يعد كتاب «الأثمار الجنية في طبقات الحنفية» المعروف اختصارا ب «طبقات القاري» من الكتب المؤلفة في تراجم أعيان الحنفية وعلمائها المتميزين، وهو بلا شك-كما ذكر الشيخ علي القاري-مختصر لكتاب «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» لأبي الوفاء القرشي (ت ٧٧٥ هـ /١٣٧٣ م) عززه مؤلفه الشيخ علي القاري بكثير من المعلومات النافعة والفوائد المفيدة، تعليقا واستدراكا على ما فات صاحب «الجواهر المضية». وهو بذلك يكون من الكتب المشهورة في تراجم العلماء الحنفية ولا سيما عند المتأخرين من الدارسين والباحثين.
_________________
(١) الترجمة ٦١٧.
(٢) الترجمة ٣٥٧.
[ ١ / ١٠٧ ]
فقد تضمن الكتاب تراجم أكثر من ألف ترجمة شملت غالبية أهل العلم والمعرفة من الحنفية في أقطار العالم الإسلامي شرقا وغربا منذ ظهور المذهب على يد الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت (رحمة الله عليه) إلى نهاية القرن الثامن الهجري، وهي مدة زمنية طويلة، ومساحة جغرافية واسعة، هذا فضلا عن تراجم عدد من النساء أفرد لهم بابا خاصا سماه «كتاب النساء». ولم يقف الكتاب عند هذا الحد بل تجاوزه إلى ذكر المدارس والمدن والمواضع والكتب، ومرويات المترجمين وسماعاتهم ورحلاتهم العلمية إلى كثير من الأمور التي زادت في قيمة الكتاب، وقد ذكرتها في «منهج الكتاب» (^١).
ومما زاد في أهمية الكتاب وأثره في كتاب التراجم المتأخرة أن اطلع عليه العلامة أبو الحسنات محمد بن عبد الحي اللكنوي الهندي (ت ١٣٠٤ هـ /١٨٨٦ م) الذي وضع كتابه «الفوائد البهية في تراجم الحنفية».
فاعتمد عليه، وجعله من جملة مصادر كتابه، وأشار إليه صراحة بقوله:
«طبقات القاري» أو «قال القاري» أو «ذكر القاري» في اثنين وتسعين موضعا (^٢) تناولت عناصر الترجمة التي أشرنا إليها في «منهج الكتاب» بدءا من اسم المترجم ونسبه ولقبه، وشيوخه وتلامذته (الرواة عنه) وسماعاته، ومكانته الاجتماعية، والعلمية، وتاريخ وفاة المترجم، ومؤلفاته، ومكان دفنه، وشعره،
_________________
(١) ينظر ص ٧٣ - ١٠٢.
(٢) ينظر: اللكنوي: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، الصفحات:١٣،١٢،١٢،١٠،٩،٨،٣، ٤٦،٤٦،٤٥،٤٢،٤٢،٤١،٤٠،٣٦،٣٦،٣٥،٢٩،٢٨،٢٧،٢٦،١٦،١٤،١٤، ١٠٢،١٠٢،١٠٠،٩٩،٩٥،٩٢،٩١،٨٦،٨٥،٧٦،٧١،٦٥،٦١،٥٥،٥٥،٥٣، ١٢١،١٢٠،١١٩،١١٨،١١٧،١١٦،١١٥،١١٢،١١٠،١٠٩،١٠٨،١٠٦،١٠٤، ١٧٠،١٦١،١٥٩،١٥٧،١٥٢،١٥٠،١٥٠،١٤٩،١٤٩،١٤٣،١٣٥،١٢٥،١٢٣، ٢١٣،٢١١،٢٠٧،١٩٧،١٩٤،١٨٦،١٨٥،١٨٥،١٧٩،١٧٧،١٧٢،١٧٢،١٧١، ٢٤٨،٢٤٧،٢٤٦،٢٤٥،٢٤٥،٢٤٠،٢٣١،٢٢٦،٢٢٥،٢٢٣،٢٢٠،٢١٦،٢١٥.
[ ١ / ١٠٨ ]
ومصادر الشيخ علي القاري التي اعتمد عليها، وتوثيق أقوال القاري وآرائه، وانتهاءا بالتعريف بالمدن، والإشارة إلى تحامل المترجم على غيره من العلماء أو المعاصرين، وبصريح العبارة: لم يترك اللكنوي شيئا من تراجم الكتاب إلا وذكره في كتابه «الفوائد البهية»، وإليك هذه الأمثلة:
- «ذكر علي القاري أنه: أحمد بن إسحاق بن صبيح الجوزجاني، بضم الجيم الأولى، صاحب أبي سليمان الجوزجاني موسى بن سليمان. وذكر القاري في آخر «طبقاته» أن الجوزجاني: نسبة إلى جوزجان بضم الجيم وسكون الواو، وفتح الزاي المعجمة، ثم جيم، ثم ألف، ثم نون» (^١).
- «أرخه القاري وقال في نسبته: بكار بن قتيبة بن أسد بن أبي بردعة بن أبي عبيد الله بن بشر بن أبي عبيد الله بن أبي بكرة الصحابي الثقفي البكراوي …» (^٢).
- «كذا ذكره القاري، وقال: روى عن أبيه، وعن عاصم، وعن أبي داود الطيالسي، ومسدد بن مسرهد، ويحيى بن عبد الحميد الحماني، وعلي بن المديني، وأبي نعيم الفضل بن دكين، في خلق. وكان فاضلا، فارضا، حاسبا، عارفا بمذهب أصحابه، ورعا زاهدا، يأكل من كسب يده …» (^٣).
- «وفي طبقات القاري: أحمد بن علي أبو بكر الرازي … وقد دخل بغداد سنة خمس وعشرين، ثم خرج إلى الأهواز، ثم عاد إلى بغداد، ثم خرج إلى نيسابور ..، ثم عاد إلى بغداد سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، وتفقه عليه جماعة منهم: أبو عبد الله محمد بن يحيى الجرجاني شيخ القدوري، وأبو الحسن محمد بن أحمد الزعفراني» (^٤).
_________________
(١) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ١٤ وينظر الترجمة ٢٩.
(٢) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ٥٥ وينظر الترجمة ١٥٠.
(٣) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ٢٩ وينظر الترجمة ٥٥.
(٤) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ٢٨ وينظر الترجمة ٥٣.
[ ١ / ١٠٩ ]
- «ومات يوم الجمعة التاسع عشر من رجب سنة خمس وأربعين وسبع مئة، كذا أرخه علي القاري وغيره» (^١).
- «قال علي القاري: أحمد بن محمود بن أبي بكر الصابوني، نور الدين
مات سنة ثمانين وخمس مئة ودفن بمقبرة القضاة السبعة ببخارى» (^٢).
- «وذكر القاري: أنه قد روى عنه ابن مندة، وأكثر عنه، وأنه صنف «مسند أبي حنيفة» ولما أملى «مناقب أبي حنيفة» كان يستملي عليه أربع مئة مستملي» (^٣).
- «أرخ وفاته كذلك علي القاري وقال في وصفه: كان أحد الفضلاء الأذكياء، وتآليفه دالة على ذلك. وقال أيضا: قد وضع كتابا على «الهداية» سمّاه «الغاية» ولم يكمله، وبلغني أنه بلغ فيه إلى الأيمان، في ست مجلدات، أيد فيه بالدلائل النقلية والشواهد العقلية، وله «كتاب المناسك» وكتاب «نفحات النسمات في وصول الثواب إلى الأموات» ومؤلف في"حكم الخيل» (^٤).
- «قال علي القاري: إنه مصنف «البدائع» الكتاب الجليل والسلطان المبين قيل: وسماه «المعتمد في المعتقد» ومن شعره:
سبقت العالمين إلى المعالي … بصائب فكرة وعلو همه
ولاح بحكمتي نور الهدى في … ليال بالضلالة مدلهمه
يريد الجاهلون ليطفئوه … ويأبى الله إلا أن يتمه (^٥)
_________________
(١) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ١٦ وينظر الترجمة ٣٦.
(٢) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ٤٢ وينظر الترجمة ٩٥.
(٣) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ١٠٦ وينظر الترجمة ٣٠٨.
(٤) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ١٣ وينظر الترجمة ٢١.
(٥) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ٥٣ وينظر كتاب الكنى.
[ ١ / ١١٠ ]
- «أحمد بن محمد بن مكحول، أبو البديع المكحولي، … سيأتي ذكر جده وهو المصنف لكتاب «اللؤلؤيات» لا صاحب الترجمة، كما صرح به علي القاري، حيث قال في ترجمة صاحب الترجمة: و«اللؤلؤيات» تصنيف جده مكحول، وهو مجلد ضخم» (^١).
- «ذكره القاري وقال: ذكره الحاكم في «تاريخ نيسابور» وقال: غاب عن نيسابور نيفا وأربعين سنة، وتقلد قضاء الموصل، وقضاء الرملة، وقضاء الحرمين وبقي بهما بضع عشرة سنة ثم انصرف إلى نيسابور» (^٢).
- «ذكر القاري أنه كان متحاملا على محمد بن الحسن، وكان الحسن بن مالك ينهاه ويقول: قد عمل محمد هذه الكتب فاعمل أنت مسألة واحدة …» (^٣).
وغير هذه النصوص كثير جدا، مما يدل على أهمية كتاب «الأثمار الجنية في طبقات الحنفية» عند اللكنوي واعتماده عليه بهذه السعة والكثرة يدل أيضا على ثقته العالية بأقوال الشيخ علي القاري.
_________________
(١) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ٤٠ وينظر الترجمة ٨٩.
(٢) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ٣٦ وينظر الترجمة ٧٢.
(٣) اللكنوي: الفوائد البهية: ص ٥٥ وينظر الترجمة ١٤٦.
[ ١ / ١١١ ]