ابْن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن هَارُون بن مُوسَى بن عِيسَى، أَبُو سهل الصعلوكي، الْحَنَفِيّ نسبا، الْعجلِيّ، الشَّافِعِي مذهبا.
أحد أَئِمَّة وقته فِي عُلُوم، مُتَّفق على تقدمه وجلالته.
ذكره أَبُو الْعَبَّاس النسوي الصُّوفِي، وَحكى أَنه كَانَ يقدم فِي عُلُوم الصُّوفِيَّة، وَيتَكَلَّم فِيهَا بِأَحْسَن كَلَام.
وَصَحب من أئمتهم: المرتعش، والشبلي، وَأَبا عَليّ الثَّقَفِيّ، وَغَيرهم.
قَالَ: وَكَانَ حسن السماع.
[ ١ / ١٥٨ ]
قَالَ السّلمِيّ: وَقَالَ لي يَوْمًا: عقوق الْوَالِدين يمحوها التَّوْبَة، وعقوق الأستاذين لَا يمحوها شَيْء الْبَتَّةَ.
وَقَالَ السّلمِيّ: سَمِعت الشَّيْخ أَبَا سهل الصعلوكي يَقُول: أَقمت بِبَغْدَاد سبع سِنِين، مَا مرت بِي جُمُعَة إِلَّا ولي على الشبلي وَقْفَة أَو سُؤال. وسمعته يَقُول: دخل الشبلي على أبي إِسْحَاق الْمروزِي، فرآني عِنْده، فَقَالَ: ذَا الْمَجْنُون من أَصْحَابك؟ لَا، بل من أَصْحَابنَا.
وَذكره الْحَاكِم فَقَالَ: الإِمَام الْهمام، أَبُو سهل الصعلوكي الْفَقِيه الأديب اللّغَوِيّ النَّحْوِيّ الْمُتَكَلّم الْمُفَسّر الْمُفْتِي الصُّوفِي الْكَاتِب الشَّاعِر الْعَرُوضِي، حبر زَمَانه، وَبَقِيَّة أقرانه.
وَحكى أَنه سمع الحَدِيث أول سمعة سنة خمس وَثَلَاث مئة، وأحضر للتفقه مجْلِس أبي عَليّ الثَّقَفِيّ سنة ثَلَاث عشرَة وَثَلَاث مئة، وَكَانَ عَمه أَبُو الطّيب أَحْمد بن سُلَيْمَان يمنعهُ عَن الِاخْتِلَاف إِلَّا إِلَى أبي بكر ابْن خُزَيْمَة وَأَصْحَابه، فَلَمَّا توفّي أَبُو بكر طلب الْفِقْه، وتبحر فِي الْعُلُوم قبل خُرُوجه
[ ١ / ١٥٩ ]
إِلَى الْعرَاق بسنين، فَإِنَّهُ نَاظر فِي مجْلِس الْوَزير أبي الْفضل البلعمي سنة تسع عشرَة وَثَلَاث مئة، وَهُوَ إِذْ ذَاك يقدم فِي الْمجْلس، ويستعظم البلعمي كَلَامه، ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَثَلَاث مئة، وَهُوَ أوحد بَين أَصْحَابه، ثمَّ دخل الْبَصْرَة ودرس بهَا سِنِين، ثمَّ استدعي إِلَى أَصْبَهَان ونزلها سِنِين، فَلَمَّا نعي إِلَيْهِ عَمه أَبُو الطّيب علم أَن أهل أَصْبَهَان، لَا يخلونه ينْصَرف، فَخرج مِنْهَا مختفيا مِنْهُم، وَورد نيسابور فِي رَجَب سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة، وَهُوَ على الرُّجُوع إِلَى أَهله وَولده ومستقره من أَصْبَهَان، وَلما وردهَا جلس لمأتم عَمه أَيَّامًا ثَلَاثَة، فَكَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر ابْن إِسْحَاق على قلَّة حركته وقعوده عَن قَضَاء الْحُقُوق يحضرهُ كل يَوْم، فيقعد مَعَه، وَكَذَلِكَ كل رَئِيس ومرؤوس وقاض ومفت من الْفَرِيقَيْنِ، فَلَمَّا انْقَضتْ أَيَّام العزاء عقدوا لَهُ الْمجْلس غَدَاة يَوْم للتدريس، وَبَين العشاءين للإلقاء، وَعَشِيَّة الْأَرْبَعَاء للنَّظَر، واستقرت بِهِ الدَّار، وَلم يبْق فِي الْبَلَد مُوَافق وَلَا مُخَالف إِلَّا وَهُوَ مقرّ لَهُ بِالْفَضْلِ والتقدم.
وحضره الْمَشَايِخ مرّة بعد أُخْرَى يسألونه نقل من خلف وَرَاءه بأصبهان،
[ ١ / ١٦٠ ]
فَأجَاب إِلَى ذَلِك، وَرَأس أَصْحَابه بنيسابور اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة. " سمع الحَدِيث بخراسان من: الإِمَام أبي بكر ابْن خُزَيْمَة، وَأبي الْعَبَّاس الثَّقَفِيّ، والماسرجي، والأزهري، وَأبي قُرَيْش الْحَافِظ، وأقرانهم.
وبالري: من أبي مُحَمَّد ابْن أبي حَاتِم، وأقرانه.
وبالعراق: من أبي عبد الله الْمحَامِلِي، وأقرانه.
قَالَ الْحَاكِم: أظنني أول من كتب عَنهُ الحَدِيث، فَإِنِّي سَمِعت الْأُسْتَاذ يَقُول عِنْد وُرُوده فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ: كنت أَمْشِي مَعَ عمي، فَلَمَّا وردنا بَاب عزْرَة استقبلنا أَبُو الْعَبَّاس السراج، فَسلم عَلَيْهِ عمي، ثمَّ قَالَ " يَا أَبَا الْعَبَّاس ابْن أخي، فَرَحَّبَ بِي أَبُو الْعَبَّاس، ودعا لي، فَقَالَ لي عمي: يَا أَبَا الْعَبَّاس! حَدثهُ بِحَدِيث، فَقَالَ:
حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان، عَن ثَابت، عَن أنس؛ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يدّخر شَيْئا لغد.
حَدثنِي بِهِ وَهُوَ قَائِم، وَذَلِكَ سنة خمس وَثَلَاث مئة، ثمَّ إِن الاستاذ
[ ١ / ١٦١ ]
سُئِلَ التحديث غير مرّة، فَامْتنعَ أَشد الِامْتِنَاع إِلَى غرَّة رَجَب من سنة خمس وَسِتِّينَ وَثَلَاث مئة، فَإِنَّهُ أجَاب إِلَى الْإِمْلَاء، وَقعد للتحديث، وَحدث.
قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى غير مرّة، وَهُوَ يعوذ الْأُسْتَاذ أَبَا سهل، وينفث على دُعَائِهِ، وَيَقُول: بَارك الله فِيك، لَا أَصَابَك الْعين. هَذَا فِي مجَالِس النّظر عَشِيَّة السبت للْكَلَام، وَعَشِيَّة الثُّلَاثَاء للفقه.
سَمِعت أَبَا عَليّ الإسفرايني يَقُول: سَمِعت الْمروزِي يَقُول: ذهبت الْفَائِدَة من مَجْلِسنَا بعد خُرُوج أبي سهل النَّيْسَابُورِي.
سَمِعت أَبَا الطَّاهِر الْأنمَاطِي الْفَقِيه بِالريِّ يَقُول: سَمِعت الصاحب أَبَا الْقَاسِم يَقُول: إِذا فَكرت فِي مَسْأَلَة التَّكْلِيف نقض عَليّ خلق أبي سهل، فَإِنِّي أعلم أَنه لَا يرى مثله، وَلَا رأى هُوَ مثل نَفسه.
سَمِعت أَبَا مَنْصُور الْفَقِيه يَقُول: سُئِلَ أَبُو الْوَلِيد عَن أبي بكر الْقفال وَأبي سهل، أَيهمَا أرجح؟ فَقَالَ: وَمن يقدر أَن يكون مثل أبي سهل؟
[ ١ / ١٦٢ ]
سَمِعت أَبَا الْفضل ابْن يَعْقُوب يَقُول: سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن أَحْمد السوجردي يَقُول: كنت فِي حَلقَة أبي بكر الشَّافِعِي الصَّيْرَفِي فَسَمعته يَقُول: خرج الصعلوكي إِلَى خُرَاسَان، وَلم ير أهل خُرَاسَان مثله.
توفّي الْأُسْتَاذ أَبُو سهل فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَلَاث مئة، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسبعين وَأشهر، وَخرج السُّلْطَان فِي جنَازَته بِنَفسِهِ، فَقدم ابْنه الْفَقِيه أَبَا الطّيب فصلى عَلَيْهِ، وَدفن فِي الْمجْلس الَّذِي كَانَ يدرس فِيهِ. قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا سهل، وَقد دفع إِلَيْهِ ورقه فِيهَا مَسْأَلَة، فَلَمَّا قَرَأَهَا لنَفسِهِ قَرَأَهَا علينا، فَإِذا فِيهَا:
(تمنيت شهر الصَّوْم لَا لعبادة وَلَكِن رَجَاء أَن أرى لَيْلَة الْقدر)
(فأدعو إِلَه النَّاس دَعْوَة عاشق عَسى أَن يرِيح العاشقين من الهجر)
فَطلب الْأُسْتَاذ قَلما، وَكتب فِي الْوَقْت فِي آخرهَا:
(تمنيت مَا لَو نلته فسد الْهوى وَحل بِهِ للحين قاصمة الظّهْر)
(فَمَا فِي الْهوى طيب وَلَا لَذَّة سوى معاناة مَا فِيهِ يقاسى من الهجر)
[ ١ / ١٦٣ ]
روى الْحَاكِم الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين عَن الزبير، عَن عَمه مُصعب وَقَالَ: دَعْوَة مخلص
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي: سَمِعت الإِمَام أَبَا بكر ابْن فورك يَقُول: سُئِلَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل الصعلوكي ﵀ عَن جَوَاز رُؤْيَة الله من طَرِيق الْعقل، فَقَالَ: الدَّلِيل عَلَيْهِ شوق الْمُؤمنِينَ إِلَى لِقَائِه، والشوق إِرَادَة مفرطة، والإرادة لَا تتَعَلَّق بالمحال. فَقَالَ السَّائِل: وَمن الَّذِي يشتاق إِلَى لِقَائِه؟ فَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل: يشتاق إِلَيْهِ كل حر مُؤمن، فَأَما من كَانَ مثلك فَلَا يشتاق.
[ ١ / ١٦٤ ]