ابْن يُوسُف بن عبد الله، أَبُو إِسْحَاق الفيروزابادي.
من أهل فيروزاباد: بِكَسْر الْفَاء من غير تصفية الْيَاء بعْدهَا كنحو الإمالة، وَضم الرَّاء من غير تصفية الْوَاو أَيْضا، وزاي، ثمَّ ألف، يُقَال كَذَا نظرا إِلَى فارسيتها، وَفتح الْفَاء من غير تحتيت فِي شَيْء من الْحُرُوف، وَهُوَ مُقْتَضى التعريب، كَمَا فِي فَيْرُوز اسْم رجل.
هُوَ الإِمَام السائر الثَّابِت ذكره، العالي فِي الدّين وَالدُّنْيَا قدره، قَالَ فِيهِ
[ ١ / ٣٠٢ ]
الإِمَام أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: هُوَ إِمَام الشَّافِعِيَّة، الْمدرس بِبَغْدَاد فِي النظامية، شيخ الدَّهْر، وَإِمَام الْعَصْر، رَحل إِلَيْهِ النَّاس من الْأَمْصَار، وقصدوه من كل الجوانب والأقطار، وَكَانَ يجْرِي مجْرى أبي الْعَبَّاس ابْن سُرَيج، رحمهمَا الله
قَالَ الشَّيْخ: لَعَلَّه يَعْنِي فِي نشر الْعلم والرحلة إِلَيْهِ فِيهِ، وَشبهه.
قَالَ السَّمْعَانِيّ: وَكَانَ زاهدا، ورعا، متواضعا، متخلقا، ظريفا، كَرِيمًا، سخيا، جوادا، طلق الْوَجْه، دَائِم الْبشر، حسن المجالسة، مليح المحاورة، وَكَانَ يَحْكِي الحكايات الْحَسَنَة، والأشعار المستبدعة المليحة، ويحفظ مِنْهَا شَيْئا كثيرا، قَالَ: وَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي الفصاحة والجري.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وَقَالَ أَبُو سعد أَيْضا: تفرد الإِمَام أَبُو إِسْحَاق بِالْعلمِ الوافر، كالبحر الزاخر، مَعَ السِّيرَة الجميلة، والطريقة المرضية، جَاءَتْهُ الدُّنْيَا صاغرة فأباها، واطرحها وقلاها.
قَالَ: وَكَانَت عَامَّة المدرسين بالعراق وَالْجِبَال تلاميذه وأشياعه، صنف فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَالْخلاف وَالْمذهب كتبا، أضحت للدّين وَالْإِسْلَام أنجما وشهبا.
تفقه الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق - ﵀ - بِفَارِس على أبي الْفرج ابْن الْبَيْضَاوِيّ، وبالبصرة على الخرزي، وَدخل بَغْدَاد سنة خمس عشرَة وَأَرْبع مئة، وتفقه على الإِمَام أبي الطّيب الطَّبَرِيّ ولازمه واشتهر بِهِ حَتَّى صَار أنظر أهل زَمَانه، وَسمع الحَدِيث من أبي بكر البرقاني الْحَافِظ، وَأبي عَليّ
[ ١ / ٣٠٤ ]
ابْن شَاذان، وَأبي عبد الله الصُّورِي الْحَافِظ، وَأبي الْفرج الخرجوشي الشِّيرَازِيّ وَغَيرهم.
روى عَنهُ خلق.
قَالَ السَّمْعَانِيّ: سَمِعت بعض أهل الْعلم يَقُول: كَانَ أَبُو نصر الْقشيرِي جَالِسا بِجنب الشَّيْخ أبي إِسْحَاق فِي الدِّيوَان بدار الْخلَافَة، وَكَانَا يتكلمان فِي مَسْأَلَة، فأحس أَبُو نصر الْقشيرِي بثقل فِي كم الشَّيْخ أبي إِسْحَاق، فَقَالَ لَهُ الْقشيرِي: مَا هَذَا يَا سيدنَا؟ فَقَالَ: قرصتا الملاح، وَكَانَ يحملهَا فِي كمه طرحا للتكلف، ﵀.
سَمِعت الرئيس أَبَا الْحسن عَليّ بن هبة الله بن عبد السَّلَام الْكَاتِب مذاكرة يَقُول: كَانَ عميد الدولة ابْن جهير الْوَزير كثيرا مَا يَقُول: الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق، وحيد عصره وفريد دهره، مستجاب الدعْوَة.
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَليّ الْخَطِيب يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الفاشاني يَقُول: سَمِعت القَاضِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد الماهاني يَقُول: إمامان
[ ١ / ٣٠٥ ]
مَا اتّفق لَهما الْحَج: الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وقاضي الْقُضَاة أَبُو عبد الله الدَّامغَانِي؛ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ مَا كَانَت لَهُ استطاعة الزَّاد وَالرَّاحِلَة، وَلَكِن لَو أَرَادَ الْحَج لحملوه على الأحداق إِلَى مَكَّة، والدامغاني لَو اراد أَن يحجّ على السندس والإستبرق أمكنه؛ وَمَعَ ذَلِك مَا حجا.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: الماهاني الحاكي، والدامغاني؛ حنفيان.
وَذكر أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ أَنه سمع بعض أهل الْعلم يَحْكِي أَن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق - ﵀ - كَانَ يَشْتَرِي طَعَاما كثيرا، وَيدخل بعض الْمَسَاجِد، ويأكله مَعَ بعض أَصْحَابه، وَمَا يفضل مِنْهُم يَقُول لأَصْحَابه: لَا تمسوه، واتركوه لمن يدْخل ويرغب فِيهِ.
وَعَن بعض أهل الْعلم أَن الشَّيْخ أخرج يَوْمًا قرصتين، وَقَالَ لبَعض أَصْحَابه: وَكلتك أَن تشتري كَذَا وَكَذَا بِهَذِهِ القرصة على وَجه هَذِه القرصة الْأُخْرَى، فَفعل الرجل، وَشك فِي أَنه بِأَيّ القرصتين اشْترى، فَلم يَأْكُل الشَّيْخ مِنْهُ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي اشْتريت بِالَّتِي وَكلتك فِيهَا أَو بِالْأُخْرَى؟ !
وَعَن بَعضهم أَن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق دخل بعض الْمَسَاجِد ليَأْكُل طَعَاما على عَادَته، فنسي ثمَّ دِينَارا صَحِيحا كَانَ فِي يَده، وَخرج، فَذكره فِي الطَّرِيق، فَرجع إِلَى الْمَسْجِد فَوجدَ الدِّينَار فِيهِ، ففكر وَقَالَ: رُبمَا وَقع هَذَا الدِّينَار من غَيْرِي، وَمَا أعرف أَنه لي، فَترك الدِّينَار وَخرج وَمَا مَسّه.
[ ١ / ٣٠٦ ]
قَالَ أَبُو سعد: قَرَأت بِخَط الْفَقِيه القَاضِي أبي الْقَاسِم يُوسُف ابْن أبي الْفضل بن جُمُعَة بن يحيى الأرموي صَاحب الشَّيْخ أبي إِسْحَاق على وَجه كتاب " التَّنْبِيه " بِخَطِّهِ: أَنْشدني الرئيس أَبُو الْخطاب فِيهِ - يَعْنِي: فِي هَذَا الْكتاب، قَالَ أَبُو سعد: اسْم أبي الْخطاب عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن هَارُون بن الْجراح -:
(سقيا لمن صنف " التَّنْبِيه " مُخْتَصرا أَلْفَاظه الغر واستقصى مَعَانِيه)
(إِن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق صنفه لله وَالدّين لَا للكبر والتيه
(رأى علوما عَن الأفهام شاردة فحازها ابْن عَليّ كلهَا فِيهِ)
(بقيت للشَّرْع إِبْرَاهِيم منتصرا تذود عَنهُ أعاديه وتحميه)
قَالَ السَّمْعَانِيّ: سَمِعت القَاضِي أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ يَقُول: حملت يَوْمًا فَتْوَى إِلَى ذَلِك الشط لأستفتي الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق، فرأيته فِي الطَّرِيق وَهُوَ يمشي، فَمضى إِلَى دكان خباز أَو بقال، وَأخذ قلمه ودواته، وَكتب جَوَابه، وَمسح الْقَلَم فِي ثَوْبه، وَأَعْطَانِي الْفَتْوَى.
قَالَ السَّمْعَانِيّ: وقرأت بِخَط شُجَاع بن فَارس الذهلي: توفّي الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق إِمَام أَصْحَاب الشَّافِعِي ومقدمهم فِي وقته، والمشار إِلَيْهِ من
[ ١ / ٣٠٧ ]
بَينهم فِي علم الْخلاف، فِي اللَّيْلَة الَّتِي صبيحتها يَوْم الْأَحَد الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة، سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبع مئة، وَدفن من الْغَد فِي مقرة بَاب برز، وَصلى عَلَيْهِ فِي صحن بَاب الفردوس الْوَزير أَبُو الْفَتْح المظفر بن رَئِيس الرؤساء، وَحمل إِلَى جَامع الْقصر وَصلى عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الطَّبَرِيّ، وَكَانَ الْجمع وافرا جدا.
قَالَ السَّمْعَانِيّ: وَسمعت أَبَا الْحسن عَليّ بن أَحْمد اليزيدي الْفَقِيه يَقُول: سَمِعت القَاضِي أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن سَلامَة يَقُول: توفّي شَيخنَا الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الفيروزابادي فِي دَار المظفر بن رَئِيس الرؤساء فِي دَار الْخلَافَة، قَالَ: وَأول من صلى عَلَيْهِ الإِمَام الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي دَاره بِبَاب الفردوس. وَقَالَ: فِي جُمَادَى الأولى.
قَالَ السَّمْعَانِيّ، وَسمعت أَبَا سعد عبد الصَّمد - أَو قَالَ: عبد الْعَزِيز - ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد الحافظي مذاكرة يَقُول: سَمِعت بعض الأكابر - ذكره الحافظي ونسيت أَنا اسْمه - قَالَ: رَأَيْت الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ - ﵀ - فِي النّوم وعَلى رَأسه تَاج، وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض، فَقلت للشَّيْخ وأشرت إِلَى الثِّيَاب الْبيض: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا عز الْعلم، ﵁.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قَالَ الشَّيْخ: وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كثيرا مَا يباسط بِمَا يسنح لَهُ من رجز الشّعْر؛ من ذَلِك مَا أنبؤونا عَن أبي سعد - يَعْنِي: السَّمْعَانِيّ - قَالَ: سَمِعت أَبَا طَاهِر الدِّمَشْقِي الْمُرَتّب يَقُول: قَالَ لي الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق ﵀:
(وَشَيخنَا الشَّيْخ أَبُو طَاهِر جمالنا فِي السِّرّ وَالظَّاهِر)
وَله من هَذَا غير شَيْء.
وَأَبُو طَاهِر هَذَا هُوَ: إِبْرَاهِيم بن شَيبَان النُّفَيْلِي مُرَتّب النظامية من زمَان الشَّيْخ أبي إِسْحَاق إِلَى مَا بعد الثَّلَاثِينَ وَخمْس مئة، خدم الشَّيْخ وَخرج مَعَه إِلَى خُرَاسَان، وخدم غَيره من الْأَئِمَّة.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ﵀: وَرَأَيْت فِي آخر نُسْخَة ب " الْمُهَذّب "، كتبت فِي حَيَاة الشَّيْخ بِخَط كاتبها وَأرَاهُ من أَصْحَابه:
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق: بدأت بتصنيف " الْمُهَذّب " سنة خمس وَخمسين وَأَرْبع مئة، وفرغت مِنْهُ آخر رَجَب يَوْم الْأَحَد من سنة تسع وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة.
[ ١ / ٣٠٩ ]
ولد الشَّيْخ ﵀ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَثَلَاث مئة.
قَالَ ﵀: كنت أُعِيد كل درس مئة مرّة، وَإِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة بَيت شعر يستشهد بِهِ حفظت القصيدة من أَجله.
رأى رَسُول الله ﷺ فِي النّوم فَقَالَ لَهُ: يَا شيخ.
قَالَ يحيى: وَمِنْهُم شَيخنَا ضِيَاء الدّين أَبُو إِسْحَاق.
[ ١ / ٣١٠ ]