مِنْهَا إِلَى الله ليجتازوا بهَا عَلَيْهَا
[ ٣٥٦ ]
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي اعْلَم أَن الله تَعَالَى فِي خلقه رياضات ليتجلى لَهُم بربوبيته يراضون لَهُم فِي مشاهدات الْأَشْيَاء ليتحققوا بِحَقِيقَة الْأَشْيَاء كَمَا رَاض إِبْرَاهِيم خَلِيله صلوَات الله عَلَيْهِ حِين رأى النُّجُوم فَقَالَ فِي بدايته هَذَا رَبِّي وَإِنَّمَا هِيَ عين الْجمع من فرط الْبلَاء وَغَلَبَة الشوق وَحُصُول الْجمع فِي الْجمع من حَيْثُ مَا ورد عَلَيْهِ من الْحق للحق حَتَّى قَالَ ﴿هَذَا رَبِّي﴾ راضه ليحوله إِلَى مَا هُوَ من وَرَائه ألم تسمع إِلَى قَوْله ﴿فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين﴾ الْأَنْعَام ٧٦
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي اعْلَم أَن أدنى الذّكر أَن ينسى مَا دونه وَنِهَايَة الذّكر أَن يغيب الذاكر فِي الذّكر عَن الذّكر ويستغرق بمذكوره عَن الرُّجُوع إِلَى مقَام الذّكر وَهَذَا حَال فنَاء الفناء
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي الْعلم علمَان علم قيام العَبْد بقيامه مَعَ الله وَعلم بِعلم الله فِي العَبْد وَهُوَ الْعلم المغيب عَن الْعباد إِلَّا من كشف لَهُ طرف من ذَلِك من نَبِي أَو خَاص ولي
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي اعْلَم أَن لِبَاس الظَّاهِر لَا يُغير حكم الْبَاطِن
وَرَأَيْت بِخَط أبي ﵀ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي إِن لله عبادا لم يستصلحهم لمعرفته فشغلهم بخدمته وَله عباد لم يستصلحهم لخدمته فأهملهم
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي من عَطش إِلَى حَال دهش فِيهِ وَمن وصل إِلَيْهِ لم يسْتَقرّ فِيهِ
[ ٣٥٧ ]
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس لَيْسَ يبلغ بالإنسان إِلَى مَرَاتِب الأخيار إِلَّا الصدْق وكل وَقت وَحَال خلا عَن الصدْق فَبَاطِل وَأنْشد
(مَا أحسن الصدْق فِي مواطنه والصدق فِي كل موطن حسن)
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمُحب يخْتَار كراهيته لرضاء حَبِيبه طَالبا بذلك رِضَاهُ وَهُوَ غَايَة المنى وَأنْشد
(رَأَيْتُك يدنيني إِلَيْك تباعدي فباعدت نَفسِي لابتغاء التَّقَرُّب)
٩٣ - وَمِنْهُم أَبُو عُثْمَان المغربي وَهُوَ سعيد بن سَلام
من نَاحيَة قيروان من قَرْيَة يُقَال لَهَا كركنت أَقَامَ بِالْحرم مُدَّة وَكَانَ شَيْخه
صحب أَبَا عَليّ بن الْكَاتِب وحبيبا المغربي وَأَبا عَمْرو الزجاجي وَلَقي أَبَا يَعْقُوب النهرجوري وَأَبا الْحسن بن الصَّائِغ الدينَوَرِي وَغَيرهم من الْمَشَايِخ
وَكَانَ أوحد فِي طَرِيقَته وزهده بَقِيَّة الْمَشَايِخ وتاريخهم لم ير مثله فِي علو الْحَال وصون الْوَقْت وَصِحَّة الحكم بالفراسة وَقُوَّة الهيبة ورد نيسابور وَمَات بهَا سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الِاعْتِكَاف حفظ الْجَوَارِح تَحت الْأَوَامِر
[ ٣٥٨ ]
وسمعته يَقُول لَا يعرف الشَّيْء من لَا يعرف ضِدّه لذَلِك لَا يَصح لمخلص إخلاصه إِلَّا بعد مَعْرفَته الرِّيَاء ومفارقته لَهُ
وسمعته وَقيل لَهُ إِن فلَانا مُسَافر فَقَالَ يجب أَن يُسَافر من عِنْد هَوَاهُ وشهوته وَمرَاده فَإِن السّفر غربَة والغربة ذلة وَلَيْسَ لمُؤْمِن أَن يذل نَفسه
وسمعته وَذكر بَين يَدَيْهِ قَول الشَّافِعِي ﵁ الْعلم علمَان علم الْأَدْيَان وَعلم الْأَبدَان فَقَالَ رحم الله الشَّافِعِي مَا أحسن مَا قَالَ علم الْأَدْيَان علم الْحَقَائِق والمعارف وَعلم الْأَبدَان علم السياسات والرياضات والمجاهدات
وَسمعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول العَاصِي خير من الْمُدَّعِي لِأَن العَاصِي أبدا يطْلب طَرِيق تَوْبَته وَالْمُدَّعِي يتخبط فِي حبال دَعْوَاهُ
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من مد يَده إِلَى طَعَام الْأَغْنِيَاء بشره وشهوة لَا يفلح أبدا وَلَيْسَ يعْذر فِيهِ إِلَّا الْمُضْطَر
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الصُّوفِي من يملك الاشياء اقتدارا وَلَا يملكهُ شَيْء اقتهارا
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من اشْتغل بأحوال النَّاس ضيع حَاله
وسمعته يَقُول ابى المليك إِلَّا اختبارا لأوليائه ومتعرضا لَهُم بأعدائه وَإِنَّمَا اختبرك فِي قربه بعدوه لينْظر كَيفَ صبرك على عدوه فَإِن صبرت على بلوى عدوه جللك بِعِلْمِهِ وحباك بوصله وأسكنك فِي جواره ونعمك بمشاهدته ولذذك بِذكرِهِ وأوصلك بمعرفته وجعلك إِمَامًا يقْتَدى بِهِ وَنَجَاة لِعِبَادِهِ وَرَحْمَة لَهُم فِي أرضه وَجعل محبتك فِي قُلُوبهم وَجعل أنسهم فِي رؤيتك وَجعل لَك حلاوة فِي قُلُوبهم
[ ٣٥٩ ]
وَسمعت أَبَا عُثْمَان وَسُئِلَ عَن قَول النَّبِي ﷺ (أَكثر أهل الْجنَّة البله) فَقَالَ الأبلة فِي دُنْيَاهُ الْفَقِيه فِي دينه
وَسمعت أَبَا عُثْمَان سعيد بن سَلام المغربي يَقُول التَّقْوَى هِيَ الْوُقُوف مَعَ الْحُدُود لَا يقصر فِيهَا وَلَا يتعداها قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ الطَّلَاق ١
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من آثر على التَّقْوَى شَيْئا حرم لَذَّة التَّقْوَى
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من تحقق فِي الْعُبُودِيَّة طهر سره بمشاهدة الغيوب وأجابته الْقُدْرَة إِلَى كل مَا يُرِيد
سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول ليكن تدبرك فِي الْخلق تدبر عِبْرَة وتدبرك فِي نَفسك تدبر موعظة وتدبرك فِي الْقُرْآن تدبر حَقِيقَة ومكاشفة قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ (النِّسَاء ٨٢) جرأك بِهِ على تِلَاوَة خطابه وَلَوْلَا ذَاك لكلت الألسن عَن تِلَاوَته
وَسمعت أَبَا عُثْمَان فِي مَرضه يَقُول إِنَّمَا مثلي وَمثل أطبائي كإخوة يُوسُف ويوسف كَانَ يُوسُف مُدبرا بِالْقُدْرَةِ وَإِخْوَته يدبرون فِيهِ وأنى يُغني تَدْبِير الْخلق من تَدْبِير الْقُدْرَة
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول السَّاكِت بِعلم أَحْمد أثرا من النَّاطِق بِجَهْل
وَسمعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول لَا تصْحَب إِلَّا أَمينا أَو معينا فَإِن الْأمين يحملك على الصدْق والمعين يعينك على الطَّاعَة
وَسمعت عبد الله الْمعلم يَقُول سَأَلت أَبَا عُثْمَان مَا عقدَة الْوَرع فَقَالَ الشَّرِيعَة تَأمره وتنهاه فَيتبع وَلَا يُخَالف
[ ٣٦٠ ]
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول لما بذل المحبون مجهودهم فِي طَاعَة رَبهم عطف عَلَيْهِم الْحق بِالْإِحْسَانِ وَمرَّة بعد أُخْرَى حَتَّى أحبوه رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (جبلت الْقُلُوب على حب من أحسن إِلَيْهَا)
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول قُلُوب أهل الْحق قُلُوب حَاضِرَة وأسماعهم أسماع مَفْتُوحَة
وسمعته يَقُول من حمل نَفسه على الرَّجَاء تعطل وَمن حمل نَفسه على الْخَوْف قنط وَلَكِن سَاعَة وَسَاعَة وَمرَّة وَمرَّة
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول بدايات المقامات أرفاق وغنى وكفاية وَلَكِن إِذا تمكن أَتَتْهُ البلايا لذَلِك قَالَ بعض المريدين مَا زَالُوا يرفقون بِي حَتَّى وَقعت فَلَمَّا وَقعت قَالُوا لي استمسك كَيفَ أستمسك إِن لم يمسكني
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الْحِكْمَة هِيَ النُّطْق بِالْحَقِّ
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الْغَنِيّ الشاكر يكون كَأبي بكر الصّديق ﵁ شكر فَقدم مَاله وآثر الله عَلَيْهِ فأورثه الله غنى الدَّاريْنِ وملكهما وَالْفَقِير الصابر مثل أويس الْقَرنِي ونظرائه صَبَرُوا فِيهِ حَتَّى ظَهرت لَهُم براهينه
وَسمعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول من أعْطى نَفسه الْأَمَانِي قطعهَا بالتسويف والتواني
وسمعته يَقُول علم الْيَقِين يدل على الْأَفْعَال فَإِذا فعلهَا وأخلص فِيهَا وَظَهَرت لَهُ بَيِّنَات ذَلِك صَار لَهُ علم الْيَقِين عين الْيَقِين
وسمعته يَقُول التَّقْوَى تتولد من الْخَوْف
[ ٣٦١ ]
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول أَفْوَاه قُلُوب العارفين فاغرة لمناجاة الْقُدْرَة
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول سَأَلَني سَائل مَتى يقوم الْحق بِالْحَقِّ فَقلت إِذا بلغ الْمِيقَات حِينه وَاسْتوْفى الْحق مجاري أَحْكَامه من ظَاهر هيكله أوقد سرج الْإِيمَان فِي قلبه واكتسى ظَاهر هيكله بِنور حَقه وانتصر لَهُ من ظالمه فتعجب السَّائِل وَسكت
٩٤ - وَمِنْهُم أَبُو الْقَاسِم النصراباذي واسْمه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن محمويه
شيخ خُرَاسَان فِي وقته نيسابوري الأَصْل والمنشأ والمولد
يرجع إِلَى أَنْوَاع من الْعُلُوم من حفظ السّير وَجَمعهَا وعلوم التواريخ وَمَا كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ من علم الْحَقَائِق وَكَانَ أوحد الْمَشَايِخ فِي وقته علما وَحَالا
وَصَحب أَبَا بكر الشبلي وَأَبا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَأَبا مُحَمَّد المرتعش وَغَيرهم من الْمَشَايِخ
أَقَامَ بنيسابور ثمَّ خرج فِي آخر عمره إِلَى مَكَّة وَحج سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَأقَام بِالْحرم مجاورا وَمَات سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ وَكَانَ ثِقَة
حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن محمويه النصراباذي الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا أَحْمد
[ ٣٦٢ ]
ابْن مُحَمَّد بن فضَالة الطوسي قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن ثَقِيف قَالَ حَدثنَا حَفْص بن يحيى عَن خَارِجَة بن مُصعب عَن أَيُّوب عَن يحيى بن أبي كثير عَن فَاطِمَة بنت قيس عَن النَّبِي ﷺ (حَدِيث السُّكْنَى وَالنَّفقَة)
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول إِذا بدا لَك شَيْء من بوادي الْحق فَلَا تلْتَفت مَعَه إِلَى جنَّة وَلَا إِلَى نَار وَلَا تخطرهما ببالك وَإِذا رجعت عَن ذَلِك الْحَال فَعظم مَا عظمه الله تَعَالَى
وَسمعت النصراباذي يَقُول إِذا أخبر عَن آدم بِصفة آدم قَالَ ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ (طه ١٢١) وَإِذا أخبر عَنهُ بفضله عَلَيْهِ قَالَ ﴿إِن الله اصْطفى آدم﴾ (آل عمرَان ٣٣)
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول مُوَافقَة الْأَثر حسن وموافقة الْأَمر أحسن وَمن وَافق الْحق فِي لَحْظَة أَو خطرة فَإِنَّهُ لَا تجْرِي عَلَيْهِ بعد ذَلِك مُخَالفَة بِحَال
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول من عمل على رُؤْيَة الْجَزَاء كَانَت أَعماله بِالْعدَدِ والإحصاء وَمن عمل على الْمُشَاهدَة أذهلته الْمُشَاهدَة عَن التعداد وَالْعدَد وَمن عمل بِالْعدَدِ كَانَ ثَوَابه بِالْعدَدِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ (الْأَنْعَام ١٦) من عمل على الْمُشَاهدَة كَانَ أجره بِلَا عدد قَالَ الله ﷿ ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ (الزمر ١٠)
وَسمعت النصراباذي يَقُول الرَّاحَة ظرف مَمْلُوء من العتاب
وَسمعت النصراباذي يَقُول الرَّاغِب فِي الْعَطاء لَا مِقْدَار لَهُ والراغب فِي الْمُعْطِي عَزِيز
وَسمعت النصراباذي يَقُول أَنْت بَين نسبتين نِسْبَة إِلَى الْحق وَنسبَة إِلَى
[ ٣٦٣ ]
آدم فَإِذا انتسبت إِلَى الْحق دخلت فِي مقامات الْكَشْف والبراهين وَالْعَظَمَة وَهِي نِسْبَة تحقق الْعُبُودِيَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ الْفرْقَان ٣٦ وَقَالَ ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ الْحجر ٤٢ وَقَالَ ﴿فوجدا عبدا من عبادنَا آتيناه رَحْمَة من عندنَا وعلمناه من لدنا علما﴾ الْكَهْف ٦٥ وَإِذا انتسبت إِلَى آدم وَدخلت فِي مقامات الظُّلم وَالْجهل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ الْأَحْزَاب ٧٢
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم وَسُئِلَ أليست الْأَنْفس وَالْأَمْوَال لله ﷿ فَكيف يَشْتَرِي مَا هُوَ لَهُ فَقَالَ إِنَّه عز اسْمه اشْترى مِنْهُم مَا هُوَ لَهُ نظرا لَهُم كَشِرَاء الْأَب للطفل نظرا لَهُ ملكت نَفسك ثمَّ أسقط عَنْهَا ملكك لِئَلَّا يَقع لَك بتمليكه إياك غبن بِأَن تشتري بِهِ مَا لَا يُعَارضهُ أَو تبيعه بِمَا لَا يوازنه
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم وَقيل لَهُ إِن بعض النَّاس يُجَالس النسوان وَيَقُول أَنا مَعْصُوم فِي رؤيتهن فَقَالَ مَا دَامَت الأشباح بَاقِيَة فَإِن الْأَمر وَالنَّهْي بَاقٍ والتحليل وَالتَّحْرِيم مُخَاطب بهما وَلنْ يجترئ على الشُّبُهَات إِلَّا من يتَعَرَّض للمحرمات
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول الاشياء أَدِلَّة مِنْهُ وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ سواهُ
وسمعته يَقُول سر يسلم من رعونة البشرية سر رباني
وسمعته يَقُول الْعِبَادَات إِلَى طلب الصفح وَالْعَفو عَن تَقْصِيرهَا أقرب مِنْهَا إِلَى طلب الأعواض وَالْجَزَاء بهَا
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول دِمَاء الأقرباء تتحرك عِنْد الالتقاء وَدِمَاء المحبين تجيش وتغلي
[ ٣٦٤ ]
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم يَقُول أهل الْمحبَّة واقفون مَعَ الْحق على مقَام إِن تقدمُوا غرقوا وَإِن تَأَخَّرُوا احجبوا
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم يَقُول أثقال الْحق لَا يحملهَا إِلَّا مطايا الْحق
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم يَقُول جذبة من جذبات الْحق تربي على أَعمال الثقلَيْن
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول أصل التصوف مُلَازمَة الْكتاب وَالسّنة وَترك الْأَهْوَاء والبدع وتعظيم حرمات الْمَشَايِخ ورؤية أعذار الْخلق وَحسن صُحْبَة الرفقاء وَالْقِيَام بخدمتهم وَاسْتِعْمَال الْأَخْلَاق الجميلة والمداومة على الأوراد وَترك ارْتِكَاب الرُّخص والتأويلات وَمَا ضل أحد فِي هَذَا الطَّرِيق إِلَّا بِفساد الِابْتِدَاء فَإِن فَسَاد الِابْتِدَاء يُؤثر فِي الِانْتِهَاء
٩٥ - وَمِنْهُم الحصري وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِبْرَاهِيم
بَصرِي الأَصْل سكن بَغْدَاد وَكَانَ شيخ الْعرَاق ولسانها لم نر فِيمَن رَأينَا من الْمَشَايِخ أتم حَالا مِنْهُ وَلَا أحسن لِسَانا مِنْهُ وَلَا أَعلَى كلَاما
كَانَ أوحد الْمَشَايِخ ولسان الْوَقْت وَكَانَ أوحد فِي طَرِيقَته من أجل الْمَشَايِخ وأظرفهم وألطفهم لَهُ لِسَان فِي التَّوْحِيد يخْتَص هُوَ بِهِ ومقام فِي التفريد والتجريد مُسلم لَهُ لم يُشَارِكهُ فِيهِ أحد بعده
وَهُوَ أستاذ الْعِرَاقِيّين وَبِه تأدب من تأدب مِنْهُم صحب أَبَا بكر الشبلي وَغَيره من الْمَشَايِخ مَاتَ بِبَغْدَاد فِي يَوْم الْجُمُعَة فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة
[ ٣٦٥ ]
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت عَليّ بن إِبْرَاهِيم يَقُول الصُّوفِي لَا ينزعج فِي انزعاجه وَلَا يقر فِي قراره
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْحسن الحصري يَقُول آدم فِي مَحَله كَانَ محلا للعلل فخوطب على حسب الْعِلَل ﴿إِن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى﴾ طه ١١٨ وَإِلَّا فَمَا مقَام الْمُجَاورَة مِمَّا يُؤثر فِيهِ الْجُوع والعري
وسمعته يَقُول علمنَا الَّذِي نَحن فِيهِ يُوجب إِنْكَار كل مَعْلُوم مرسوم ومحو كل مَعْلُوم مَعْلُول وَمَا بَان شَيْء فيمتحى
وسمعته يَقُول لَا أحد أقل قدرا مِمَّن يشْتَغل بالفضائل فَيقدم ذَا وَيُؤَخر ذَا فِي الدُّنْيَا يكون نَاسا بناس مَعَ نَاس وَفِي الْآخِرَة ﴿وَلكم فِيهَا مَا تشْتَهي أَنفسكُم﴾ فصلت ٣٢ من المطاعم والمشارب والمناكح لَيْت الْجنَّة على قفا أَهلهَا لَعَلَّنَا إِذا نجونا مِنْهَا وَمن طالبيها تفرغنا إِلَى مُشَاهدَة من أكرمنا بمعرفته وبدأنا بأنواع مباره بل لَو عَرفْنَاهُ مَا شَهِدنَا سواهُ
وسمعته فِي الْجَامِع يَقُول دَعونِي وبلائي هاتوا مَا لكم ألستم من أَوْلَاد آدم الَّذِي خلقه الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه وأسجد لَهُ مَلَائكَته ثمَّ أمره بِأَمْر فخالفه إِذا كَانَ أول الدن درديا كَيفَ يكون آخِره
قَالَ وسمعته يَقُول من ادّعى فِي شَيْء من الْحَقِيقَة كَذبته شَوَاهِد كشف الْبَرَاهِين
سَمِعت أَبَا نصر عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول نظرت فِي كل ذِي ذل فَزَاد ذلي على ذلهم وَنظرت فِي عز كل ذِي عز فَزَاد عزي عزهم ثمَّ قَرَأَ ﴿من كَانَ يُرِيد الْعِزَّة فَللَّه الْعِزَّة جَمِيعًا﴾ فاطر ١٠
سَمِعت أَبَا الْفرج الورثاني يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول الصُّوفِي الَّذِي لَا يُوجد بعد عَدمه وَلَا يعْدم بعد وجوده
[ ٣٦٦ ]
قَالَ سمعته يَقُول الصُّوفِي وجده وجوده وَصِفَاته حجابه
قَالَ وسمعته يَقُول الصُّوفِي إِن وصف جحد وَإِن تجلى كشف
قَالَ وَقَالَ الحصري الْخَوْف من الله عِلّة وحجاب لِأَنَّهُ إِذا كَانَ خوفي مِنْهُ لَا يزِيل مُرَاده فِي ورجائي لَا يوصلني إِلَى مرادي مِنْهُ فقد تعطل عِنْدِي حكم الْخَوْف والرجاء للمتحققين وَأما أَرْبَاب الرسوم والعلوم فَعَلَيْهِم وَاجِب الْتِزَام الْأَدَب
قَالَ وَسمعت الحصري يَقُول ربط الْكل بالحدود وَقطع طَرِيق الْحق عَن الْكل فَلَا ترى إِلَّا وَاقِفًا مَعَ نَفسه أَو مَعَ رسمه لبينونة الْقدَم إِن لم يلْحقهُ شَيْء من الْحَوَادِث إِذا زفرت جَهَنَّم زفرَة فَإِن الْكل يَقُول نَفسِي نَفسِي وَالْأَجَل الْأَدْنَى يرجع إِلَى حد الشَّفَقَة فَيَقُول أمتِي أمتِي فَلَا يبْقى فِي أحد نفس بِلَا عِلّة فَيَقُول رَبِّي رَبِّي ليعلم أَن مَحل الْحَوَادِث لَا يَخْلُو عَن الْعِلَل
قَالَ وَقَالَ الحصري كنت زَمَانا إِذا قَرَأت الْقُرْآن لَا أستعيذ من الشَّيْطَان وَأَقُول من الشَّيْطَان حَتَّى يحضر كَلَام الْحق ﷿
سَمِعت عبد الله بن عَليّ يَقُول سُئِلَ الحصري هَل يحتشم الْمُحب أَو يفزع فَقَالَ الْحبّ اسْتِهْلَاك لَا يبْقى مَعَه صفة وَأَنْشَأَ يَقُول
(قَالَت لقد سؤتنا فِي غير مَنْفَعَة بقرعك الْبَاب والحجاب مَا هجعوا)
(مَاذَا يريبك فِي الظلماء تطرقنا قلت الصبابة هَاجَتْ ذَاك والطمع)
(قَالَت لعمري لقد خاطرت ذَا جزع حَتَّى وثلت فَهَلا عاقك الْجزع)
(فَقلت مَا هُوَ إِلَّا الْقَتْل أَو ظفر بِمَا يَزُول بِهِ عَن مهجتي الْهَلَع)
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول فِي مَجْلِسه هُوَ أعز من أَن يعز على سواهُ وأعز من أَن يذل لَهُ غَيره وأعز من أَن يذل
[ ٣٦٧ ]
لغيره بل هُوَ أذلّ مَا لَهُ لما لَهُ وعزز مَا لَهُ على مَا لَهُ وَلَيْسَ لمن أعز معنى عز بِهِ وَلَا لمن أذلّ معنى ذل بِهِ بل هُوَ أظهر الْجَمِيع ورسم بِأَنَّهُم عزوا وذلوا وَذَلِكَ هُوَ الْعِزّ الَّذِي لَا يرام
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول ضَاقَتْ على أوقاتي وأنفاسي فلست أستروح إِلَّا أَن تذكر أنفاس جرت مني بأنس الْبسط بصفاء الود مصونة عَن شوب الأكدار وَأنْشد هَذَا الْبَيْت
(إِن دهرا يلف شملي بسلمى لزمان يهم بِالْإِحْسَانِ)
٩٦ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله التروغبذي واسْمه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن
كَذَلِك سَمِعت أَبَا نَاصِر الطوسي يَقُول
كَانَ من جلة مَشَايِخ طوس صحب أَبَا عُثْمَان الْحِيرِي وَمن فِي طبقته من الْمَشَايِخ وَصَارَ أوحد فِي طَرِيقَته ظَهرت لَهُ آيَات وكرامات وَكَانَ مُجَردا عالي الْحَال كَبِير الهمة مَاتَ بعد الْخمسين وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله التروغبذي يَقُول من بذل نَفسه لهواه وشغل عمره بمناه استبعده هَوَاهُ واسترقه مناه
قَالَ أَبُو نصر هَذِه تَرْجَمَة كَلَامه أَنا تَرْجَمته
وَقَالَ أَبُو عبد الله التروغبذي طُوبَى لمن لم يكن لَهُ وَسِيلَة إِلَى الله سواهُ فَإِنَّهُ لَا وَسِيلَة إِلَيْهِ غَيره
قَالَ وَقيل لأبي عبد الله التروغبذي مَا صفة المريد فَقَالَ المريد فِي تَعب وَلَكِن تَعبه سرُور وطرب لَا عناء وَلَا نصب
[ ٣٦٨ ]
قَالَ وَقَالَ التروغبذي الْكبر سمة الْأَغْنِيَاء والتذلل والتواضع من أَخْلَاق الْفُقَرَاء
قَالَ وَقَالَ التروغبذي ترك الدُّنْيَا للدنيا من عَلَامَات حب الدُّنْيَا
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله التروغبذي لَيْسَ فِي اجْتِمَاع الإخوان أنس لوحشة الْفِرَاق
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من ضيع أَمر الله فِي صغره أذله الله فِي كبره
سَمِعت نصر بن أبي نصر الْعَطَّار يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله التروغبذي يَقُول لَو خدم رجل فِي جَمِيع عمره يَوْمًا فَتى من الفتيان للحقته بركَة خدمته فَكيف بِمن أفنى فِي خدمتهم عمره
قَالَ وَسَأَلته عَن الصُّوفِي والزاهد فَقَالَ الصُّوفِي بربه والزاهد بِنَفسِهِ
سَمِعت ابا الْفضل الْعَطَّار يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول الْأَسْمَاء مكشوفة والمعاني مستورة
وسمعته يَقُول قَالَ لي أَبُو عبد الله إياك والتمييز فِي الْخدمَة فَإِن أَرْبَاب التَّمْيِيز قد مضوا اخدم الْكل ليحصل لَك المُرَاد وَلَا يفوتك الْمَقْصُود
قَالَ وسمعته يَقُول إِن الله تَعَالَى وهب لكل عبد من مَعْرفَته مِقْدَارًا وَحمله من الْبلَاء على مِقْدَار مَا وهب لَهُ من الْمعرفَة لتَكون مَعْرفَته عونا لَهُ على حمل بلائه
قَالَ وسمعته يَقُول مَا جزع النَّبِي ﷺ قطّ إِلَّا لأمته فَإِنَّهُ بعث بالرأفة وَالرَّحْمَة فَإِذا كشف لَهُ من أُمُور أمته عَن مُخَالفَة جزع لَهُم وَعَلَيْهِم قَالَ الله تَعَالَى ﴿عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ التَّوْبَة ١٢٨
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله التروغبذي يَقُول الْعلم يُورث الْخَوْف وَالْعلم
[ ٣٦٩ ]
يُورث الوجل وَالْعلم يُورث السكينَة والطمأنينة وَذَلِكَ على قدر أَحْوَال العبيد ومقاماتهم مقَام أوجب الْعلم فِيهِ الوجل وَالْخَوْف ومقام أوجب فِيهِ السّكُون والطمأنينة وَالْأَحْوَال تصح إِذا كَانَت عَن نتائج الْعُلُوم
٩٧ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله الرُّوذَبَارِي واسْمه أَحْمد بن عَطاء بن أَحْمد الرُّوذَبَارِي
ابْن أُخْت أبي عَليّ الرُّوذَبَارِي شيخ الشَّام فِي وقته يرجع إِلَى أَحْوَال يخْتَص بهَا وأنواع من الْعُلُوم من علم الْقرَاءَات فِي الْقُرْآن وَعلم الشَّرِيعَة وَعلم الْحَقِيقَة وأخلاق وشمائل يخْتَص بهَا وتعظيم للفقر وصيانة لَهُ وملازمة لآدابه ومحبة للْفُقَرَاء وميل إِلَيْهِم ورفق بهم
مَاتَ بصور فِي ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أَخْبرنِي أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي إجَازَة قَالَ حَدثنَا عَليّ بن عبد الله العباسي قَالَ حَدثنَا الْحسن بن سعد قَالَ قَالَ مُحَمَّد بن أبي عُمَيْر قَالَ هِشَام بن سَالم قَالَ أَبُو عبد الله جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق ﵁ (اللَّحْم بِالْبرِّ مرقة الْأَنْبِيَاء) كَذَلِك حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يذكر ذَلِك
أخبرنَا أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن سعيد قَالَ سَمِعت أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي يَقُول الذَّوْق أول المواجيد فَأهل الْغَيْبَة إِذا شربوا طاشوا وَأهل الْحُضُور إِذا شربوا عاشوا
[ ٣٧٠ ]
قَالَ وسمعته يَقُول مَا من قَبِيح إِلَّا وأقبح مِنْهُ صوفي شحيح
وأنشدي أَحْمد بن مُحَمَّد بن نصر لنَفسِهِ فِي هَذَا الْمَعْنى
(أَشرت إِلَى الحبيب بلحظ طرفِي فَأَعْرض عَن إجَابَتِي الْمليح)
(فَقلت أضاع مذْهبه المرجي وَحُرْمَة ذَلِك الْعَهْد الصَّحِيح)
(ألم تسمع بألا قبح إِلَّا وأقبح مِنْهُ صوفي شحيح)
سَمِعت ابا نصر عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الرُّوذَبَارِي يَقُول رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن قَائِلا يَقُول لي أيش أصح مَا فِي الصَّلَاة فَقلت صِحَة الْقَصْد فَسمِعت هاتفا يَقُول رُؤْيَة الْمَقْصُود بِإِسْقَاط رُؤْيَة الْقَصْد أتم
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله الْخُشُوع فِي الصَّلَاة عَلامَة فلاح الْمُصَلِّين قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ الْمُؤْمِنُونَ ١٢
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله الرُّوذَبَارِي من خدم الْمُلُوك بِلَا عقل أسلمه الْجَهْل إِلَى الْقَتْل
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله الرُّوذَبَارِي من قلت آفاته اتَّصَلت بِالْحَقِّ أوقاته
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله مجالسة الاضداد ذوبان الرّوح ومجالسة الأشكال تلقيح الْعُقُول
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله لَيْسَ كل من يصلح للمجالسة يصلح للمؤانسة وَلَيْسَ كل من يصلح للمؤانسة يؤتمن على الْأَسْرَار وَلَا يؤتمن على الْأَسْرَار إِلَّا الْأُمَنَاء فَقَط
[ ٣٧١ ]
سَمِعت عَليّ بن سعيد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي وَسُئِلَ عَن الْقَبْض والبسط وَعَن حَال من قبض وَنعمته وَعَن حَال من بسط وَنعمته فَقَالَ إِن الْقَبْض أول أَسبَاب الفناء والبسط أول أَسبَاب الْبَقَاء فحال من قبض الْغَيْبَة وَحَال من بسط الْحُضُور ونعت من قبض الْحزن ونعت من بسط السرُور
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من عَطش إِلَى حَالَة أتم مِمَّن دهش بهَا وَلَيْسَ من دهش بهَا أتم مِمَّن عَطش إِلَيْهَا وَهَذَا شَأْن قبض الْحق بالفناء وَبسطه بِالْبَقَاءِ
سَمِعت أَبَا نصر يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول التصوف يَنْفِي عَن صَاحبه الْبُخْل وَكتب الحَدِيث يَنْفِي عَن صَاحبه الْجَهْل فَإِذا اجْتمعَا فِي شخص فناهيك بِهِ نبْلًا
أَنْشدني عَليّ بن سعيد الثغري قَالَ أَنْشدني أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي لنَفسِهِ
(فَمَا مل سَاقيهَا وَمَا مل شَارِب عقار لحاظ كأسه يسكر اللبا)
(يطوف بهَا طرف من السحر فاتر على جسم نور ضوؤه يخطف القلبا)
(يَقُول بِلَفْظ يخجل الصب حسنه تجاوزت يَا مشغوف فِي حالك الحبا)
(فسكرك من لحظي هُوَ الوجد كُله وصحوك من لَفْظِي يُبِيح لَك الشربا)
سَمِعت عَليّ بن سعيد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول سر السماع ثَلَاثَة اشياء بلاغة الفاظه ولطف مَعَانِيه واستقامة منهاجه وسر النغمة ثَلَاثَة طيب الْخلق وتأدية الألحان وَصِحَّة الْإِيقَاع وسر الصَّادِق فِي السماع ثَلَاثَة الْعلم بِاللَّه وَالْوَفَاء بِمَا عَلَيْهِ وَجمع الْهم والوطن الَّذِي يسمع فِيهِ يحْتَاج أَن يجمع فِيهِ ثَلَاث خِصَال طيب الروائح وَكَثْرَة الْأَنْوَار وَحُضُور الْوَقار ويعدم ثَلَاث رُؤْيَة الأضداد ورؤية من يحتشم ورؤية من يتلهى
[ ٣٧٢ ]
وَيسمع من ثَلَاث الصُّوفِيَّة والفقراء والمحبين لَهُم وَيسمع على ثَلَاثَة معَان على الْمحبَّة والوجد وَالْخَوْف وَالْحَرَكَة فِي السماع على ثَلَاث الطَّرب وَالْخَوْف والوجد والطرب لَهُ ثَلَاث عَلَامَات الرقص والتصفيق والفرح وَالْخَوْف لَهُ ثَلَاث عَلَامَات الْبكاء واللطم والزفرات والوجد لَهُ ثَلَاث عَلَامَات الْغَيْبَة والاصطلام والصرخات
٩٨ - وَمِنْهُم أَبُو الْحسن الصَّيْرَفِي وَهُوَ عَليّ بن بنْدَار بن الْحُسَيْن الصَّيْرَفِي
وَمُحَمّد بن أَحْمد بن جَعْفَر أَبُو بكر الشبهي
وَمُحَمّد بن أَحْمد بن حمدون الْفراء أَبُو بكر
وَعلي بن بنْدَار من جلة مَشَايِخ نيسابور ورزق من رُؤْيَة الْمَشَايِخ وصحبتهم مَا لم يرْزق غَيره صحب بنيسابور أَبَا عُثْمَان ومحفوظا وبسمرقند مُحَمَّد بن الْفضل وببلخ مُحَمَّد بن حَامِد وبجوزجان أَبَا عَليّ وبالري يُوسُف بن الْحُسَيْن وببغداد الْجُنَيْد بن مُحَمَّد ورويما وسمنون وَأَبا الْعَبَّاس بن عَطاء وَأَبا مُحَمَّد الْجريرِي وبالشام طَاهِرا الْمَقْدِسِي وَأَبا عبد الله ابْن الْجلاء وَأَبا عَمْرو والدمشقي وبمصر أَبَا بكر الْمصْرِيّ والزقاق وَأَبا عَليّ الرُّوذَبَارِي
كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ وَكَانَ ثِقَة مَاتَ سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة
أخبرنَا عَليّ بن بنْدَار قَالَ حَدثنَا دَاوُد بن سُلَيْمَان بن خُزَيْمَة قَالَ حَدثنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن السَّمرقَنْدِي قَالَ حَدثنَا يحيى بن حسان قَالَ حَدثنَا
[ ٣٧٣ ]
سُلَيْمَان بن بِلَال عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (نعم الإدام الْخلّ)
سَمِعت عَليّ بن بنْدَار يَقُول دخلت بِدِمَشْق على أبي عبد الله بن الْجلاء فَقَالَ مَتى دخلت دمشق قلت مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام فَقَالَ لي مَا لَك لم تجئني قلت ذهبت إِلَى ابْن جوصاء وكتبت عَنهُ الحَدِيث فَقَالَ لي شغلتك السّنة عَن الْفَرِيضَة
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي قَالَ سَأَلت عَليّ بن بنْدَار مَا التصوف فَقَالَ إِسْقَاط رُؤْيَة الْخلق ظَاهرا وَبَاطنا
قَالَ وَقَالَ عَليّ بن بنْدَار فَسَاد الْقُلُوب على حسب فَسَاد الزَّمَان وَأَهله
سَمِعت ابْنه أَبَا الْقَاسِم يَقُول كثيرا مَا كنت أسمع أبي ﵀ يَقُول دَار أسست على الْبلوى بِلَا بلوى محَال
قَالَ وسمعته يَقُول يَا بني إياك وَالْخلاف على الْخلق فَمن رَضِي الله بِهِ عبدا فارض بِهِ أَخا
قَالَ وَكَانَ يَقُول إياك والاشتغال بالخلق فقد عدم عَلَيْهِم الرِّبْح الْيَوْم
قَالَ وَرَأى مرّة فِي يَدي كتابا فَقَالَ مَا هَذَا قلت كتاب الْمعرفَة فَقَالَ ألم تكن الْمعرفَة فِي الْقُلُوب فقد صَارَت فِي الْكتب
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت عَليّ بن بنْدَار يَقُول لَيْسَ الْفَقِير من يظْهر فقره إِنَّمَا الْفَقِير من يكتم فقره ويأنس بِهِ ويفرج
سَمِعت عَليّ بن بنْدَار يَقُول زمَان يذكر فِيهِ بالصلاح زمَان لَا يُرْجَى فِيهِ صَلَاح
[ ٣٧٤ ]
وَسمعت عَليّ بن بنْدَار يَقُول كنت يَوْمًا أماشي أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف فَقَالَ لي أَبُو عبد الله تقدم يَا أَبَا الْحسن فَقلت بِأَيّ عذر قَالَ بأنك لقِيت الْجُنَيْد وَمَا لَقيته
وَسمعت ابْنه أَبَا الْقَاسِم يَقُول كَانَ أبي يَقُول ثوب أستجيز فِيهِ الصَّلَاة أكره أَن أبدله للقاء النَّاس بِخَير مِنْهُ
قَالَ وَقَالَ لبَعض أَصْحَابه إِلَى أَيْن قَالَ أخرج إِلَى النزهة فَقَالَ من عدم الْأنس من حَاله لم يزده التَّنَزُّه إِلَّا وَحْشَة
قَالَ وسمعته يَقُول الْحق أَمر عَظِيم يَطْلُبهُ الْخلق إِنَّمَا الْحق بطرح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
٩٩ - وَأما مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَعْفَر أَبُو بكر الشبهي
فَهُوَ من أفتى مَشَايِخ وقته صحب أَبَا عُثْمَان الْحِيرِي مَاتَ قبل السِّتين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَعْفَر الشبهي قَالَ حَدثنَا جَعْفَر بن أبي نصر الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا عبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن ثَابت الْبنانِيّ عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا (زَالَ جِبْرِيل يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه)
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَعْفَر الشبهي يَقُول يَكْفِيك من حسن الْخلق أَلا تحزن بَرِيئًا
[ ٣٧٥ ]
سَمِعت أَبَا الْحسن الخباز يَقُول سَمِعت مُحَمَّدًا الشبهي يَقُول وَدخل عَلَيْهِ بعض أَصْحَابه فَقَالَ أَنا إِذا مشيت فِي السُّوق يَقُول النَّاس انْظُرُوا إِلَى خشوع هَذَا الْمُنَافِق فَقَالَ اتَّقِ الله وخف على نَفسك فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ للْمُسلمين (أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض)
وَسمعت أَبَا الْحسن يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الشبهي يَقُول الفتوة حسن الْخلق وبذل الْمَعْرُوف
قَالَ وسمعته يَقُول العارفون يقوون بمعروفهم وَسَائِر النَّاس يقوون بِالْأَكْلِ وَالشرب
١٠٠ - وَأما مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدون الْفراء أَبُو بكر
فَهُوَ من كبار مَشَايِخ نيسابور صحب أَبَا عَليّ الثَّقَفِيّ وَعبد الله بن منَازِل وَصَحب أَيْضا أَبَا بكر الشبلي وَأَبا بكر بن طَاهِر وَغَيرهم من الْمَشَايِخ وَكَانَ أوحد الْمَشَايِخ فِي طَرِيقَته مَاتَ سنة سبعين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدون الْفراء قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ الْعَطَّار يقْرَأ قَالَ حَدثنَا عَبَّاس الدوري قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف الأشيب قَالَ حَدثنَا عَاصِم قَالَ حَدثنَا عبد السَّلَام بن حَرْب عَن بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا يغْتَسل فِي صحن الدَّار فَقَالَ (إِذا اغْتسل أحدكُم فليستتر وَلَو بجدار)
[ ٣٧٦ ]
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدون الْفراء يَقُول من لم يؤثره الله على كل شَيْء لَا يصل إِلَى قلبه نور الْمعرفَة بِحَال
وسمعته يَقُول يَصح للمرء عمله على قدر اهتمامه بِالدُّخُولِ فِيهِ وحزنه على تَقْصِيره وجهده فِي الْخُرُوج مِنْهُ على السّنة
وسمعته يَقُول كتمان الْحَسَنَات أولى من كتمان السَّيِّئَات فَإنَّك بذلك ترجو النجَاة
وَسمعت أَبَا بكر بن حمدون الْفراء يَقُول الْآمِر بِالْمَعْرُوفِ يجب عَلَيْهِ أَن يبْدَأ نَفسه ويصبر على مَا يلْحقهُ فِي ذَلِك وَيكون عَالما بِمَا يَأْمر بِهِ وَمَا ينْهَى عَنهُ
وَسَأَلت أَبَا بكر الْفراء عَن الْأَبْرَار فَقَالَ هم المتقون
١٠١ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله وَأَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد وجعفر ابْنا أَحْمد ابْن الْمُقْرِئ
فَأَما أَبُو عبد الله فَإِنَّهُ صحب يُوسُف بن الْحُسَيْن الرَّازِيّ وَعبد الله الخراز الرَّازِيّ ومظفرا القرميسيني ورويما والجريري وَابْن عَطاء
وَكَانَ من أفتى الْمَشَايِخ وأسخاهم وَأَحْسَنهمْ خلقا وَأَعْلَاهُمْ همة وأتمهم دينا وورعا مَاتَ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة
١٠٢ - وَأما أَبُو الْقَاسِم
فَهُوَ من جلة مَشَايِخ خُرَاسَان وَكَانَ أوحد الْمَشَايِخ فِي وقته وطريقته
[ ٣٧٧ ]
عالي الْحَال شرِيف الهمة لم نلق أحدا من الْمَشَايِخ فِي سمته ووقاره
صحب أَبَا الْعَبَّاس بن عَطاء وَأَبا مُحَمَّد الْجريرِي وَأَبا بكر بن أبي سَعْدَان وَأَبا بكر بن ممشاذ وَأَبا عَليّ الرُّوذَبَارِي مَاتَ بنيسابور سنة ثَمَان وَسبعين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم جَعْفَر بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمُقْرِئ الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم قَالَ حَدثنَا عمار بن خَالِد الوَاسِطِيّ وَمُحَمّد بن سعيد بن غَالب قَالَا حَدثنَا إِسْحَاق الْأَزْرَق عَن عبيد الله بن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَوْلَا أَن اشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ الْوضُوء)
سَمِعت أَبَا مَنْصُور الصَّابُونِي يَقُول سَمِعت ابا عبد الله الْمُقْرِئ الرَّازِيّ يَقُول الْفَقِير الصَّادِق الَّذِي يملك كل شَيْء وَلَا يملكهُ شَيْء
وسمعته يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول الفتوة حسن الْخلق مَعَ من تبْغضهُ وبذل المَال لمن تكرههُ وَحسن الصُّحْبَة مَعَ من ينفر قَلْبك مِنْهُ
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْقَاسِم الْمُقْرِئ الرَّازِيّ يَقُول الفتوة رُؤْيَة فضل النَّاس بنقصانك
وسمعته يَقُول الْحُرِّيَّة مُوَافقَة الإخوان فِيمَا هم فِيهِ مَا لم تكن خلافًا للْعلم
وسمعته يَقُول التصوف استقامة الْأَحْوَال مَعَ الْحق
سَمِعت أَبَا الْفرج الورثاني يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الْمُقْرِئ يَقُول مَا قبل مني أحد شَيْئا إِلَّا رَأَيْت لَهُ منَّة عَليّ لَا يمكنني الْقيام بواجبها أبدا
[ ٣٧٨ ]
أَنْشدني الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم الرَّازِيّ لبَعْضهِم
(أَقلنِي عثرتي واسمع دعائي فَأَنت الْيَوْم فِي الدُّنْيَا رجائي)
(لقد أعيا الأطبة مَا دوائي وعندك يَا عَزِيز دَوَاء دائي)
(دوائي نظرة فِيهَا شفائي شفائي فِي لقائك يَا منائي)
وسمعته يَقُول لَيْسَ السخي من طالع مَا بذله أَو ذكره وَإِنَّمَا السخي من إِذا تسخى اسْتَحى من ذَلِك واستصغره وأنف من ذكره
وَسمعت الشَّيْخ أَبَا الْقَاسِم يَقُول سَمِعت أخي أَبَا عبد الله يَقُول أول مَا صَحِبت عبد الله الخزاز قلت لَهُ بِمَاذَا تَأْمُرنِي أَيهَا الشَّيْخ قَالَ بِثَلَاثَة أَشْيَاء بالحرص على أَدَاء الْفَرَائِض بأتم جهدك والاحترام لجَماعَة الْمُسلمين واتهام خواطرك إِلَّا مَا وَافق الْحق
قَالَ وسمعته يَقُول أَوَائِل بركَة الدُّخُول فِي التصوف أَن تصدق الصَّادِقين فِي الْأَخْبَار عَن أنفسهم وَعَن مشايخهم
سَمِعت أَبَا نصر عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت جمَاعَة من مَشَايِخ الرّيّ يَقُولُونَ ورث أَبُو عبد الله الْمُقْرِئ عَن أَبِيه خمسين ألف دِينَار سوى الضّيَاع وَالْعَقار فَخرج عَن جَمِيع ذَلِك وأنفقها على الْفُقَرَاء فَسَأَلت أَبَا عبد الله عَن ذَلِك فَقَالَ أَحرمت وَأَنا غُلَام حدث وَخرجت إِلَى مَكَّة على الْوحدَة والتقطع حِين لم يبْق لي شَيْء أرجع إِلَيْهِ فَكَانَ اجتهادي أَن أزهد فِي الْكتب وَمَا جمعته من الحَدِيث وَالْعلم أَشد عَليّ من الْخُرُوج إِلَى مَكَّة والتقطع فِي الْأَسْفَار وَالْخُرُوج من ملكي
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْقَاسِم الرَّازِيّ يَقُول السماع على مَا فِيهِ من اللطافة فِيهِ خطر عَظِيم إِلَّا لمن يسمعهُ بِعلم غزير وَحَال صَحِيح وَوجد غَالب من غير حَظّ لَهُ فِيهِ
[ ٣٧٩ ]
وسمعته يَقُول الْعَارِف من شغله معروفه عَن النّظر إِلَى الْخلق بِعَين الْقبُول وَالرَّدّ
وَسمعت أَبَا عَليّ الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الْمُقْرِئ يَقُول من تعزز عَن خدمَة إخوانه أورثه الله ذلا لَا انفكاك لَهُ مِنْهُ
١٠٣ - وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد الرَّاسِبِي وَهُوَ عبد الله بن مُحَمَّد
من أهل بَغْدَاد من جلة مشايخهم صحب أَبَا الْعَبَّاس بن عَطاء والجريري رَحل إِلَى الشَّام ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَغْدَاد وَمَات بهَا سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الرَّاسِبِي يَقُول الْقلب إِذا امتحن بالتوقي نزع عَنهُ حب الدُّنْيَا وَحب الشَّهَوَات وأوقف على المغيبات
وَسمعت أَبَا مُحَمَّد يَقُول أعظم حجاب بَيْنك وَبَين الْحق اشتغالك بتدبير نَفسك واعتمادك على عَاجز مثلك فِي أسبابك
وسمعته يَقُول لَا يكون الصُّوفِي صوفيا حَتَّى لَا تقله أَرض وَلَا تظله سَمَاء وَلَا يكون لَهُ قبُول عِنْد الْخلق وَيكون مرجعه فِي كل أَحْوَاله إِلَى الْحق ﷿
وسمعته يَقُول الهموم عقوبات الذُّنُوب
سَمِعت عَليّ بن سعيد الثغري يَقُول كنت عِنْد أبي مُحَمَّد الرَّاسِبِي فَجرى عِنْده ذكر الْمحبَّة فَقَالَ الْمحبَّة إِذا ظَهرت افتضح فِيهَا الْمُحب وَإِذا كتمت قتلت الْمُحب كمدا وأنشدنا على إِثْر ذَلِك
[ ٣٨٠ ]
(وَلَقَد أفارقه بِإِظْهَار الْهوى ليستر سره إعلانه)
(ولربما كتم الْهوى إِظْهَاره ولربما فَضَح الْهوى كِتْمَانه)
(عي الْمُحب لَدَى الحبيب بلاغة ولربما قتل البليغ لِسَانه)
(كم قد رَأينَا قاهرا سُلْطَانه للنَّاس ذل لحبه سُلْطَانه)
وَسمعت الرَّاسِبِي يَقُول خلق الله الْأَنْبِيَاء للمجالسة والعارفين للمواصلة وَالصَّالِحِينَ للملازمة وَالْمُؤمنِينَ لِلْعِبَادَةِ والمجاهدة
وَسمعت أَبَا مُحَمَّد يَقُول فِي قَوْله ﷿ ﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ الْأَنْفَال ٦٧ جمع بَين إرادتين فَمن أَرَادَ الدُّنْيَا دَعَاهُ الله إِلَى الْآخِرَة وَمن أَرَادَ الْآخِرَة دَعَاهُ إِلَى قربه قَالَ الله ﷿ ﴿وَمن أَرَادَ الْآخِرَة وسعى لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك كَانَ سَعْيهمْ مشكورا﴾ الأسراء ٢٠ وَالسَّعْي المشكور هُوَ الْبلُوغ إِلَى مُنْتَهى الآمال من الْقرب والدنو
وَسمعت ابا مُحَمَّد يَقُول الْبلَاء أَو الْحيرَة هُوَ صحبتك مَعَ من لَا يوافقك وَلَا تَسْتَطِيع تَركه
١٠٤ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله الدينَوَرِي وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق
من جلة الْمَشَايِخ وأكبرهم حَالا وَأَعْلَاهُمْ همة وأفصحهم فِي عُلُوم هَذِه الطَّائِفَة مَعَ مَا كَانَ يرجع إِلَيْهِ من صُحْبَة الْفقر والتزام آدابه ومحبة أَهله أَقَامَ بوادي الْقرى سِنِين ثمَّ رَجَعَ إِلَى دينور وَمَات بهَا
سَمِعت أَبَا الْفضل نصر بن أبي نصر يحْكى عَن أبي عبد الله الدينَوَرِي أَنه قَالَ صُحْبَة الصغار مَعَ الْكِبَار من التَّوْفِيق والفطنة ورغبة الْكِبَار فِي صُحْبَة الصغار خذلان وحمق
[ ٣٨١ ]
وسمعته يَقُول قَالَ أَبُو عبد الله الدينَوَرِي لبَعض أَصْحَابه لَا يعجبنك مَا ترى من هَذِه اللبسة الظَّاهِرَة عَلَيْهِم فَمَا زَينُوا الظَّوَاهِر إِلَّا بعد أَن خربوا البواطن
سَمِعت ابا عَليّ الدينَوَرِي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الدينَوَرِي يَقُول اخْتِيَار الله تَعَالَى لعَبْدِهِ مَعَ علمه بِعَبْدِهِ خير من اخْتِيَار العَبْد لنَفسِهِ مَعَ جَهله بربه
وَقَالَ أنشدنا أَبُو عبد الله الدينَوَرِي لنَفسِهِ أَو لغيره
(أيا من صفاء الود شرب فُؤَاده فَأصْبح ريانا لتِلْك المشارب)
(أَغِثْنِي فَمَا لي عَنْك بِالصبرِ طَاقَة وجد لي فقد ضَاقَتْ عَليّ مذاهبي)
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله تَعب الزّهْد على الْبدن وتعب الْمعرفَة على الْقلب
سَمِعت عبد الله بن عَليّ يَقُول دخل رجل على أبي عبد الله الدينَوَرِي فَقَالَ لَهُ كَيفَ أمسيت فَأَنْشَأَ يَقُول
(إِذا اللَّيْل ألبسني ثَوْبه تقلب فِيهِ فَتى موجع)
وأنشدنا الْحُسَيْن بن أَحْمد بن سعيد الوَاسِطِيّ بِبَغْدَاد قَالَ أَنْشدني أَبُو عبد الله الدينَوَرِي
(بقلبي من نفى عني نعاسي وأرقني وَبَات وَلم يواسي)
(وَمن حبي لَهُ أبدا جَدِيد وثوب صدوده أبدا لباسي)
(يسيء فَلَا أؤاخذه بذنب وألزم ذَنبه كلا يراسي)
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله أرفع الْعُلُوم فِي التصوف علم الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وتمييز الْخلاف من الِاخْتِلَاف وإخلاص أَعمال الظَّاهِر وَتَصْحِيح أَحْوَال الْبَاطِن
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله رَأَيْت فِي بعض أسفاري رجلا يقفز بِإِحْدَى
[ ٣٨٢ ]
رجلَيْهِ فَقلت لَهُ مَا لَك وَالسّفر مَعَ فقدان الْآلَة فَقَالَ لي أمسلم أَنْت قلت نعم قَالَ اقْرَأ قَوْله تَعَالَى ﴿وحملناهم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ الأسراء ٧٠ إِذا كَانَ هُوَ الْحَامِل حمل بِلَا آلَة
[ ٣٨٣ ]
الخاتمة
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن مُوسَى السّلمِيّ ﵁
قد ذكرت فِي هَذَا الْكتاب خمس طَبَقَات من طَبَقَات أَئِمَّة الصُّوفِيَّة فِي كل طبقَة عشْرين شَيخا عَن كل شيخ عشْرين حِكَايَة أقل أَو أَكثر وشرطت أَلا أُعِيد فِي هَذَا الْكتاب حِكَايَة جرت لي فِي بعض مصنفاتي إِلَّا بِإِسْنَاد آخر أَو عَن غَفلَة
وَأَنا أسأَل الله تَعَالَى أَن ينفعنا وَجَمِيع الْمُسلمين بذلك وَألا يَجعله علينا وبالا وَأَن يبلغنَا مَا بَلغهُمْ من سني الدَّرَجَات وَأَن يوفقنا لما يقربنا إِلَيْهِ فِي كل الْأَوْقَات وَألا يجعلنا من المفتونين وَلَا يَجْعَل حظنا من هَذَا جمعه وَحفظه دون المجاهدة فِيهِ بفضله وسعة رَحمته إِنَّه ولي ذَلِك
[ ٣٨٤ ]
= ذكر النسْوَة المتعبدات الصوفيات =
[ ٣٨٥ ]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم