٦١ - وَمِنْهُم أَبُو بكر الشبلي واسْمه دلف يُقَال ابْن جحدر وَيُقَال ابْن جَعْفَر وَيُقَال اسْمه جَعْفَر بن يُونُس
سَمِعت الْحُسَيْن بن يحيى الشَّافِعِي يذكر ذَلِك وَكَذَلِكَ رَأَيْته بِبَغْدَاد مَكْتُوبًا على قَبره
وَهُوَ خراساني الأَصْل بغدادي المنشأ والمولد وَأَصله من أسروشنة ومولده كَمَا قيل سامرا
تَابَ فِي مجْلِس خير النساج وَصَحب الْجُنَيْد وَمن فِي عصره من الْمَشَايِخ وَصَارَ أوحد وقته حَالا وعلما وَكَانَ عَالما فَقِيها على مَذْهَب مَالك عَاشَ سبعا وَثَمَانِينَ سنة وَمَات فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَدفن فِي مَقْبرَة الخيزران وقبره الْيَوْم ظَاهر
كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ
حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن الْعَبَّاس حَدثنَا عَليّ بن الْجمال قَالَ سَمِعت أَبَا بكر الشبلي يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد بن مهْدي الْمصْرِيّ حَدثنَا عَمْرو بن أبي سَلمَة حَدثنَا صَدَقَة بن عبد الله عَن طَلْحَة بن زيد عَن أبي فَرْوَة الرهاوي عَن عَطاء عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِبلَال (الق الله فَقِيرا وَلَا تلقه غَنِيا) قَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ لي بذلك قَالَ (مَا سُئِلت فَلَا
[ ٢٥٧ ]
تمنع وَمَا رزقت فَلَا تخبأ) قَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ لي بِذَاكَ قَالَ (هُوَ ذَاك وَإِلَّا فَالنَّار)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله الْهَرَوِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي وَقيل لَهُ إِن أَبَا تُرَاب ذكر أَنه جَاع فِي الْبَادِيَة فَرَأى الْبَادِيَة كلهَا طَعَاما فَقَالَ عبد رفق وَلَو بلغ إِلَى مَحل التَّحْقِيق لَكَانَ كمن قَالَ إِنِّي أظل عِنْد رَبِّي يطعمني ويسقيني
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت عمر المزوق يَقُول سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ عَن الْوَفَاء فَقَالَ هُوَ الْإِخْلَاص بالنطق واستغراق السرائر بِالصّدقِ
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول مَا ظَنك بِعلم علم الْعلمَاء فِيهِ تُهْمَة
وسمعته يَقُول كَانَ الشبلي إِذا نظر إِلَى أَصْحَابه يسافرون وَيرى تقطعهم فِي أسفارهم يَقُول وَيْلكُمْ أَبَد مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ بُد بل بُد مِمَّن لَيْسَ مِنْهُ بُد
وسمعته يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول الْأَرْوَاح تلطفت فتعلقت عِنْد لذعات الْحَقِيقَة فَلم تَرَ غير الْحق معبودا يسْتَحق الْعِبَادَة فأيقنت أَن الْمُحدث لَا يدْرك الْقَدِيم بِصِفَات معلولة فَإذْ صفاه الْحق أوصله إِلَيْهِ فَيكون الْحق أوصله إِلَيْهِ وَلَا وصل هُوَ
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول التصوف ضبط حواسك ومراعاة أنفاسك
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول التصوف
[ ٢٥٨ ]
التآلف والتعاطف
وسمعته يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ مَتى يكون الرجل مرِيدا فَقَالَ إِذا اسْتَوَت حَاله فِي السّفر والحضر والمشهد والمغيب
سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول أَنْتُم مِنْكُم مخفوضة وَأَنا مني مَنْصُوبَة
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي يَقُول كنت وَاقِفًا يَوْمًا على حَلقَة الشبلي فَجعل يبكي وَلَا يتَكَلَّم فَقَالَ رجل يَا أَبَا بكر مَا هَذَا الْبكاء كُله فَأَنْشَأَ يَقُول
(إِذا عاتبته أَو عاتبوه شكا فعلي عدد سيئاتي)
(أيا من دهره غضب وَسخط أما أَحْسَنت يَوْمًا فِي حَياتِي)
سَمِعت أَبَا سعيد الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ عَن الزّهْد فَقَالَ تَحْويل الْقلب من الْأَشْيَاء إِلَى رب الْأَشْيَاء
قَالَ وَسمعت الشبلي يَقُول من عرف الله خضع لَهُ كل شَيْء لِأَنَّهُ عاين أثر ملكه فِيهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ مَا الدُّنْيَا فَقَالَ قدر تغلي وكنيف يمْلَأ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ بِمَ يقمع الْهوى فَقَالَ برياضات الطباع وكشف القناع
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول لَيْسَ يخْطر الْكَوْن ببالي
[ ٢٥٩ ]
وَكَيف يخْطر الْكَوْن ببال من عرف المكون
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن بن الخشاب يَقُول سَمِعت بعض أَصْحَاب الشبلي يَقُول رَأَيْت الشبلي فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ يَا أَبَا بكر من أسعد أَصْحَابك بصحبتك فَقَالَ أعظمهم لحرمات الله وألهجهم بِذكر الله واقومهم بِحَق الله وأسرعهم مبادرة فِي مرضاة الله وأعرفهم بنقصانه وَأَكْثَرهم تَعْظِيمًا لما عظم الله من حُرْمَة عباده
وَسمعت أَبَا سعيد الرَّازِيّ يَقُول قَالَ رجل للشبلي ادْع الله لي فَأَنْشَأَ يَقُول
(مضى زمن وَالنَّاس يستشفعون بِي فَهَل لي إِلَى ليلى الْغَدَاة شَفِيع)
وسمعته يَقُول قيل للشبلي نرَاك جسيما بدينا والمحبة تضني فَأَنْشَأَ يَقُول
(أحب قلبِي وَمَا درى بدني وَلَو درى مَا أَقَامَ فِي السّمن)
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت عمر بن عبد الله يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول لَو قبلني الْعَالم بِمن فِيهِ لكَانَتْ مُصِيبَة عَليّ إِذْ لَو لم يكن شربهم شربي وذوقهم ذوقي لم يقبلوني
وَسمعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول أعمى الله بصرا يراني وَلَا يرى فِي آثَار الْقُدْرَة فَأَنا أحد آثَار الْقُدْرَة وَأحد شَوَاهِد الْعِزَّة لقد ذللت حَتَّى عز فِي ذلي كل ذل وعززت حَتَّى مَا تعزز أحد إِلَّا بِي أَو بِمن تعززت بِهِ وَمَا افترقنا وَكَيف نفترق وَلم يجر علينا حَال الْجمع أبدا
[ ٢٦٠ ]
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس النسوي يَقُول سَمِعت السيرواني يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول ليكن همك مَعَك لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر
وسمعته يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الْجَعْفَرِي يَقُول سَمِعت بعض الْمَشَايِخ يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن ظريف يَقُول قَالَ الْجُنَيْد للشبلي لَو رددت أَمرك إِلَى الله لاسترحت فَقَالَ الشبلي يَا أَبَا الْقَاسِم لَو رد الله أَمرك إِلَيْك لاسترحت فَقَالَ الْجُنَيْد سيوف الشبلي تقطر دَمًا
سَمِعت عبد الله بن عَليّ الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول سَهْو طرفَة عين عَن الله لأهل الْمعرفَة شرك بِاللَّه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي الْفَرح بِاللَّه أولى من الْحزن بَين يَدي الله
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول قُلُوب أهل الْحق طائرة إِلَيْهِ بأجنحة الْمعرفَة ومستبشرة إِلَيْهِ بموالاة الْمحبَّة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول الْحُرِّيَّة هِيَ حريَّة الْقلب لَا غير
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول لَيْسَ من احتجب بالخلق عَن الْحق كمن احتجب بِالْحَقِّ عَن الْخلق وَلَيْسَ من جذبته أنوار قدسه إِلَى أنسه كمن جذبته أنوار رَحمته إِلَى مغفرته
سَمِعت الْحُسَيْن بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَحْمد الخلقاني يَقُول كثيرا مَا كَانَ الشبلي يَقُول
(ولي فِيك يَا حسرتي حسرة تقضي حَياتِي وَمَا تَنْقَضِي)
[ ٢٦١ ]
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا سهل مُحَمَّد بن سلمَان يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول أحبك الْخلق لنعمائك وَأَنا أحبك لبلائك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول من كَانَ بِالْحَقِّ تلفه كَانَ الْحلق خلقه
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي قَالَ كُنَّا يَوْمًا فِي بَيت الشبلي فَأخر الْعَصْر وَنظر إِلَى الشَّمْس وَقد تدلت للغروب فَقَالَ الصَّلَاة يَا سادتي وَقَامَ فصلى ثمَّ أنشأ يَقُول ملاعبة وَهُوَ يضْحك مَا أحسن قَول من قَالَ
(نسيت الْيَوْم من عشقي صَلَاتي فَلَا أَدْرِي غداتي من عشائي)
(فذكرك سَيِّدي أكلي وشربي ووجهك إِن رَأَيْت شِفَاء دائي)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ رؤى الشبلي فِي يَوْم عيد خَارِجا من الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول
(إِذا مَا كنت لي عيدا فَمَا أصنع بالعيد)
(جرى حبك فِي قلبِي كجري المَاء فِي الْعود)
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول مَا أحْوج النَّاس إِلَى سكرة فَقلت يَا سَيِّدي أَي سكرة فَقَالَ سكرة تغنيهم عَن مُلَاحظَة أنفسهم وأفعالهم وأحوالهم وَأَنْشَأَ يَقُول
(وتحسبني حَيا وَإِنِّي لمَيت وبعضي من الهجران يبكي على بعض)
وأنشدنا أَبُو بكر الرَّازِيّ قَالَ أنشدنا أَبُو بكر الشبلي
(إِنِّي وإياه لفي الْحبّ صَادِق نموت بِمَا نهوى جَمِيعًا وَلَا ندى)
[ ٢٦٢ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ الشبلي
(وَمن أَيْن لي أَيْن وَإِنِّي كَمَا ترى أعيش بِلَا قلب وأسعى بِلَا قصد)
سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب العكي يَقُول جَاءَ رجل إِلَى الشبلي فَقَالَ كم تهْلك نَفسك بِهَذِهِ الدعاوي وَلَا تدعها فَأَنْشَأَ يَقُول متمثلا
(إِنِّي وَإِن كنت قد أَسَأْت بِي الْيَوْم لراج الْعَطف مِنْك غَدا)
(أستدفع الْوَقْت بالرجاء وَإِن لم أر مِنْك مَا أرتجي أبدا)
(أعز نَفسِي بكم وأخدعها نفس ترى الغي فِيكُم رشدا)
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي يَقُول كنت وَاقِفًا على حَلقَة الشبلي فِي جَامع الْمَدِينَة فَوقف سَائل على حلقته وَجعل يَقُول يَا الله يَا جواد فتأوه الشبلي وَصَاح فَقَالَ كَيفَ يمكنني أَن أصف الْحق بالجود ومخلوق يَقُول فِي شكله
(تعود بسط الْكَفّ حَتَّى لَو أَنه ثناها لقبض لم تجبه أنامله)
(تراك إِذا مَا جِئْته متهللا كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله)
(وَلَو لم يكن فِي كَفه غير روحه لجاد بهَا فليتق الله سائله)
(هُوَ الْبَحْر من أَي النواحي أَتَيْته فلجته الْمَعْرُوف والجود ساحله)
ثمَّ بَكَى وَقَالَ بلَى يَا جواد فأنك أوجدت تِلْكَ الْجَوَارِح وَبسطت تِلْكَ الهمم ثمَّ مننت بعد ذَلِك على أَقوام بعز الِاسْتِغْنَاء عَنْهُم وَعَما فِي أَيْديهم بك فَإنَّك الْجواد كل الْجواد لأَنهم يُعْطون عَن مَحْدُود وعطاؤك لَا حد لَهُ وَلَا صفة فيا جواد يَعْلُو كل جواد وَبِه جاد كل من جاد
[ ٢٦٣ ]
قَالَ وسمعته يَقُول رفع الله قدر الوسائط بعلو هممهم فَلَو أجْرى على الْأَوْلِيَاء ذرة مِمَّا كشف للأنبياء لبطلوا وتقطعوا
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَكنت يَوْمًا فِي حلقته فَسَمعته يَقُول الْحق يفنى بِمَا بِهِ يبْقى وَيبقى بِمَا بِهِ يفنى يفنى بِمَا فِيهِ بَقَاء وَيبقى بِمَا فِيهِ فنَاء
فَإِذا أفنى عبدا عَن إِيَّاه أوصله بِهِ وأشرفه على أسراره وَبكى وَأنْشد على أَثَره
(لَهَا فِي طرفها لحظات سحر تميت بهَا وتحيي من يُرِيد)
(وَتَسْبِي الْعَالمين بمقلتيها كَأَن الْعَالمين لَهَا عبيد)
(ألاحظها فتعلم مَا بقلبي وألحظها فتعلم مَا أُرِيد)
قَالَ وَسَأَلَهُ سَائل هَل يتَحَقَّق الْعَارِف بِمَا يَبْدُو لَهُ فَقَالَ كَيفَ يتَحَقَّق بِمَا لَا يثبت وَكَيف يطمئن إِلَى مَا لَا يظْهر وَكَيف يأنس بِمَا يخفى فَهُوَ الظَّاهِر الْبَاطِن الْبَاطِن الظَّاهِر ثمَّ أنشأ يَقُول
(فَمن كَانَ فِي طول الْهوى ذاق سلوة فَإِنِّي من ليلِي لَهَا غير ذائق)
(وَأكْثر شَيْء نلته من وصالها أماني لم تصدق كلمحة بارق)
قَالَ وَقَالَ الشلبي كَيفَ يَصح لَك التَّوْحِيد وَكلما أَبْصرت شَيْئا اسرك
قَالَ وَقَالَ رجل للشبلي هَل شَاهده أحد بحقيقته فَقَالَ الْحَقِيقَة بعيدَة وَلَكِن ظنون وأماني وحسبان وَأنْشد
(وكذبت طرفِي فِيك والطرف صَادِق وأسمعت أُذُنِي مِنْك مَا لَيْسَ تسمع)
(وَلم أسكن الأَرْض الَّتِي تسكنونها لكيلا يَقُولُوا إِنَّنِي بك مولع)
(فَلَا كَبِدِي تهدا وَلَا لَك رَحْمَة وَلَا عَنْك إقصاء وَلَا فِيك مطمع)
فَإِذا ترَاءى لَهُ تَحْقِيق حَال شوشه بالتلبيس والإشكال
[ ٢٦٤ ]
سَمِعت ابا الْقَاسِم عبد الله بن عَليّ الْبَصْرِيّ يَقُول قَالَ رجل للشبلي إِلَى مَاذَا تستريح قُلُوب المشتاقين قَالَ إِلَى سرُور من اشتاقوا إِلَيْهِ وموافقته وَأنْشد
(أسر بمهلكي فِيهِ لِأَنِّي أسر بِمَا يسر الْألف جدا)
(وَلَو سُئِلت عِظَامِي عَن بلاها لأنكرت البلى وَسمعت جحدا)
(وَلَو أخرجت من سقمي لنادي لهيب الشوق بِي يسْأَله ردا)
وَسمعت عبد الله يَقُول سُئِلَ الشبلي وَأَنا حَاضر إِلَى مَاذَا تحن قُلُوب أهل المعارف فَقَالَ إِلَى بدايات مَا جرى لَهُم فِي الْغَيْب من حسن الْعِنَايَة فِي الحضرة بغيبتهم عَنْهَا وَأَنْشَأَ يَقُول
(سقيا لمعهدك الَّذِي لَو لم يكن مَا كَانَ قلبِي للصبابة معهدا)
٦٢ - وَمِنْهُم المرتعش وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد المرتعش النَّيْسَابُورِي
من محلّة الْحيرَة صحب أَبَا حَفْص الْحداد وَأَبا عُثْمَان الْحداد وَلَقي الْجُنَيْد وَصَحبه وَأقَام بِبَغْدَاد حَتَّى صَار أحد مَشَايِخ الْعرَاق وأئمتهم حَتَّى قَالَ أَبُو عبد الله الرَّازِيّ كَانَ مَشَايِخ الْعرَاق يَقُولُونَ عجائب بَغْدَاد فِي التصوف ثَلَاث إشارات الشبلي ونكت المرتعش وحكايات جَعْفَر الْخُلْدِيِّ
[ ٢٦٥ ]
وَكَانَ يُقيم فِي مَسْجِد الشونيزية مَاتَ بِبَغْدَاد سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد المرتعش يَقُول سُكُون الْقلب إِلَى غير الْمولى تَعْجِيل عُقُوبَة من الله فِي الدُّنْيَا
قَالَ وَقَالَ المرتعش ذهبت حقائق الْأَشْيَاء وَبقيت أسماؤها فالأسماء مَوْجُودَة والحقائق مفقودة والدعاوي فِي السرائر مكنونة والألسنة بهَا فصيحة والأمور عَن حُقُوقهَا مصروفة وَعَن قريب تفقد هَذِه الْأَلْسِنَة وَهَذِه الدعاوي فَلَا يُوجد لِسَان نَاطِق وَلَا مُدع مطنب
سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول سَمِعت المرتعش يَقُول مَا تَوَجَّهت إِلَى الله تَعَالَى بسر خاصي إِلَّا فِي ظَاهر عَامي
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول كنت عِنْد المرتعش قَاعِدا فَقَالَ رجل قد طَال اللَّيْل وطاب الْهَوَاء فَنظر إِلَيْهِ المرتعش وَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ لَا أَدْرِي مَا تَقول غير أَنِّي أَقُول مَا سَمِعت بعض القوالين فِي بعض هَذِه اللَّيَالِي يُغني وَيَقُول
(لست أَدْرِي أَطَالَ ليلِي أم لَا كَيفَ يدْرِي بِذَاكَ من يتلَقَّى)
(لَو تفرغت لاستطالة ليلِي ولرعى النُّجُوم كنت مخلى)
(إِن للعاشقين عَن قصر اللَّيْل وَعَن طوله من الوجد شغلا)
قَالَ فَبكى من حَضَره وَاسْتَدَلُّوا بذلك على عمَارَة أوقاته
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش الوسوسة تُؤدِّي إِلَى الْحيرَة والإلهام يُؤَدِّي إِلَى زِيَادَة فهم وَبَيَان
[ ٢٦٦ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش أصُول التَّوْحِيد ثَلَاثَة اشياء معرفَة الله تَعَالَى بالربوبية وَالْإِقْرَار لَهُ بالوحدانية وَنفي الأنداد عَنهُ جملَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش أفضل الْأَعْمَال تَصْحِيح الْعُبُودِيَّة على الْمُشَاهدَة وملازمة الْخدمَة على السّنة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ المرتعش بِمَاذَا ينَال العَبْد حب الله تَعَالَى فَقَالَ ببغض مَا أبْغض الله وَهِي الدُّنْيَا وَالنَّفس
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ المرتعش مرّة أُخْرَى بِمَاذَا ينَال العَبْد الْمحبَّة قَالَ بموالاة أَوْلِيَاء الله ومعاداة أعدائه ثمَّ نظر إِلَى بعض جُلَسَائِهِ فَقَالَ أَنْشدني الأبيات الَّتِي كنت أنشدتنيها أمس فَأَنْشَأَ الرجل يَقُول
(أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إِذْ كَانَ حظي مِنْك حظي مِنْهُم)
(وأهنتني فأهنت نَفسِي صاغرا مَا من يهون عَلَيْك مِمَّن يكرم)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش تَصْحِيح الْمُعَامَلَات كلهَا بشيئين وهما الصَّبْر وَالْإِخْلَاص الصَّبْر عَلَيْهَا وَالْإِخْلَاص فِيهَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش الْإِرَادَة حبس النَّفس عَن مراداتها والإقبال على أوَامِر الله وَالرِّضَا بموارد الْقَضَاء عَلَيْهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ رجل للمرتعش إِن فلَانا يمشي على المَاء فَقَالَ عِنْدِي أَن من مكنه الله من مُخَالفَة هَوَاهُ فَهُوَ أعظم من الْمَشْي على المَاء وَفِي الْهَوَاء
[ ٢٦٧ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش الْمُسلم مَحْبُوب إِلَى الْخلق وَالْمُؤمن غَنِي عَن الْخلق
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سُئِلَ المرتعش عَن التصوف فَقَالَ الْإِشْكَال والتلبيس والكتمان ثمَّ أنشأ يَقُول
(سري وسرك لم يعلم بِهِ أحد إِلَّا الْجَلِيل وَلم ينْطق بِهِ نطق)
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا سهل مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْفَقِيه يَقُول قَالَ رجل للمرتعش أوصني فَقَالَ اذْهَبْ إِلَى من هُوَ خير لَك مني وَدعنِي إِلَى من هُوَ خير لي مِنْك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ جَاءَ رجل إِلَى المرتعش فَقَالَ أَي الْأَعْمَال أفضل فَقَالَ رُؤْيَة فضل الله وَأَنْشَأَ يَقُول
(إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدت ألحقت الْعَاجِز بالحازم)
سَمِعت ابا الْفرج بن الصَّائِغ يَقُول رؤى المرتعش فِي الْعشْر الْأَوَاخِر خَارِجا من الْمَسْجِد الْجَامِع فَقيل لَهُ مَا الَّذِي أخرجك من الْمَسْجِد فَقَالَ مُشَاهدَة الْقُرَّاء وتعظيم طاعاتهم عِنْدهم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش من ظن أَن أَفعاله تنجيه من النَّار أَو تبلغه الرضْوَان فقد جعل لنَفسِهِ ولفعله خطرا وَمن اعْتمد على فضل الله بلغه الله إِلَى اقصى منَازِل الرضْوَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ يُونُس ٥٨
[ ٢٦٨ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش اعْتمد على ضَمَان الله لَك فِي رزقك واجتهد فِي أَدَاء مَا افترضه عَلَيْك تكن من خواصه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش السّكُون إِلَى الْأَسْبَاب يقطع الْقُلُوب عَن الِاعْتِمَاد على الْمُسَبّب
٦٣ - وَمِنْهُم أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم ابْن مَنْصُور بن شهريار بن مهرذاذاز بن فرغدد بن كسْرَى
[ ٢٦٩ ]
كَذَا ذكره لي عبد الله بن عَليّ قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي يَقُول ذَلِك
وَهُوَ من أهل بَغْدَاد سكن مصر وَصَارَ شيخها وَمَات بهَا صحب أَبَا الْقَاسِم الْجُنَيْد وَأَبا الْحُسَيْن النوري وَأَبا حَمْزَة وحسنا المسوحي وَمن فِي طبقتهم من مَشَايِخ بَغْدَاد وَصَحب بِالشَّام ابْن الْجلاء وَكَانَ عَالما فَقِيها عَارِفًا بِعلم الطَّرِيقَة حَافِظًا للْحَدِيث
توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة كَذَلِك ذكره لي الْحُسَيْن بن أَحْمد الرَّازِيّ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو الْفضل نصر بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب الطوسي قَالَ حَدثنَا قسيم بن أَحْمد غُلَام الرقَاق حَدثنَا أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي الصُّوفِي حَدثنَا يُوسُف حَدثنَا الْحُسَيْن بن نصر عَن وَرْقَاء عَن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ النَّحْل ٥٠ ذَاك مَخَافَة الإجلال
أخبرنَا أَبُو الْفضل قَالَ حَدثنَا قسيم قَالَ حَدثنَا أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي حَدثنَا مَسْعُود بن مُحَمَّد بن مَسْعُود الرَّمْلِيّ حَدثنَا عمرَان بن هَارُون الصُّوفِي حَدثنَا سليم بن حَيَّان عَن دَاوُد عَن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى ليعمر بالقوم الديار وَيكثر لَهُم الْأَمْوَال وَمَا نظر إِلَيْهِم مُنْذُ خلقهمْ بغضا قيل يَا رَسُول الله وَكَيف ذَلِك قَالَ بصلتهم أرحامهم
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَسُئِلَ عَن الْإِشَارَة فَقَالَ الْإِشَارَة الْإِبَانَة عَمَّا يتضمنه الوجد من الْمشَار
[ ٢٧٠ ]
إِلَيْهِ لَا غير وَفِي الْحَقِيقَة إِن الْإِشَارَة تصحبها الْعِلَل والعلل بعيدَة من عين الْحَقَائِق
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَسُئِلَ عَن المريد وَالْمرَاد فَقَالَ المريد الَّذِي لَا يُرِيد لنَفسِهِ إِلَّا مَا اراد الله لَهُ وَالْمرَاد لَا يُرِيد من الكونين شَيْئا غَيره
سَمِعت ابا الْقَاسِم الدِّمَشْقِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول الصول على من دُونك ضعف وعَلى من فَوْقك قحة
وسمعته يَقُول سُئِلَ أَبُو عَليّ عَمَّن يسمع الملاهي وَيَقُول هِيَ لي حَلَال لِأَنِّي قد وصلت إِلَى دَرَجَة لَا يُؤثر فِي اخْتِلَاف الْأَحْوَال فَقَالَ نعم قد وصل لعمري وَلَكِن إِلَى سقر
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَسُئِلَ عَن التصوف يَقُول هَذَا مَذْهَب كُله جد فَلَا تخلطوه بِشَيْء من الْهزْل
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول فضل الْمقَال على الفعال منقصة وَفضل الفعال على الْمقَال مكرمَة
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد الكازروني يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول لَا رضى لمن لَا لَا يصبر وَلَا كَمَال لمن لَا يشْكر وَبِاللَّهِ وصل العارفون إِلَى محبته وشكروه على نعْمَته
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الرُّوذَبَارِي يَقُول قَالَ لي خَالِي أَبُو عَليّ لَو تكلم أهل التَّوْحِيد بِلِسَان التَّجْرِيد لما بَقِي محق إِلَّا مَاتَ
[ ٢٧١ ]
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس النسوي يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد الزقاق قَالَ سَأَلت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي عَن التَّوْبَة فَقَالَ الِاعْتِرَاف والندم والإقلاع
أَنْشدني أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر قَالَ أَنْشدني إِبْرَاهِيم بن فاتك لأبي عَليّ الرُّوذَبَارِي
(روحي إِلَيْك بكلها قد أَجمعت لَو أَن فِيك هلاكها مَا أقلعت)
(تبْكي إِلَيْك بكلها عَن كلهَا حَتَّى يُقَال من الْبكاء تقطعت)
(فَانْظُر إِلَيْهَا نظرة بتعطف فلطالما متعتها فتمتعت)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول والاهم قبل أفعالهم وعاداهم قبل أفعالهم ثمَّ جازاهم بأفعالهم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي المشاهدات للقلوب والمكاشفات للأسرار والمعاينات للبصائر والمراعات للأبصار
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ من نظر إِلَى نَفسه مرّة عمي عَن النّظر بِالِاعْتِبَارِ إِلَى شَيْء من الأكوان
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي مَا ادّعى أحد قطّ إِلَّا لخلوه عَن الْحَقَائِق وَلَو تحقق فِي شَيْء لنطقت عَنهُ الْحَقِيقَة وأغناه عَن الدعاوي
سَمِعت عَليّ بن سعيد يَقُول سَمِعت عبد السَّلَام المخرمي يَقُول أَنْشدني أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي لنَفسِهِ
بك كتمان وجده بك عَنهُ لَك مِنْهُ وَعنهُ مَا لَك مِنْهُ)
(من إِذا لَاحَ لائح لمشوق هام وجدا إِن لم تكنه)
(وَإِذا أفل الأفول ببين بَان عَنهُ فَبَان إِن لم تبنه)
[ ٢٧٢ ]
(يَا فَتى الْحبّ بل يَا فَتى الْحق سري عَنْك مستودع لديك فصنه)
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت ابا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول أَنْفَع الْيَقِين مَا عظم الْحق فِي عَيْنَيْك وَصغر مَا دونه عنْدك وَأثبت الْخَوْف والرجاء فِي قَلْبك
قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ يَقُول مَا أظهر من نعمه دَلِيل على مَا أبطن من كرمه
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ يَقُول من الاغترار أَن تسيء فَيحسن إِلَيْك فَتتْرك الْإِنَابَة وَالتَّوْبَة توهما أَنَّك تسَامح فِي الهفوات وَترى أَن ذَلِك فِي بسط الْحق لَك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ كَيفَ تشهده الاشياء وَبِه فنيت بذواتها عَن ذواتها أم كَيفَ غَابَتْ الْأَشْيَاء عَنهُ وَبِه ظَهرت وبصفاته فسبحان من لَا يشهده شَيْء وَلَا يغيب عَنهُ شَيْء
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ تشوقت الْقُلُوب إِلَى مُشَاهدَة ذَات الْحق فألقيت إِلَيْهَا الْأَسَامِي فركنت إِلَيْهَا والذات مستترة إِلَى أَوَان التجلي وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾ أَي وقفُوا مَعهَا عَن إِدْرَاك الْحَقَائِق
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ أظهر الْحق الاسامي وأبداها لِلْخلقِ ليسكن بهَا شوق المحبين إِلَيْهِ وتأنس بهَا قُلُوب العارفين لَهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ أستاذي فِي التصوف الْجُنَيْد وأستاذي فِي
[ ٢٧٣ ]
الْفِقْه أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج وأستاذي فِي الْأَدَب ثَعْلَب وأستاذي فِي الحَدِيث إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ
٦٤ - وَمِنْهُم أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ واسْمه مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب
لَقِي أَبَا حَفْص وحمدونا الْقصار وَكَانَ إِمَامًا فِي أَكثر عُلُوم الشَّرْع مقدما فِي كل فن مِنْهُ عطل أَكثر علومه واشتغل بِعلم الصُّوفِيَّة وَتكلم فِيهِ أحسن كَلَام
وَكَانَ أَبُو عُثْمَان الْحِيرِي يَقُول إِنَّه لينفعني فِي نَفسِي إِذا نظرت إِلَى خشوع هَذَا الْفَتى يَعْنِي أَبَا عَليّ الثَّقَفِيّ
وَكَانَ أَبُو عَليّ أحسن الْمَشَايِخ كلَاما فِي عُيُوب النَّفس وآفات الْأَعْمَال
سَمِعت أبي ﵀ يَقُول مَاتَ أَبُو عَليّ سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
اُخْبُرْنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن زَكَرِيَّا قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص مُحَمَّد بن الْهَيْثَم حَدثنَا ابْن عفير قَالَ حَدثنَا الْفضل بن الْمُخْتَار الْبَصْرِيّ عَن هِشَام بن حسان عَن الْحسن عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من (من جَاءَ مِنْكُم الْجُمُعَة فليغتسل)
أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن الكارزي قَالَ حَدثنَا أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق قَالَ حَدثنَا عبد الله بن سَلمَة عَن مَالك عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة
[ ٢٧٤ ]
عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ (قَالَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَة من الرجل الصَّالح جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الثَّقَفِيّ يَقُول كَمَال الْعُبُودِيَّة هُوَ الْعَجز والقصور عَن تدارك معرفَة علل الْأَشْيَاء بِالْكُلِّيَّةِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ لكل شَيْء حد وَكَمَال فَمن صحب الاشياء على حُدُودهَا فقد أَفْلح وأنجح وَمن قصر عَن حُدُودهَا فقد ضيع حَقّهَا وَمن تجَاوز حَدهَا فقد اشرف على هَلَاك نَفسه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ لبَعض أَصْحَابه يَنْبَغِي أَلا تفارق هَذِه الْخلال الْأَرْبَعَة صدق القَوْل وَصدق الْعَمَل وَصدق الْمَوَدَّة وَصدق الْأَمَانَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ لَا يقبل الله من الْأَعْمَال إِلَّا مَا كَانَ صَوَابا وَمن صوابها إِلَّا مَا كَانَ خَالِصا وَمن خالصها إِلَّا مَا وَافق السّنة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ من صحب الأكابر على غير طَرِيق الْحُرْمَة حرم فوائدهم وبركات نظرهم وَلَا يظْهر عَلَيْهِ من أنوارهم شَيْء
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ تَمام الْعلم انْقِطَاع الرَّجَاء عَن بُلُوغ كنهه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ أُفٍّ من اشغال الدُّنْيَا إِذا أَقبلت وأف من حسراتها إِذا أَدْبَرت والعاقل من لَا يركن إِلَى شَيْء إِذا أقبل كَانَ شغلا وَإِذا أدبر كَانَ حسرة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ لَا تلبس تَقْوِيم مَا لَا يَسْتَقِيم وَلَا تَأْدِيب من لَا يتأدب
[ ٢٧٥ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الْعلم حَيَاة الْقلب من الْجَهْل وَنور الْعين من الظلمَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ يَا من بَاعَ كل شَيْء بِلَا شَيْء وَاشْترى لَا شَيْء بِكُل شَيْء
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الْفُرُوع الصَّحِيحَة لَا تتفرع إِلَّا من أصل صَحِيح فَمن أَرَادَ أَن تصح لَهُ أَفعاله على السّنة فليصحح الْإِخْلَاص من قلبه فَإِن تَصْحِيح ظواهر الْأَعْمَال بِصِحَّة بواطن الْإِخْلَاص
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول حضرت مجْلِس أبي عَليّ الثَّقَفِيّ فَتكلم فِي الْمحبَّة وأحوال المحبين وَأنْشد فِي خلال تِلْكَ الْأَحْوَال هَذِه الأبيات
(إِلَى كم يكون الصد فِي كل سَاعَة وَكم لَا تملين القطيعة والهجرا)
(رويدك إِن الدَّهْر فِيهِ كِفَايَة لتفريق ذَات الْبَين فارتقبي الدَّهْر)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ من غَلبه هَوَاهُ توارى عَنهُ عقله
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الْغَفْلَة وسعت على الْخلق الطّرق فِي مَعَايشهمْ وأفعالهم والورع واليقظة ضيقت عَلَيْهِم ذَلِك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ابو عَليّ الْمَعْرُوف كنز لَا يبعد من بر وَلَا فَاجر
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ أَرْبَعَة اشياء لَا بُد للعاقل من حفظهن الْأَمَانَة والصدق وَالْأَخ الصَّالح والسريرة
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت ابا عَليّ الثَّقَفِيّ يَقُول لَو أَن رجلا جمع الْعُلُوم كلهَا وَصَحب طوائف النَّاس لَا يبلغ مبلغ الرِّجَال إِلَّا
[ ٢٧٦ ]
بالرياضة من شيخ أَو إِمَام أَو مؤدب أَو نَاصح وَمن لم يَأْخُذ أدبه من آمُر لَهُ وناه يرِيه عُيُوب أَعماله ورعونات نَفسه لَا يجوز الِاقْتِدَاء بِهِ فِي تَصْحِيح الْمُعَامَلَات
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ لَيْسَ شَيْء أولى بِأَن تمسكه من نَفسك وَلَا شَيْء أولى بِأَن تغلبه من هَوَاك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ يأتى على هَذِه الْأمة زمَان لَا تطيب الْمَعيشَة فِيهِ لمُؤْمِن إِلَّا بعد استناده إِلَى مُنَافِق
٦٥ - وَمِنْهُم عبد الله بن منَازِل وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد ابْن منَازِل
من أجل مَشَايِخ نيسابور لَهُ طَريقَة يتفرد بهَا صحب أَبَا صَالح حمدون ابْن أَحْمد الْقصار وَأخذ عَنهُ طَرِيقَته وَكَانَ عَالما بعلوم الظَّاهِر كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ وَكَانَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ يحترمه ويبجله وَيرْفَع من مِقْدَاره وَمحله مَاتَ بنيسابور سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
[ ٢٧٧ ]
حَدثنَا أبي ﵀ قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل قَالَ حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سوار قَالَ حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا عبد الْوَاحِد عَن إِسْمَاعِيل بن سميع قَالَ حَدثنَا أَبُو رزين قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ (من اتخذ كَلْبا لَيْسَ بكلب صيد وَلَا غنم نقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط)
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل يَقُول لَا خير فِيمَن لم يذقْ ذل المكاسب وذل السُّؤَال وذل الرَّد
قَالَ وسمعته يَقُول من رفع ظلّ نَفسه عَن نَفسه عَاشَ النَّاس فِي ظله
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن فضلويه يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل يَقُول عبر بلسانك عَن حالك وَلَا تكن بكلامك حاكيا أَحْوَال غَيْرك
قَالَ وسمعته يَقُول من ألزم نَفسه شَيْئا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ ضيع من أَحْوَال مثله مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ
قَالَ وسمعته يَقُول وَسَأَلَهُ إِنْسَان عَن مَسْأَلَة فَأجَاب فَقَالَ لَهُ أعد عَليّ فَقَالَ أَنا فِي ندامة مَا جرى
قَالَ وسمعته يَقُول من عظم قدره عِنْد النَّاس يجب أَن يحتقر نَفسه عِنْده أَلا ترى أَن إِبْرَاهِيم ﷺ لما اتَّخذهُ الله خَلِيلًا قَالَ ﴿واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ إِبْرَاهِيم ٣٥
قَالَ وسمعته يَقُول من دخل فِي هَذَا الْأَمر بِضعْف قوي فِيهِ وَمن دخله بِقُوَّة ضعف وَافْتَضَحَ
قَالَ وسمعته وَسُئِلَ عَن الْعُبُودِيَّة يَقُول هِيَ اضطرار لَا اخْتِيَار فِيهِ
[ ٢٧٨ ]
قَالَ وسمعته يَقُول لَا يجْتَمع التَّسْلِيم وَالدَّعْوَى بِحَال
قَالَ وسمعته يَقُول اترك التَّكَلُّف وَالتَّدْبِير وَانْظُر إِلَى الْحَال والتحويل
قَالَ وسمعته يَقُول لَو صَحَّ لعبد فِي عمره نفس من غير رِيَاء وَلَا شرك لأثرت بَرَكَات ذَلِك عَلَيْهِ إِلَى آخر الدَّهْر
قَالَ وسمعته يَقُول الْإِنْسَان عاشق على شقاوة
قَالَ وسمعته يَقُول يَمُوت الْإِنْسَان وَلَا يخلف بعده شَيْئا أَكثر من التَّدْبِير
قَالَ وسمعته يَقُول ذكر الله تَعَالَى أَنْوَاع الْعِبَادَات فَقَالَ ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ آل عمرَان ١٧ فختم المقامات كلهَا بمقام الاسْتِغْفَار ليرى العَبْد تَقْصِيره فِي جَمِيع أَفعاله وأحواله فيستغفر مِنْهَا
قَالَ وسمعته يَقُول كَيفَ ينظر الْإِنْسَان إِلَى أَمَامه وورائه وَهُوَ غَائِب عَن مقَامه وَوَقته
وَسمعت عبد الله بن مُحَمَّد بن فضلويه يَقُول سَمِعت عبد الله يَقُول لم يضيع أحد فَرِيضَة من الْفَرَائِض إِلَّا ابتلاه الله بتضييع السّنَن وَلم يبتل أحد بتضييع السّنَن إِلَّا أوشك أَن يبتلى بالبدع
قَالَ وَسمعت عبد الله يَقُول التَّفْوِيض مَعَ الْكسْب خير من خلوه عَنهُ
قَالَ وسمعته يَقُول كَانَ الْوَاجِب على أبي عَليّ الثَّقَفِيّ أَن يتَكَلَّم لنَفسِهِ لَا لِلْخلقِ لذَلِك لَا يصل إِلَيْهِ بَرَكَات كَلَامه
قَالَ وَسمعت عبد الله يَقُول أَحْكَام الْغَيْب لَا تشاهد فِي الدُّنْيَا وَلَكِن تشاهد فضائح الدَّعْوَى
قَالَ وَسمعت عبد الله يَقُول لبَعض أَصْحَابه قد عشقت نَفسك وعشقت من يعشقك
[ ٢٧٩ ]
قَالَ وسمعته يَقُول الْعُبُودِيَّة الرُّجُوع فِي كل شَيْء إِلَى الله تَعَالَى على حد الِاضْطِرَار
قَالَ وسمعته يَقُول لَا يَنْبَغِي أَن يتفرغ العَبْد إِلَى السّنَن إِلَّا بعد فَرَاغه من أَدَاء الْفَرَائِض
قَالَ وسمعته يَقُول أَنْت تظهر دَعْوَى الْعُبُودِيَّة وتضمر أَوْصَاف الربوبية
قَالَ وسمعته يَقُول كل فقر لَا يكون عَن ضَرُورَة لَا يكون فِيهِ فَضِيلَة
قَالَ وسمعته يَقُول من احتجب إِلَى شَيْء من علومه فَلَا تنظر إِلَى عيوبه فَإِن نظرك يحرمك بركَة الِانْتِفَاع بِعِلْمِهِ
٦٦ - وَمِنْهُم أَبُو الْخَيْر الأقطع
وَأَصله من الْمغرب سكن التينات وَله آيَات وكرامات يطول ذكرهَا
صحب أَبَا عبد الله بن الْجلاء وَغَيره من الْمَشَايِخ وَكَانَ أوحد فِي طَرِيقَته
[ ٢٨٠ ]
فِي التَّوَكُّل كَانَ يأنس إِلَيْهِ السبَاع والهوام وَكَانَ حاد الفراسة مَاتَ سنة نَيف وَأَرْبَعين وثلاثمائة
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله الإصفهاني يَقُول سَمِعت أَبَا الْخَيْر الأقطع يَقُول دخلت مَدِينَة رَسُول الله ﷺ وَأَنا بفاقة فأقمت خَمْسَة ايام مَا ذقت ذواقا فتقدمت إِلَى الْقَبْر وسلمت على النَّبِي ﷺ وعَلى أبي بكر وَعمر ﵄ وَقلت أَنا ضيفك اللَّيْلَة يَا رَسُول الله وتنحيت ونمت خلف الْمِنْبَر فَرَأَيْت فِي الْمَنَام النَّبِي ﷺ وَأَبُو بكر عَن يَمِينه وَعمر عَن شِمَاله وَعلي بن أبي طَالب بَين يَدَيْهِ ﵃ فحركني عَليّ وَقَالَ قُم قد جَاءَ رَسُول الله قَالَ فَقُمْت إِلَيْهِ وَقبلت بَين عَيْنَيْهِ فَدفع إِلَيّ رغيفا فَأكلت نصفه وانتبهت فَإِذا فِي يَدي نصف رغيف
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول أَنْشدني أَبُو الْخَيْر الأقطع
(أنحل الْحبّ قلبه والحنين ومحاه الْهوى فَمَا يستبين)
(مَا ترَاهُ الظنون إِلَّا ظنونا وَهُوَ أخْفى من أَن ترَاهُ الظنون)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْخَيْر الأقطع الْقُلُوب ظروف فَقلب مَمْلُوء إِيمَانًا فعلامته الشَّفَقَة على جَمِيع الْمُسلمين والاهتمام بِمَا يهمهم ومعاونتهم بِمَا يعود صَلَاحه إِلَيْهِم وقلب مَمْلُوء نفَاقًا فعلامته الحقد والغل والغش والحسد
سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن زيد يَقُول سَمِعت أَبَا الْخَيْر الأقطع يَقُول لن يصفو قَلْبك إِلَّا بتصحيح النِّيَّة لله تَعَالَى وَلنْ يصفو بدنك إِلَّا بِخِدْمَة أَوْلِيَاء الله تَعَالَى
[ ٢٨١ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْخَيْر مَا بلغ أحد إِلَى حَالَة شريفة إِلَّا بملازمة الْمُوَافقَة ومعانقة الْأَدَب وَأَدَاء الْفَرَائِض وصحبة الصَّالِحين وَحُرْمَة الْفُقَرَاء الصَّادِقين
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْخَيْر الأقطع حرَام على قلب مأسور بحب الدُّنْيَا أَن يسيح فِي روح الْغَيْب
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا الْخَيْر الأقطع يَقُول إِن الذاكر لله تَعَالَى لَا يقوم لَهُ فِي ذكره عوض فَإِذا قَامَ لَهُ الْعِوَض خرج من ذكره
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْخَيْر الأقطع من لم لم يكن لَهُ مَعَ الله صُحْبَة دائمة بِمَعْرِفَة إطلاعه عَلَيْهِ ومراعاته لتصريف الْمَوَارِد بِهِ ومشاهدة مِنْهُ قَاطِعَة اعترضت عَلَيْهِ الأحزان من ظُهُور المحن وتغيير الزَّمَان
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْخَيْر الدَّعْوَى رعونة لَا يحْتَمل الْقلب إِمْسَاكهَا فيلقيها إِلَى اللِّسَان فَتَنْطِق بهَا أَلْسِنَة الحمقى وَلَا يعرف الْأَعْمَى مَا يبصره الْبَصِير من محاسنه وقبائحه
٦٧ - وَمِنْهُم الكتاني وَهُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن جَعْفَر الكتاني وكنيته أَبُو بكر وَيُقَال أَبُو عبد الله وَأَبُو بكر اصح
[ ٢٨٢ ]
أَصله من بَغْدَاد صحب الْجُنَيْد وَأَبا سعيد الخراز وَأَبا الْحُسَيْن النوري وَأقَام بِمَكَّة مجاورا بهَا إِلَى أَن مَاتَ
وَكَانَ أحد الْأَئِمَّة حكى عَن أبي مُحَمَّد المرتعش أَنه كَانَ يَقُول الكتاني سراج الْحرم
مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة كَذَلِك ذكره لي أَبُو عبد الله الْحُسَيْن ابْن مُحَمَّد بن جَعْفَر الرَّازِيّ
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عَليّ الكتاني يَقُول إِن لله ريحًا تسمى الصبيحة مخزونة تَحت الْعَرْش تهب عِنْد الأسحار تحمل الأنين وَالِاسْتِغْفَار إِلَى الْملك الْجَبَّار
قَالَ وسمعته يَقُول إِذا سَأَلت الله تَعَالَى التَّوْفِيق فابدأ بِالْعَمَلِ
قَالَ وَسَأَلَهُ بعض المريدين فَقَالَ لَهُ أوصني فَقَالَ كن كَمَا ترى النَّاس وَإِلَّا فأر النَّاس مَا تكون
قَالَ وَقَالَ الكتاني كن فِي الدُّنْيَا ببدنك وَفِي الْآخِرَة بقلبك
قَالَ وسمعته يَقُول الشُّكْر فِي مَوضِع الاسْتِغْفَار ذَنْب وَالِاسْتِغْفَار فِي مَوضِع الشُّكْر ذَنْب
قَالَ وَسمعت الكتاني يَقُول روعة روعة عِنْد انتباه عَن غَفلَة وَانْقِطَاع عَن حَظّ النفسانية وارتعاد من خوف قطيعة أفضل من عبَادَة الثقلَيْن
قَالَ وسمعته يَقُول وجود الْعَطاء من الْحق شُهُود الْحق بِالْحَقِّ لِأَن الْحق دَلِيل على كل شَيْء وَلَا يكون شَيْء دونه دَلِيلا عَلَيْهِ
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الكتاني يَقُول الشَّهْوَة زِمَام الشَّيْطَان فَمن أَخذ بزمامه كَانَ عَبده
[ ٢٨٣ ]
قَالَ وَسُئِلَ الكتاني عَن حَقِيقَة الزّهْد فَقَالَ فقد الشَّيْء وَالسُّرُور من الْقلب بفقده وملازمة الْجهد إِلَى الْمَوْت وَاحْتِمَال الذل صبرا وَالرِّضَا بِهِ حَتَّى تَمُوت
قَالَ وَقيل للكتاني من الْعَارِف فَقَالَ من يُوَافق معروفه فِي أوامره وَلَا يُخَالِفهُ فِي شَيْء من أَحْوَاله ويتحبب إِلَيْهِ بمحبة أوليائه وَلَا يفتر عَن ذكره طرفَة عين
قَالَ وَسمعت الكتاني يَقُول الصُّوفِيَّة عبيد الظَّوَاهِر أَحْرَار البواطن
قَالَ وسمعته يَقُول سَماع الْعَوام على مُتَابعَة الطَّبْع وَسَمَاع المريدين رَغْبَة وَرَهْبَة وَسَمَاع الْأَوْلِيَاء رُؤْيَة الآلاء وَالنعَم وَسَمَاع العارفين على الْمُشَاهدَة وَسَمَاع أهل الْحَقِيقَة على الْكَشْف والعيان وَلكُل وَاحِد من هَؤُلَاءِ مصدر ومقام
قَالَ وَسمعت الكتاني يَقُول الْمَوَارِد ترد فتصادف شكلا أَو مُوَافقَة فَأَي وَارِد صَادف شكلا مازجه وَأي وَارِد صَادف مُوَافقا ساكنه
قَالَ وَسمعت الكتاني يَقُول المستمع يجب أَن يكون فِي سَمَاعه غير مستروح إِلَيْهِ يهيج مِنْهُ السماع وجدا أَو شوقا أَو غَلَبَة وَارِد عَلَيْهِ يفنيه عَن كل مسكون ومألوف وَأنْشد على أَثَره
(فالوجد والشوق فِي مَكَاني قد منعاني من الْقَرار)
(هما معي لَا يفارقاني فَذا شعاري وَذَا دثاري)
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الكتاني إِن الله نظر إِلَى عبيد من عبيده فَلم يرهم أَهلا لمعرفته فشغلهم بخدمته
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول نظر مُحَمَّد بن عَليّ الكتاني إِلَى شيخ كَبِير
[ ٢٨٤ ]
أَبيض الرَّأْس واللحية يسْأَل فَقَالَ هَذَا رجل أضاع أَمر الله فِي صغره فضيعه الله فِي كبره
سَمِعت أَبَا الْحسن الْقزْوِينِي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الكتاني يَقُول إِذا صَحَّ الافتقار إِلَى الله صَحَّ الْغنى بِهِ لِأَنَّهُمَا حالان لَا يتم أَحدهمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت الكتاني يَقُول الغافلون يعيشون فِي حلم الله والذاكرون يعيشون فِي رَحْمَة الله والعارفون يعيشون فِي لطف الله والصادقون يعيشون فِي قرب الله
وَسمعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سُئِلَ الكتاني عَن السّنة الَّتِي لم يتنازع فِيهَا أحد من أهل الْعلم فَقَالَ الزّهْد الزّهْد فِي الدُّنْيَا وسخاوة النَّفس ونصيحة الْخلق
قالك وَسمعت أَبَا بكر الكتاني يَقُول من كَانَ الله همه لَا يستقطعه من الْكَوْن شَيْء وَلَا يأسره من زينتها قَلِيل وَلَا كثير
قَالَ وَسُئِلَ الكتاني عَن المتقي فَقَالَ من اتَّقى مَا لهج بِهِ الْعَوام من مُتَابعَة الشَّهَوَات وركوب المخالفات وَلزِمَ بَاب الْمُوَافقَة وَأنس براحة الْيَقِين واستند إِلَى ركن التَّوَكُّل وأتته الْفَوَائِد من الله ﷿ فِي كل حَال فَلم يغْفل عَنْهَا
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو بكر الكتاني عَن الصُّوفِي فَقَالَ من عزفت نَفسه عَن الدُّنْيَا تظرفا وعلت همته عَن الْآخِرَة وسخت نَفسه بِالْكُلِّ طلبا وشوقا إِلَى من لَهُ الْكل
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ على الكتاني حقائق الْحق إِذا تجلت لسر أزالت
[ ٢٨٥ ]
عَنهُ الظنون والأماني لِأَن الْحق إِذا استولى على سر قهره وَلَا يبْقى للْغَيْر مَعَه أثر
قَالَ وَقَالَ الكتاني الْعلم بِاللَّه أتم من الْعِبَادَة لَهُ
٦٨ - وَمِنْهُم النهرجوري وَهُوَ أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن مُحَمَّد
من عُلَمَاء مشايخهم صحب الْجُنَيْد وَعَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ وَأَبا يَعْقُوب السُّوسِي وَغَيرهم من الْمَشَايِخ
أَقَامَ بِالْحرم سِنِين كَثِيرَة مجاورا وَبِه مَاتَ وَكَانَ أَبُو عُثْمَان المغربي يَقُول مَا رَأَيْت فِي مَشَايِخنَا أنور من النَّهر جوري مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا يَعْقُوب النهرجوري يَقُول فِي الفناء والبقاء هُوَ فنَاء رُؤْيَة قيام العَبْد لله وَبَقَاء رُؤْيَة قيام الله فِي الْأَحْكَام
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول الصدْق مُوَافقَة الْحق فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَحَقِيقَة الصدْق القَوْل بِالْحَقِّ فِي مَوَاطِن التَّهْلُكَة
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول العابد يعبد الله تحذيرا والعارف يعرفهُ تشويقا
وَسمعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت النهرجوري يَقُول فِي قَول
[ ٢٨٦ ]
الْقَائِل احترسوا من النَّاس بِسوء الظَّن فَقَالَ بِسوء الظَّن بِأَنْفُسِكُمْ لَا بِالنَّاسِ
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت النهرجوري يَقُول مفاوز الدُّنْيَا تقطع بالأقدام ومفاوز الْآخِرَة تقطع بالقلوب
قَالَ وسمعته يَقُول من كَانَ شبعه بِالطَّعَامِ لم يزل جائعا وَمن كَانَ غناهُ بِالْمَالِ لم يزل مفتقرا وَمن قصد بحاجته الْخلق لم يزل محروما وَمن اسْتَعَانَ فِي أمره بِغَيْر الله لم يزل مخذولا
وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَليّ يَقُول سَمِعت ابا يَعْقُوب يَقُول الَّذِي حصل أهل الْحَقَائِق فِي حقائقهم أَن الله تَعَالَى غير مَفْقُود فيطلب وَلَا ذُو غَايَة فيدرك وَمن أَرَادَ مَوْجُودا فَهُوَ بالموجود مغرور وَإِنَّمَا الْمَوْجُود عندنَا معرفَة حَال وكشف علم بِلَا حَال
وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن فاتك يَقُول سَمِعت النهرجوري يَقُول الدُّنْيَا بَحر وَالْآخِرَة سَاحل والمركب التَّقْوَى وَالنَّاس سفر
وبإسناده قَالَ سَمِعت أَبَا يَعْقُوب النهرجوري يَقُول لَا زَوَال للنعمة إِذا شكرت وَلَا بَقَاء لَهَا إِذا كفرت
وبإسناده قَالَ سَمِعت النهرجوري يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وشروه بِثمن بخس﴾ يُونُس ٢٠ قَالَ لَو جعلُوا ثمنه الكونين لَكَانَ بخسا فِي مشاهدته وَمَا خص بِهِ
[ ٢٨٧ ]
وبإسناده قَالَ سَمِعت النهرجوري يَقُول مُشَاهدَة الْأَرْوَاح تَحْقِيق ومشاهدة الْقُلُوب تَعْرِيف
وبإسناده قَالَ سَمِعت النهرجوري يَقُول إِذا اقتضاني رَبِّي بعض حَقه الَّذِي لَهُ قبلي فَذَاك أَوَان حزني وَإِذا أذن فِي اقْتِضَاء بره فَذَاك أَوَان سروري ونعمتي إِذا كَانَ بالجود وَالْفضل وَالْوَفَاء مَوْصُوفا وَالْعَبْد بِالْعَجزِ والضعف مَوْصُوفا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت النهرجوري يَقُول أعرف النَّاس بِاللَّه أَشَّدهم تحيرا فِيهِ
وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن فاتك يَقُول سَمِعت النهرجوري يَقُول الْيَقِين مُشَاهدَة الْإِيمَان بِالْغَيْبِ
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول من عرف الله لم يغتر بِاللَّه
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول الْجمع عين الْحق الَّذِي قَامَت بِهِ بِهِ الْأَشْيَاء والتفرقة صفوة الْحق من الْبَاطِن
وَسمعت النهرجوري ينشد وَيَقُول
(الْعلم بِي مِنْك وطأ الْعذر عنْدك لي حَتَّى اكتفيت فَلم تعذل وَلم تلم)
(أَقَامَ علمك لي فاحتج عنْدك لي مقَام شَاهد عدل غير مُتَّهم)
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول لَا يصل الْعَارِف إِلَى ربه إِلَّا بِقطع الْقلب عَن ثَلَاثَة أَشْيَاء الْعلم وَالْعَمَل والخلق
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول لرجل يَا دنيء الهمة فَقَالَ لم تَقول
[ ٢٨٨ ]
هَذَا أَيهَا الشَّيْخ قَالَ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل﴾ النِّسَاء ٧٧ فَانْظُر كم نصيبك من ذَلِك الْقَلِيل وَكم فِي يدك مِنْهَا وَأَنت تبخل بهَا وتريد أَن يكرمك النَّاس بِسَبَبِهَا لَو بذلتها كنت قد بذلت قَلِيلا وَلَو منعتها كنت قد منعت قَلِيلا فَلَا أَنْت بِالْمَنْعِ ملوم وَلَا أَنْت بالبذل مَحْمُود
٦٩ - وَمِنْهُم المزين وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد
من أهل بَغْدَاد صحب الْجُنَيْد وَسَهل بن عبد الله وَمن فِي طبقتهما من البغداديين واقام بِمَكَّة مجاورا وَمَات بهَا
وَكَانَ من أورع الْمَشَايِخ وَأَحْسَنهمْ حَالا توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة كَذَلِك سَمِعت أَبَا عبد الله الرَّازِيّ يذكر ذَلِك
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول الذَّنب بعد الذَّنب عُقُوبَة الذَّنب والحسنة بعد الْحَسَنَة ثَوَاب الْحَسَنَة
قَالَ وَسُئِلَ المزين عَن الْمعرفَة فَقَالَ أَن تعرف الله تَعَالَى بِكَمَال الربوبية وتعرف نَفسك بالعبودية وَتعلم أَن الله تَعَالَى أول كل شَيْء وَبِه يقوم كل شَيْء وَإِلَيْهِ مصير كل شَيْء وَعَلِيهِ رزق كل شَيْء
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر الورثاني يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد النجار يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول الطّرق إِلَى الله تَعَالَى بِعَدَد النُّجُوم وَأَنا مفتقر إِلَى طَرِيق إِلَيْهِ فَلَا أَجِدهُ
[ ٢٨٩ ]
قَالَ وَسمعت المزين يَقُول من طلب الطَّرِيق إِلَيْهِ بِنَفسِهِ تاه فِي أول قدم وَمن أُرِيد بِهِ الْخَيْر دلّ على الطَّرِيق وأعين على بُلُوغ الْمَقْصد فطوبى لمن كَانَ قَصده إِلَى ربه دون عرض من أَعْرَاض الأكوان
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول من اسْتغنى بِاللَّه أحْوج الله الْخلق إِلَيْهِ
سَمِعت أَبَا بكر بن شَاذان يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَوْمًا وَهُوَ بِالتَّنْعِيمِ يُرِيد أَن يحرم بِعُمْرَة يبكي طول طَرِيقه وينشد
(أنافعي دمعي فأبكيك هَيْهَات مَا لي طمع فِيك)
فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى بلغ بَاب مَكَّة
وَسمعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت المزين يَقُول مَتى ظَهرت الْآخِرَة فنيت فِيهَا الدُّنْيَا وَمَتى ظهر ذكر الله فنيت فِيهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِذا تحققت الْأَذْكَار فني العَبْد وَذكره وَبَقِي الْمَذْكُور بصفاته
قَالَ وَسمعت المزين يَقُول للقلوب خواطر يشوبها شَيْء من الْهوى لَكِن الْعُقُول المقرونة بالتوفيق تزجر عَنْهَا وتنهى
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو الْحسن المزين عَن التَّوْحِيد فَقَالَ أَن توَحد الله بالمعرفة وتوحده بِالْعبَادَة وتوحده بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي كل مَا لَك وَعَلَيْك وَتعلم أَن مَا خطر بقلبك أَو أمكنك الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَالله تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك وَتعلم أَن أَوْصَافه مباينة لأوصاف خلقه باينهم بصفاته قدما كَمَا باينوه بصفاتهم حَدثا
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد النجار يَقُول
[ ٢٩٠ ]
سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول من افْتقر إِلَى الله تَعَالَى وَصحح فقره إِلَيْهِ بملازمة آدابه أغناه الله بِهِ عَن كل مَا سواهُ
قَالَ وَسمعت المزين يَقُول ملاك الْقلب فِي التبري من الْحول وَالْقُوَّة
قَالَ وَسمعت المزين يَقُول من أعرض عَن مُشَاهدَة ربه شغله الله بِطَاعَتِهِ وخدمته وَلَو بدا لَهُ نجم الاحتراق لغيبه عَن وساوس الِافْتِرَاق
قَالَ ورؤى أَبُو الْحسن يَوْمًا متفكرا ثمَّ اغرورقت عَيناهُ فَقيل لَهُ مَا لَك أَيهَا الشَّيْخ قَالَ ذكرت أَيَّام تقطعي فِي إرادتي وقطعي الْمنَازل يَوْمًا فيوما وخدمتي لأولئك السَّادة من اصحابي وتذكرت مَا أَنا فِيهِ من الفترة عَن شرِيف الْأَحْوَال وَأَنْشَأَ يَقُول
(منَازِل كنت تهواها وتألفها أَيَّام أَنْت على الْأَيَّام مَنْصُور)
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول المعجب بِعَمَلِهِ مستدرج والمستحسن لشَيْء من أَحْوَاله ممكور بِهِ وَالَّذِي يظنّ أَنه مَوْصُول فَهُوَ مغرور وَأحسن العبيد حَالا من كَانَ مَحْمُولا فِي أَفعاله وأحواله لَا يُشَاهد غير وَاحِد وَلَا يأنس إِلَّا بِهِ وَلَا يشتاق إِلَّا إِلَيْهِ
قَالَ وَسُئِلَ المزين عَن الْفَقِير الصَّادِق فَقَالَ الَّذِي يسكن إِلَى مَضْمُون الله لَهُ ويزعجه دُخُول الأرفاق عَلَيْهِ من أَي وَجه كَانَ
[ ٢٩١ ]
٧٠ - وَمِنْهُم أَبُو عَليّ بن الْكَاتِب واسْمه الْحسن بن أَحْمد
من كبار مَشَايِخ المصريين صحب أَبَا بكر الْمصْرِيّ وَأَبا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَغَيرهمَا من الْمَشَايِخ
وَهُوَ أوحد مَشَايِخ وقته وَكَانَ أَبُو عُثْمَان المغربي يَقُول كَانَ أَبُو عَليّ ابْن الْكَاتِب من السالكين وَكَانَ يعظمه ويعظم شَأْنه مَاتَ سنة نَيف وَأَرْبَعين وثلاثمائة
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت ابا عَليّ بن الْكَاتِب يَقُول إِذا انْقَطع العَبْد إِلَى الله بكليته فَأول مَا يفِيدهُ الله الِاسْتِغْنَاء بِهِ عَن سواهُ
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا يَقُول سَمِعت معَاذ بن مُحَمَّد التنيسِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ بن الْكَاتِب يَقُول الْمُعْتَزلَة نزهوا الله تَعَالَى من حَيْثُ الْعُقُول فأخطأوا والصوفية نزهوه تَعَالَى من حَيْثُ الْعلم فاصابوا
قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ بن الْكَاتِب يَقُول يَقُول الله تَعَالَى وصل إِلَيْنَا من صَبر علينا
قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ بن الْكَاتِب يَقُول إِذا سمع الرجل الْحِكْمَة فَلم يقبلهَا فَهُوَ مذنب وَإِذا سَمعهَا وَلم يعْمل بهَا فَهُوَ مُنَافِق
قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ يَقُول صُحْبَة الْفُسَّاق دَاء ودواؤها مفارقتهم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ إِذا سكن الْخَوْف فِي الْقلب لم ينْطق اللِّسَان إِلَّا بِمَا يعنيه
[ ٢٩٢ ]
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْبَصْرِيّ يَقُول قيل لأبي عَليّ بن الْكَاتِب إِلَى أَي الجنبتين أَنْت أميل إِلَى الْفقر أَو إِلَى الْغنى فَقَالَ إِلَى أعلاهما رُتْبَة وأسناهما قدرا ثمَّ أنشأ يَقُول
(وَلست بنظار إِلَى جَانب الْغنى إِذا كَانَت العلياء فِي جَانب الْفقر)
(وَإِنِّي لصبار على مَا ينوبني وحسبك أَن الله أثنى على الصَّبْر)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ إِن الله تَعَالَى يرْزق العَبْد حلاوة ذكره فَإِن فَرح بِهِ وشكره آنسه بِقُرْبِهِ وَإِن قصر فِي الشُّكْر أجْرى الذّكر على لِسَانه وسلبه حلاوته
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ بن الْكَاتِب رَوَائِح نسيم الْمحبَّة تفوح من المحبين وَإِن كتموها وَتظهر عَلَيْهِم دلائلها وَإِن أخفوها وتدل عَلَيْهِم وَإِن ستروها وَأنْشد على أَثَره
(إِذا مَا أسرت أنفس النَّاس ذكرهَا تبينه فيهم وَلم يتكلموا)
(تطيب بِهِ أنفاسهم فيذيعها وَهل سر مسك أودع الرّيح يكتم)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ بن الْكَاتِب الهمة مُقَدّمَة الْأَشْيَاء فَمن صحّح همته بِالصّدقِ أَتَت عَلَيْهِ توابعه على الصِّحَّة والصدق فَإِن الْفُرُوع تتبع الاصول وَمن أهمل همته أَتَت عَلَيْهِ توابعه مُهْملَة والمهمل من الْأَحْوَال وَالْأَفْعَال لَا يصلح لبساط الْحق
[ ٢٩٣ ]
٧١ - وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بن بنان
وَهُوَ من جلة مَشَايِخ مصر صحب أَبَا سعيد الخراز وَإِلَيْهِ ينتمي مَاتَ فِي التيه
سَمِعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول كَانَ أَبُو الْحُسَيْن يتواجد وَأَبُو سعيد الخراز يصفق لَهُ
وَحكى أَبُو عُثْمَان أَيْضا قَالَ كَانَ أَبُو الْحُسَيْن يَقُول النَّاس يعطشون فِي البراري وَأَنا عطشان وَأَنا على شط النّيل
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الزقاق يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن بنان يَقُول كل صوفي يكون هم الرزق قَائِما فِي قلبه فلزوم الْعَمَل أقرب لَهُ إِلَى الله وعلامة ركون الْقلب والسكون إِلَى الله أَن يكون قَوِيا عِنْد زَوَال الدُّنْيَا وإدبارها عَنهُ وفقده إِيَّاهَا وَيكون بِمَا فِي يَد الله أقوى وأوثق مِنْهُ بِمَا فِي يَده
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن اجتنبوا دناءة الْأَخْلَاق كَمَا تجتنبون الْحَرَام
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْحُرِّيَّة أَن يكون السِّرّ حرا إِلَّا من عبودية سَيّده يَصح لَهُ بذلك الْعُبُودِيَّة للحق وَالْحريَّة عَن الْخلق
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن ذكر الله بِاللِّسَانِ يُورث الدَّرَجَات وَذكره بِالْقَلْبِ يُورث القربات
[ ٢٩٤ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن والوحدة جليس الصديقين
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول آثَار الْمحبَّة إِذا بَدَت ورياحها إِذا هَاجَتْ أماتت قوما وأحيت قوما وأفنت اسرارا وأبقت أسرارا تُؤثر آثارا مُخْتَلفَة وتبدي سرائر مكنونة وَتكشف عَن أَحْوَال مستترة
وَأنْشد على أَثَره
(وَإِذا الرِّيَاح مَعَ الْعشي تناوحت نبهن حاسدة وهجن غيورا)
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول لَا يعظم أقدار الْأَوْلِيَاء إِلَّا من كَانَ عَظِيم الْقدر عِنْد الله تَعَالَى
٧٢ - وَمِنْهُم أَبُو بكر طَاهِر الْأَبْهَرِيّ اسْمه عبد الله بن طَاهِر بن حَاتِم الطَّائِي
كَانَ من أجل الْمَشَايِخ بِالْجَبَلِ وَهُوَ من أَقْرَان الشبلي كَانَ عَالما ورعا صحب يُوسُف بن الْحُسَيْن ورافق مظفرا القرميسيني وَغَيرهمَا من الْمَشَايِخ
سَمِعت عبد الله بن عَليّ يَقُول سَمِعت مهلب بن أَحْمد الْمصْرِيّ يَقُول مَا نَفَعَنِي صُحْبَة شيخ من الْمَشَايِخ الَّذين لقيتهم كَمَا نَفَعَنِي صُحْبَة أَبُو بكر عبد الله بن طَاهِر الْأَبْهَرِيّ
مَاتَ قرب الثَّلَاثِينَ وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
[ ٢٩٥ ]
أخبرنَا أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن إِبْرَاهِيم بن عَامر الْأَبْهَرِيّ الْمُقْرِئ الْمَعْرُوف بالشافعي قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر عبد الله بن طَاهِر الْأَبْهَرِيّ الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا عبيد بن عبد الْوَاحِد قَالَ حَدثنَا آدم بن أبي إِيَاس قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن الْمطعم بن الْمِقْدَام وعنبسة بن سعيد الكلَاعِي عَن نصيح الْعَنسِي عَن ركب الْمصْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ طُوبَى لمن تواضع فِي غير منقصة وذل فِي نَفسه فِي غير مسكنة وَأنْفق مَالا جمعه فِي غير مَعْصِيّة وخالط أهل الْفِقْه وَالْحكمَة ورجم أهل الذل والمسكنة طُوبَى لمن ذل نَفسه وطاب كَسبه وصلحت سَرِيرَته وكرمت عَلَانِيَته وعزل عَن النَّاس شَره طُوبَى لمن عمل بِعِلْمِهِ وَأنْفق الْفضل من مَاله وَأمْسك الْفضل من قَوْله)
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر يَقُول الْجمع جمع المتفرقات والتفرقة تَفْرِقَة المجموعات فَإِذا جمعت قلت الله وَلَا سواهُ وَإِذا فرقت نظرت إِلَى الْكَوْن
قَالَ وسمعته يَقُول جمعهم فِي آدم وفرقهم فِي ذُريَّته
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت بنْدَار بن الْحُسَيْن يَقُول استحسنت لأبي بكر بن طَاهِر قَوْله فِي الإغانة إِن الله أطلع نبيه ﷺ على مَا يكون فِي أمته من بعده من الْخلاف وَمَا يصيبهم فِيهِ فَكَانَ إِذا ذكر ذَلِك وجد إغانة فِي قلبه مِنْهُ فَاسْتَغْفر لأمته ﷺ
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر يَقُول احْتِيَاج الاشرار إِلَى الأخيار صَلَاح الطَّائِفَتَيْنِ واحتياج الأخيار إِلَى الأشرار فتْنَة الطَّائِفَتَيْنِ
قَالَ وسمعته وَسُئِلَ مَا بَال الْإِنْسَان يحْتَمل من معلمه مَا لَا يحْتَمل من أَبَوَيْهِ فَقَالَ لِأَن أَبَوَيْهِ سَبَب حَيَاته الفانية ومعلمه سَبَب حَيَاته الْبَاقِيَة
[ ٢٩٦ ]
وتصديق ذَلِك قَول النَّبِي ﷺ (اغْدُ عَالما أَو متعلما وَلَا تكن فِيمَا بَين ذَلِك فتهلك)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر يَقُول من حكم الْفَقِير أَلا يكون لَهُ رَغْبَة فَإِن كَانَ وَلَا بُد فَلَا تجَاوز رغبته كِفَايَته
وسمعته يَقُول سَمِعت أَبَا بكر يَقُول إِذا أَحْبَبْت أَخا فِي الله فَأَقل مخالطته فِي الدُّنْيَا
سَمِعت عَليّ بن سعيد الثغري يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَليّ الوَاسِطِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر ينشد
(كل الْعَذَاب الَّذِي فِي النَّاس مسترق مِمَّا بقلبي من شوق وتذكار)
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر يَقُول فِي المحن ثَلَاثَة أَشْيَاء تَطْهِير وتكفير وتذكير فالتطهير من الْكَبَائِر والتكفير من الصَّغَائِر والتذكير لأهل الصفاء
سَمِعت الْحُسَيْن بن أَحْمد يَقُول سَأَلت أَبَا بكر بن طَاهِر عَن الْحَقِيقَة فَقَالَ الْحَقِيقَة كلهَا علم فَسَأَلته عَن الْعلم فَقَالَ الْعلم كُله حَقِيقَة
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر رَأَيْت رجلا يودع الْكَعْبَة ويبكي وينشد
(أَلا رب من يدنو وَيَزْعُم أَنه يحبك والنائي أود وَأقرب)
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر من خَافَ على نَفسه شقّ عَلَيْهِ ركُوب الْأَهْوَال وَمن شقّ عَلَيْهِ ركُوب الْأَهْوَال لَا يرتقي إِلَى سمو الْمَعَالِي فِي الْأَحْوَال
[ ٢٩٧ ]
قَالَ النَّبِي ﷺ (إِن الله يحب الشجَاعَة وَلَو على قتل حَيَّة)
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر التَّوَكُّل أَلا تعجز عَن حكم وقتك والمعرفة أَلا تضيع وقتك
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت بعض أَصْحَابنَا يَقُول حضرت مَعَ أبي بكر بن طَاهِر جَنَازَة فَرَأى إخْوَان الْمَيِّت يكثرون الْبكاء فَنظر إِلَى أَصْحَابه وَأنْشد
(ويبكي على الْمَوْتَى وَيتْرك نَفسه وَيَزْعُم أَن قد قل عَنْهُم عزاؤه)
(وَلَو كَانَ ذَا عقل ورأي وفطنة لَكَانَ عَلَيْهِ لَا عَلَيْهِم بكاؤه)
٧٣ - وَمِنْهُم مظفر القرميسيني
وَهُوَ من كبار مَشَايِخ الْجَبَل وجلتهم وَمن الْفُقَرَاء الصَّادِقين صحب عبد الله الخراز وَمن فَوْقه من الْمَشَايِخ وَكَانَ أوحد الْمَشَايِخ فِي طَرِيقَته
قَالَ مظفر القرميسيني الصَّوْم ثَلَاثَة صَوْم الرّوح بقصر الأمل وَصَوْم الْعقل بِخِلَاف الْهوى وَصَوْم النَّفس بالإمساك عَن الطَّعَام والمحارم
وَقَالَ التَّوَاضُع قبُول الْحق مِمَّن كَانَ
وَقَالَ إِذا صحت لَك مَوَدَّة أَخِيك فَلَا تبال مَتى يكون الالتقاء
وَسُئِلَ عَن التصوف فَقَالَ الْأَخْلَاق المرضية
وَقَالَ مظفر من صحب الْأَحْدَاث على شَرط السَّلامَة والنصيحة أَدَّاهُ
[ ٢٩٨ ]
ذَلِك إِلَى الْبلَاء فَكيف بِمن صحبهم على غير شُرُوط السَّلامَة
وَقَالَ مظفر أخس الأرفاق أرفاق النسوان على أَي وَجه كَانَ
وَقَالَ مظفر من عَامل الله بِالصّدقِ استوحش من صُحْبَة المخلوقين
وَقَالَ مظفر الْعَارِف قلبه لمَوْلَاهُ وَجَسَده لخلقه
وَقَالَ مظفر من أفقره الله إِلَيْهِ أغناه بِهِ ليعرفه بالفقر عبوديته وبالغنى ربوبيته
وَقَالَ مظفر من قَتله الْحبّ أَحْيَاهُ الْقرب
وَقَالَ مظفر الْجُوع إِذا ساعدته القناعة مزرعة الفكرة وينبوع الْحِكْمَة وحياة الفطنة ومصباح الْقلب
وَقَالَ مظفر يُحَاسب الله الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة بالمنة وَالْفضل وَيُحَاسب الْكفَّار بِالْحجَّةِ وَالْعدْل
وَقَالَ مظفر أفضل مَا يلقى بِهِ العَبْد ربه نصيحة من قلبه وتوبة من ربه
وَقَالَ مظفر ليكن نظرك إِلَى الدُّنْيَا اعْتِبَارا وسعيك فِيهَا اضطرارا ورفضك لَهَا اخْتِيَارا
وَقَالَ مظفر خير الأرفاق مَا فتح الله لَك بِهِ من وَجه حَلَال من غير طلب وَلَا سعي
[ ٢٩٩ ]
وَقَالَ مظفر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا﴾ (الْكَهْف ١١٠) قَالَ عملا يصلح أَن يلقى بِهِ ربه
وَقَالَ مظفر من آواه الله إِلَى قربه أرضاه بمجاري الْمَقْدُور عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ على بِسَاط الْقرْبَة تسخط
وَقَالَ مظفر بِصِحَّة الْإِيمَان وَكَمَال التَّقْوَى يفتح الله تَعَالَى على العَبْد خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ الله ﷿ ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ الْأَعْرَاف: ٩٦
وَسُئِلَ مظفر مَا خير مَا أعطي العَبْد قَالَ فرَاغ الْقلب عَمَّا لَا يعنيه ليتفرغ إِلَى مَا يعنيه
وَقَالَ مظفر لَيْسَ لَك من عمرك إِلَّا نفس وَاحِدَة فَإِن لم تفنها فِيمَا لَك فَلَا تفنها فِيمَا عَلَيْك
وَقَالَ مظفر أفضل أَعمال العبيد حفظ أوقاتهم وَهُوَ أَلا يقصروا فِي أَمر وَلَا يتجاوزوا عَن حد
وَقَالَ مظفر من تأدب بآداب الشَّرْع تأدب بِهِ متبعوه وَمن تهاون بالآداب هلك وَأهْلك
وَقَالَ مظفر من لم يَأْخُذ الْأَدَب عَن حَكِيم لَا يتأدب بِهِ مُرِيد
[ ٣٠٠ ]
٧٤ - وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بن هِنْد وَهُوَ عَليّ بن هِنْد الْفَارِسِي الْقرشِي
من كبار مَشَايِخ الْفرس وعلمائهم صحب جعفرا الْحذاء وَمن فَوْقه من الْمَشَايِخ بِفَارِس وَصَحب أَيْضا الْجُنَيْد وعمرا الْمَكِّيّ وَمن فِي طبقتهم وَكَانَ لَهُ الْأَحْوَال الْعَالِيَة والمقامات الزكية
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن عَليّ بن هِنْد الْقرشِي يَقُول لَيْسَ حكم مَا وَصفنَا حكم مَا نازلنا
وَقَالَ سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول المتمسك بِكِتَاب الله هُوَ الملاحظ للحق على دوَام الْأَوْقَات والمتمسك بِكِتَاب الله لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أُمُور دينه ودنياه بل يجْرِي فِي أوقاته على الْمُشَاهدَة لَا على الْغَفْلَة يَأْخُذ الْأَشْيَاء من مَعْدِنهَا ويضعها فِي مَعْدِنهَا
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول استرح مَعَ الله وَلَا تسترح عَن الله فَإِن من استراح مَعَ الله نجا وَمن استراح عَن الله هلك والاستراحة مَعَ الله تروح الْقلب بِذكرِهِ والاستراحة عَن الله مداومة الْغَفْلَة
قَالَ وسمعته يَقُول أصلو الْخيرَات أَرْبَعَة السخاء والتواضع والنسك وَحسن الْخلق
قَالَ وسمعته يَقُول أصل كل خير مُلَازمَة الْأَدَب فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَالْأَفْعَال
قَالَ وسمعته يَقُول عمَارَة الْقلب فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء فِي الْعلم وَالتَّقوى
[ ٣٠١ ]
وَالطَّاعَة وَذكر الله وخرابه من أَرْبَعَة أَشْيَاء من الْجَهْل وَالْمَعْصِيَة والاغترار وَطول الْغَفْلَة
قَالَ وسمعته يَقُول دم على الصفاء إِن كنت تطمع فِي الْوَفَاء
قَالَ وسمعته يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا﴾ الْكَهْف ١١٠ قَالَ عملا يصلح أَن يلقى بِهِ ربه ﷿
قَالَ وسمعته يَقُول من آواه الله إِلَى قربه أرضاه بمجارة الْمَقْدُور عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ على بِسَاط الْقرْبَة تسخط
قَالَ وسمعته يَقُول الاسْتقَامَة تقوم العبيد فِي أَحْوَالهم لَا الْأَحْوَال تقومهم
قَالَ وسمعته يَقُول من أكْرمه الله تَعَالَى بِمَعْرِفَة الْحُرْمَة والاحترام للأكابر أوقع حرمته فِي قُلُوب الْخلق وَمن حرم ذَلِك نزع الله حرمته من قُلُوبهم فَلَا ترَاهُ إِلَّا ممقوتا وَإِن حسنت أخلاقه وصلحت أَحْوَاله لِأَن النَّبِي ﷺ يَقُول (من تَعْظِيم جلال الله إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم)
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول من عظم قدر الْخلق كلهم عِنْده فَذَاك لعلمه بتخصيص خلقهمْ من بَين الْحَيَوَانَات وَذَلِكَ من تَعْظِيم الله فِي أَن يعظم مَا خصصه الله ﷿
قَالَ وسمعته يَقُول حسن الْخلق على معَان ثَلَاثَة مَعَ الله بترك الشكوى وَمَعَ أوامره بِالْقيامِ إِلَيْهَا بنشاط وَطيب نفس وَمَعَ الْخلق بِالْبرِّ والحلم
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول الْقُلُوب أوعية وظروف وكل وعَاء وظرف يصلح لنَوْع من المحمولات فقلوب الْأَوْلِيَاء أوعية الْمعرفَة وَقُلُوب العارفين أوعية الْمحبَّة وَقُلُوب المحبين أوعية الشوق وَقُلُوب المشتاقين
[ ٣٠٢ ]
أوعية الْأنس وَلكُل من هَذِه الْأَحْوَال آدَاب من لم يستعملها فِي أَوْقَاتهَا هلك من حَيْثُ يَرْجُو النجَاة
قَالَ وسمعته يَقُول اجْتهد أَلا تفارق بَاب سيدك بِحَال فَإِنَّهُ ملْجأ الْكل فَمن فَارق تِلْكَ السدة لَا يرى بعْدهَا لقدميه قرارا وَلَا مقَاما
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول منشدا
(كنت من كربتي أفر إِلَيْهِم فهم كربتي فَأَيْنَ المفر)
٧٥ - وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن شَيبَان وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق القرميسيني
شيخ الْجَبَل فِي وقته لَهُ مقامات فِي الْوَرع وَالتَّقوى يعجز عَنْهَا الْخلق إِلَّا مثله صحب أَبَا عبد الله المغربي وَإِبْرَاهِيم الْخَواص وَكَانَ شَدِيدا على المدعين متمسكا بِالْكتاب وَالسّنة لَازِما لطريقة الْمَشَايِخ وَالْأَئِمَّة
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد الْمعلم يَقُول سُئِلَ عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل عَن
[ ٣٠٣ ]
إِبْرَاهِيم بن شَيبَان فَقَالَ إِبْرَاهِيم حجَّة الله تَعَالَى على الْفُقَرَاء وَأهل الْآدَاب والمعاملات وَأسْندَ الحَدِيث
حَدثنَا الشَّيْخ أَبُو زيد مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَقِيه الْمروزِي قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم ابْن شَيبَان الزَّاهِد بقرميسين قَالَ حَدثنَا عَليّ بن الْحسن بن أبي الْغمر قَالَ حَدثنَا مَنْصُور بن أبي مُزَاحم قَالَ حَدثنَا أَبُو شيبَة عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ (نظر رَسُول الله ﷺ إِلَى حَنْظَلَة الراهب وَحَمْزَة تغسلهما الْمَلَائِكَة)
وَسمعت الشَّيْخ أَبَا زيد يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن شَيبَان يَقُول من أَرَادَ أَن يتعطل ويتبطل فليلزم الرُّخص
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم يَقُول إِن الْخَوْف إِذا سكن الْقلب أحرق مَوَاضِع الشَّهَوَات فِيهِ وطرد عَنهُ رَغْبَة الدُّنْيَا وَبعده عَنْهَا فَإِن الَّذِي قطعهم وأهلكهم محبَّة الراكنين إِلَى الدُّنْيَا
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول علم الفناء والبقاء يدورعلى إخلاص الوحدانية وَصِحَّة الْعُبُودِيَّة وَمَا كَانَ غير هَذَا فَهُوَ المغاليط والزندقة
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول السفلة من لَا يخَاف الله تَعَالَى
قَالَ وسمعته مرّة أُخْرَى يَقُول السفلة من يَعْصِي الله تَعَالَى
قَالَ وسمعته مرّة يَقُول السفلة من يُعْطي لعوض
[ ٣٠٤ ]
قَالَ وسمعته مرّة أُخْرَى يَقُول السفلة من يمن بعطائه على آخذه
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن شَيبَان يَقُول التَّوَكُّل سر بَين الله وَبَين العَبْد فَلَا يَنْبَغِي أَن يطلع على ذَلِك السِّرّ أحد
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول من أَرَادَ أَن يكون حرا من الْكَوْن فَلْيخْلصْ فِي عبَادَة ربه فَمن تحقق فِي عبَادَة ربه صَار حرا مِمَّا سواهُ
سَمِعت أَبَا عَليّ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم القصري يَقُول سَمِعت إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن شَيبَان يَقُول قَالَ لي أبي يَا بني تعلم الْعلم لِآدَابِ الظَّاهِر وَاسْتعْمل الْوَرع لِآدَابِ الْبَاطِن وَإِيَّاك أَن يشغلك عَن الله شاغل فَقل من أعرض عَنهُ فَأقبل عَلَيْهِ
قَالَ وَسمعت إِسْحَاق يَقُول قلت يَا أبي بِمَاذَا أصل إِلَى الْوَرع فَقَالَ لي بِأَكْل الْحَلَال وخدمة الْفُقَرَاء فَقلت لَهُ من الْفُقَرَاء فَقَالَ الْخلق كلهم فُقَرَاء فَلَا تميز فِي خدمَة من يمكنك من خدمته واعرف فَضله عَلَيْك فِي ذَلِك
قَالَ وَسمعت إِسْحَاق يَقُول سَمِعت أبي يَقُول التَّوَاضُع من تصفية الْبَاطِن تلفى بركاته على الظَّاهِر والتكبر من كدورة الْبَاطِن تظهر ظلمته على الظَّاهِر
[ ٣٠٥ ]
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول أهل الْمُشَاهدَة لَا يغيبون عَنهُ قيَاما وَلَا قعُودا وَلَا نائمين وَلَا منتبهين وَلَهُم أَحْوَال يشْتَمل عَلَيْهِم أنوار قربه فيغرقون فِيهَا وَلَا يتفرغون إِلَى الْخلق وَمَا هم فِيهِ وَتلك أَحْوَال الدهشة تراهم دهشين متحيرين غائبين حاضرين غائبين بأسرارهم حاضرين بأبدانهم
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا زيد الْفَقِيه يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن شَيبَان يَقُول عوض الله الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا لَهُم فِي الْآخِرَة بشيئين عوضهم عَن الْجنَّة بِالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِد وعوضهم عَن النّظر إِلَى وَجهه تَعَالَى النّظر إِلَى إخْوَانهمْ من الْمُؤمنِينَ
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول من ترك حُرْمَة الْمَشَايِخ ابْتُلِيَ بالدعاوي الكاذبة وَافْتَضَحَ بهَا
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول من تكلم فِي الْإِخْلَاص وَلم يُطَالب نَفسه بذلك ابتلاه الله بهتك ستره عِنْد إخوانه وأقرانه
٧٦ - وَمِنْهُم ابْن يزدانيار وَهُوَ أَبُو بكر الْحُسَيْن بن عَليّ بن يزدانيار
من أهل أرمية لَهُ طَريقَة فِي التصوف يخْتَص بهَا وَكَانَ يُنكر على بعض مَشَايِخ الْعرَاق أَقْوَالهم وَكَانَ عَالما بعلوم الظَّاهِر وعلوم الْمُعَامَلَات والمعارف وَأسْندَ الحَدِيث
[ ٣٠٦ ]
أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن شَاذان الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر الْحُسَيْن بن عَليّ بن يزدانيار الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يُونُس بن مُوسَى الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل قَالَ حَدثنَا ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الْمُؤمن يَأْكُل فِي معي وَاحِد وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء)
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن يزدانيار يَقُول إياك أَن تطمع فِي الْأنس بِاللَّه وَأَنت تحب الْأنس بِالنَّاسِ وَإِيَّاك أَن تطمع فِي حب الله وَأَنت تحب الفضول وَإِيَّاك أَن تطمع فِي الْمنزلَة عِنْد الله وَأَنت تحب الْمنزلَة عِنْد النَّاس
سَمِعت أَبَا الْفرج الورثاني يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الرَّحْمَن الْموصِلِي يَقُول رَأَيْت ابْن يزدانيار فِي الْقَوْم وَهُوَ يحدث أَصْحَابه وَيَقُول وَردت الْقِيَامَة فَرَأَيْت آدم ﵇ وَالنَّاس يسلمُونَ عَلَيْهِ ويصافحونه فَذَهَبت لأصافحه وَأسلم فَقَالَ أغرب عني أَنْت الَّذِي وَقعت فِي أَوْلَادِي الصُّوفِيَّة لقد قرت عَيْنَايَ بهم فجَاء قوم فحالوا بيني وَبَينه
سَمِعت أَبَا الْفرج يَقُول سَمِعت عَليّ بن إِبْرَاهِيم الأرموي يَقُول سَمِعت ابْن يزدانيار يَقُول تراني تَكَلَّمت بِمَا تَكَلَّمت بِهِ إنكارا على التصوف والصوفية وَالله مَا تَكَلَّمت إِلَّا غيرَة عَلَيْهِم حَيْثُ أفشوا أسرار الْحق وأبدوها إِلَى غير أَهلهَا فَحَمَلَنِي ذَلِك على الْغيرَة عَلَيْهِم وَالْكَلَام فيهم وَإِلَّا فهم السَّادة وبمحبتهم أَتَقَرَّب إِلَى الله تَعَالَى
وَسمعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن يزدانيار وَسُئِلَ مَا
[ ٣٠٧ ]
الْفرق بَين المريد والعارف فَقَالَ المريد طَالب والعارف مَطْلُوب وَالْمَطْلُوب مقتول والطالب مرعوب
قَالَ وَسمعت ابْن يزدانيار يَقُول الْمحبَّة أَصْلهَا الْمُوَافقَة والمحب هُوَ الَّذِي يُؤثر رضَا محبوبه على كل شَيْء
قَالَ وَسمعت ابْن يزدانيار يَقُول الرّوح مزرعة الْخَيْر لِأَنَّهَا مَعْدن الرَّحْمَة وَالنَّفس والجسد مزرعة الشَّرّ لِأَنَّهَا مَعْدن الشَّهْوَة وَالروح مطبوعة بِإِرَادَة الْخَيْر وَالنَّفس مطبوعة بِإِرَادَة الشَّرّ والهوى مُدبر الْجَسَد وَالْعقل مُدبر الرّوح والمعرفة حَاضِرَة فِيهَا بَين الْعقل والهوى والمعرفة فِي الْقلب والهوى وَالْعقل يتنازعان ويتحاربان والهوى صَاحب جَيش النَّفس وَالْعقل صَاحب جَيش الْقلب والتوفيق من الله مدد الْعقل والخذلان مدد الْهوى وَالظفر لمن أَرَادَ الله سعادته والخذلان لمن اراد الله شقاوته
قَالَ وَسمعت ابْن يزدانيار يَقُول رضَا الْخلق عَن الله رضاهم بِمَا يَفْعَله وَرضَاهُ عَنْهُم أَن يوفقهم للرضا عَنهُ
قَالَ وَسمعت ابْن يزدانيار يَقُول الْمعرفَة صِحَة الْعلم بِاللَّه وَالْيَقِين النّظر بِعَين الْقلب إِلَى مَا عِنْد الله تَعَالَى مِمَّا وعده وادخره
قَالَ وَسمعت ابْن يزدانيار يَقُول الْمعرفَة تحقق الْقلب بوحدانية الله تَعَالَى
قَالَ وَسمعت ابْن يزدانيار يَقُول أَيْضا الْمعرفَة ظُهُور الْحَقَائِق وتلاقي الشواهد
[ ٣٠٨ ]
قَالَ وَسمعت ابْن يزدانيار يَقُول من اسْتغْفر الله وَهُوَ ملازم للذنب حرم الله والإنابة تَعَالَى عَلَيْهِ التَّوْبَة والإنابة إِلَيْهِ
٧٧ - وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن المولد وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن المولد
من كبار مَشَايِخ الرقة وفتيانهم صحب أَبَا عبد الله بن الْجلاء الدِّمَشْقِي وَإِبْرَاهِيم بن دَاوُد الْقصار الرقي وَكَانَ من أفتى الْمَشَايِخ وَأَحْسَنهمْ سيرة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا نصر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب الْعَطَّار بطوس قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن المولد الصُّوفِي بالرقة قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف بِدِمَشْق قَالَ حَدثنَا سلمَان بن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد الْحِمصِي قَالَ حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن أَيُّوب بن سعيد السكونِي قَالَ حَدثنَا العطاف بن خَالِد عَن نَافِع عَن ابْن
[ ٣٠٩ ]
عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَو أذن الله لأهل الْجنَّة فِي التِّجَارَة لَا تجروا بالبز والعطر)
سَمِعت عَليّ بن سعد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم ابْن المولد يَقُول من كَانَت بدايته نهايته ونهايته بدايته فِي الِاجْتِهَاد يلْزمه فِي الْبِدَايَة النِّهَايَة
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول من تولاه رِعَايَة الْحق أجل مِمَّن تؤدبه سياسة الْعلم
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول الْقيام بآداب الْعلم وشرائعه يبلغ بِصَاحِبِهِ إِلَى مقَام الزِّيَادَة وَالْقَبُول
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول إِن العَبْد إِذا أصبح كَانَ مطالبا من الله بِالطَّاعَةِ وَمن نَفسه بالشهوة وَمن الشَّيْطَان بالمعصية لَكِن الله تَعَالَى رفق بِهِ حَيْثُ أمره فِي ابْتِدَاء صباحه بِأَمْر وَبعث إِلَيْهِ مناديا يُنَادِيه ويندبه إِلَى أَمر الله وهم المؤذنون يُؤذنُونَ وَيُكَبِّرُونَ فِي أذانهم تَكْبِيرَات مكررات يَقُولُونَ لَهُ الله أكبر الله أكبر فيكبر فِي قلبه أَمر سَيّده فيبادر إِلَى طَاعَته وَيُخَالف هوى نَفسه وشيطانه فَإِن بَادر إِلَيْهِ أكْرمه الله بالظفر على نَفسه وغلبته لشهوته وأعانه على عدوه بِقطع الوساوس من قلبه فَإِن من بَادر إِلَى بَابه وَدخل فِي حرزه صَار غَالِبا لَا مَغْلُوبًا
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول حلاوة الطَّاعَة بالإخلاص تذْهب بوحشة الْعجب
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول عجبت لمن عرف أَن لَهُ طَرِيقا إِلَى ربه كَيفَ
[ ٣١٠ ]
يعِيش مَعَ غير الله تَعَالَى وَالله يَقُول ﴿وأنيبوا إِلَى ربكُم وَأَسْلمُوا لَهُ﴾ الزمر ٥٤
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول جبلت الْأَرْوَاح من الأفراح فَهِيَ تعلو أبدا إِلَى مَحل الْفَرح من الْمُشَاهدَة والأجساد خلقت من الأكماد فَهِيَ لَا تزَال ترجع إِلَى كمدها من طلب هَذِه الفانية والاهتمام بهَا وَلها
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول من قَالَ بِهِ أفناه عَنهُ وَمن قَالَ مِنْهُ أبقاه لَهُ
أَنْشدني مَنْصُور بن عبد الله قَالَ أَنْشدني إِبْرَاهِيم بن المولد لبَعْضهِم
(لَوْلَا مدامع عشاق ولوعتهم لبان فِي النَّاس عز المَاء وَالنَّار)
(فَكل نَار فَمن أنفاسهم قدحت وكل مَاء فَمن دمع لَهُم جاري)
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم بن المولد يَقُول ثمن التصوف فناؤك فِيهِ فَإِذا فنيت فِيهِ بقيت بَقَاء الْأَبَد لِأَن من فني عَن حسوسه بَقِي بمشاهدة الْمَطْلُوب وَذَلِكَ بَقَاء الْأَبَد
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم بن المولد يَقُول الْأَدَب فِي الْأكل أَلا يمدوا أَيْديهم إِلَى الارفاق إِلَّا فِي أَوْقَات الضرورات ثمَّ على قدر إمْسَاك الرمق
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول من قَامَ إِلَى أوَامِر الله كَانَ بَين قبُول ورد وَمن قَامَ إِلَيْهَا بِاللَّه كَانَ مَقْبُولًا لَا شكّ
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول السياحة بِالنَّفسِ لِآدَابِ الظَّوَاهِر علما
[ ٣١١ ]
وخلقا والسياحة بِالْقَلْبِ لِآدَابِ البواطن حَالا ووجدا وكشفا
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول الفترة بِعَدَد المجاهدة من فَسَاد الِابْتِدَاء والحجب بعد الْكَشْف من السّكُون إِلَى الْأَحْوَال
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول نَفسك سائرة بك وقلبك طَائِر بك فَكُن مَعَ أسرعهما وصُولا
٧٨ - وَمِنْهُم ابْن سَالم الْبَصْرِيّ وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن سَالم
صَاحب سهل بن عبد الله التسترِي وراوي كَلَامه لَا ينتمي إِلَى غَيره من الْمَشَايِخ وَهُوَ من أهل الِاجْتِهَاد وطريقته طَريقَة أستاذه سهل وَله بِالْبَصْرَةِ أَصْحَاب ينتمون إِلَيْهِ وَإِلَى ابْنه أبي الْحسن
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَأَلَ رجل أَبَا عبد الله بن سَالم وَأَنا أسمع أَنَحْنُ مستعبدون بِالْكَسْبِ أم بالتوكل فَقَالَ التَّوَكُّل حَال رَسُول الله ﷺ وَالْكَسْب سنة رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا اسْتنَّ الْكسْب لمن ضعف عَن حَال التَّوَكُّل وَسقط عَن دَرَجَة الْكَمَال الَّتِي هِيَ حَال ﷺ فَمن أطَاق التَّوَكُّل فالكسب غير مُبَاح لَهُ بِحَال إِلَّا كسب معاونة لَا كسب اعْتِمَاد عَلَيْهِ وَمن ضعف عَن حَال التَّوَكُّل الَّتِي هِيَ حَال رَسُول الله ﷺ أُبِيح لَهُ طلب المعاش وَالْكَسْب لِئَلَّا يسْقط عَن دَرَجَة سنته حَيْثُ سقط عَن دَرَجَة حَاله
[ ٣١٢ ]
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله بن سَالم يَقُول من عَامل الله تَعَالَى على رُؤْيَة السَّبق ظَهرت عَلَيْهِ الكرامات
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله بن سَالم يَقُول يَزُول عَن الْقلب ظلم الرِّيَاء بِنور الْإِخْلَاص وظلم الْكَذِب بِنور الصدْق
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله بن سَالم وَيَقُول من صَبر على مُخَالفَة نَفسه أوصله الله إِلَى مقَام أنسه
قَالَ وَسمعت ابْن سَالم وَسُئِلَ بِمَاذَا يعرف الْأَوْلِيَاء فِي الْخلق فَقَالَ بلطف لسانهم وَحسن أَخْلَاقهم وبشاشة وُجُوههم وسخاء أنفسهم وَقلة اعتراضهم وَقبُول عذر من اعتذر إِلَيْهِم وَتَمام الشَّفَقَة على جَمِيع الْخَلَائق برهم وفاجرهم
قَالَ وَسمعت ابْن سَالم يَقُول من توكل على الله أسكن الله قلبه نور الْحِكْمَة وَكَفاهُ كل هم وأوصله إِلَى كل مَحْبُوب فَإِنَّهُ ﷿ يَقُول ﴿وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ الطَّلَاق: ٣ أَي هُوَ الْقَائِم لَهُ بِكُل كِفَايَة
قَالَ وَسمعت ابْن سَالم يَقُول التَّوَكُّل على الله فَرِيضَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وعَلى الله فتوكلوا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ (الْمَائِدَة ٢٣) وَالْحَرَكَة فِي طلب الرزق مُبَاح لمن عجز عَن التَّوَكُّل فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ الْبَقَرَة ٢١٧ فَمَا يفتح بِالطَّلَبِ وَالْكَسْب مِنْهُ طيب وخبيث وَمَا يفتح بالتوكل لَا يكون إِلَّا طيبا لِأَن ذَلِك من مَعْدن طيب
[ ٣١٣ ]
قَالَ وَسمعت ابْن سَالم يَقُول رُؤْيَة الْمِنَّة مِفْتَاح التودد
قَالَ وَسمعت ابْن سَالم يَقُول يستر عورات الْمَرْء عقله وحلمه وسخاؤه ويقومه فِي كل أَحْوَاله الصدْق
قَالَ وَسمعت ابْن سَالم يَقُول اجْتهد فِي المراعاة لتلحقك الرِّعَايَة فَإِن من كَانَ فِي رِعَايَة الْحق فِي حصن حُصَيْن
قَالَ وَسمعت ابْن سَالم يَقُول من توَحد ببثه وَتفرد بهمه أوردهُ ذَلِك إِلَى رياض تكشف عَنهُ بثه وتزيل عَنهُ همه وَمن شكا بثه كَانَ مترددا فِي الشكوى إِلَى أَن يحكم الله فِيهِ حكمه
قَالَ وَسمعت ابْن سَالم يَقُول الْعَاقِل من تبرم بِعشْرَة الْمُخَالفين وزهد فِي صُحْبَة أَبنَاء الدُّنْيَا فَإِنَّهُم إِن لم يشغلوه بهَا شغلوه عَمَّا هُوَ فِيهِ
قَالَ وَسمعت ابْن سَالم يَقُول ارْفَعْ قدرك عَن مُلَازمَة الطباع الدنيئة تدس بَين ربع الْكَرم وتعش فِي مَحل النعم فَإِن ألفتها قطعت بك وَإِن سئمتها بلغ بك إِلَى مَا لَا أَيْن وَلَا حد وَلَا خبر وَلَا استخبار إِذْ ذَاك إِن حصلت ثمَّ حصلت لَك قيمَة وَكنت إِذْ ذَاك
٧٩ - وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عليان النسوي وَهُوَ مُحَمَّد بن عَليّ
من كبار مَشَايِخ نسا من قَرْيَة بيسمة من جلة أَصْحَاب أبي عُثْمَان وَكَانَ مَحْفُوظ يَقُول مُحَمَّد بن عليان إِمَام أهل المعارف
[ ٣١٤ ]
كَانَ يخرج من نسا قَاصِدا إِلَى أبي عُثْمَان فِي مسَائِل واقعات فَلَا يَأْكُل وَلَا يشرب فِي الطَّرِيق حَتَّى يرد نيسابور فيسأله عَن تِلْكَ الْمسَائِل وَهُوَ من أَعلَى الْمَشَايِخ همة لَهُ الكرامات الظَّاهِرَة
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد الْفراء يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عليان يَقُول الزهادة فِي الدُّنْيَا مِفْتَاح الرَّغْبَة فِي الْآخِرَة
قَالَ وَسمعت ابْن عليان يَقُول من لم يتَحَقَّق فِي وداد ربه ومحبته جعل مَكَان الْوَفَاء فِي الْمحبَّة غدرا وَمَكَان الألفة نفارا
قَالَ وَسمعت ابْن عليان يَقُول كَيفَ لَا تحب من لم تنفك من بره طرفَة عين وَكَيف تَدعِي محبَّة من لم توافقه طرفَة عين
قَالَ وَسمعت ابْن عليان وَسُئِلَ مَا عَلامَة رضَا الله عَن العَبْد فَقَالَ نشاطه فِي الطَّاعَات وتثاقله عَن الْمعاصِي
قَالَ وَسمعت ابْن عليان يَقُول من أظهر كراماته فَهُوَ مُدع وَمن ظَهرت عَلَيْهِ الكرامات فَهُوَ ولي
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن عليان يَقُول الْفقر لِبَاس الْأَحْرَار والغنى لِبَاس الْأَبْرَار
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن عليان يَقُول من صحب الْفُقَرَاء فليصحبهم على سَلامَة السِّرّ وسخاء النَّفس وسعة الصَّدْر وَقبُول المحن بِالنعَم
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن عليان يَقُول أفقر الْفُقَرَاء من لَا يَهْتَدِي إِلَى من يقدر على أَن يُغْنِيه
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن عَليّ يَقُول آيَات الْأَوْلِيَاء وكراماتهم رضاهم بِمَا يسْخط الْعَوام عَن مجاري الْمَقْدُور
[ ٣١٥ ]
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن عَليّ يَقُول لَا يصفو للسخي سخاؤه إِلَّا بتصغيره ورؤية فضل من يقبل مِنْهُ
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن عَليّ يَقُول الْبر والمروءة حفظ الدّين وصيانة النَّفس وَحفظ حرمات الْمُؤمنِينَ والجود بالموجود وقصور الرُّؤْيَة عَنهُ وَعَن جَمِيع أفعالك
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن عليان يَقُول الْخَوْف لَهُ أثر فِي الْقلب يُؤثر على ظَاهر صَاحبه الدُّعَاء والتضرع والانكسار
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن عليان يَقُول عَلامَة الْأَوْلِيَاء خوف الِانْقِطَاع عَنهُ لشدَّة فِي قُلُوبهم من الإيثار لَهُ والشوق إِلَيْهِ
قَالَ وَسمعت ابْن عليان يَقُول من خدم الله تَعَالَى لطلب ثَوَاب أَو خوف عِقَاب فقد أظهر خسته وَأبْدى طمعه فقبيح بِالْعَبدِ أَن يخْدم سَيّده لعوض
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن عليان يَقُول من سكن إِلَى غير الله تَعَالَى أهمله تَعَالَى وَتَركه وَمن سكن إِلَى الله تَعَالَى قطع عَلَيْهِ طَرِيق السّكُون إِلَى شَيْء سواهُ
٨٠ - وَمِنْهُم أَبُو بكر بن أبي سَعْدَان وَهُوَ أَحْمد بن سَعْدَان
بغدادي من أَصْحَاب الْجُنَيْد والنوري وَهُوَ أعلم مَشَايِخ الْوَقْت بعلوم هَذِه الطَّائِفَة وَكَانَ عَالما بعلوم الشَّرْع مقدما فِيهِ ينتحل مَذْهَب الشَّافِعِي وَكَانَ أحد أستاذي الشَّيْخ أبي الْقَاسِم المغربي وَيعرف من عُلُوم الصَّنْعَة وَغير ذَلِك وَكَانَ ذَا لِسَان وَبَيَان وَبَلغنِي أَنه كَانَ بطرسوس فَطلب من يُرْسل
[ ٣١٦ ]
إِلَى الرّوم فَلم يَجدوا مثله فِي فَضله وَعلمه وفصاحته وَبَيَانه وَلسَانه
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم جَعْفَر بن أَحْمد الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن بن حديق وَأَبا الْعَبَّاس الفرغاني يَقُولَانِ لم يبْق فِي هَذَا الزَّمَان لهَذِهِ الطَّائِفَة إِلَّا رجلَانِ أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي بِمصْر وَأَبُو بكر بن أبي سَعْدَان بالعراق وَأَبُو بكر أفهمهما
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن أبي سَعْدَان يَقُول من صحب الصُّوفِيَّة فليصحبهم بِلَا نفس وَلَا قلب وَلَا ملك فَمَتَى نظر إِلَى شَيْء من اسبابه قطعه ذَلِك عَن بُلُوغ مقْصده
قَالَ وَسمعت أَبَا بكر بن أبي سَعْدَان يَقُول من علم بِعلم الرِّوَايَة ورث علم الدِّرَايَة وَمن عمل بِعلم الدِّرَايَة ورث علم الرِّعَايَة وَمن عمل بِعلم الرِّعَايَة هدي إِلَى سَبِيل الْحق
قَالَ وَسمعت ابْن أبي سَعْدَان يَقُول الشُّكْر أَن يشْكر على الْبلَاء شكره على النعماء
قَالَ وَسمعت أَبَا بكر بن أبي سَعْدَان يَقُول من سمع بأذنه حكى وَمن سمع بِقَلْبِه وعى وَمن عمل بِمَا يسمع هدى واهتدى
سَمِعت ابا بكر الرَّازِيّ يَقُول قَالَ ابْن أبي سَعْدَان الِانْقِطَاع عَن الْأَحْوَال سَبَب الْوُصُول إِلَى الله تَعَالَى
قَالَ لَو سَمِعت ابْن أبي سَعْدَان يَقُول من قابله بأفعاله قابله بعدله وَمن قابله بإفلاسه قابله بفضله وَلَا عمل أتم من الصدْق وَلَا أنور وَلَا أبلغ مِنْهُ وَقد قَالَ الله ﷿ ﴿ليسأل الصَّادِقين عَن صدقهم﴾ الْأَحْزَاب: ٨
[ ٣١٧ ]
ترَاهُ يقوم بِحَقِيقَة صدقه أَو بِالْجَوَابِ عَن سُؤَاله والأنبياء عجزوا حَيْثُ سَأَلُوا ﴿مَاذَا أجبتم قَالُوا لَا علم لنا﴾ الْمَائِدَة ١٠٩
قَالَ وسمعته يَقُول الصابر على رجائه لَا يقنط من فَضله
قَالَ وَسمعت أَبَا بكر بن أبي سَعْدَان يَقُول الِاعْتِصَام بِاللَّه هُوَ الِامْتِنَاع بِهِ من الْغَفْلَة والمعاصي والبدع والضلالات
قَالَ وسمعته يَقُول من جلس للمناظرة على الْغَفْلَة لَزِمته ثَلَاثَة عُيُوب
أَولهَا جِدَال وصياح وَهُوَ الْمنْهِي عَنهُ وأوسطها حب الْعُلُوّ على الْخلق وَهُوَ الْمنْهِي عَنهُ وَآخِرهَا الحقد وَالْغَضَب وَهُوَ الْمنْهِي عَنهُ وَمن جلس للمناصحة فَإِن أول كَلَامه موعظة وأوسطه دلَالَة وَآخره بركَة
قَالَ وَسمعت أَبَا بكر بن أبي سَعْدَان يَقُول من لم ينظر فِي التصوف فَهُوَ غبي
قَالَ وَسمعت أَبَا بكر بن أبي سَعْدَان يَقُول إِذا بَدَت الْحَقَائِق سَقَطت آثَار الفهوم والعلوم وَبَقِي لَهَا الرَّسْم الْجَارِي لمحل الْأَمر وَسقط مِنْهُ حقائقها
قَالَ وَسمعت ابْن أبي سَعْدَان يَقُول خلقت الْأَرْوَاح من النُّور وأسكنت ظلم الهياكل فَإِذا قوى الرّوح جانس الْعقل وتواترت الْأَنْوَار وأزالت عَن الهياكل ظلمتها فَصَارَت الهياكل روحانية بأنوار الرّوح وَالْعقل فانقادت وَلزِمَ طريقتها وَرجعت الْأَرْوَاح إِلَى مَعْدِنهَا من الْغَيْب تطالع مجاري الأقدار فَهَذِهِ تطالع الْجَارِي من الأقدار وَهَذِه ترضي بموارد الْقَضَاء وَالْقدر وَهَذَا من لطائف الْأَحْوَال
قَالَ وَسمعت ابْن أبي سَعْدَان يَقُول الصُّوفِي هُوَ الْخَارِج عَن النعوت
[ ٣١٨ ]
والرسوم وَالْفَقِير هُوَ الفاقد للأسباب ففقد السَّبَب أوجب لَهُ اسْم الْفقر وَسَهل لَهُ الطَّرِيق إِلَى الْمُسَبّب وصفاء الصُّوفِي عَن النعوت والرسوم ألزمهُ اسْم التصوف فصفى عَن ممازجة الأكوان كلهَا بمصافاة من صافاه فِي الْأَزَل بالأنوار والمبار
قَالَ وَسمعت أَبَا بكر بن أبي سَعْدَان يَقُول أول قسْمَة قسمت للنَّفس من الْخيرَات الرّوح ليتروح بِهِ من مساكنة الأغيار ثمَّ الْعلم ليدله على رشده ثمَّ الْعقل ليَكُون مُشِيرا للْعلم إِلَى دَرَجَات المعارف ومشيرا للنَّفس إِلَى إِلَى قبُول الْعلم وصاحبا للروح فِي الجولان فِي الملكوت
[ ٣١٩ ]