ولد إبراهيم بن علي بن يوسف (١) الذي أصبح - من بعد - يكنى أبا إسحاق ويلقب جمال الدين سنة ٣٩٣ (٢) هـ. في بلدة فيروز آباد (بكسر الفاء أو فتحها)، وهي مدينة جور الواقعة على بعد ١١٥ كم إلى الجنوب من شيراز، وبها نشأ وفيها بدأ تحصيله العلمي، وكان من أول شيوخه الذين علق عنهم فيها أبو عبد الله محمد بن عمر الشيرازي؛ وبعد أن نال من العلم ما يمكن أن يتيحه له بلده، اغترب عنه استكمالًا للطلب فدخل شيراز سنة ٤١٠ وعمره في حدود السابعة عشرة، كما دخل الغندجان، ودرس فيهما وفي غيرهما على شيوخ الفقه حينئذ، ومنهم أبو أحمد عبد الرحمن بن الحسين الغندجاني، علق عنه بشيراز والغندجان؛ ويقول السبكي أنه درس في شيراز علي أبي عبد الله البيضاوي (- ٤٢٤) وأبي أحمد عبد الوهاب بن محمد بن رامين البغدادي (- ٤٣٠) وهذان من أساتذته البغداديين أيضًا، فلعله أخذ عنهما في
_________________
(١) اقتصرت في هذه المقدمة على ترتيب الأخبار التي وردت في المصادر عن الشيرازي دون تحليل، أما المصادر المعتمدة فإني أذكرها في ختام هذه المقدمة.
(٢) في اللباب أنه ولد سنة ٣٧٣ وهذا ضرب من التصحيف الذي يقع كثيرًا بين لفظتي «تسع» و«سبع»؛ وقيل إن مولده سنة ٣٩٥. وقال الحميدي: «سألته عن مولده فذكر دلائل دلت على سنة ست وتسعين» .
[ ١ ]
مرحلتين؛ كذلك دري علي أبي عبد الله الجلاب خطيب شيراز وفقيهها النظار، واتصل بأبي الفرج الفامي الشيرازي أحد رجال المذهب الداودي الظاهري، وكان يناظره وهو في تلك السن المبكرة، إذ يقول في الطبقات " وكنت أناظره بشيراز وأنا صبي "، وهذا يدل على أنه أحرز التمرس بفن الجدل وهو في تلك السن.
وبعد هذه المرحلة التي قضاها طالبًا للعلم في بلاد فارس توجه إلى العراق، فدخل البصرة ودرس على فقهائها ومنهم الحوزي؛ ثم قصد بغداد فدخلها سنة ٤١٥ وهو في الثانية والعشرين من عمره، متابعًا طلب العلم، فوجد في بغداد بيئة علمية غير التي عرفها في سائر المدن والقرى التي أتيح له دخولها، ووصل نفسه بكبار الفقهاء من القائمين بمذهب الشافعي، ومن هؤلاء الشيرجي الفرضي الحاسب وابن رامين وأبو عبد الله البيضاوي ومنصور بن عمر الكرخي، ولكن أكبر أساتذته في هذا الدور هو أبو الطيب الطبري (- ٤٥٠) الذي يقول هو في وصفه: " ولم أر في من رأيت أكمل اجتهادًا، واشد تحقيقًا، وأجود نظرًا منه "، ويليه في المنزلة بين سائر شيوخه أستاذه أبو حاتم محمود بن الحسن الطبري المعروف بالقزويني، قال: " ولم أنتفع بأحد في الرحلة كما انتفعت به وبالقاضي أبي الطيب الطبري ". وعلي أبي حاتم قرأ أبو إسحاق الأصول، كما درس الفقه على آخرين منهم الزجاجي وأبو عبد الله محمد بن عمر الشيرازي وغيرهما، وسمع الحديث علي أبي بكر البرقاني وأبي علي ابن شاذان، وحضر بعض حلقات الدروس لغير الشافعية، فهو يقول في القاضي أبي علي الهاشمي الحنبلي: " حضرت حلقته وانتفعت به كثيرا ".
وقد نال أبو إسحاق إعجاب أستاذه أبي الطيب الطبري وثقته بعد وقت غير طويل، فأخذ الأستاذ يأذن له بتدريس أصحابه في مسجده حين رتبه معيدًا، وأخذ الشيرازي نفسه بخطة صارمة فقد قال متحدثًا عن نفسه في تلك الفترة: " كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت منه أخذت
[ ٢ ]
قياسًا آخر وهكذا؛ وكنت أعيد كل درس ألف مرة فإذا كان في المسألة بيت يستشهد به حفظت القصيدة " وما ذلك إلا طلبًا للتثبيت واليقين؛ وكان قد مر عليه ببغداد حوالي خمسة عشر عامًا حين سأله أستاذه أبو الطيب الطبري أن ينفرد في أحد المساجد، ففعل ذلك وأخذ يدرس في مسجد بباب المراتب. وما لبث أن اشتهر أمره وانتشر صيته في البلدان ووصل إليه الطلبة من كل مكان وأخذت الفتاوى تحمل إليه من جميع الجهات. وأصبح في حياة شيخه أبي الطيب من اكبر فقهاء الشافعية في عصره، شهرة بالفقه وأصوله ومسائل الخلاف وقوة العارضة في الجدل، وأصبح شيخه يعتمد عليه في شئون المناظرة ويقدمه لذلك.
وكانت العادة ببغداد إذا أصيب أحد بوفاة أن يجلس للعزاء في مسجد الحي ليتقبل التعزية ويمضي على ذلك أيامًا لا يتخللها سوى قراءة القرآن أو المناظرة بين الشيوخ؛ فلما توفيت زوجة الشيخ أبي الطيب حضر للعزاء فيمن حضر القاضي أبو عبد الله الصيمري شيخ الحنفية فرغب الناس إليهما في المناظرة في مسألة فقهية فلما اعتذر الصيمري عن ذلك قال الناس: من كان له تلميذ مثل أبي عبد الله الدامغاني لا يحوج إلى الكلام وها هو حاضر من أراد أن يكلمه فليفعل. فقال القاضي أبو الطيب: وهذا أبو إسحاق من تلامذتي ينوب عني.
وفي سنة ٤٤٧ توفي قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن جعفر بن ماكولا الشافعي، فاتجهت أنظار الخليفة وكان يومئذ هو القائم بأمر الله إلى أبي إسحاق الشيرازي، وأراده على أن بتولى قضاء القضاة فأبى فحاول إكراهه على ذلك فامتنع أيضًا، فوكل به من يلازمه حتى يحمله على القبول، فكتب إله أبو إسحاق: " ألم يكفك أن هلكت حتى تهلكني معك " فتأثر الخليفة لهذا وقال: " هكذا فليكن العلماء؛ إنما أردنا أن يقال انه كان في عصرنا من وكل به وأكره على القضاء فامتنع وقد أعفيناه "؛ ومثل هذه الحكاية روى عن غير أبي إسحاق مع غير القائم بأمر الله.
[ ٣ ]
وبعد وفاة الشيخ أبي الطيب الطبري (٤٥٠) يكاد أبو إسحاق يصبح العلم المتفرد بين فقهاء مذهبه، لا ينازعه في هذا منازع حتى أن الوزير نظام الملك لما بنى المدرسة النظامية ببغداد لم يقع اختياره لتولي التدريس فيها إلا على الشيخ أبي إسحاق، بل أنه جعلها برسمه بعد أن وافق الشيخ نفسه على ذلك. وفي العاشر من ذي القعدة سنة ٤٥٩ جمع العميد أبو سعد القاشي الناس من مختلف الطبقات لا فتتاح المدرسة (١) . والقاء أول درس فيها، وطال انتظار الناس تشوقًا لحضور أبي إسحاق فلم يحضر، وطلب فلم يوجد، وعندئذ عهد العميد أبو سعد إلى أبي نصر بن الصباغ بالتدريس فيها.
وقيل أن أبا إسحاق إنما عدل عن الحضور بع موافقته لأن شابًا لقيه في الطريق فقال له: يا سيدنا، تريد تدريس في المدرسة؟ قال نعم. قال: وكيف تدرس في مكان مغصوب؟ وعندئذ غير الشيخ نيته ولم يحضر. ولما تولى ابن الصباغ التدريس في النظامية وبلغ الخبر نظام الملك غضب وأقام القيامة على العميد أبي سعد، وأبى أن يقبل بأحد سوى الشيرازي؛ وظهر أبو إسحاق بمسجد باب المراتب يلقي دروسه على عادته، فاجتمع إليه الناس داعين له لأنه رفض التدريس، وكان قد بلغهم انه قال: " إني لم أطب نفسًا بالجلوس في هذه المدرسة لما بلغني أن أبا القاشي غصب أكثر آلاتها ونقض قطعة من البلد لأجلها ". غير أن تلامذة أبي إسحاق اغتموا لما فعله شيخهم، وفتروا عن حضور دروسه، وراسلوه يعلمونه انه إن لم يتول التدريس بالمدرسة فانهم سينفضون من حوله ويلحقون بابن الصباغ، فأرضاهم بالاستجابة تطيبًا لقلوبهم؛ وصرف ابن الصباغ عن التدريس بعد أن قضى في ذلك عشرين يومًا، وجلس أبو إسحاق في النظامية في مستهل شهر ذي الحجة سنة ٤٥٩ وبقي فيها مدرسًا إلى حين وفاته أي حوالي سبعة عشر عامًا؛
_________________
(١) بدء بعمارة النظامية في ذي الحجة سنة ٤٥٧.
[ ٤ ]
وكان إذا حضر وقت الصلاة خرج منها وصلى في بعض المساجد القريبة تحرجًا من الصلاة في موضع لحقته شبهة الغصب.
وكان الاضطلاع بأمر النظامية يعني تغيرًا في نوع المسؤولية التي حملها أبو إسحاق، فهو من بعض النواحي لم يعد مسئولًا عن تصرفاته وحدها في المدرسة، وإنما للمنصب جعله يغدو " ممتثلًا " للشافعية ببغداد ولهذا نراه يظهر لأول مرة في " مهمة رسمية " عند وفاة القائم سنة ٤٦٧ وبيعة المقتدي بأمر الله؛ ويخبرنا أن المقتدي كان كبير الاجلال للشيخ أبي إسحاق وأن الشيخ كان سببًا لجعله خليفة، ولكنه لا يوضح كيف كان ذلك؛ وأيًا كان الأمر فان هذا القول - إن صح - يدل على أن أبا إسحاق أصبح بحكم منصبه قريبًا من رجال الدولة إذا حدث ما يستدعي حضوره وهو موقف لن يعقبه من المتاعب.
وما لبثت المتاعب أن أقبلت، فبيئته بغداد يغلب عليها مذهب أحمد بن حنبل، والمدرسة النظامية معقل للشافعية، ولهذا كان في مقدور المدرسين والوعاظ الشافعيين أن يتخذوها منبرًا لبث آرائهم في أتباع المذهب الحنبلي، وحضر إلى المدرسة أبو نصر القسيري (وهو ابن أبي القاسم صاحب الرسالة) سنة ٤٦٩، كان في طريقه إلى مكة (١) فتكلم على مذهب الأشعري ونصره، وتعرض للحنابلة بالذم ونسبهم إلى التجسيم، فاستاء الحنابلة من ذلك وكان زعيمهم يومئذ الشريف أبو جعفر بن أبي موسى؛ وحاول أبو إسحاق أن يهدئ الحال بين الفريقين، فسأل الشريف أبا جعفر أن يعمل على تلافي الفتنة، ولكن ابن القشيري أخرج الأمر من حيز النظامية إلى الشارع، فقد ذهب إلى أحد المساجد وأخذ يبذل مالًا لليهود علهم أن يسلموا فكان عوام بغداد
_________________
(١) هكذا يقول ابن الأثير، ولكن المصادر الحنبلية تقول إن نظام الملك هو الذي أرسل ابن القشيري إلى النظامية.
[ ٥ ]
(وأكثرهم حنابلة) يقولون: هذا إسلام الرشا لا إسلام التقى، وأسلم يومًا يهودي وحمل على دابة، وخرجت من حوله " مظاهرة " ضخمة اصطدم من فيها بجماعة الحنابلة، فيقال أنه وقع عدد غير قليل من القتلى في ذلك الصدام؛ فغضب الشيخ أبو إسحاق لأنه عرف أن الشريف أبا جعفر لم يقعد وحسب عن تهدئته النائرة، وإنما كان قد أعد جماعة لمواجهة " مظاهرة " الشافعية.
وأعلن أبو إسحاق عن وقوفه إلى جانب القشيري حين رضي أن يضع توقيعه في محضر كتبه القشيري يهاجم في " الأوباش الرعاع المتوسمين بالحنابلة " لما أظهروه ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة كالقدح في الإمام الشافعي والقول بالتجسيم، فكان نص ما كتبه أبو إسحاق: " الأمر على ما ذكر في هذا المحضر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري، اكثر الله في أئمة الدين مثله، من عقد المجالس وذكر الله ﷿ يما يليق به من توحيده وصفاته ونفي التشبيه عنه وقمع المبتدعة من المجسمة والقدرية وغيرهم، ولم أسمع منه مذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة، وبه أدين الله ﷿ وإياه أعتقد، وهو الذي أدركت أئمة أصحابنا عليه، واهتدى به خلق كثير من المجسمة، وصاروا كلهم على مذهب أهل الحق، ولم يبق من المبتدعة إلا نفر يسير، فحملهم الحسد والغيظ على سبه وسب الشافعي وأئمة أصحابه ونصار مذهبه، وهذا أمر لا يجوز الصبر عليه، ويتعين على المولى أعز الله نصره التنكيل بهذا النفر اليسير الذين تولوا كبر هذا الأمر وطعنوا في الشافعي وأصحابه، لأن الله ﷿ أقدره وهو الذي بدأ في هذا البلد بإغزار هذا المذهب بما بني فيه من المدرسة التي مات كل مبتدع من المجسمة والقدرية غيظًا منها، وبما يرتفع فيها من الأصوات بالدعاء لأيامه، استجاب الله فيه صالح الأدعية، ومتى أهمل نصرهم لم يكن له عذر عند الله ﷿؛ وكتب إبراهيم بن علي الفيروزابادي ".
ولم يكتف أبو إسحاق بهذا الذي قيده في المحضر استنفارًا لنظام الملك
[ ٦ ]
بل كتب إليه رسائل يشرح فيها الأمر، كما يراه، وربما تعدى ذلك إلى التحريض الشديد، فأخذ الحنابلة يتكلمون في أبي إسحاق ويبلغونه الأذى بألسنتهم، ويشيعون عنه أنه كتب إلى نظام الملك يسأله إبطال المذهب الحنبلي، وازداد أبو إسحاق غضبًا، ومضى إلى باب الطاق يعد العدة لمبارحة بغداد والصفر إلى نظام الملك؛ وخاف الخليفة - وهو حنبلي المذهب - أن يشنع عليه الشافعية عند نظام الملك، ولهذا أرسل إلى أبي إسحاق من أقنعه بالعدول عن السفر، وسعى لأجراء الصلح بين الفريقين على يد الوزير فخر الدولة فاستدعى الوزير الشريف أبا جعفر إلى دار الخلافة، وأبلغه أن الخليفة استاء لما جرى بين المسلمين من اختلاف في عقائدهم، وكان قد استدعى أيضًا بعض الزعماء الشافعية وفيهم أبو إسحاق والقشيري، وعرض على الفريقين أن يتصالحا، وكان أبو إسحاق راغبًا في الصلح إطفاءً لنار الفتنة، فتقدم إلى الشريف وقال: " أنا ذاك الذي يحضر حلقة الشريف في أيام المناظرة) وهذه كتبي في أصول الفقه فيها خلافًا للأشعرية " ثم قبل رأسه، فقال الشريف: قد كان ما تقول، إلا أنك لما كنت فقيرًا لم يظهر لنا ما في نفسك، فلما جاء الأعوان والسلطان وخواجا بزرك (يعني نظام الملك) أبديت ما كان مخفيًا؛ وتقدم ابن القشيري منه ولم يكن الشريف يعرفه، فلما عرف به قال: لو جاز أن يشكر أحد على بدعته لكان هذا الشاب لأنه بادهنا بما في نفسه ولم ينافق؛ ثم قال للوزير: أي صلح بيننا؛ إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو ولاية أو دنيا أو قسمة ميراث أو تنازع في ملك، فأما هؤلاء القوم فهم يزعمون أننا كفار، ونحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كافر فأي صلح بيننا؟
ورغم ذلك فان الاضطراب قد سكن بين الفريقين، وعمل الخليفة على أن يستبقي الشريف فقيل له أنه قد أفرد لك موضع قريب من الخدمة للمراجعة في الأمور الدينية والتبرك بمكانك، وأدرك الشريف أن الخليفة إنما
[ ٧ ]
" يعتقله " لبيعده عن الاتصال ب؟ " الشارع الحنبلي " ولذلك قال لمن حوله: " فعلتموها؟! ".
وتتضارب الأخبار حول الأجوبة التي وردت من نظام الملك في هذه الحادثة، ففي بعضها أنه كتب إلى الوزير فخر الدولة ينكر ما وقع ويأمر بالتشديد على خصوم ابن القشيري، وفي بعضها الآخر أنه نصح بالاعتدال؛ وقد نقل ابن الجوزي نسخة كتاب قال أن النظام أرسله إلى أبي إسحاق، ونص الكتاب يدل على أنه لم يرسل إلى أبي إسحاق، وقد جاء فيه: " ورد كتابك بشرح أطلت فيه الخطاب، وليس توجب سياسة السلطان وقضية العدالة إلى أن نميل في المذاهب إلى جهة دون جهة، ونحن بتأييد السنن أولى من تشييد الفتن، ولم نتقدم ببناء هذه المدرسة إلا لصيانة أهل العلم والمصلحة لا للاختلاف وتفريق الكلمة، ومتى جرت الأمور على خلاف ما أردناه من هذه الأسباب فليس إلا التقدم بسد الباب، وليس في المكنة الإتيان على بغداد ونواحيها ونقلهم عن ما جرت عليه عاداتهم، فان الغالب هناك هو مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، ومحله معروف بين الأئمة وقدره معلوم في السنة. وكان ما انتهى إلينا أن السبب في تجديد ما تجدد مسألة سئل عنها أبو نصر القشيري من الأصول، فأجاب عنها بخلاف ما عرفوه في معتقداتهم؛ والشيخ الإمام أبو إسحاق - وفقه الله - رجل سليم الصدر سلس الانقياد ويصغي إلى كل من ينقل إليه، وعندنا من تصادر كتبه ما يدل على ما وصفناه من سهولة مجتذبة والسلام ".
ولم يطل عهد الهدوء بين الفريقين ففي الثاني من شوال سنة ٤٧٠ خرج من النظامية متفقه يعرف بالإسكندراني إلى سوق الثلاثاء وتكلم هنالك بتكفير الحنابلة، فرماه بعضهم بآجرة، فهرب إلى سوق المدرسة النظامية واستنفر الناس لنصرته، فخرجوا إلى سوق الثلاثاء، ونهبوا بعض ما كان فيه، ووقع الشر، وتقدم بعض أهل سوق الثلاثاء إلى سوق المدرسة ونهبوا ما يليهم منه
[ ٨ ]
وفي ذلك الموقع دار مؤيد الدولة ابن نظام الملك فخاف أن يمتد النهب إلى داره فاستعان بالجيش، فحضر جماعة منهم أخذوا يرمون الناس بالنشاب فقتلوا منهم بضعة عشر نفرًا. وبذلك قضي على الشغب بالقوة؛ وأخذت الرسائل ترسل إلى نظام الملك ليتلافى الأمر، ويقول ابن الجوزي " فجاءت مكاتبات منه بالجميل ثم ثناها بضد ذلك "؛ ويمكن تفسير هذا القول المجمل بما قاله السبكي: " فعاد جواب نظام الملك في سنة سبعين وأربعمائة إلى الشيخ (أبي إسحاق) باستجلاب خاطره وتعظيمه والأمر بالانتقام من الذين أثاروا الفتنة وبأن يسجن الشريف أبو جعفر "؛ وغضب نظام الملك - بوجه خاص - على الوزير فخر الدولة أبي نصر بن جهير وكتب إلى الخليفة مطالبًا بعزله، اعتقادًا منه أنه هو المسئول الأول عن تلك الحوادث، وكان من جملة الرسائل التي أرسلت إلى نظام الملك قصيدة من الفقيه الشافعي ابن أبي الصقر الواسطي يقول فيها:
وابنك القاطن فيها مستهان مستضام
فمتى لم تحسم الدا ء أياديك الجسام
فعلى مدرسة فيها ومن فيها السلام قال ابن الأثير: " فلما سمع نظام الملك ما جرى من الفتن وقصد مدرسته والقتل بجوارها مع أن أبنه مؤيد الملك فيها عظم عليه ذلك "؛ ولهذا سأل الخليفة أن يعزل الوزير فعزل؛ ويبدو أن الأمور ظلت هادئة بعد ذلك على مدى بضع سنوات بين أهل المذهبين، حتى عادت الخصومة فتجددت سنة ٤٧٥ في شوال أيضًا، وكان المثير لها في هذه المرة شخص يدعى البكري المغربي وكان واعظًا اشعري المذهب، وكان قد قصد نظام الملك فأحبه ومال إليه وسيره إلى بغداد، وأجرى عليه الجراية الوافرة، فوعظ في المدرسة النظامية، وكان يذكر الحنابلة ويعيبهم يكفرهم، وكان فيه حدة وطيش ولكن يبدو أن تهجمه لم يتحول من مرحلة القول إلى مرحلة التصادم الفعلى.
[ ٩ ]
ولم يكن لأبي إسحاق موقف معين في هذا الحادث الأخير، خصوصًا وانه فارق بغداد في ذي الحجة من العام نفسه موفدًا من الخليفة المقتدي في سفارة إلى السلطان وملكشاه ووزيره نظام الملك (١)، وكان الخليفة يعلم أن لأبي إسحاق منزلة خاصة في نفس نظام الملك وانه قادر على إنجاح غايته - من ثم - لدى السلطان نفسه. ويبدو أن السفارة كانت ترمي إلى تحقيق غرضين: أولهما الشكوى والتظلم من العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق، والثاني: استمالة ملكشاه للموافقة على أن يزوج ابنته من الخليفة.
وكان في صحبة الشيخ أبي إسحاق جماعة من أعيان بغداد منهم فخر الإسلام الشاشي والحسين بن علي الطبري وابن بيان والميانجي وأبو ثعلب الواسطي وعبد الملك الشابر خواشي وأبو الحسن الآمدي وأبو القاسم الزنجاني وأبو علي الفارقي وأبو العباس ابن الرطبي، وهؤلاء وغيرهم من أصحابه ومعه أيضًا جمال الدولة عفيف وهو خادم من خدام الخليفة؛ وتلقى الناس أبا إسحاق في كل بلد حله بحفاوة لا نظير لها، ويبدو أن صيته لم يكن مقصورًا على مكانته الفقيه بل كان للناس فيه اعتقاد عظيم متصل ببركة الصوفي، فكان بعض الناس في البلاد التي مر بها يخرجون إليه بنسائهم وأولادهم فيمسحون أردانه ويأخذون تراب نعليه ويستشفون به، وفي بعض تلك البلاد خرج إليه صوفيات البلد، وما فيهن إلا من معها سبحة، وألقين الجميع المحفة وكان قصدهن أن يلمسها لتحصل لهن البركة، فجعل يمرها على يديه وجسده ويتبرك بهن ويقصد في حقهن ما قصدن في حقه. ولما وصل ساوة خرج جميع أهلها للقائه وسأله فقهاؤها كل منهم أن يدخل بيته فلم يفعل، ولقيه أصحاب الصناعات ومعهم ما ينثرونه على محفته، فخرج الخبازون ينثرون الخبز وهو ينهاهم فلم ينتهوا، وهكذا فعل أصحاب الحلوى وباعة
_________________
(١) في الشذرات أنه قال للمقتدي حين شافهه بأمر الرسالة «وما يدريني أنك الخليفة ولم أرك قبلها» وهذا ما لا يتفق مع ما ذكرناه من قبل عن حضوره بيعة المقتدي.
[ ١٠ ]
الفاكهة والثياب وغيرهم، وخرج إليه الأساكفه وقد عملوا مداساتٍ لطافًا تصلح لأرجل الأطفال ونثروها فكانت تسقط على رؤوس الناس، فكان الشيخ يتعجب ويذكر ذلك لأصحابه بعد رجوعه ويقول: رأيتم النثار ما أحسنه؟ وإيش وصل إليكم يا أولادي منه؟ فقال له بعضهم: ما كان حظ سيدنا منه، فقال: أما أنا فغطيت بالمحفة.
ولما بلغ بساط قيل للشيخ قد أتى فلان الصوفي - ويعرف بالسهلكي - فنهض الشيخ من مكانه ليستقبله، وإذا به رجل كبير السن على دابة، وخلفه خلق من الصوفية بمرقعات جميلة، فقيل له قد أتاك الشيخ أبو إسحاق، فرمى نفسه عن الدابة وقبل يد الشيخ ورجله وقال له: قتلتني يا سيدي فما يمكنني أمشي معك، ولكن تتقدم إلى مجلسك؛ ولما وصل جلس أبو إسحاق بين يديه وأظهر كل واحد منهما من تعظيم صاحبه ما جاوز الحد.
ثم إن أبا إسحاق دخل نيسابور وتلقاه أهلها على العادة المألوفة، وحمل شيخ البلد إمام الحرمين أبو المعالي الجويني غاشية ومشى بين يديه كالخديم، وقال: أفتخر بهذا، وعقدا مجالس للمناظرة في بعض المسائل. وفي هذه الرحلة رأى أبو إسحاق ثمرة جهد طويل بذله في تدريس الطلبة، فقد قال: " خرجت إلى خراسان فما بلغت بلدة ولا قرية إلا وكان قاضيها أو مفتيها أو خطيبها تلميذي أو من أصحابي "، ولهذا فلا عجب أن تتحرك خراسان لمقدمه وأن توليه كل ذلك الترحيب.
وقد كانت السفارة ناجحة، عاد منها أبو إسحاق يحمل كتب السلطان ملكشاه والوزير نظام الملك، بإجابة مطلسي الخليفة، غير أن الفقيه الشيخ لم يعش طويلًا بعد عودته من تلك السفارة، فتوفي ليلة الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة (وقيل جمادى الأولى) سنة ست وسبعين وأربعمائة، في دار المظفر ابن رئيس الرؤساء بدار الخلافة من الجانب الشرقي، وغسله الفقيه الحنبلي أبو الوفاء بن عقيل وصلي عليه بباب الفردوس لأجل
[ ١١ ]
نظام الملك وهذا لم يفعل على غيره، وأول من صلى عليه المقتدي بأمر الله، وتقدم في الصلاة عليه أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء وهو حينئذ نائب بالديوان ثم حمل إلى جامع القصر فصلي عليه ودفن بباب أبرز؛ وجلس أصحابه للعزاء في المدرسة النظامية ثلاثة أيام، ولم يتخلف أحد عن العزاء ورثاه عدد كبير من الشعراء؛ ورتب مؤيد الملك بعد وفاته في المدرسة الشيخ أبا سعد المتولي، فلما علم نظام الملك بذلك أنكره وقال: كان الواجب أن تغلق المدرسة بعد الشيخ أبي إسحاق سنةً.