ابْن مُحَمَّد، الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو بكر السَّمْعَانِيّ التَّمِيمِي الْمروزِي.
يلقب: تَاج الْإِسْلَام.
وَأَبوهُ: الإِمَام أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ، صَاحب التصانيف فِي الْخلاف وَغَيره.
أمْلى أَبُو بكر مئة واثنين وَأَرْبَعين إملاء يَقع فِي مجلدات ثَلَاث، لم يسْبق - فِيمَا علمناه - بِمِثْلِهَا، تكلم فِيهَا على إِسْنَاد الحَدِيث تبيينا لما يسْتَحقّهُ من وصف الصِّحَّة وَغَيره، وتظريفا فِي بعض الْأَحَايِين، وعَلى رُوَاته بِبَيَان أَحْوَالهم، وَمَا يستحسن من حكاياتهم، وعَلى متن الحَدِيث بإبانة فقهه، كثير الرِّوَايَة لما يشْهد من الْآثَار وَالْأَخْبَار، لما بَينه من مَعَانِيه.
أنبؤونا عَن أبي طَاهِر مُحَمَّد بن أبي بكر السنجي عَنهُ أَنه قَالَ:
جملَة القَوْل فِي دُخُول الْحمام أَنه مُبَاح للرِّجَال بِشَرْط ستر الْعَوْرَة وغض الْبَصَر، ومكروه للنِّسَاء إِلَّا عِنْد الْعذر من النّفاس وَالْمَرَض، وَإِنَّمَا كره
[ ١ / ٢٧٢ ]
للنِّسَاء لما بني أمرهن عَلَيْهِ من الْمُبَالغَة فِي السّتْر، وَلما فِي وضع ثيابهن فِي غير بيُوت الْأزْوَاج من الهتك، وَلما فِي خروجهن واجتماعهن من الْفِتْنَة وَالشَّر، وَأنْشد لبَعْضهِم:
(دهتك بعلة الْحمام نعم وَمَال بهَا الطَّرِيق إِلَى يزِيد)
وَذكر للداخل آدابا؛ مِنْهَا: أَن يتَذَكَّر بحره حر النَّار، ويستعيذ بِاللَّه من النَّار، ويسأله الْجنَّة، وَأَن يكون قَصده التَّطْهِير التَّنْظِيف دون التنعم والترفه، وَأَن لَا يدْخلهُ إِذا رأى فِيهِ عَارِيا، بل يرجع، وَأَن لَا يُصَلِّي فِيهِ، وَلَا يقْرَأ الْقُرْآن، وَلَا يسلم، وَأَن لَا يدْخلهُ بِغَيْر كرنيب لِئَلَّا يحْتَاج إِلَى غَيره فيذل، وَأَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى إِذا خرج، وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ: فقد كَانُوا يَقُولُونَ: يَوْم الْحمام يَوْم إِثْم، وروى لكل أدب مِنْهَا خَبرا أَو أثرا.
ثمَّ حكى عَن بَعضهم أَنه ذكر آدابا أخر، مِنْهَا أَن لَا يستكثر من صب المَاء من غير حَاجَة، وَأَن يتحَرَّى دُخُول الحمامات الخالية، وَأَن يقدم رجله الْيُسْرَى فِي الدُّخُول، واليمنى فِي الْخُرُوج، وَأَن يَقُول مَا يَقُول فِي دُخُول الْخَلَاء، وَأَن يُوفي الحمامي الْأُجْرَة قبل الدُّخُول، وَأَن لَا يدْخلهُ عِنْد الْغُرُوب وَبَين العشاءين، فَإِنَّهُمَا وَقت انتشار الشَّيَاطِين، وَذكر فِي حَدِيث الزبير فِي
[ ١ / ٢٧٣ ]
شراج الْحرَّة أَن رَسُول الله ﷺ مَخْصُوص بِأَن لَهُ أَن يقْضِي وَهُوَ غَضْبَان، لِأَنَّهُ يُؤمن عَلَيْهِ الالتباس، وَأَن تحمله الحمية على الْجور.
وَقَالَ: الرقوم إِذا كَانَت على صور التصاليب فَهِيَ بِمَنْزِلَة التماثيل الَّتِي فِيهَا أَرْوَاح فَلَا تُبَاح، وَاسْتدلَّ بِحَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي البُخَارِيّ فِي ذَلِك.
وَقَالَ: لم يرد اسْتِحْبَاب صَوْم رَجَب على التَّخْصِيص سنة ثَابِتَة، وَالْأَحَادِيث الَّتِي تروى فِيهِ واهية، لَا يفرح بهَا عَالم.
وَقَالَ شيرويه فِي وصف أبي بكر السَّمْعَانِيّ: كَانَ فَاضلا، حسن السِّيرَة، بَعيدا من التَّكَلُّف، صَدُوقًا.
وَذكره أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل بن عبد الغافر الْفَارِسِي خطيب نيسابور فِي " سِيَاق تَارِيخ النيسابوريين "، فَقَالَ: " مُحَمَّد بن مَنْصُور بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ الْمروزِي الإِمَام ابْن الإِمَام ابْن الإِمَام، شَاب نَشأ فِي عبَادَة الله تَعَالَى وَفِي التَّحْصِيل من صباه، إِلَى أَن أرْضى أَبَاهُ، حظي من الْأَدَب والعربية والنحو، وتمرنها نظما ونثرا بِأَعْلَى الْمَرَاتِب
[ ١ / ٢٧٤ ]
ينفث إِذا خطّ بأقلامه فِي عقد السحر، وينظم من مَعَاني كَلَامه عُقُود الدّرّ، متصرفا فِي الْفُنُون بِمَا يَشَاء، كَيفَ يَشَاء، مطبعا لَهُ على البديهة الْإِنْشَاء، ثمَّ برع فِي الْفِقْه، مستدرا أخلاقه من أَبِيه، بَالغا فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف أقْصَى مراميه، وَزَاد على أقرانه وَأهل عصره بالتبحر فِي علم الحَدِيث، وَمَعْرِفَة الرِّجَال والأسانيد، وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْجرْح وَالتَّعْدِيل، والتحريف والتبديل، وَضبط الْمُتُون الغرائب والمشكلات من الْمعَانِي، مَعَ الْإِحَاطَة بالتواريخ والأنساب، وطرز أكمام فَضله بمجالس تذكيره، تتصدع صم الصخور عِنْد تحذيره، وتتجمع أشتات الْعِظَام النخرة عِنْد تبشيره.
[ ١ / ٢٧٥ ]