أَبُو عبد الله الإِمَام الْمروزِي، صَاحب التصانيف الجمة.
أحد من استبحر فِي علمي الْفِقْه والْحَدِيث، وَجمع بَين فضيلتي الْإِمَامَة والديانة.
وَهُوَ صَاحب اخْتِيَار، وَرُبمَا تذرع متذرع بِكَثْرَة اخياراته الْمُخَالفَة لمَذْهَب الشَّافِعِي إِلَى الْإِنْكَار على الْجَمَاعَة العادين لَهُ فِي أَصْحَابنَا، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَنَّهُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَة ابْن خُزَيْمَة، والمزني، وَأبي ثَوْر قبله، وَغَيرهم.
فَلَقَد كثرت اختياراتهم الْمُخَالفَة لمَذْهَب الشَّافِعِي، ثمَّ لم يخرجهم ذَلِك
[ ١ / ٢٧٧ ]
عَن أَن يَكُونُوا فِي قبيل أَصْحَاب الشَّافِعِي معدودين، وبوصف الاعتزاء إِلَيْهِ موصوفين.
قَالَ الْخَطِيب: قَرَأت على الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْمُؤَدب، عَن أبي سعد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الإدريسي قَالَ: سَمِعت أَبَا يحيى أَحْمد بن مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي يَقُول: سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عُثْمَان بن سلم السَّمرقَنْدِي يَقُول: سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي يَقُول: ولدت سنة اثْنَتَيْنِ ومئتين، وَتُوفِّي الشَّافِعِي ﵀ سنة أَربع ومئتين، وَأَنا ابْن سنتَيْن، وَكَانَ أبي مروزيا، وَولدت أَنا بِبَغْدَاد، ونشأت بنيسابور، وَأَنا الْيَوْم بسمرقند، وَلَا أَدْرِي مَا يقْضِي الله فِي.
قَالَ أَبُو سعد: وَسمعت الْفَقِيه أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْقفال الشَّاشِي بسمرقند يَقُول: سَمِعت أَبَا بكر الصَّيْرَفِي - يَعْنِي: الْفَقِيه الأصولي - بِبَغْدَاد يَقُول: لَو لم يصنف الْمروزِي كتابا إِلَّا كتاب " الْقسَامَة " لَكَانَ من أفقه النَّاس، فَكيف وَقد صنف كتبا أخر سواهُ؟ !
وَعَن الْخَطِيب، أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي، حَدثنَا مُحَمَّد بن
[ ١ / ٢٧٨ ]
حيويه الخزاز، حَدثنَا أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن جَعْفَر اللبان، حَدثنِي مُحَمَّد بن نصر قَالَ: خرجت من مصر وَمَعِي جَارِيَة لي، فركبت الْبَحْر أُرِيد مَكَّة، قَالَ: فغرقت، فَذهب مني ألقا جُزْء.
قَالَ: وصرت إِلَى جَزِيرَة أَنا وجاريتي، قَالَ: فَمَا رَأينَا فِيهَا أحدا، قَالَ: وأخذني الْعَطش، فَلم أقدر على المَاء، قَالَ: وأجهدت، فَوضعت رَأْسِي على فَخذ جاريتي مستسلما للْمَوْت، قَالَ: وَرجل قد جَاءَنِي وَمَعَهُ كوز، فَقَالَ لي: هاه، قَالَ: فَأخذت، فَشَرِبت وسقيت الْجَارِيَة، قَالَ: ثمَّ مضى، فَمَا أَدْرِي من أَيْن جَاءَ، وَلَا من أَيْن ذهب.
وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ: كَانَ إِسْمَاعِيل بن أَحْمد وَالِي خُرَاسَان يصل مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كل سنة بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، ويصله أَخُوهُ إِسْحَاق بن أَحْمد بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، ويصله أهل سَمَرْقَنْد بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، فَكَانَ ينفقها من السّنة إِلَى السّنة من غير أَن يكون لَهُ عِيَال ثقيل، فَقلت لَهُ: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين يصلونك يَبْدُو لَهُم؟ فَلَو جمعت من هَذَا أَشْيَاء لنائبة، فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ الله ﴿أَنا بقيت بِمصْر كَذَا وَكَذَا سنة، فَكَانَ قوتي وثيابي وكاغدي وحبري وَجَمِيع مَا أنفقهُ على نَفسِي فِي السّنة عشْرين درهما، فترى إِن ذهب هَذَا لَا يبْقى ذَاك﴾ ! .
[ ١ / ٢٧٩ ]
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ: سَأَلت أَبَا عبد الله ابْن الأخرم: أَكَانَ أَبُو عبد الله الْمروزِي يحفظ الحَدِيث على رسم أهل النَّقْل؟ فَقَالَ: كَانَ يحفظ، قلت: إِن الْفُقَهَاء الْوَاحِد مِنْهُم يحفظ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من زِيَادَة لفظ أَو حَدِيث يحْتَج بِهِ فِي مَسْأَلَة، وَإِنَّمَا أَعنِي التراجم والشيوخ، فَقَالَ: كَانَ مُحَمَّد بن نصر يُعْطي كل نوع من الْعلم حَظه.
سمع بخراسان: يحيى بن يحيى، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَصدقَة بن الْفضل، وأضرابهم.
وبالري: مُحَمَّد بن مقَاتل، وأقرانه.
وببغداد: عبيد الله القواريري، وأشباهه.
وبالبصرة: عبيد الله بن معَاذ، ونظراءه.
وبالكوفة: أَبَا كريب، وَابْن نمير، وَغَيرهمَا.
وبالحجاز: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي، وَأَبا مُصعب الزُّهْرِيّ، وأمثلهما.
وبمصر: يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، وَالربيع، وَابْن عبد الحكم، وأقرانهم.
وبالشام: هِشَام بن عمار، وَآخَرين.
روى عَنهُ الْحفاظ وَالْأَئِمَّة: أَبُو عبد الله ابْن الأخرم، وَأَبُو بكر الجارودي، وَأَبُو الْعَبَّاس السراج، وَأَبُو الْعَبَّاس الدغولي، وَمُحَمّد بن الْمُنْذر الْهَرَوِيّ، وَأَبُو حَامِد الشَّرْقِي، وَأَبُو النَّضر الْفَقِيه، وَأَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ، وَابْنه: إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن نصر فِي آخَرين.
[ ١ / ٢٨٠ ]
مَاتَ - فِيمَا حَكَاهُ غير وَاحِد - سنة أَربع وَتِسْعين ومئتين بسمرقند.
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: سمعته - يَعْنِي: ابْن الأخرم - يَقُول: رَأَيْت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن نصر، وَهُوَ من أعلم النَّاس، وآدب النَّاس، وَأَحْسَنهمْ صَلَاة، وَلَقَد بَلغنِي أَن ذبابا جلس على أُذُنه، وَهُوَ فِي الصَّلَاة فأدماه، فَلم يذب عَن نَفسه، وَكَانَ من أحسن النَّاس خلقا، كَأَنَّمَا فقئ فِي وَجهه حب الرُّمَّان، ولحيته بَيْضَاء.
وبإسناد إِلَى أبي المظفر بن أبي سعد السَّمْعَانِيّ إِلَى أبي الْفضل عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن نصرويه الْفَقِيه قَالَ: سَمِعت أَبَا الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْفَقِيه يحدث عَن مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي أَنه رُبمَا دخل فِي الصَّلَاة، فَيَقَع الذُّبَاب والزنابير على رَأسه، مَا يعبأ بهَا، وَلَا يطردها، فتدمي رَأسه، وَتغَير لَونه وَلَا يَدْفَعهَا عَن نَفسه لما كَانَ فِيهِ من الْأَدَب والخشوع فِي الصَّلَاة.
أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ، أخبرنَا أَبُو الْفَتْح المصِّيصِي، أخبرنَا أَبُو الْفَتْح الْمَقْدِسِي، أخبرنَا أَبُو الْفضل أَحْمد الفراتي قَالَ: سَمِعت جدي الإِمَام أَبَا عَمْرو الفراتي يَقُول: سَمِعت أَبَا مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الله بن حمشاذ
[ ١ / ٢٨١ ]
يَقُول: سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْوَلِيد حسان الْقرشِي يَقُول: سَمِعت أَبَا الْفضل البلعمي يَقُول: دخل مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي على إِسْمَاعِيل بن أَحْمد وَالِي خُرَاسَان، فَقَامَ لَهُ وبجله، وأبلغ فِي تَعْظِيمه وإجلاله، فَلَمَّا خرج عاتبه إِسْحَاق بن أَحْمد أَخُوهُ على ذَلِك، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل: إِنَّمَا قُمْت لَهُ إجلالا لأخبار رَسُول الله ﷺ. ثمَّ إِن إِسْمَاعِيل رأى رَسُول الله ﷺ فِي النّوم، فَقَالَ لَهُ: قُمْت لمُحَمد بن نصر إجلالا لأخباري، لَا جرم ثَبت ملكك وَملك بنيك لإجلالك لَهُ، وَذهب ملك أَخِيك إِسْحَاق وَملك بنيه لاستخفافه بِمُحَمد بن نصر، فَبَقيَ ملك إِسْمَاعِيل وبنيه أَكثر من مئة وَعشْرين سنة.
[ ١ / ٢٨٢ ]