ابْن أَحْمد بن حبَان بن معَاذ بن معبد، القَاضِي، الْحَافِظ، الإِمَام أَبُو حَاتِم التَّمِيمِي البستي، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَإِسْكَان السِّين الْمُهْملَة.
وحبان: بِكَسْر الْحَاء.
كَانَ أَبُو حَاتِم هَذَا - ﵀ - وَاسع الْعلم، جَامعا بَين فنون مِنْهُ،
[ ١ / ١١٥ ]
كثير التصنيف، إِمَامًا من أَئِمَّة الحَدِيث، كثير التَّصَرُّف فِيهِ والافتنان، يسْلك مَسْلَك شَيْخه ابْن خُزَيْمَة فِي استنباط فقه الحَدِيث ونكته، وَرُبمَا غلط فِي تصرفه الْغَلَط الْفَاحِش على مَا وجدته.
قَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: كَانَ أَبُو حَاتِم إِمَام عصره، رَحل فِيمَا بَين الشاش إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة، وتلمذ فِي الْفِقْه لِابْنِ خُزَيْمَة.
وَقَالَ ابْن مَاكُولَا فِيهِ: نزيل سجستان، ولي الْقَضَاء بسمرقند، سَافر كثيرا، وصنف كتبا كَثِيرَة، وَكَانَ من الْحفاظ الْأَثْبَات.
وَذكره الْحَاكِم أَبُو عبد الله، فَقَالَ: كَانَ من أوعية الْعلم لُغَة، وفقها، وحديثا، ووعظا، وَمن عقلاء الرِّجَال، سمع بنيسابور من: جَعْفَر الْحَافِظ، وَابْن شيرويه، وأقرانهما، وَتوجه إِلَى الْحسن بن سُفْيَان، وَعمْرَان بن مُوسَى، ثمَّ دخل بَغْدَاد فَأكْثر عَن أبي خَليفَة وأقرانه، وَسمع بالأهواز: عَبْدَانِ وأقرانه، وبالموصل: أَبَا يعلى وأقرانه، وبمصر: أَبَا عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وأقرانه، وَسمع بالجزيرة، وَالشَّام، والحجاز،
[ ١ / ١١٦ ]
ويمرو، وهراة، وبخارى، ورحل إِلَى ابْن بجير: عمر بن مُحَمَّد فَأكْثر عَنهُ، ثمَّ صنف، فَخرج لَهُ من التصنيف فِي الحَدِيث مَا لم يسْبق إِلَيْهِ، وَولي الْقَضَاء بسمرقند، وَغَيرهَا من مدن خُرَاسَان.
أَقَامَ بنيسابور فِي آخر قدماته مُدَّة، وَبنى بهَا خانقاه تنْسب إِلَيْهِ، وَقُرِئَ عَلَيْهِ جملَة من مصنفاته، ثمَّ خرج مِنْهَا منصرفا إِلَى وَطنه: بست، وَمَات سنة أَربع خمسين وَثَلَاث مئة.
واستملى عَلَيْهِ الْحَاكِم بنيسابور سنة أَربع وَثَلَاثِينَ.
قَالَ الْحَاكِم: حضرناه، فَلَمَّا سألناه الحَدِيث نظر إِلَى النَّاس، وَأَنا أَصْغَرهم سنا، فَقَالَ: استمل، فَقلت: نعم، فاستمليت عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو حَاتِم فِي كِتَابه " الْمسند الصَّحِيح على التقاسيم والأنواع ": لَعَلَّنَا كتبنَا عَن أَكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة، وَلم نرو فِي كتَابنَا هَذَا إِلَّا عَن مئة وَخمسين شَيخا أَو أقل أَو أَكثر، وَلَعَلَّ معول كتَابنَا هَذَا يكون على نَحْو عشْرين شَيخا.
[ ١ / ١١٧ ]
وَذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة: " الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة " وَصَححهُ، وَحكى عَن نَفسه أَنه تتبع معنى الحَدِيث مُدَّة، فَجعل يعد الطَّاعَات، فَإِذا هِيَ تزيد على هَذَا الْعدَد شَيْئا كثيرا، فَرجع إِلَى السّنَن، فعد كل طَاعَة عدهَا رَسُول الله ﷺ من الْإِيمَان، فَإِذا هِيَ تنقص عَن الْبضْع وَالسبْعين، فَرجع إِلَى كَلَام الله تَعَالَى، فتلاه بالتدبر، وعد كل طَاعَة عدهَا الله تَعَالَى من الْإِيمَان، فَإِذا هِيَ تنقص أَيْضا، فضم الْكتاب إِلَى السّنَن، وَأسْقط الْمعَاد، فَإِذا كل شَيْء عده الله ﷿، وَنبيه ﷺ من الْإِيمَان، تسع وَسَبْعُونَ شُعْبَة، لَا تزيد عَلَيْهَا وَلَا تنقص. قَالَ: فَعلمت أَن المُرَاد هَذَا الَّذِي فِي الْكتاب وَالسّنة.
وَذكر جَمِيع ذَلِك فِي كتاب وصف الْإِيمَان وشعبه.
وَذكر أَن رِوَايَة من روى: " بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة " أَيْضا صَحِيحَة، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب تذكر الشَّيْء عددا، وَلَا تُرِيدُ نفي مَا وَرَاءه عَنهُ، وَله نَظَائِر أوردهَا فِي كِتَابه، مِنْهَا: أَحَادِيث الْإِيمَان وَالْإِسْلَام. وَمن كتبه: كتاب " وصف الِاتِّبَاع وَبَيَان الابتداع "، وَكتاب " معرفَة الْقبْلَة "، وَكتاب " المدنر " بِفَتْح النُّون الْمُشَدّدَة.
[ ١ / ١١٨ ]