الضَّبِّيّ، أَبُو عبد الله.
أَقَامَ بشيراز.
قَالَ ابْن خَمِيس: كَانَ شيخ الْمَشَايِخ وأوحدهم فِي وقته، عَالما بعلوم الظَّاهِر والحقائق، حسن الْأَحْوَال فِي المقامات وَالْأَفْعَال، جميل الْأَخْلَاق والأعمال.
وَذكره صَاحبه أَبُو الْعَبَّاس النسوي، وَقَالَ: بلغ مَا لم يبلغهُ أحد، فِي الْعلم، والخلق، والجاه، عِنْد الْخَاص وَالْعَام، وَصَارَ أوحد زَمَانه، مَقْصُودا من الْآفَاق، مُفِيدا فِي كل نوع من الْعُلُوم، مُبَارَكًا على من يَقْصِدهُ، رَفِيقًا بمريديه، يبلغ كَلَامه مُرَاده.
[ ١ / ١٥٤ ]
قَالَ: وصنف من الْكتب مَا لم يصنفه أحد، وانتفع بِهِ جمَاعَة حَتَّى صَارُوا أَئِمَّة يقْتَدى بهم، وَعمر حَتَّى عَم نَفعه الْبلدَانِ.
وَكَانَت لَهُ أسفار وبدايات ورياضات، وَلَقي الشُّيُوخ والزهاد والنساك، وَدخل الْعرَاق، وَلَقي بهَا رويما، وَابْن عَطاء، والجريري، وعاشر بِمَكَّة الكتاني والمزين، وأقرانهما.
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح عبد الرَّحِيم بن أَحْمد - خَادِم ابْن خَفِيف صَالح فَاضل -: سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف يَقُول: سَأَلنَا يَوْمًا القَاضِي أَبُو الْعَبَّاس ابْن سُرَيج بشيراز، وَكُنَّا نحضر مَجْلِسه لدرس الْفِقْه، فَقَالَ لنا: محبَّة الله فرض أَو غير فرض؟
قُلْنَا: فرض.
قَالَ: مَا الدّلَالَة على فَرضهَا؟ فَمَا فِينَا من أَتَى بِشَيْء فَقبل، فرجعنا إِلَيْهِ وسألناه الدَّلِيل على فرض محبَّة الله ﷿، فَقَالَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ [التَّوْبَة: ٢٤] .
قَالَ: فتواعدهم الله ﷿ على تَفْضِيل محبتهم لغيره على محبته
[ ١ / ١٥٥ ]
ومحبة رَسُوله، والوعيد لَا يَقع إِلَّا على فرض لَازم، وحتم وَاجِب.
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح أَيْضا: سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الله يَقُول: مَا سَمِعت شَيْئا من سنَن النَّبِي ﷺ إِلَّا استعملته، حَتَّى الصَّلَاة على أَطْرَاف الْأَصَابِع، وَهُوَ صَعب.
وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ فِي ابْن خَفِيف: هُوَ من أعلم الْمَشَايِخ بعلوم الشَّرِيعَة من الْكتاب وَالسّنة، وَهُوَ فَقِيه على مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقَالَ أَبُو عبد الله ابْن خَفِيف: سَمِعت أَبَا بكر الكتاني يَقُول: سَافَرت أَنا وَالْعَبَّاس بن الْمُهْتَدي، وَأَبُو سعيد الخراز فِي بعض السنين، وضللنا فِي بعض الطَّرِيق، والتقينا بحيرة، فَبينا نَحن كَذَلِك إِذا بشاب قد أقبل وَفِي يَده محبرة، وعَلى عُنُقه مخلاة فِيهَا كتب، فَقُلْنَا لَهُ: يَا فَتى! كَيفَ الطَّرِيق؟ فَقَالَ لنا: الطَّرِيق طَرِيقَانِ، فَمَا أَنْتُم عَلَيْهِ فطريق الْعَامَّة، وَمَا أَنا عَلَيْهِ
[ ١ / ١٥٦ ]
الْخَاصَّة، وَوضع رجله فِي الْبَحْر وعبره، قَالَ: فتبنا إِلَى الله ﷿ أَن ننكر بعد ذَلِك أحدا من أهل الْعلم.
[ ١ / ١٥٧ ]