ابْن سُلَيْمَان الزوزني الْحَاكِم البحاث، أحد الْفُقَهَاء المبرزين، الْأَعْيَان المتفننين.
قَالَ الْحَاكِم أَبُو حَفْص المطوعي: إِنَّه تقلد الْقَضَاء فِي كور كَثِيرَة بخراسان وَبِمَا وَرَاء النَّهر، وَإنَّهُ كَانَ بَينه وَبَين الأودني من المنافرة فِي المناظرة مَا يكون بَين الأقران.
وروى أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن المطوعي قَالَ: ذكر أَن تصنيفات القَاضِي أبي جَعْفَر البحاث فِي التَّفْسِير، والْحَدِيث، وَالْفِقْه، وأنواع الْأَدَب، تربي على المئة.
[ ١ / ١٣١ ]
وَقدم أَبُو جَعْفَر البحاث على الصاحب ابْن عباد، فارتضى تصرفه فِي الْعلم، وتفننه فِي أَنْوَاع الْفضل، وَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء على شَرط انتحال مذْهبه - يَعْنِي الاعتزال - وانتحال طَرِيقَته؛ فَامْتنعَ، وَقَالَ: لَا أبيع الدّين بالدنيا، فتمثل لَهُ الصاحب بقول الْقَائِل:
(فَلَا تجعلني للقضاة فريسة فَإِن قُضَاة الْعَالمين لصوص)
(مجَالِسهمْ فِينَا مجَالِس شرطة وأيديهم دون الشصوص شصوص)
فَأَجَابَهُ البحاث بديهة بقوله:
(سوى عصبَة مِنْهُم تخص بعفة وَللَّه فِي حكم الْعُمُوم خُصُوص)
(خصوصهم زَان الْبِلَاد وَإِنَّمَا يزين خَوَاتِيم الْمُلُوك فصوص)
وَله شعر مدون سَائِر.
[ ١ / ١٣٢ ]
قَالَ الشَّيْخ: أنبئت عَن أبي سعد السَّمْعَانِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد الشَّاشِي، أخبرنَا أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن أَحْمد التَّمِيمِي، أخبرنَا الْفَقِيه أَبُو نصر الحفصويي، أخبرنَا الْحَاكِم أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن الْحسن البحاث قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن الْحسن قَالَ: سَمِعت أَبَا عبد الله الْأنْصَارِيّ قَالَ: سَمِعت عمر بن شبه يَقُول: سَمِعت الْأَصْمَعِي يَقُول: لما خرج الرشيد حَاجا، رأى يَوْم خُرُوجه من الْكُوفَة بهلولا الْمَجْنُون على الطَّرِيق يهذي، فَقَالَ لَهُ الرّبيع: أمسك، فقد أقبل أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَأمْسك حَتَّى حَاذَى الهودج، فَقَامَ على قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! سَمِعت أَيمن بن نابل يَقُول: سَمِعت قدامَة بن عبد الله ﵁ يَقُول: رَأَيْت النَّبِي ﷺ على نَاقَته العضباء لَيْسَ هُنَاكَ طرد وَلَا رد، وَلَا إِلَيْك إِلَيْك، وَكَانَ
[ ١ / ١٣٣ ]
خيرا مِنْك، وَإِن تواضعك فِي شرفك أحسن من تكبرك، فَقَالَ: عظنا يَا بهْلُول، فَقَالَ: من آتَاهُ الله مَالا وجمالا وسلطانا، فواسى من مَاله، وعف فِي جماله، وَعدل فِي سُلْطَانه؛ كَانَ فِي ديوَان الله تَعَالَى من المقربين، قَالَ: قد أمرنَا لَك بجائزة، قَالَ: لَا حَاجَة لنا فِي الْجَائِزَة، قَالَ: إِن كَانَ عَلَيْك دين قضيناه عَنْك، قَالَ: إِن الدّين لَا يقْضى بِالدّينِ، فَاقْض دين نَفسك، قَالَ: فَإنَّا نجري عَلَيْك مجْرى، قَالَ: سُبْحَانَ الله، أَنا وَأَنت عَبْدَانِ لله ﷿، ترَاهُ يذكرك وينساني، ثمَّ مر وَهُوَ يترنم، فَبعث خَلفه من يسمع مَا يترنم بِهِ، فَإِذا هُوَ يَقُول:
(دع الْحِرْص على الدُّنْيَا وَفِي الْعَيْش فَلَا تطمع)
(وَلَا تجمع من المَال فَلَا تَدْرِي لمن تجمع)
(وَأمر الرزق مقسوم وَسُوء الظَّن لَا ينفع)
(وَلَا تَدْرِي أَفِي أَرْضك أم فِي غَيرهَا تصرع)
(فَقير من لَهُ حرص غَنِي كل من يقنع)
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي " تَارِيخه لنيسابور ": مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله الزوزني، أَبُو جَعْفَر الأديب، ولي الحكم فِي بِلَاد كَثِيرَة بخراسان، وَكَانَ أَولا يُؤَدب عِنْد أبي إِسْحَاق الْمُزَكي أَوْلَاده، وَهُوَ الْمَعْرُوف ب: البحاث، كَانَ من الفصحاء الشُّعَرَاء، تفقه على مَذْهَب الشَّافِعِي، وَسمع الحَدِيث
[ ١ / ١٣٤ ]
بخراسان بعد الْأَرْبَعين - يَعْنِي: وَثَلَاث مئة - توفّي ببخارى سنة سبعين وَثَلَاث مئة.
سمع مِنْهُ الْحَاكِم.
قَالَ الشَّيْخ: وَهَذَا مَوضِع نظر، يحْتَمل أَن يكون هَذَا الَّذِي ذكره هُوَ الأول، وَوَقع الْوَهم فِي نسبه، وَيحْتَمل أَن يكون غَيره، وَالله أعلم.
[ ١ / ١٣٥ ]