ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عصم بن بِلَال بن عصم، أَبُو عبد الله ابْن أبي ذهل الضَّبِّيّ من أنفسهم، الْهَرَوِيّ، وَيعرف ب: العصمي؛ بِالْعينِ المضمومة الْمُهْملَة، وَالصَّاد الساكنة الْمُهْملَة.
كَانَ - ﵀ - رَئِيسا، كثير المحاسن، صَدرا، عَالما، مَعْرُوف المزاين.
حدث بنيسابور وبغداد وَغَيرهمَا.
سمع الحَدِيث بهراة من: أبي الْحسن مُحَمَّد بن عبد الله المخلدي، هروي، وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن معَاذ الْمَالِينِي، وحاتم بن مَحْبُوب الشَّامي، وأقرانه، وَأول سَمَاعه بهَا سنة تسع وَثَلَاث مئة.
ثمَّ ورد نيسابور فَسمع بهَا: أَبَا حَامِد ابْن الشَّرْقِي، وَأَبا عَمْرو
[ ١ / ١٦٩ ]
الْحِيرِي، ومكي بن عَبْدَانِ، وأقرانهم.
وَسمع بِالريِّ: ابْن أبي حَاتِم وَغَيره، وببغداد أَبَا مُحَمَّد ابْن صاعد، وَنَحْوه. وصادف الْبَغَوِيّ ابْن منيع فِي عِلّة الْمَوْت فَلم يسمع مِنْهُ.
روى عَنهُ: الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو الْحُسَيْن الْحَجَّاجِي، وَابْن أبي الفوارس، وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم، وَالْبرْقَانِي؛ الْحَافِظ، وَغَيرهم.
قَالَ الْخَطِيب: حدثت عَن أبي عبد الله العصمي قَالَ: ولدت سنة أَربع وَتِسْعين ومئتين، وَكتب عني الحَدِيث سنة عشْرين وَثَلَاث مئة إملاء، وَقد توفّي جمَاعَة من أَئِمَّة الْعلم حدثوا عني، وأودعوها مصنفاتهم.
وَذكر نَحوه الْحَاكِم فِي " تَارِيخه " وَقَالَ: كَانَ يعاشر الصَّالِحين، وأماثل الْفُقَهَاء من أَئِمَّة الدّين، ويفضل عَلَيْهِم إفضالا يبين أَثَره أَنه كَانَ يضْرب لَهُ دَنَانِير، وزن الدِّينَار مِنْهَا مِثْقَال وَنصف أَو أَكثر، فَيتَصَدَّق بهَا، وَيَقُول: إِنِّي لأفرح إِذا ناولت فَقِيرا كاغدة، فيتوهم أَنه فضَّة، فَإِذا فَتحه فَرَأى صفرته فَرح، ثمَّ إِذا وَزنه فَزَاد على المثقال خرج أَيْضا.
قَالَ الْخَطِيب: كَانَ العصمي ثبتا، ثِقَة، نبيلا، رَئِيسا جَلِيلًا، من ذَوي
[ ١ / ١٧٠ ]
الأقدار الْعَالِيَة، وَله إفضال بَين على الصَّالِحين وَالْفُقَهَاء والمستورين.
وَذكر الْحَاكِم عَنهُ أَنه لم يدْخل دَاره قطّ عشر غلاته، بل كَانَت أعشارها تقدر عِنْد الْكَيْل، ثمَّ تحمل إِلَى أهل الْعلم والمستورين.
قَالَ: وحَدثني جمَاعَة من أهل الْعلم من أهل هراة أَن أَكثر المتحملين من أهل الْعلم بهَا يتقوتون بأعشاره طول السّنة.
وَقَالَ أَيْضا: لقد صَحِبت أَبَا عبد الله فِي السّفر والحضر، فَمَا رَأَيْت أحسن وضُوءًا وَصَلَاة مِنْهُ، وَلَا رَأَيْت فِي مَشَايِخنَا أحسن تضرعا وابتهالا فِي دعواته مِنْهُ، لقد كنت أرَاهُ يرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، فيمدها مدا كَأَنَّهُ يَأْخُذ شَيْئا من أَعلَى مُصَلَّاهُ.
وَقَالَ: سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْحسن البوشنجي ﵀ غير مرّة يَقُول: من نعْمَة الله على أهل تِلْكَ الديار بهراة وبوشنج، مَكَان أبي عبد الله ابْن أبي ذهل على مَا وَفقه الله تَعَالَى من حسن العقيدة، وطهارة الْأَخْلَاق، وسخاء النَّفس، وَالْإِحْسَان إِلَى الْفُقَرَاء، والتواضع لَهُم، ثمَّ يَدْعُو لَهُ
وَقَالَ: سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الثَّقَفِيّ يَقُول: لما ورد أَبُو عبد الله ابْن
[ ١ / ١٧١ ]
أبي ذهل نيسابور كَانَ يديم الِاخْتِلَاف إِلَى جدي، فَقَالَ لنا جدي ﵀: هَذَا الْفَتى يجمع إِلَى زِينَة الْعلم التَّمَكُّن فِي الْعقل، وعلو الهمة، والسياسة، وسيكون لَهُ بَعدنَا شَأْن، هَذَا أَو نَحوه.
وَقَالَ: سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام أَبَا بكر ابْن إِسْحَاق غير مرّة يَقُول: إِذا ذكر الرِّئَاسَة بخراسان رئيسان وَنصف: أَبُو بكر ابْن أبي الْحسن بنسا، وَأَبُو عبد الله ابْن أبي ذهل بهراة، وَيُشِير بِالنِّصْفِ إِلَى أبي الْفضل ابْن أبي النَّضر.
قَالَ الْخَطِيب: سَمِعت أَبَا بكر البرقاني يَقُول: حَدثنَا الرئيس أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس العصمي، وَكَانَ تلِيق بِهِ الرِّئَاسَة لِأَن ملك هراة كَانَ تَحت أمره لأبوته وَقدره.
وَحكى الْحَاكِم أَن أَبَا جَعْفَر الْعُتْبِي وَزِير السُّلْطَان ألزم أَبَا عبد الله عَن أَمر السُّلْطَان أَن يتقلد ديوَان الرسائل، فَامْتنعَ، فَقَالَ لَهُ: هَذَا قَضَاء الْقُضَاة بكور خُرَاسَان، وَلَا تخرج عَن حد الْعلم، وَلَو عرفت الْيَوْم فِي مَشَايِخ خُرَاسَان من يدانيك فِي شمائلك لأعفيتك. فَبكى أَبُو عبد الله، وَقَالَ لَهُ: إِن أعفاني السُّلْطَان عَن هَذَا الْعَمَل فبفضله عَليّ وعَلى أَصْحَابِي بهراة، وَإِن أكرهني عَلَيْهِ لبست مرقعة، وَخرجت على وَجْهي حَتَّى لَا يعلم بمكاني أحد. فأعفي.
وَحكى أَنه ﵁ اسْتشْهد برستاق خواف من نيسابور، لتسْع بَقينَ من صفر، سنة ثَمَان وَسبعين وَثَلَاث مئة.
[ ١ / ١٧٢ ]
قَالَ: فَأَخْبرنِي من صَحبه أَنه دخل الْحمام، فَلَمَّا خرج ألبس قَمِيصًا مُلَطَّخًا، فانتفخ، فَلَمَّا أحس بِالْمَوْتِ دَعَا بالدواة، فَكتب ملطفة شاع ذكرهَا فِي بِلَاد خُرَاسَان، وَأوصى أَن يحمل تابوته إِلَى هراة، فَنقل إِلَيْهَا وَدفن بهَا رَحمَه الله تَعَالَى.
[ ١ / ١٧٣ ]