ابْن يزِيد بن كثير بن غَالب، أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ.
[ ١ / ١٠٦ ]
نسبه الْخَطِيب كَذَلِك، وَقد مر بِي خِلَافه.
صَاحب " التَّارِيخ " الْمَشْهُور.
أَخذ فقه الشَّافِعِي عَن الرّبيع الْمرَادِي، وَالْحسن الزَّعْفَرَانِي.
وَذكره الْعَبَّادِيّ فِي " الشَّافِعِيَّة "، وَقَالَ: هُوَ من أَفْرَاد عُلَمَائِنَا، وَمَا رَأَيْنَاهُ من ذكره فِي هَذَا الْقسم مُتَعَيّن، فَإِن لَهُ مذهبا ينْفَرد بِهِ، مَعْرُوفا بِهِ.
قَالَ الْخَطِيب: استوطن الطَّبَرِيّ بَغْدَاد، وَأقَام بهَا إِلَى حِين وَفَاته، وَكَانَ أحد أَئِمَّة الْعلمَاء، يحكم بقوله، وَيرجع إِلَى رَأْيه، لمعرفته وفضله.
وَكَانَ قد جمع من الْعُلُوم مَا لم يُشَارِكهُ فِيهِ أحد من أهل عصره.
[ ١ / ١٠٧ ]
كَانَ حَافِظًا لكتاب الله، عَارِفًا بالقراءات، بَصيرًا بالمعاني، فَقِيها فِي أَحْكَام الْقُرْآن، عَالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عَارِفًا بأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن بعدهمْ من الخالفين فِي الْأَحْكَام، ومسائل الْحَلَال وَالْحرَام، عَارِفًا بأيام النَّاس وأخبارهم، وَله الْكتاب الْمَشْهُور فِي " تَارِيخ الْأُمَم والملوك "، وَكتاب فِي " التَّفْسِير "، لم يصنف أحد مثله، وَكتاب سَمَّاهُ: " تَهْذِيب الْآثَار " لم أر سواهُ فِي مَعْنَاهُ، إِلَّا أَنه لم يتمه، وَله فِي أصُول الْفِقْه وفروعه كتب كَثِيرَة، وَاخْتِيَار من أقاويل الْفُقَهَاء، وَتفرد بمسائل حفظت عَنهُ.
[ ١ / ١٠٨ ]
قَالَ عَليّ بن عبيد الله بن عبد الْغفار اللّغَوِيّ الْمَعْرُوف ب؛ السمسماني: يحْكى أَن مُحَمَّد بن جرير مكث أَرْبَعِينَ سنة يكْتب فِي كل يَوْم مِنْهَا أَرْبَعِينَ ورقة.
قلت: وعَلى نفاذه فِي الْكِتَابَة، قد يحمل فقه الْعلم من قَول ابْن سُرَيج.
قَالَ الْخَطِيب: بَلغنِي عَن أبي حَامِد أَحْمد بن أبي طَاهِر الْفَقِيه الإِسْفِرَايِينِيّ أَنه قَالَ: لَو سَافر رجل إِلَى الصين حَتَّى يحصل لَهُ كتاب " تَفْسِير " مُحَمَّد بن جرير، لم يكن ذَلِك كثيرا، أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ.
وَقَالَ الْخَطِيب: سَمِعت أَبَا حَازِم العبدويي بنيسابور يَقُول: سَمِعت حسينك - واسْمه: الْحُسَيْن بن عَليّ التَّمِيمِي - يَقُول: لما رجعت من بَغْدَاد إِلَى نيسابور سَأَلَني مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، فَقَالَ لي: مِمَّن سَمِعت بِبَغْدَاد؟ فَذكرت لَهُ جمَاعَة مِمَّن سَمِعت مِنْهُم، فَقَالَ لي: هَل سَمِعت من مُحَمَّد بن جرير شَيْئا؟ فَقلت: لَا، إِنَّه بِبَغْدَاد، لَا يدْخل عَلَيْهِ لأجل الْحَنَابِلَة، وَكَانَت تمنع مِنْهُ، فَقَالَ: لَو سَمِعت مِنْهُ لَكَانَ خيرا لَك من جَمِيع من سَمِعت مِنْهُ سواهُ.
وَقَالَ القَاضِي أَبُو عَمْرو عبيد الله بن أَحْمد السمسار،
[ ١ / ١٠٩ ]
وَأَبُو الْقَاسِم ابْن عقيل الْوراق: إِن أَبَا جَعْفَر الطَّبَرِيّ قَالَ لأَصْحَابه: أتنشطون لتفسير الْقُرْآن؟ قَالُوا: كم يكون قدره؟ فَقَالَ: ثَلَاثُونَ ألف ورقة، فَقَالُوا: هَذَا مِمَّا تفنى الْأَعْمَار قبل تَمَامه، فَاخْتَصَرَهُ فِي نَحْو ثَلَاثَة آلَاف ورقة. ثمَّ قَالَ: هَل تنشطون لتاريخ الْعَالم من آدم إِلَى وقتنا هَذَا؟ قَالُوا: كم يكون قدره؟ فَذكر نَحْو مَا ذكره فِي التَّفْسِير، فَأَجَابُوهُ بِمثل ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّا لله، مَاتَت الهمم، فَاخْتَصَرَهُ فِي نَحْو مِمَّا اختصر " التَّفْسِير ".
قَالَ أَبُو الْحسن ابْن رزقويه، عَن أبي عَليّ الطوماري قَالَ: كنت أحمل الْقنْدِيل فِي شهر رَمَضَان بَين يَدي أبي بكر ابْن مُجَاهِد إِلَى الْمَسْجِد لصَلَاة التَّرَاوِيح، فَخرج لَيْلَة من ليَالِي الْعشْر الْأَوَاخِر من دَاره، واجتاز على مَسْجده فَلم يدْخلهُ وَأَنا مَعَه، وَسَار حَتَّى انْتهى إِلَى آخر سوق الْعَطش، فَوقف بِبَاب مَسْجِد مُحَمَّد بن جرير، وَمُحَمّد يقْرَأ سُورَة الرَّحْمَن، فاستمع قِرَاءَته طَويلا، ثمَّ انْصَرف، فَقلت لَهُ: يَا أستاذ ﴿تركت النَّاس ينتظرونك، وَجئْت تسمع قِرَاءَة هَذَا؟﴾ فَقَالَ: يَا أَبَا عَليّ! دع هَذَا عَنْك، مَا ظَنَنْت أَن الله تَعَالَى خلق بشرا
[ ١ / ١١٠ ]
يحسن يقْرَأ هَذِه الْقِرَاءَة، أَو كَمَا قَالَ.
مَاتَ ابْن جرير ﵀ - فِيمَا حَكَاهُ ابْن كَامِل القَاضِي - فِي شَوَّال سنة عشر وَثَلَاث مئة، وَدفن فِي دَاره، وَلم يُغير شَيْبه
قَالَ: وَأَخْبرنِي أَن مولده فِي آخر سنة أَربع، أَو أول سنة خمس وَعشْرين مئتين.
قَالَ: وَلم يُؤذن بِهِ أحد، وَاجْتمعَ عَلَيْهِ من لَا يحصيهم عددا إِلَّا الله، وَصلي على قَبره عدَّة شهور لَيْلًا وَنَهَارًا، وثاره خلق كثير من أهل الدّين وَالْأَدب.
وأنبئت عَن القَاضِي أبي بكر الْأنْصَارِيّ، أَنبأَنَا عَليّ بن المحسن
[ ١ / ١١١ ]
التنوخي، عَن أَبِيه قَالَ: حَدثنِي عُثْمَان بن مُحَمَّد السّلمِيّ قَالَ: حَدثنِي بلطون بن منجو أحد القواد قَالَ: حَدثنِي غُلَام لِابْنِ المزوق الْبَغْدَادِيّ قَالَ: كَانَ مولَايَ مكرما لي، فَاشْترى جَارِيَة وزوجنيها، فأحببتها حبا شَدِيدا، وأبغضتني بغضا عَظِيما، وَكَانَت تنافرني دَائِما، وأحتملها إِلَى أَن أضجرتني يَوْمًا، فَقلت لَهَا: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا بتاتا، لَا خاطبتيني بِشَيْء إِلَّا خاطبتك بِمثلِهِ، فقد أفسدك احتمالي لَك، فَقَالَت لي فِي الْحَال: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا بتاتا، قَالَ: فأبلست، وَلم أدر مَا أجيبها بِهِ خوفًا من أَن أَقُول لَهَا مثل مَا قَالَت، فَتَصِير بذلك طَالقا مني، فأرشدت إِلَى أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ، فَأَخْبَرته بِمَا جرى، فَقَالَ: أقِم مَعهَا بعد أَن تَقول لَهَا: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِن أَنا طَلقتك، فَتكون قد خاطبتها بِهِ، فوفيت بيمينك وَلم تطلقها، وَلَا تعاود الْيَمين.
[ ١ / ١١٢ ]