أَبُو عبد الله الفراوي ثمَّ النَّيْسَابُورِي الملقب ب: فَقِيه الْحرم.
من تلامذة إِمَام الْحَرَمَيْنِ.
سمع فَقِيه الْحرم بنيسابور جمَاعَة جمة، من جلة الْأَعْيَان وَالْأَئِمَّة، مِنْهُم: شيخ الْإِسْلَام أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي، وَأَبُو حَفْص ابْن مسرور الزَّاهِد، وَالْإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الصفار، وَأَبُو عُثْمَان سعيد الْعيار، وَسَعِيد الْبُحَيْرِي، وَأَبُو سعد الجنزروذي، وَأَبُو سعيد الخشاب، وَالْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ، وَأَبُو بكر ابْن أبي عَاصِم الْعمريّ الْهَرَوِيّ، والأستاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي، وَأَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وجده، وَأَبوهُ، وَمن لَا نحصيه كَثْرَة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وَحج، فَسمع بِبَغْدَاد من: أبي نصر الزَّيْنَبِي، وَأبي الْحُسَيْن عَاصِم.
وَسمع بِالْمَدِينَةِ - حرسها الله - من أبي نصر ابْن ودعان قَاضِي الْموصل.
وَكَانَ يروي كتبا كَثِيرَة بِنَصّ من الثبت.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو سعد الْمروزِي: سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل الفراوي يَقُول: كُنَّا نسْمع (مُسْند) أبي عوانه الإِسْفِرَايِينِيّ من الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي، وَكَانَ يحضر مَعنا رجل من المحتشمين، عَلَيْهِ ثِيَاب رفيعة، وَكَانَ يقْعد بِجنب الْأُسْتَاذ، وَكَانَ وَالِدي يتَوَلَّى الْقِرَاءَة على الْأُسْتَاذ الإِمَام، وَيقْعد بَين يَدَيْهِ، ويقعدني بجنبه، وَمَا كَانَ يتركني أَن ألتفت يمنة ويسرة، وَاتفقَ بعد قِرَاءَة جملَة من الْكتاب أَنه انْقَطع ذَلِك المحتشم عَن الْمجْلس يَوْمًا لعَارض، وَخرج الْأُسْتَاذ على الْعَادة، وَقعد، وَكَانَ فِي أَكثر الْأَوْقَات يخرج وَعَلِيهِ قَمِيص أسود خشن، وعمامة صَغِيرَة، وَكنت أَظن أَن وَالِدي يقْرَأ الْكتاب على ذَلِك المحتشم الَّذِي عَلَيْهِ البزة الْحَسَنَة، فاليوم الَّذِي انْقَطع فِيهِ شرع وَالِدي فِي الْقِرَاءَة على الْعَادة، فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي ﴿على من نَقْرَأ الحَدِيث وَالشَّيْخ مَا حضر؟ فَقَالَ: وكأنك كنت تظن أَن شيخك ذَاك الشَّخْص الَّذِي غَابَ، وَأَنِّي كنت أَقرَأ عَلَيْهِ الْكتاب؟ قلت: بلَى، فَضَاقَ صَدره، وَقَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، يَا بني﴾ شيخك هَذَا الْقَاعِد، وَأَشَارَ إِلَى الْأُسْتَاذ، وَعلم الْموضع، وَأعَاد لي من أول الْكتاب إِلَى الْموضع، وَقَالَ: مَا لم تعرف شيخك لَا يجوز لَك أَن تروي عَنهُ.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ثمَّ قَالَ: كَذَا كَانَ وَالِدي ﵀ يسمعني من الشُّيُوخ.
قَالَ أَبُو سعد: وَكَانَ لَهُ مجْلِس الْإِمْلَاء كل أحد بعد الْعَصْر فِي مَسْجِد الْمُطَرز، وَلَعَلَّه أمْلى أَكثر من ألف مجْلِس، وَمَا ترك الْإِمْلَاء إِلَى أَن مَاتَ.
توفّي - ﵀ - يَوْم الْخَمِيس الْحَادِي وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ثَلَاثِينَ وَخمْس مئة، وَدفن عِنْد قبر الإِمَام مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة
قَالَ أَبُو سعد: أذكر أَنا فِي شهر رَمَضَان سنة ثَلَاثِينَ، حملنَا محفته على رقابنا إِلَى قبر مُسلم بن الْحجَّاج بنصراباذ لإتمام " الصَّحِيح " عِنْد قبر المُصَنّف، فَبعد أَن فرغ الْقَارئ من قِرَاءَة الْكتاب بَكَى، ودعا، وأبكى الْحَاضِرين، وَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا الْكتاب لَا يقْرَأ عَليّ بعد هَذَا، قَالَ: وَمَا قرئَ عَلَيْهِ بعد ذَلِك كَمَا جرى على لِسَانه رَحمَه الله تَعَالَى.
[ ١ / ٢٣٩ ]