ابْن إِبْرَاهِيم، أَبُو عبد الله الختن الْفَارِسِي، ثمَّ الإستراباذي، ثمَّ الْجِرْجَانِيّ، وَعرف بالختن، لِأَنَّهُ كَانَ ختن الإِمَام أبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ الْجِرْجَانِيّ.
كَانَ أحد الكبراء من أَئِمَّتنَا، لَهُ مقَالَة فِي الْمَذْهَب مَشْهُورَة، ووجوه تعزى إِلَيْهِ مسطورة.
وَذكره الْحَاكِم، فَقَالَ: أحد أَئِمَّة الشافعيين فِي عصره، وَكَانَ مقدما فِي الْأَدَب، ومعاني الْقُرْآن، والقراءات، وَمن الْعلمَاء المبرزين فِي النّظر والجدل.
سمع أَبَا نعيم عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عدي وأقرانه فِي بَلَده، وَورد
[ ١ / ١١٩ ]
نيسابور سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة، فَأَقَامَ عندنَا إِلَى آخر سنة تسع، وَسمع أَكثر كتب مَشَايِخنَا، ثمَّ دخل أَصْبَهَان، فَسمع " مُسْند " أبي دَاوُد من عبد الله بن جَعْفَر، وَسمع سَائِر الْمَشَايِخ بهَا، وَدخل الْعرَاق بعد الْأَرْبَعين وَأكْثر، وَكَانَ كثير السماع والرحلة.
توفّي بجرجان يَوْم الْأَضْحَى، سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مئة، وَهُوَ ابْن خمس وَسبعين سنة. هَكَذَا ذكره الْحَاكِم.
أَقَامَ الْحَافِظ حَمْزَة الْجِرْجَانِيّ: إِن وَفَاته كَانَت يَوْم عَرَفَة من السّنة الْمَذْكُورَة.
وَقَالَ الْحَاكِم: قدم أَبُو عبد الله نيسابور سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَلَاث مئة، وَأقَام مُدَّة، وانتفع النَّاس بِعُلُومِهِ، وَحدث، وَحضر مجْلِس الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي سهل رحمهمَا الله، فَأَغْلَظ لَهُ الْأُسْتَاذ فِي مناظرة جرت بَينهمَا، فَخرج مستوحشا، فَكتب إِلَيْهِ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل بِهَذِهِ الأبيات:
(أعيذ الْفَقِيه الْحر من سطوة السخط مصونا عَن الأفكار يجلبها الْغَلَط)
(يضايق حَتَّى لَا يسوغ لَفظه وَيَعْتِبُ من لفظ يفور على اللَّغط)
[ ١ / ١٢٠ ]
(أحاكمه فِيهِ إِلَيْهِ محكما وأسأله عفوا لبادرة السقط)
(وَمهما عدا وَجه الصَّوَاب حفاظه فَإِن سداد الرَّأْي يلْزمه النمط)
(ونشري لمطوي خلاف إمامنا وطيي لمنشور وَفَاء بِمَا شَرط)
(شددت على باغي الْفساد وَلم أدع عَلَيْهِ من الْحبّ الْيَسِير لمن لقط)
(على رمد جَاءَ القريض مرمدا ورائقه بِالْبرِّ قد يمْلَأ السفط)
قَالَ الْحَاكِم: فأنشدني أَبُو عبد الله جَوَابه عَنْهَا:
(جفَاء جرى جَهرا لَدَى النَّاس وانبسط وَعذر أَتَى سرا فأكد مَا فرط)
(مَتى طَالب الشَّيْخ الْفَقِيه بِحقِّهِ وضيع حَقًا لي عَلَيْهِ فقد قسط)
(سبيلي إِذا ضايقته فِي الْعُلُوم أَن يضايقني فِيهَا وَلَا يركب الشطط)
(وعدت أياديه الَّتِي خصني بهَا فَلَا حاسب أحصى وَلَا كَاتب ضبط)
(فَمن أجلهَا فِي دَاره إِذْ حضرتها سَطَا واعتدى فِي القَوْل وَالْفِعْل وَاخْتَلَطَ)
(فَأَي ملام يلْحق الْحر بعْدهَا إِذا هُوَ من جِيرَانه أبدا قنط)
(هجرت افتراض الشّعْر لما انْقَضى الصِّبَا وَلما رَأَيْت الشيب فِي عارضي وَخط)
(ولولاه لانثالت قواف محلهَا صُدُور ذَوي الْآدَاب لَا فارغ السفط)
وَذكر أَبُو الْقَاسِم حَمْزَة السَّهْمِي الْجِرْجَانِيّ فِي " تَارِيخ جرجان " أَبَا عبد الله
[ ١ / ١٢١ ]
الختن، فَقَالَ: أَبُو عبد الله، ختن أبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ، كَانَ من الْفُقَهَاء الْمَذْكُورين فِي عصره، ودرس سِنِين كَثِيرَة، وَتخرج بِهِ عدَّة من الْفُقَهَاء، وَكَانَ لَهُ ورع، وَله أَرْبَعَة أَوْلَاد: أَبُو بشر الْفضل، وَأَبُو النَّضر عبيد الله، وَأَبُو عَمْرو عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو الْحسن عبد الْوَاسِع، وَكَانَ لَهُ إملاء من سنة سبع وَسبعين إِلَى أَن توفّي ﵀.
روى عَن: أبي نعيم عبد الْملك بن مُحَمَّد، وَعبد الله بن السّري، وَأبي الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ، وَأبي أَحْمد الْعَسَّال، وَجَمَاعَة من أَصْبَهَان، وبغداد مثل: ابي بكر الشَّافِعِي، ودعلج، وَمن أهل نيسابور: الْأَصَم، وَغَيرهم.
[ ١ / ١٢٢ ]