مِنْهَا: قَوْله فِي مُقَدّمَة الْمنطق فِي أول " الْمُسْتَصْفى ": هَذِه مُقَدّمَة الْعُلُوم كلهَا، وَمن لَا يُحِيط بهَا فَلَا ثِقَة لَهُ بِعُلُومِهِ أصلا.
قَالَ الشَّيْخ: سَمِعت الشَّيْخ عماد الدّين ابْن يُونُس يَحْكِي عَن يُوسُف الدِّمَشْقِي مدرس نظامية بَغْدَاد - وَكَانَ من النظار المعروفين - أَنه كَانَ يُنكر هَذَا الْكَلَام وَيَقُول: فَأَبُو بكر وَعمر وَفُلَان وَفُلَان - يَعْنِي أَن أُولَئِكَ السَّادة - عظمت حظوظهم من البلج وَالْيَقِين، وَلم يحيطوا بِهَذِهِ الْمُقدمَة وأشباهها.
[ ١ / ٢٥٢ ]
قَالَ الشَّيْخ: تذكرت بِهَذَا مَا حكى صَاحب كتاب " الإمتاع والمؤانسة " أَن الْوَزير ابْن الْفُرَات احتفل مَجْلِسه بِبَغْدَاد بأصناف من الْفُضَلَاء من الْمُتَكَلِّمين وَغَيرهم، وَفِيهِمْ الْأَشْعَرِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ، وَفِي
[ ١ / ٢٥٣ ]
الْمجْلس مَتى الفيلسوف النَّصْرَانِي، فَقَالَ الْوَزير: أُرِيد أَن ينتدب مِنْكُم إِنْسَان لمناظرة مَتى فِي قَوْله: إِنَّه لَا سَبِيل إِلَى معرفَة الْحق من الْبَاطِل، وَالْحجّة من الشُّبْهَة، وَالشَّكّ من الْيَقِين؛ إِلَّا بِمَا حويناه من الْمنطق، واستفدناه من وَاضعه على مراتبه، فَانْتدبَ لَهُ أَبُو سعيد السيرافي وَكَانَ فَاضلا فِي عُلُوم غير النَّحْو، فَكَلمهُ فِي ذَلِك حَتَّى أَفْحَمَهُ وفضحه، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع التَّطْوِيل بِذكرِهِ، وَغير خَافَ اسْتغْنَاء الْعلمَاء والعقلاء - قبل وَاضع الْمنطق أرسطاطاليس وَبعده - ومعارفهم الجمة عَن تعلم الْمنطق، وَإِنَّمَا الْمنطق عِنْدهم - بزعمهم - آلَة صناعية تعصم الذِّهْن من الْخَطَأ، وكل ذِي ذهن صَحِيح منطقي بالطبع، فَكيف غفل الْغَزالِيّ عَن حَال شَيْخه إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَمن قبله من كل إِمَام هُوَ لَهُ مقدم، ولمحله فِي تَحْقِيق الْحَقَائِق رَافع لَهُ ومعظم، ثمَّ لم يرفع أحد مِنْهُم بالْمَنْطق رَأْسا، وَلَا بنى عَلَيْهِ فِي شَيْء من تَصَرُّفَاته أسا، وَلَقَد أَتَى بخلطه الْمنطق بأصول الْفِقْه بِدعَة عظم شؤمها على المتفقهة حَتَّى كثر - بعد ذَلِك - فيهم المتفلسفة، وَالله الْمُسْتَعَان.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وَلأبي عبد الله الْمَازرِيّ الْفَقِيه الْمُتَكَلّم الأصولي - وَكَانَ إِمَامًا محققا بارعا فِي مذهبي مَالك والأشعري، وَله تصانيف فِي فنون؛ مِنْهَا: فِي شرح " الْإِرْشَاد " و" الْبُرْهَان " لإِمَام الْحَرَمَيْنِ - رِسَالَة يذكر فِيهَا حَال الْغَزالِيّ وَحَال كِتَابه " الْإِحْيَاء "، أصدرها فِي حَيَاة الْغَزالِيّ جَوَابا لما كُوتِبَ بِهِ من الْمغرب والمشرق فِي سُؤَاله عَن ذَلِك عِنْد اخْتلَافهمْ فِي ذَلِك، فَذكر فِيهَا مَا اختصاره؛ أَن الْغَزالِيّ كَانَ قد خَاضَ فِي عُلُوم وصنف فِيهَا، واشتهر بِالْإِمَامَةِ فِي إقليمه، وبرع حَتَّى تضاءل لَهُ المنازعون، استبحر فِي الْفِقْه، وَفِي أصُول الْفِقْه، وَهُوَ بالفقه أعرف، وَأما أصُول الدّين فَلَيْسَ بالمستبحر فِيهَا، شغله عَن ذَلِك قِرَاءَته عُلُوم الفلسفة، وكسبته قِرَاءَة الفلسفة جرْأَة على الْمعَانِي،
[ ١ / ٢٥٥ ]
وتسهيلا للهجوم على الْحَقَائِق، لِأَن الفلاسفة تمر مَعَ خواطرها، وَلَيْسَ لَهَا شرع يردعها، وَلَا تخَاف من مُخَالفَة أَئِمَّة تتبعها، فَلذَلِك خامره ضرب من الإدلال على الْمعَانِي، فاسترسل فِيهَا استرسال من لَا يُبَالِي بِغَيْرِهِ.
وَقَالَ: وَقد عرفني بعض أَصْحَابه أَنه كَانَ لَهُ عكوف على قِرَاءَة " رسائل إخْوَان الصَّفَا "، وَهَذِه الرسائل هِيَ إِحْدَى وَخَمْسُونَ رِسَالَة، كل رِسَالَة مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا، وَقد ظن فِي مؤلفها ظنون، وَفِي الْجُمْلَة هُوَ رجل فيلسوف قد خَاضَ فِي عُلُوم الشَّرْع، فمزج مَا بَين العلمين، وَحسن الفلسفة فِي قُلُوب أهل الشَّرْع بآيَات وَأَحَادِيث يذكرهَا عِنْدهَا، ثمَّ إِنَّه كَانَ فِي هَذَا الزَّمَان الْمُتَأَخر فيلسوف يعرف ب: ابْن سينا، مَلأ الدُّنْيَا تواليف فِي عُلُوم الفلسفة، وَكَانَ
[ ١ / ٢٥٦ ]
ينتمي إِلَى الشَّرْع، ويتحلى بحلية الْمُسلمين، وَأَدَّاهُ قوته فِي علم الفلسفة إِلَى أَن تلطف جهده فِي رد أصُول العقائد إِلَى علم الفلاسفة، وَتمّ لَهُ من ذَلِك مَا لم يتم لغيره من الفلاسفة، وَوجدت هَذَا الْغَزالِيّ يعول عَلَيْهِ فِي أَكثر مَا يُشِير إِلَيْهِ فِي عُلُوم الفلسفة، حَتَّى إِنَّه فِي بعض الْأَحَايِين ينْقل نَص كَلَامه من غير تَغْيِير، وَأَحْيَانا يُغَيِّرهُ بنقله إِلَى الشرعيات أَكثر من نقل ابْن سينا، لكَونه أعلم بأسرار الشَّرْع مِنْهُ، فعلى ابْن سينا ومؤلف " رسائل إخْوَان الصَّفَا " عول الْغَزالِيّ فِي علم الفلسفة.
قَالَ: وَأما مَذَاهِب المتصوفة فلست أَدْرِي على من عول عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَا إِلَى من ينْسب إِلَيْهِ فِي علمهَا.
[ ١ / ٢٥٧ ]
قَالَ: وَعِنْدِي أَنه على أبي حَيَّان التوحيدي الصُّوفِي عول فِي مَذَاهِب الصُّوفِيَّة، وَقد أعلمت أَن أَبَا حَيَّان هَذَا ألف ديوانا عَظِيما فِي هَذَا الْفَنّ، وَلم يصل إِلَيْنَا شَيْء مِنْهُ.
ثمَّ ذكر أَن فِي " الْإِحْيَاء " فَتَاوَى مبناها على مَا لَا حَقِيقَة لَهُ، مثل مَا اسْتحْسنَ فِي قصّ الْأَظْفَار أَن يبْدَأ بالسبابة لِأَن لَهَا الْفضل على بَقِيَّة الْأَصَابِع لكَونهَا المسبحة، ثمَّ بالوسطى لِأَنَّهَا نَاحيَة الْيَمين، ثمَّ باليسرى على هَيْئَة دَائِرَة، وَكَأن الْأَصَابِع عِنْده دَائِرَة، فَإِذا أدَار أَصَابِعه مر عَلَيْهَا مُرُور الدائرة حَتَّى يخْتم بإبهام الْيُمْنَى. هَكَذَا حَدثنِي بعض من أَثِق بِهِ عَن الْكتاب، فَانْظُر إِلَى هَذَا الخباط كَيفَ أَفَادَهُ قِرَاءَة الهندسة وَعلم الدَّوَائِر وأحكامها أَن يَنْقُلهُ إِلَى الشَّرْع، فَأفْتى بِهِ الْمُسلمين.
[ ١ / ٢٥٨ ]
قَالَ: وَحمل إِلَيّ بعض الْأَصْحَاب حِين هَذَا الْإِمْلَاء الْجُزْء الأول فَوَجَدته يذكر فِيهِ أَن من مَاتَ بعد بُلُوغه، وَلم يعلم أَن الْبَارِي تَعَالَى قديم؛ مَاتَ مُسلما إِجْمَاعًا، وَمن تساهل فِي حِكَايَة الْإِجْمَاع فِي مثل هَذَا، الَّذِي الْأَقْرَب أَن يكون فِيهِ الْإِجْمَاع بعكس مَا قَالَ؛ فحقيق أَن لَا يوثق بِكُل مَا نقل، وَأَن يظنّ بِهِ التساهل فِي رِوَايَة مَا لم يثبت عِنْده صِحَّته، ثمَّ تكلم الْمَازرِيّ فِي محَاسِن " الْإِحْيَاء " ومذامه، ومنافعه ومضاره بِكَلَام طَوِيل خَتمه بِأَن من لم يكن عِنْده من البسطة فِي الْعلم مَا يعتصم بِهِ من غوائل هَذَا الْكتاب؛ فَإِن قِرَاءَته لَا تجوز لَهُ، وَإِن كَانَ فِيهِ مَا ينْتَفع بِهِ، وَمن كَانَ عِنْده من الْعلم مَا يَأْمَن بِهِ على نَفسه من غوائل هَذَا الْكتاب، وَيعلم مَا فِيهِ من الرموز، فيجتنب مُقْتَضى ظواهرها، ويكل أَمر مؤلفها إِلَى الله تَعَالَى إِن كَانَت كلهَا تقبل التَّأْوِيل فقراءته لَهَا سَائِغَة، وَينْتَفع بِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون قارئه مِمَّن يقْتَدى بِهِ ويغتر بِهِ فَإِنَّهُ ينْهَى عَن قِرَاءَته وَعَن مدحه وَالثنَاء عَلَيْهِ.
قَالَ: وَلَوْلَا أَنا علمنَا أَن إملاءنا هَذَا إِنَّمَا يَقْرَؤُهُ الْخَاصَّة، وَمن عِنْده علم يَأْمَن بِهِ على نَفسه؛ لم نتبع محَاسِن هَذَا الْكتاب بالثناء، وَلم نتعرض لذكرها، وَلَكنَّا نَحن أمنا من التَّغْرِير، وَلِئَلَّا يظنّ أَيْضا من يتعصب للرجل أَنا جانبنا الْإِنْصَاف فِي الْكَلَام على كِتَابه، وَيكون اعْتِقَاده هَذَا فِينَا سَببا لِأَن لَا يقبل نصيحتنا، وَالله أعلم. هَذَا آخر مَا نَقَلْنَاهُ عَن الْمَازرِيّ.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وَذكر أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي - وَكَانَ شَرِيكا لَهُ فِي تلمذة إِمَام الْحَرَمَيْنِ - أَنه شدا بطوس فِي صباه طرفا من الْفِقْه على الإِمَام أَحْمد الراذكاني الطوسي، ثمَّ قدم نيسابور، وأختلف إِلَى درس إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي طَائِفَة من شُبَّان طوس، واجتهد فِي التَّحْصِيل، وجد، حَتَّى تخرج فِي مُدَّة قريبَة، وبذ الأقران، وَصَارَ أنظر أهل زَمَانه، وَوَاحِد أقرانه، وأستاذه إِمَام الْحَرَمَيْنِ بعد فِي الْأَحْيَاء، وَكَانَت الطّلبَة تستفيد مِنْهُ، وتدرس عَلَيْهِ، ويرشدهم، وَهُوَ على اجْتِهَاده، وترقى إِلَى أَن أَخذ فِي التصنيف، فَكَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ مَعَ علو دَرَجَته، وسمو عِبَارَته، وحدة جَرَيَانه فِي نطقه وَكَلَامه؛ لَا يصفو نظره إِلَى الْغَزالِيّ ﵀ فِي الْبَاطِن، وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر يظْهر التبجح بِهِ، والاعتداد بمكانه، وَذَلِكَ لإنافته عَلَيْهِ فِي سرعَة الْعبارَة، وَقُوَّة الطَّبْع، وَكَانَ لَا يطيب لَهُ أَيْضا تصديه للتصنيف، وَإِن كَانَ متخرجا بِهِ، مَنْسُوبا إِلَيْهِ، ثمَّ إِنَّه لم يزل كَذَلِك حَتَّى انْقَضتْ أَيَّام الإِمَام أبي الْمَعَالِي، فَخرج من نيسابور، وَصَارَ إِلَى المعسكر فاحتل من مجْلِس نظام الْملك مَحل الْقبُول، وَأَقْبل عَلَيْهِ لظُهُور اسْمه، وعلو دَرَجَته، وَحسن مناظرته، وَكَانَت حَضْرَة نظام الْملك محط رحال الْعلمَاء، ومقصد الْأَئِمَّة والنصحاء، فاتفقت للغزالي فِيهَا اتفاقات حَسَنَة من ملاقاة الْأَئِمَّة، ومجاراة الْخُصُوم اللد، ومناظرة الفحول، ومنافرة الْكِبَار، فطار
[ ١ / ٢٦٠ ]
اسْمه فِي الْآفَاق، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق، وَارْتَفَعت حَاله إِلَى أَن ندب للمصير إِلَى بَغْدَاد، ليقوم بالتدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية بهَا، فَصَارَ إِلَيْهَا، فأعجب الْجَمِيع بدرسه ومناظرته، وَلم يلق بهَا مثل نَفسه، فَصَارَ إِمَام الْعرَاق بعد أَن كَانَ إِمَام خُرَاسَان، ثمَّ إِنَّه عني بِعلم الْأُصُول، وَكَانَ قبل ذَلِك قد أتقنه، فصنف فِيهِ تصانيف، وجرد الْمَذْهَب، فصنف فِيهِ تصانيف، وسبك علم الْخلاف، فصنف فِيهِ تصانيف، وعلت حشمته، وَارْتَفَعت دَرَجَته بِبَغْدَاد، حَتَّى كَانَت حشمته تعلو الأكابر والأمراء بهَا، ثمَّ إِنَّه أعرض عَن ذَلِك كُله وتزهد وسلك طَرِيق التأله، واطرح الحشمة وَمَا نَالَ من الدرجَة، واشتغل بِأَسْبَاب التَّقْوَى، والتزود لِلْأُخْرَى، وَتوجه إِلَى بَيت الله سُبْحَانَهُ وَحج، ثمَّ دخل الشَّام، وَأقَام بِتِلْكَ الديار قَرِيبا من عشر سِنِين يطوف فِيهَا ويزور الْمشَاهد، وَأخذ فِي تصنيف تصانيفه الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا، ك: " إحْيَاء عُلُوم الدّين "، والكتب المختصرة مِنْهَا، ك: " الْأَرْبَعين "، وَغَيرهَا من الرسائل، وَشرع فِي مجاهدة النَّفس، وتهذيب الْأَخْلَاق، فَأَدْبَرَ شَيْطَان الرعونة والرئاسة، وتبدلت الْأَخْلَاق الذميمة بالأخلاق الحميدة، وَسُكُون النَّفس، وكرم الْخلق، والتخلي من التزينات والرسوم، وَقصر الأمل، ووقف الْوَقْت على هِدَايَة الْخلق، والاستعداد للرحيل، والانتباه لكل من تشم مِنْهُ رَائِحَة الْمعرفَة، والاستضاءة بِشَيْء من أنوار الْمُشَاهدَة، ومرن على ذَلِك وَاسْتمرّ ﵀، ثمَّ إِنَّه عَاد إِلَى وَطنه، فلازم
[ ١ / ٢٦١ ]
بَيته وَمكث كَذَلِك مُدَّة، وَظَهَرت تصانيفه، وفشت تآليفه، وَلَا أحد يعْتَرض عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ فِيهِ أَو يناقضه حَتَّى انْتَهَت نوبَة الوزارة إِلَى فَخر الْملك بن نظام الْملك ﵀ من تَرْتِيب خُرَاسَان بدولته، وَقد سمع بمَكَان الْغَزالِيّ، وَكَمَال فَضله، ونقاء سَرِيرَته، فحضره متبركا بِهِ، وَسمع كَلَامه، فَسَأَلَهُ أَن لَا يدع أنفاسه عقيمة، لَا يتْرك فَوَائده لَا اقتباس من أنوارها، وألح عَلَيْهِ كل الإلحاح، فَأَجَابَهُ إِلَى الْخُرُوج إِلَى نيسابور، فَقَدمهَا وألي التدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية بهَا، فَلم يجد بدا من الإذعان للولاة، فَفعل وَنوى بِهِ الْهِدَايَة والإفادة دون العودة إِلَى مَا انخلع عَنهُ وتحرر من رقّه من طلب الجاه، ومكايدة المعاندين، ثمَّ إِنَّه قصد، وتصدى للوقوع فِيهِ والطعن فِيمَا يَأْتِي ويذر، وَتعرض للسعاية بِهِ والتشنيع عَلَيْهِ فَمَا تأثر بذلك، وَلَا أظهر لَهُم استيحاشا لغميزة المخلطين.
وَقَالَ عبد الغافر أَيْضا: إِنَّه سَأَلَهُ؛ كَيفَ رغب فِي الْخُرُوج من بَيته والمصير إِلَى نيسابور؟ فَاعْتَذر بِأَنَّهُ لم يكن يستجير فِي دينه أَن يتَخَلَّف عَن الدعْوَة، وإفادة الطالبين ونفعهم، وَقد حق عَلَيْهِ أَن يبوح بِالْحَقِّ وَيَدْعُو إِلَيْهِ.
قَالَ: وَكَانَ صَادِقا فِي ذَلِك، ثمَّ ترك ذَلِك قبل أَن يتْرك، وَعَاد إِلَى بَيته، وَاتخذ فِي جواره مدرسة لطلبة الْعلم وخانقاه للصوفية.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وَذكر أَنه كَانَ قد وزع أوقاته على وظائف الْحَاضِرين لَدَيْهِ، كختم التَّذْكِير، ومجالسة أهل الْقُلُوب، والتدريس، حَتَّى لَا تَخْلُو لَحْظَة من لحظاته ولحظات من مَعَه عَن فَائِدَة.
وَحكي عَن بَعضهم أَنه رَآهُ فِي النّوم فَسَأَلَهُ عَن حَاله، فَذكر انتفاعه بِكِتَاب " بداية الْهِدَايَة ".
قَالَ الشَّيْخ: كتاب " المضنون " الْمَنْسُوب إِلَيْهِ، معَاذ الله أَن يكون لَهُ، وَقد شاهدت على ظهر كتاب نُسْخَة بِهِ بِخَط الصَّدْر المكين القَاضِي كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم الشهرزوري أَنه مَوْضُوع على الْغَزالِيّ، ومخترع من كتاب " مَقَاصِد الفلاسفة " الَّذِي نقضه بِكِتَاب " تهافت الفلاسفة "، وَأَنه نفذ فِي طلب هَذَا الْكتاب إِلَى الْبِلَاد الْبَعِيدَة، فَلم يقف لَهُ على خبر.
قَالَ: وَهَذِه النُّسْخَة ظَهرت فِي هَذَا الزَّمَان الْغَرِيب، وَلَا يَلِيق بِمَا صَحَّ عندنَا من فضل الرجل وَدينه.
قَالَ الشَّيْخ: وَقد نقل كتاب آخر مُخْتَصر نسب إِلَيْهِ، وَلما بحثنا عَنهُ تحققنا أَنه وضع عَلَيْهِ، وَفِي آخر هَذِه النُّسْخَة بِخَط آخر: هَذَا مَنْقُول من كتاب حِكَايَة
[ ١ / ٢٦٣ ]
" مَقَاصِد الفلاسفة " حرفا بِحرف، وَالْغَزالِيّ إِنَّمَا ذكره فِي " الْمَقَاصِد " حِكَايَة عَنْهُم غير مُعْتَقد لَهُ، وَقد نقضه بِكِتَاب " التهافت "، وَهَذَا الْكتاب فِيهِ التَّصْرِيح بقدم الْعَالم، وَنفي الصِّفَات، وَبِأَنَّهُ لَا يعلم الجزيئات ﷾، وَالْإِشَارَة إِلَى إِحَالَة حشر الأجساد بِإِثْبَات التناسخ، وَلم يكن هَذَا معتقده.
توفّي ﵀ بطوس صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ، التَّاسِع عشر من جُمَادَى الْآخِرَة، سنة خمس وَخمْس مئة، ﵁ وأرضاه، وَجعل الْجنَّة مَأْوَاه بِمُحَمد وَآله.
[ ١ / ٢٦٤ ]