ابْن مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه بن نعيم بن الحكم، أَبُو عبد الله الْحَاكِم الضَّبِّيّ الْمَعْرُوف ب: ابْن البيع النَّيْسَابُورِي.
الْحَافِظ الَّذِي لَا يسْتَغْنى عَن تصانيفه فِي الحَدِيث وَعلمه.
وَفِيمَا بلغنَا عَن أبي حَازِم العبدويي أحد الْحفاظ الَّذين انتخب عَلَيْهِم
[ ١ / ١٩٨ ]
الْحَاكِم مَا مُخْتَصره: أَن شُيُوخ الْحَاكِم قريب من ألفي رجل.
وتفقه عِنْد الْأَئِمَّة: أبي عَليّ ابْن أبي هُرَيْرَة، وَأبي الْوَلِيد الْقرشِي، وَأبي سهل مُحَمَّد بن سُلَيْمَان.
وَقَالَ: سمعته يَقُول: وشربت مَاء زَمْزَم، وَسَأَلت الله أَن يَرْزُقنِي حسن التصنيف، فبلغت تصانيفه فِي أَيدي النَّاس ألفا وَخمْس مئة جُزْء، مِنْهَا: " الصحيحان "، و" الْعِلَل "، و" الأمالي "، و" فَوَائِد الخراسانيين
[ ١ / ١٩٩ ]
و" أمالي العشيات "، و" التَّلْخِيص "، و" الْأَبْوَاب "، و" تراجم الشُّيُوخ ".
وَتفرد باستخراج كتب، مِنْهَا: " معرفَة عُلُوم الحَدِيث "، و" تَارِيخ عُلَمَاء نيسابور "، وَكتاب " مزكي رُوَاة الْأَخْبَار "، و" الْمدْخل إِلَى علم الصَّحِيح " وَكتاب " الإكليل "، و" دَلَائِل النُّبُوَّة "، و" الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ "، و" مَا تفرد كل وَاحِد من الْإِمَامَيْنِ بِإِخْرَاجِهِ "، و" فَضَائِل الشَّافِعِي "، وَغير ذَلِك.
أملي بِمَا وَرَاء النَّهر سنة خمس وَخمسين، وبالعراق سنة سبع وَسِتِّينَ.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ولازمه: ابْن المظفر، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وأملي من حفظه بِبَغْدَاد والري مُدَّة.
وَسمع مِنْهُ من الْمَشَايِخ جمَاعَة، مِنْهُم: الْقفال الشَّاشِي، وَأَبُو عبد الله العصمي، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْن الْقطَّان الرَّازِيّ إِمَام أهل الرَّأْي.
قلد الْقَضَاء بنسا سنة تسع وَخمسين، زمَان حشمة السامانية فِي وزارة الْعُتْبِي، وَدخل الْخَلِيل بن أَحْمد القَاضِي السجْزِي على أبي جَعْفَر الْعُتْبِي الْيَوْم الثَّانِي من مُفَارقَته الحضرة، فَقَالَ: هَنأ الله الشَّيْخ، فقد جهز إِلَى نسا ثَلَاث مئة ألف حَدِيث لرَسُول ﷺ، فتهلل وَجهه، وقلد بعد ذَلِك قَضَاء جرجان فَامْتنعَ، وَكَانَ الْأَمِير أَبُو الْحسن يَسْتَعِين بِرَأْيهِ، وينفذه للسفارة بَينه وَبَين البويهية، وذاكر الجعابي، وَأَبا جَعْفَر الْهَمدَانِي، وَأَبا عَليّ الْحَافِظ، وَكَانَ يقبل عَلَيْهِ من بَين أقرانه.
قَالَ: وَسمعت أَبَا أَحْمد الْحَافِظ يَقُول: إِن كَانَ رجل يقْعد مَكَاني؛ فَهُوَ أَبُو عبد الله.
وَصَحب مَشَايِخ التصوف: أَبَا عَمْرو بن نجيد، وَأَبا الْحسن البوشنجي، وجعفر بن نصير، هُوَ: الْخُلْدِيِّ، وَغَيرهم.
قَالَ: سَمِعت مَشَايِخنَا يَقُولُونَ: كَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر ابْن إِسْحَاق،
[ ١ / ٢٠١ ]
وَأَبُو الْوَلِيد يرجعان إِلَى أبي عبد الله فِي السُّؤَال عَن الْجرْح وَالتَّعْدِيل، وَعلل الحَدِيث، وَصَحِيحه وسقيمه.
قَالَ: سَأَلت الدَّارَقُطْنِيّ: أَيهمَا أحفظ، ابْن مَنْدَه أَو ابْن البيع؟ فَقَالَ: ابْن البيع أتقن حفظا.
قَالَ أَبُو حَازِم: أَقمت عِنْد الشَّيْخ أبي عبد الله العصمي قَرِيبا من ثَلَاث سِنِين، وَلم أر فِي جملَة مَشَايِخنَا أتقن مِنْهُ وَلَا أَكثر تنقيرا، فَكَانَ إِذا
[ ١ / ٢٠٢ ]
أشكل عَلَيْهِ شَيْء أَمرنِي أَن أكتب إِلَى أبي عبد الله الْحَاكِم، فَإِذا ورد جَوَاب كِتَابه؛ حكم بِهِ، وَقطع بقوله.
قَالَ: انتخب على الْمَشَايِخ خمسين سنة. " وَحكى القَاضِي أَبُو بكر الْحِيرِي أَن شَيخا من الصَّالِحين حكى أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي النّوم، قَالَ، فَقلت لَهُ: يَا رَسُول الله! بَلغنِي أَنَّك قلت: ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل، وَإِنِّي سَأَلت الْحَاكِم أَبَا عبد الله عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: هَذَا كذب، وَلم يقلهُ رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ لي: صدق أَبُو عبد الله.
ففصل أَبُو حَازِم حفاظ نيسابور من عهد مُسلم، وَمن كَانَ يقابلهم فِي غَيرهَا من الْحفاظ، ثمَّ ذكر تفرد الْحَاكِم أبي عبد الله فِي وقته ذَلِك، من غير أَن يُقَابله أحد بِسَائِر الْبِلَاد.
وَقَالَ: جعلنَا الله لهَذِهِ النعم من الشَّاكِرِينَ، وَبَارك لنا فِي حَيَاته، وَجعل مَا أنعم عَلَيْهِ وعلينا بمكانه مَوْصُولا بالنعيم الْمُقِيم، إِنَّه سميع قريب.
وَذكره الْحَافِظ شيرويه فَقَالَ: روى عَنهُ ابْن لال مَعَ جلالته، وَكَانَ الْحَاكِم إِمَام الْوَقْت شرفا خُرَاسَان، لَهُ مصنفات حسان، مَا سبق إِلَيْهَا أحد، خُصُوصا: " تَارِيخ نيسابور "، كَانَ مَا قصر فِي اسْتِيفَائه بالتراجم.
[ ١ / ٢٠٣ ]