ابْن دُرَيْد بن عتاهية بن حنتم بن الْحسن بن حمامي، أَبُو بكر الْأَزْدِيّ، صَاحب " الجمهرة "، هَكَذَا نسب نَفسه، وَرَفعه إِلَى نصر بن
[ ١ / ١٢٣ ]
الأزد.
قَالَ: وحمامي من أول من أسلم من آبَائِي، وَهُوَ من السّبْعين رَاكِبًا الَّذين خَرجُوا مَعَ عَمْرو بن الْعَاصِ من عمان إِلَى الْمَدِينَة، لما بَلغهُمْ وَفَاة رَسُول الله ﷺ حَتَّى أدوه.
وَكَانَ ابْن دُرَيْد - عَفا الله عَنَّا وَعنهُ - من أَعْلَام اللُّغَة.
ولد بِالْبَصْرَةِ، وَنَشَأ بعمان، وتنقل فِي جزائر الْبَحْر، وَالْبَصْرَة، وَفَارِس، وَطلب الْأَدَب، وَعلم النَّحْو واللغة حَتَّى برع، وَورد بَغْدَاد بعد أَن علت سنه، فَأَقَامَ بهَا إِلَى حِين وَفَاته، وَكَانَ رَأْسا مُتَقَدما فِي حفظ اللُّغَة، والأنساب، وأشعار الْعَرَب، وَله شعر جيد سَائِر، وَكَانَ أَبوهُ من أهل الرياسة واليسار.
[ ١ / ١٢٤ ]
حدث عَن: ابْن أخي الْأَصْمَعِي، وَأبي حَاتِم السجسْتانِي، والرياشي.
وروى عَنهُ: السيرافي، والمرزباني، وَأَبُو بكر ابْن شَاذان، وَغَيرهم. ومولده - فِيمَا رُوِيَ عَنهُ - فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين ومئتين.
رُوِيَ لنا عَن أبي مَنْصُور الشَّيْبَانِيّ وَغَيره، عَن الْخَطِيب قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن رزق بن عَليّ الْأَسدي يَقُول: كَانَ يُقَال: إِن أَبَا بكر ابْن دُرَيْد أعلم الشُّعَرَاء، وأشعر الْعلمَاء.
وَبِه، عَن الْخَطِيب: حَدثنِي عَليّ بن المحسن التنوخي، عَن أبي الْحسن عَليّ بن يُوسُف الْأَزْرَق قَالَ: وَكَانَ أَبُو بكر - يَعْنِي: ابْن دُرَيْد - وَاسع الْحِفْظ جدا، مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ، كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ دواوين الْعَرَب كلهَا، أَو أَكْثَرهَا، فيسابق إِلَى تَمامهَا ويحفظها، وَمَا رَأَيْته قطّ قرئَ عَلَيْهِ ديوَان شَاعِر، إِلَّا وَهُوَ يسابق إِلَى رِوَايَته، لحفظه لَهُ.
[ ١ / ١٢٥ ]
وَبِه: حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد بن نصر قَالَ: سَمِعت حَمْزَة بن يُوسُف يَقُول: سَأَلت أَبَا الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن دُرَيْد، فَقَالَ: تكلمُوا فِيهِ. وَقَالَ حَمْزَة: سَمِعت أَبَا بكر الْأَبْهَرِيّ الْمَالِكِي يَقُول: جَلَست إِلَى جنب ابْن دُرَيْد وَهُوَ يحدث، وَمَعَهُ " جُزْء " فِيهِ: قَالَ الْأَصْمَعِي، فَكَانَ يَقُول فِي وَاحِد: حَدثنَا الرياشي، وَفِي آخر: حَدثنَا أَبُو حَاتِم، وَفِي آخر: حَدثنَا ابْن أخي الْأَصْمَعِي، عَن الْأَصْمَعِي، كَمَا يَجِيء على قلبه.
قلت: هَذَا رجم بالتوهم، وَمَا الْمَانِع من أَن يكون ابْن دُرَيْد قد حفظ حَدِيث كل وَاحِد من شُيُوخه هَؤُلَاءِ على حِدة، وَإِن لم يكن مُبينًا فِي كِتَابه كَمَا وجد ذَلِك لغيره.
وَبِه قَالَ: كتب إِلَيّ أَبُو ذَر عبد بن أَحْمد الْهَرَوِيّ من مَكَّة قَالَ: سَمِعت أَبَا مَنْصُور الْأَزْهَرِي يَقُول: دخلت على ابْن دُرَيْد فرأيته سَكرَان،
[ ١ / ١٢٦ ]
فَلم أعد إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو ذَر: وَسمعت ابْن شاهين يَقُول: كُنَّا ندخل على ابْن دُرَيْد، ونستحيي مِنْهُ مِمَّا نرى من العيدان الْمُعَلقَة، وَالشرَاب الْمُصَفّى مَوْضُوعا، وَقد كَانَ جَاوز التسعين سنة.
قَالَ أَبُو ذَر: وَسمعت إِسْمَاعِيل بن سُوَيْد يَقُول: جَاءَ إِلَى ابْن دُرَيْد سَائل، فَلم يكن عِنْده غير دن نَبِيذ، فوهبة لَهُ، فجَاء غُلَامه، فَقَالَ: النَّاس يتصدقون بالنبيذ ﴿﴾ فَقَالَ: أيش أعمل؟ لم يكن عِنْدِي غَيره، فَمَا تمّ الْيَوْم حَتَّى أهدي لَهُ عشرَة دنان، فَقَالَ لغلامه: تصدقنا بِوَاحِد، فأخذنا عشرَة.
قلت: وَقد ذكره الْأَزْهَرِي - فِيمَا رَأَيْته فِي صدر كِتَابه الْجَلِيل الموسوم [ب: " تَهْذِيب اللُّغَة " - فِي عداد من لَا يعْتد بِهِ فِي رِوَايَة اللُّغَة، فَقَالَ: مَاتَ - عَفا الله عَنهُ - فِي شعْبَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَلَاث مئة، وَدفن بمقبرة الخيزران من بَغْدَاد.
[ ١ / ١٢٧ ]
قَالَ الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي الْعَلَاء حمد بن عبد الْعَزِيز قَالَ: كنت فِي جَنَازَة أبي بكر ابْن دُرَيْد وفيهَا جحظة، فأنشدنا لنَفسِهِ:
(فقدت بِابْن دُرَيْد كل فَائِدَة لما غَدا ثَالِث الْأَحْجَار والترب)
(وَكنت أبْكِي لفقد الْجُود مُجْتَهدا فصرت أبْكِي لفقد الْجُود وَالْأَدب)
قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْفَقِيه الْجِرْجَانِيّ - وَكَانَ من الْعلمَاء المبرزين على بَاب أبي الْعَبَّاس الْأَصَم، أملاه علينا فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة - قَالَ: أنشدنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن دُرَيْد لنَفسِهِ فِي مدح الشَّافِعِي ﵁ وأرضاه:
(بملتفتيه للمشيب مطالع ذوائد عَن ورد التصابي روادع)
(يصرفنه طوع الْعَنَان وَرُبمَا دَعَاهُ الصِّبَا فاقتاده وَهُوَ طائع)
[ ١ / ١٢٨ ]
(وَمن لم يزعه لبه وحياؤه فَلَيْسَ لَهُ من شيب فوديه وازع)
(هَل النافر الْمَدْعُو للحظ رَاجع أَو النصح مَقْبُول أَو الْوَعْظ نَافِع؟)
(أم الهمك المهموم بِالْجمعِ عَالم بِأَن الَّذِي يوعي من المَال ضائع؟)
وَأَن قصاراه على فرط ضنه فِرَاق الَّذِي أضحى لَهُ وَهُوَ جَامع)
(ويخمل ذكر الْمَرْء ذِي المَال بعده وَلَكِن جمع الْعلم للمرء رَافع)
(ألم تَرَ آثَار ابْن إِدْرِيس بعده دلائلها فِي المشكلات لوامع)
(معالم يفنى الدَّهْر وَهِي خوالد وتنخفض الْأَعْلَام وَهِي روافع)
مناهج فِيهَا للهدى متصرف موارد فِيهَا للرشاد شرائع)
(ظواهرها حكم ومستنبطاتها لما حكم التَّفْرِيق فِيهِ جَوَامِع)
(لرأي ابْن إِدْرِيس ابْن عَم مُحَمَّد ضِيَاء إِذا مَا أظلم الْخطب صادع)
(إِذا المعضلات المشكلات تشابهت سما مِنْهُ نور فِي دجاهن سَاطِع)
(أَبى الله إِلَّا رَفعه وعلوه وَلَيْسَ لما يعليه ذُو الْعَرْش وَاضع)
(توخى الْهدى واستنقذته يَد التقى من الزيغ، إِن الزيغ للمرء صارع)
(ولاذ بآثار النَّبِي فَحكمه لحكم رَسُول الله فِي النَّاس تَابع)
(وعول فِي أَحْكَامه وقضائه على مَا قضى التَّنْزِيل وَالْحق ناصع)
(بطيء عَن الرَّأْي الْمخوف التباسه إِلَيْهِ إِذا لم يخْش لبسا مسارع)
[ ١ / ١٢٩ ]
(وَأَنْشَأَ لَهُ منشيه من خير مَعْدن خلائق هن الزاهرات البوارع)
(تسربل بالتقى وليدًا وناشئا وَخص بلب الكهل مذ هُوَ يافع)
(وهذب حَتَّى لم تشر بفضيلة إِذا التمست إِلَّا إِلَيْهِ الْأَصَابِع)
(فَمن يَك علم الشَّافِعِي إِمَامه فمرتعه فِي ساحة الْعلم وَاسع)
(سَلام على قبر تضمن جِسْمه وجادت عَلَيْهِ المدجنات الهوامع)
(لَئِن فجعتنا الحادثات بشخصه وَهن بِمَا حكمن فِيهِ فواجع)
(فأحكامه فِينَا بدور زواهر وآثاره فِينَا نُجُوم طوالع)
ذكرهَا الْحَاكِم هَكَذَا فِي كِتَابه فِي " المناقب "، لَكِن فِيهِ: حَدثنَا أَبُو جَعْفَر الْفَقِيه الْجِرْجَانِيّ، وَقيل: إِنَّه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْجِرْجَانِيّ، وَفِيمَا وَقع إِلَيّ: رَوَاهَا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن ابْن خالويه قَالَ: أَنْشدني ابْن دُرَيْد لنَفسِهِ، وَفِيمَا رُوِيَ من طَرِيقه تفَاوت يسير فِي بَعْضهَا، من ذَلِك:
(تسربل بالتقوى وليدا وناشئا)
وَزِيَادَة بَيت بعد قَوْله: سَلام على قبر وَهُوَ:
(لقد غيبت أَكْفَانه شخص ماجد جليل إِذا الْتفت عَلَيْهِ المجامع)
وَبَيت آخر بعد قَوْله: بطيء عَن الرَّأْي الْمخوف وَهُوَ:
(جرت لبحور الْعلم إِذْ صَار فكره لَهَا مدَدا فِي الْعَالمين ينابع)
[ ١ / ١٣٠ ]