ابْن مُحَمَّد بن زِيَاد بن هَارُون بن جَعْفَر بن سَنَد، أَبُو بكر النقاش الْمُقْرِئ الْمُفَسّر، صَاحب كتاب " شِفَاء الصُّدُور " فِي التَّفْسِير.
موصلي الأَصْل، نزل بَغْدَاد، وَقيل: إِنَّه مولى أبي دُجَانَة الْأنْصَارِيّ.
[ ١ / ١٣٩ ]
قَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ: كَانَ عَالما بحروف الْقُرْآن، حَافِظًا للتفسير، وَله تصانيف فِي الْقرَاءَات وَغَيرهَا من الْعُلُوم.
وَكَانَ سَافر الْكثير شرقا وغربا، وَكتب بِالْكُوفَةِ، وَالْبَصْرَة، وَمَكَّة، ومصر، وَالشَّام، والجزيرة، والموصل، وَالْجِبَال، وببلاد خُرَاسَان، وَمَا وَرَاء النَّهر.
وَحدث عَن: إِسْحَاق بن سِنِين الْخُتلِي، وَأبي مُسلم الْكَجِّي، وَمُحَمّد بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ، وَمُحَمّد بن عَليّ بن زيد الصَّائِغ الْمَكِّيّ، وَالْحسن بن سُفْيَان النسوي، وَخلق يطول ذكرهم.
روى عَنهُ: أَبُو بكر ابْن مُجَاهِد، وجعفر الْخُلْدِيِّ، وَأَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو حَفْص ابْن شاهين، وَآخَرُونَ.
قَالَ الْخَطِيب: وَفِي حَدِيثه مَنَاكِير بأسانيد مَشْهُورَة.
[ ١ / ١٤٠ ]
قَالَ الْخَطِيب: حَدثنِي عبيد الله ابْن أبي الْفَتْح، عَن طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر أَنه ذكر النقاش، فَقَالَ: كَانَ يكذب فِي الحَدِيث، وَالْغَالِب عَلَيْهِ الْقَصَص.
قَالَ الْخَطِيب: وَسَأَلت البرقاني عَن النقاش فَقَالَ: كل حَدِيثه مُنكر
قَالَ: وحَدثني من سمع أَبَا بكر ذكر " تَفْسِير " النقاش، فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيث صَحِيح.
قَالَ: وحَدثني مُحَمَّد بن يحيى الْكرْمَانِي قَالَ: سَمِعت هبة الله بن الْحسن الطَّبَرِيّ ذكر " تَفْسِير " النقاش، فَقَالَ: ذَاك إشفى الصُّدُور، وَلَيْسَ بشفاء الصُّدُور.
[ ١ / ١٤١ ]
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين؛ صَاحب هَذَا الْكتاب: النقاش - ﵀ - معزى بالغرائب، مكثر من رِوَايَة الْمَنَاكِير، وَلَا يتَجَاوَز أمره إِلَى التَّكْذِيب، وَمَا ذَكرْنَاهُ عَن الْحفاظ كالبرقاني، وَهبة الله الطَّبَرِيّ اللالكائي، والخطيب، لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيب، وَلَيْسَ فِيهِ أَكثر من أَن نسبوه إِلَى رِوَايَة الْمَنَاكِير وَمَا لَا يثبت، وعنها وَقع الذَّم ل " تَفْسِيره ".
وَقد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ حديثين بَين بطلانهما، وَلم يزدْ على وَصفه بالوهم والتوهم.
وَأما طَلْحَة بن مُحَمَّد فمعتزلي دَاعِيَة مَجْرُوح، حكى ذَلِك الْخَطِيب، وَذكر عَن الْأَزْهَرِي - وَهُوَ عبيد الله بن أبي الْفَتْح - أَنه قَالَ فِيهِ: ضَعِيف فِي رِوَايَته وَفِي مذْهبه، فَكيف يرجع إِلَيْهِ فِي مثل هَذَا ويعتمد؟ لَا سِيمَا فِي مثل النقاش على جلالته وشهرته بَين أهل الْقُرْآن بِمَا يُوجب طَهَارَة ساحته، وَالله أعلم.
قَالَ الْخَطِيب: سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن ابْن الْفضل الْقطَّان يَقُول:
[ ١ / ١٤٢ ]
حضرت أَبَا بكر النقاش وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ يَوْم الثُّلَاثَاء لثلاث خلون من شَوَّال سنة إِحْدَى وَخمسين وَثَلَاث مئة، فَجعل يُحَرك شَفَتَيْه بِشَيْء لَا أعلم مَا هُوَ، ثمَّ نَادَى بعلو صَوته: ﴿لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، يُرَدِّدهَا ثَلَاثًا، ثمَّ خرجت نَفسه.
وَذكر ابْن أبي الفوارس أَن مولد النقاش سنة سِتّ وَسِتِّينَ ومئتين، وَدفن فِي دَاره بِبَغْدَاد.
وَقَالَ النقاش: حدثت عَن الْمَدَائِنِي قَالَ: قَرَأَ إِمَام بِقوم سُورَة الْحَمد، فَقَالَ: وَلَا الظالين، بالظاء، فرفسه رجل من خَلفه، فَقَالَ الإِمَام: أوه ضهري، فَقَالَ لَهُ الرجل: يَا كَذَا وَكَذَا! خُذ الضَّاد من ظهرك، فاجعلها فِي الضَّالّين، وَأَنت فِي عَافِيَة.
وروى الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ عَن النقاش أَن مُحَمَّد بن عَليّ الصَّائِغ أخْبرهُم قَالَ: أَخْبرنِي يحيى بن معِين قَالَ: كنت عِنْد أبي يُوسُف، وَعِنْده جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث وَغَيرهم، فوافته هَدِيَّة من أم جَعْفَر احتوت على تخوت دبيقي، ومصمت، وَشرب، وتماثيل ند، وَغير ذَلِك، فذاكرني رجل بِحَدِيث
[ ١ / ١٤٣ ]
النَّبِي ﷺ: " من أَتَتْهُ هَدِيَّة وَعِنْده قوم جُلُوس فهم شركاؤه فِيهَا "، فَسَمعهُ أَبُو يُوسُف فَقَالَ: أبي تعرض؟ إِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ: " والهدايا: الأقط، وَالسمن، وَالزَّبِيب "، وَلم تكن الْهَدَايَا مَا ترَوْنَ، يَا غُلَام، شل إِلَى الخزائن.
وَفِيمَا روى بِخَط أبي الْقَاسِم ابْن الدبثائي الْأَزْهَرِي قَالَ: قَرَأت على أبي عَليّ ابْن حمكان الشَّافِعِي، حَدثنِي عَليّ بن أَحْمد بن قُرْقُور التمار، وَمُحَمّد بن الْحسن قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ الصَّائِغ بِمَكَّة قَالَ: سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول: مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي فِي النَّاس بِمَنْزِلَة الْعَافِيَة لِلْخلقِ، وَالشَّمْس للدنيا، جزاه الله عَن الْإِسْلَام وَعَن نبيه مُحَمَّد ﷺ خيرا.
وَهَذَا من أحسن مَا ينْقل عَن ابْن معِين فِي رُجُوعه للشَّافِعِيّ.
وَبِالْإِسْنَادِ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن إِدْرِيس بهراة، حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ: قَالَ لنا الشَّافِعِي: دهمني فِي هَذِه الْأَيَّام أَمر أمضني وآلمني، وَلم يطلع عَلَيْهِ غير الله، فَلَمَّا كَانَ البارحة أَتَانِي
[ ١ / ١٤٤ ]
آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس! قل: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أملك لنَفْسي ضرا وَلَا نفعا، وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا، وَلَا أَسْتَطِيع أَن آخذ إِلَّا مَا أَعْطَيْتنِي، وَلَا أتقي إِلَّا مَا وقيتني، اللَّهُمَّ فوفقني لما تحب وترضى من القَوْل وَالْعَمَل فِي عَافِيَة، فَلَمَّا أَن أَصبَحت أعدت ذَلِك، فَلَمَّا ترحل النَّهَار أَعْطَانِي الله طلبتي، وَسَهل لي الْخَلَاص مِمَّا كنت فِيهِ، فَعَلَيْكُم بِهَذِهِ الدَّعْوَات فَلَا تغفلوا عَنْهَا.
وَبِه: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن النقاش، حَدثنَا أَبُو نعيم عبد الْملك بن مُحَمَّد، حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ: نَاظر رجل الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة فدقق، وَالشَّافِعِيّ ثَابت يُجيب ويصيب، فَعدل الرجل إِلَى الْكَلَام فِي مناظرته، فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: هَذَا غير مَا نَحن فِيهِ، هَذَا كَلَام، لست أَقُول بالْكلَام، وَاحِدَة، وَأُخْرَى لَيست الْمَسْأَلَة مُتَعَلقَة بِهِ، ثمَّ أنشأ الشَّافِعِي ﵁ يَقُول:
(مَتى مَا تقد بِالْبَاطِلِ الْحق يأبه وَإِن قدت بِالْحَقِّ الرواسِي تنقد)
(إِذا مَا أتيت الْأَمر من غير بَابه ضللت وَإِن تقصد إِلَى الْبَاب تهتد)
فَدَنَا مِنْهُ الرجل وَقبل يَده.
وَبِه: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن الْمُقْرِئ، حَدثنَا أَبُو نعيم، حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: رَأس التوقي ترك الإفراط فِي التوقي.
قَالَ النقاش: صدق الشَّافِعِي، لِأَن الإفراط هُوَ مُجَاوزَة الْحق فِي مِقْدَار الْمصلحَة، وَالله أعلم.
[ ١ / ١٤٥ ]