ابْن بكران بن عبد الصَّمد بن سُلَيْمَان الْحَمَوِيّ القَاضِي، أَبُو بكر الشَّامي، من أهل حماة: بَلْدَة بِالشَّام مَعْرُوفَة.
يعرف ب: قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي.
ذكره أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ بِمَا تحريره: أَنه كَانَ أحد الْعلمَاء المتوحدين فِي مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀، وَكَانَ ذَا مقامات فِي النّظر، مطلعا على أسرار الْفِقْه ومكنونه، كَبِيرا فِي الْوَرع والزهادة وَالتَّقوى وَالْعِبَادَة، صينا، نزها، حسن الطَّرِيقَة، خشنها، جرت أُمُوره فِي أَحْكَامه على السداد والإصابة.
ولي قَضَاء الْقُضَاة بِبَغْدَاد بعد وَفَاة أبي عبد الله الدَّامغَانِي الْحَنَفِيّ يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبع مئة، فَلم يزل على قَضَائِهِ مُسْتَقِيم الْأَمر فِيهِ، إِلَى أَن تنكر لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُقْتَدِي لأمر الله
[ ١ / ٢٦٨ ]
لشَيْء بلغه عَنهُ، فَمنع الشُّهُود من إتْيَان مَجْلِسه وقطعهم عَنهُ مُدَّة، فَكَانَ فِي تِلْكَ الْمدَّة يَقُول: أَنا لَا أنعزل مَا لم يحققوا عَليّ الْفسق، ثمَّ صلح لَهُ رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَخلع عَلَيْهِ، وَأعَاد الشُّهُود إِلَى مَجْلِسه بأجمعهم، واستقامت أُمُوره كَمَا كَانَت أَولا، وَذَلِكَ فِي آخر شهر رَمَضَان سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة، وَبَقِي على قَضَاء الْقُضَاة إِلَى أَن توفّي عَاشر شعْبَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة، وَدفن فِي تربة لَهُ عِنْد قبر أبي الْعَبَّاس ابْن سُرَيج الإِمَام، على بَاب قطيعة الْفُقَهَاء من كرخ بَغْدَاد، وَسُئِلَ عَن مولده فَقَالَ: ولدت سنة أَربع مئة بحماة، وَدخلت بَغْدَاد سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبع مئة، وَسمع الحَدِيث من: أبي الْقَاسِم ابْن بَشرَان، وَأبي عَمْرو العلاف، وَأبي الْحسن العتيقي، وَأبي مُحَمَّد الْخلال، وَأبي طَالب ابْن غيلَان، وَأبي مُحَمَّد الْجَوْهَرِي، وَغَيرهم.
روى عَنهُ كَثِيرُونَ، مِنْهُم: أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل الْحَافِظ الْأَصْبَهَانِيّ، وَالْقَاضِي أَبُو عبد الله ابْن خَمِيس الْموصِلِي، وَأَبُو البركات عمر بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي، وَآخَرُونَ.
روينَا عَنهُ أَنه حضر عِنْده بعض الأتراك فَادّعى على خصم لَهُ، فَأنْكر، فَسَأَلَهُ: أَلَك شَاهِدَانِ؟ قَالَ: نعم، المشطب وَفُلَان، قَالَ القَاضِي الشَّامي: أما المشطب فَلَا أقبل شَهَادَته لِأَنَّهُ يلبس الْحَرِير، فَقَالَ التركي: وَالسُّلْطَان
[ ١ / ٢٦٩ ]
والوزير يلبسان الْحَرِير، فَقَالَ الشَّامي: وَلَو شَهدا عِنْدِي على باقة بقل مَا قبلت شَهَادَتهمَا. والمشطب هَذَا حَنَفِيّ من فحول المناظرين، ذُو جاه وَمَال، كَانَ يكون فِي عَسْكَر ملكشاه.
وَذكر السَّمْعَانِيّ عَمَّن حَدثهُ؛ أَن حَادِثَة وَقعت للسُّلْطَان ملكشاه، فَحمل قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي إِلَى دَار السُّلْطَان ليقضي فِي تِلْكَ الْحَادِثَة، فجَاء المشطب الفرغاني الإِمَام وَشهد للسُّلْطَان بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ الشَّامي على رُؤُوس الْخَلَائق: لَا أقبل شَهَادَته، قَالُوا: لم؟ قَالَ: لِأَنَّهُ فَاسق، وَكَانَ على المشطب ثوب حَرِير، فَخَجِلَ المشطب من ذَلِك، ورد الشَّامي إِلَى دَاره.
وَقَالَ السَّمْعَانِيّ: سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن مَعْصُوم بن أبي ذَر الْفَقِيه المغربي يَقُول: دخل المشطب لشهاد ة على قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي، فَرَأى الشَّامي فِي أُصْبُعه خَاتمًا من ذهب، فَلَمَّا شهد رد شَهَادَته، فَلَمَّا خرج المشطب قَالَ: لَا أَدْرِي لأية عِلّة رد شهادتي، فَبلغ هَذَا القَوْل الشَّامي، فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: كنت أَظن أَنَّك عَالم فَاسق، فَالْآن أَنْت جَاهِل فَاسق، أما تعرف أَنَّك تفسق بِاسْتِعْمَال الذَّهَب؟ !
[ ١ / ٢٧٠ ]