عن الطحاوي (^٢): أنه ولد سنة ثلاث عشرة مئة، وهو يعقوب (^٣) بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة نسبته إلى أمه، وهو الأنصاري البجلي؛ وكان سعد ممن عرض عليه (﵇) يوم أحد فرده لصغرة ودعا له.
وفي رواية مسح رأسه، نزل الكوفة، ومات بها، وصلى عليه زيد بن أرقم، وكبر عليه خمسا.
وذكر الغزنوي (^٤): أنه روى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمر،
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١١٢.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١١٧ - ١١٨.
(٣) ترجمته في: ابن سعد، الطبقات:٧/ ٣٣٠؛ البخاري، التاريخ الكبير:٨/ ٣٩٧؛ الصيمري، أخبار أبي حنيفة وأصحابه: ص ٧٩ - ١٠٨؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:١٤/ ٢٤٢؛ الشيرازي، طبقات الفقهاء: ص ١٣٤؛ ابن خلكان، وفيات الأعيان:٦/ ٣٧٨؛ الذهبي، تذكرة الحفاظ (ط ٤، حيدرآباد، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية،١٣٨٨ هـ -١٩٦٨ م) ٢٩٢/ ١ وسير أعلام النبلاء:٨/ ٥٣٥؛ القرشي، الجواهر المضية:٢/ ٢٢٠ - ٢٢٢؛ وستأتي ترجمته ثانية يرقم ٧١٤.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:١١٩،٢/ ١١٨.
[ ١ / ٢٣٩ ]
ابن محمد الباقر، وأحمد بن معين، وآخرون، ولاه موسى (^١) الهادي بن المهدي قضاء بغداد، ثم الرشيد (^٢).
وذكر مكحول النسفي (^٣): أنه أوصى لأهل مكة بمئة ألف ولأهل المدينة بمئة ألف، ولأهل بغداد بمئة ألف ولأهل الكوفة بمئة ألف.
وذكر الحلبي (^٤): أنه مات سنة اثنين وثمانين ومئة.
وذكر الخوارزمي (^٥): أن الرشيد مشى أمام جنازته، وصلى عليه بنفسه ودفنه في مقبرة أهله، وقال حين دفنه: ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا في موته، ودفن في مقابر قريش بكرخ بغداد، وبقربه دفن محمد الأمين وزبيدة.
وروي عنه أنه قال (^٦): لا أعرف مقدار جميع مالي إنما أعرف أن لي سبع مئة بغل، وثلاث مئة فرس. وعن بشر (^٧) بن الوليد (^٨): أنه كان أوى إلى فراشه فإذا رجل يقرع الباب قرعا شديدا فإذا هو ابن اعين فقال: اجب الخليفة، قلت: هل إلى
_________________
(١) الهادي: وهو أبو محمد موسى بن المهدي بن المنصور ولد سنة (١٤٧ هـ /٧٦٤ م) ولي الخلافة بعهد من أبيه، وتوفي سنة (١٧٠ هـ /٧٨٦ م) ينظر: الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (ت ٣١٠ هـ /٩٢٢ م). تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم (ط ٢، دار المعارف، مصر،١٩٦٨ م) ٨/ ١٨٧؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٧/ ٤٤١.
(٢) الرشيد: وهو هارون بن المهدي بن المنصور وهو أشهر الخلفاء العباسيين، ولد سنة (١٤٨ هـ) واستخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي. توفي سنة (١٩٣ هـ /٨٠٨ م). ينظر: الطبري، تاريخ الطبري:٨/ ٣٤٧؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٩/ ٢٨٦.
(٣) ستأتي ترجمته برقم ٦٥٩. وينظر الخبر في: الكردري، المناقب:٢/ ١١٩.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١١٩.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:١٣١،٢/ ١٣٠.
(٦) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٢٤.
(٧) ستأتي ترجمته برقم ١٤٦.
(٨) ينظر: الكردري، المناقب:١٣٠،٢/ ١٢٩.
[ ١ / ٢٤٠ ]
الدفع سبيل؟ قال: لا، قلت: فما السبب؟ قال: لا أدري، خرج مسرور الخادم، فأمرني أن أجيء بك قال: فإغتسلت، وتحنطت، ورحت، فإذا أنا بالخادم، فطلبت منه أن يدفع عني الحضور، فأبى، وقال: ادخل الصحن، ففعلت، فقال الرشيد:
أدخل، فإذا عيسى بن جعفر جالس عنده، فلما سلمت ورد السلام قال: روعناك، أتدري لم دعوناك؟ قلت: لا، قال: عنده جارية لا يبيعني ولا يهبني، قلت: وما قدرها حتى يمنعها من الخليفة؟ فقال: ليس من العدل سرعة العذل، إني حلفت أن لا أبيعها، ولا أهبها، قال الرشيد: هل من مخرج؟ قلت: يبيع النصف ويهب النصف، فيكون لم يبع ولم يهب، ففعل عيسى ذلك، فأتى بالجارية وقال: خذها بارك الله لك فيها، فقال: يا يعقوب بقيت واحدة، وذلك أن نفسي تنازعني أن أبيت معها؛ ولا بد من استبراءها، فقال: اعتقها وتزوجها فإن الحرة لا تستبرأ، فاعتقها وتزوجها على عشرين ألف دينار، فدعا بالمال ودفعه إليها، ثم قال: يا مسرور أحمل إلى يعقوب عشرين بخجا من ثياب ومئتي ألف درهم، قال بشر بن الوليد: فنظر إلى وقال: هل رأيت بأسا فيما فعلت؟ قلت: لا، قال: خذ منها حقك العشر، قال: فأردت أن أقوم فإذا بعجوز دخلت وقالت: بنتك تقرئك السلام، وتقول: ما وصل إلي من الخليفة من المهر، فوجهت إليك نصفه، والباقي جعلته لاحتياجي فأخذ المال وأعطاني ألف دينار. انتهى، ولا يخفى أن في الخاطر حزازة من قوله: فيكون لم يبع ولم يهب، بل يكون بيعا وهبة كلاهما لأنهما كما يتعلقان بكلها يتعلقان بجزئها نفيا وإثباتا، وهذا بحسب اللغة، ولعله (﵁) بنى على العرف فإن بناء الأيمان عليه غالبا، ومع ذلك لو وهبها للسلطان أو باعها وكفر عن يمينه أو أهداها إليه بناء على الفرق بينها وبين الهبة كان أولى كما لا يخفى، وبهذا تبين الفرق بين الإمام الأول والثاني فتأمل.
[ ١ / ٢٤١ ]
ويروى (^١) أن الرشيد حلف بالطلاق ثلاثا إن باتت زبيدة في ملكه، وندم وتحير، فقيل له: هذا فتى من أصحاب أبي حنيفة يرجى منه المخرج فدعاه فعرض عليه، فقال: استعمل حق العلم، قال: كيف؟ قال: أنت على السرير وأنا على الأرض، فوضع له الكرسي فجلس عليه فقال: تبيت الليلة في المسجد ولا يد لأحد على المسجد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ (^٢) فولاه الرشيد قاضي القضاة.
أقول: وهذا أيضا لا يخلو عن إشكال؛ لأن يمينه على ملكه بالضم لا على ملكه بالكسر، ولا شك أن الأوقاف والأملاك داخلة تحت يد السلطان لغة وعرفا، فالحيلة (^٣) كانت أن يعزل نفسه ويولي غيره ممن يعتمد عليه في تلك الليلة، ثم في الصبح يعزل ذلك نفسه ويوليه، أو كان يطلقها واحدة ثم يتزوجها في الصباح (^٤)!.
ويروى (^٥) أن الرشيد دعاه ذات ليلة، وقال: سرق حلي لي، واتهمت واحدة من جواري الخاصة وحلفت إن لم تصدقني لأقتلنها قال أبو يوسف: هل لي إلى رؤيتها من سبيل؟ قال: نعم، فدعاها في الخلوة، وقال لها: إذا سألك الخليفة عن الحلي سرقت؟ قولي: نعم، وإذا قال: هاتيه، قولي: ما أخذت ولا تزيدي هذا ولا تنقصي، ففعلت، فقال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين صدقت في الإقرار والإنكار، فسكن غضب الرشيد، فقال: يحمل إلى داره مئة ألف، فقيل: الخازن غائب، فقال:
انه اعتقنا من القتل الليلة/١٤ ب/فلا تؤخر صلته إلى الغد، أقول: وفي هذا أيضا
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٣٠.
(٢) سورة الجن/الآية ١٨.
(٣) موقف الإمام أبي يوسف أرجح وأصوب هل من المعقول أن يعزل الخليفة نفسه من هذا المنصب الحساس والخطير ويولي غيره، لو فعل ذلك لعرض نفسه للمخاطر، ولو كان المؤلف في موقفه لما تجرأ على مخاطبة الخليفة بالعزل أو التنحية.
(٤) هل يليق بالخليفة ومكانة الخلافة أن يطلق الخليفة زوجته وهناك مخرج آخر للخروج من المأزق.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٣١.
[ ١ / ٢٤٢ ]
مناقشة ظاهرة، وكان الأولى بالسلطان أن لا يقتلها الليلة ويعتقها أو غيرها كفارة عن يمينه، ثم قوله: إن لم تصدقني يحتمل أن يكون من الصدق أو التصديق، وكل منها يحتاج إلى التدقيق في التحقيق والله ولي التوفيق.
وروي (^١): أن موسى الهادي رأى جارية فائقة في الجمال، فاشتراها بمال عظيم، وأراد إسقاط الإستبراء، فقال الفقهاء: لا بد من الإستبراء والإعتاق والتزوج ولم يحب الهادي التزوج، فأحضر أبو يوسف فقال: يزوجها الخليفة من بعض خدمه ثم يقبضها ثم يأمره بالطلاق فيطلقها بعد قبض الخليفة قبل الخلوة فلا يلزمها العدة، فسرّ به الهادي وأجازه بعشرة آلاف درهم.
وسئل عمن قال (^٢): ماله في المساكين صدقة إن فعل كذا، قال: يخرج ماله إلى من يثق به، ثم يفعل ذلك، ثم يرجع في ماله، فقال أبو اليقظان عمار مستمليه:
قال رسول الله (ﷺ): «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها» (^٣) فقال أبو يوسف: يا لكيع أين هذا من ذاك؟ فإنهم احتالوا فيما حرم الله، ونحن نحتال في أن لا نحرم ما أحله الله.
وذكر الغزنوي (^٤) عن هلال: أنه كان يحفظ التفسير والحديث وأيام العرب، وكان أقل علومه الفقه.
وعن علي (^٥) بن الجعد أنه قال (^٦): العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه أنت كلك، وإذا أعطيته كلك كنت في إعطائه البعض على غرور.
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:١٣١،٢/ ١٣٠.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٣٦.
(٣) ينظر: البيهقي، سنن الكبرى:٦/ ١٣؛ الهيثمي، موارد الظمآن:١/ ٢٧٣.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٣٦.
(٥) ستأتي ترجمته برقم ١٧٨.
(٦) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٣٦.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وعن إبراهيم أنه قال (^١): لا تطلب الحديث بكثرة الرواية فترمى بالكذب والغنى بالكيمياء فتفلس.
وعن يحيى (^٢) بن يحيى قال (^٣): ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة.
وعن ابن سماعة (^٤): أنه كان يصلي بعد ما ولى القضاء كل يوم مئة ركعة، وفي رواية مئتي ركعة، فلم يتركه بعد ما فلج.
وعن الفضل (^٥) قال: قال: لا يبلغ في الفقه إلا من ليس له هم الدنيا والآخرة. وعن علي بن الحسين قال (^٦): ما أتيت مجلسا أريد أن أتكبر فيه إلا افتضحت. وعن علي (^٧) بن حجر قال: أخذت في الفرائض بقول زيد، وعلي، فإذا اختلفا أخذت بقول علي؛ لأنه (ﷺ) قال: «أقضاكم علي» (^٨):
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٣٦، وفيه (والعلم بالكلام فتحتاج إلى أن تعتذر لكل واحد).
(٢) وهو يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن، أبو زكريا التميمي، المنقري، النيسابوري، الحافظ، شيخ الإسلام، وعالم خراسان، توفي سنة (٢٢٦ هـ /٨٤٠ م). ينظر: البخاري، التاريخ الكبير:٨/ ٣١٠؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:١٠/ ٥١٢.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:١٣٧،٢/ ١٣٦.
(٤) ستأتي ترجمته برقم ٥٢٦، وينظر الخبر في الكردري، المناقب:٢/ ١٣٧ وفيه (وكان بشر بن الوليد يصلي كل يوم مئتي ركعة، فلم يتركه بعد ما فلج؛ لأن أبا يوسف ما فلج).
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٣٧.
(٦) ينظر: م. ن.
(٧) هو: علي بن حجر بن اياس بن مقاتل، أبو الحسن السعدي المروزي، الحافظ العلامة الحجة. توفي سنة (٢٤٤ هـ /٨٥٨ م). ينظر: البخاري، التاريخ الكبير:٦/ ٢٧٢؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء:١١/ ٥٠٧.
(٨) ينظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن:١٥/ ١٦٤؛ ابن حجر، فتح الباري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب (د. ط، دار المعرفة، بيروت،١٣٠٨ هـ -/١١١١ م) ١٠/ ٥٩٠.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ويعارضه قوله (﵇): «أفرضكم زيد بن ثابت» (^١) والجمع أن زيد أعلم في هذا الفن بخصوصه من بين الأحكام، وعلي جامع لقضاء أحكام الإسلام، والله اعلم بحقيقة المرام وعن إبراهيم (^٢) بن رستم قال (^٣): مرض مرضه الذي أصابه فيه البرسام، فلما برأ قيل له: أنكرت حفظك، قال: أما القرآن فنعم، وأما العلم فكأني أنظر فيه كما أنظر إلى طرق الكوفة. انتهى. ولا يخفى ما فيه، فإن اللائق به أن يكون الأمر بالعكس، وأين هذا من تلاوة الإمام الأعظم كل يوم ختمة وكل ليلة ختمة، وقد يزيد على ذلك.
وعن خزيمة بن محكمة قال (^٤): كنت أجالس زفر طرفي النهار وأسأله عن المسائل، فإذا كررت عليه المسألة مرتين وطلبت منه الدليل قال: ما هذا الإبرام؟، وكان لا يدخل في مسائل الحساب والوصايا والدور، ومسائل الحيض، وكنت أجالسه لعلمه وزهده، فلما طال ذلك جالست أبا يوسف، وكان جامعا للكل، وكان يأتيني بأنواع الحجج؛ فلزمته حتى كتبت أماليه. انتهى. وهذا مما يدل على كمال زفر (^٥)، فإنه كان مشتغلا بأمور أهم مما ذكر، ولذا قال الغزالي: ضيعت قطعة من العمر العزيز في تصنيف"البسيط ""و"الوسيط "و"الوجيز".
_________________
(١) ينظر: الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد بن محمد (٥٠٥ هـ /١١١١ م) المنخول من تعليقات الأصول، تحقيق: د. محمد حسن هينو (ط ٣، دار الفكر، بيروت،١٤١٩ هـ /١٩٩٨ م) ص ٥٥٧؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: علي محمد البجاوي (ط ١، دار الجبل، بيروت،١٤١٢ هـ /١٩٩٢ م) ٢/ ٥٩٤؛ وفتح الباري:١٢/ ٢٠ الجميع يذكرون «أفرضكم زيد»، ولم يذكر «ابن ثابت».
(٢) ستأتي ترجمته برقم ١١.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٣٨.
(٤) ينظر: م. ن ٢/ ١٣٩.
(٥) وعلى جامعية الإمام أبي يوسف وأفضليته كما لا يخفى على العاقل الفطن.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وذكر الحلبي (^١): عن الحسن (^٢) بن زياد قال حججنا معه فاعتل في الطريق فجاءه ابن عينية في بئر ميمونة عائدا فقال لنا خذوا حديثه. فروى لنا أربعين حديثا من حفظه، فلما قام سفيان حدثنا بالأربعين لسنده ومتنه حفظا، فتعجبنا من سرعة حفظه مع علته وشغله بسفره. قلت: فكأنه كان من ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ (^٣). قيل: وكان يصوم رجب وشعبان، وما ترك السلطان من خراج أرضه كان يتصدق به.
وعن (^٤) أبي إسحاق الرازي أنه خرج يوما راكبا بغلته في ركابي ذهب، فقيل له: أتركب في ركابي ذهب؟ وقد نهي عنه! فقال أردت أن أرى الناس عن العلم أن أبن الخياط بلغ من جلالة العلم إلى هذا القدر حتى يزدادوا حرصا [في العلم] (^٥). قلت: هذا تعليل في معرض النص (^٦) وهو غير مقبول على أن في هذا فتنة عظيمة للعامة.
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٣٩.
(٢) ستأتي ترجمته برقم ١٨١.
(٣) سورة النور/الآية ٣٧.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٤١.
(٥) ساقط في الأصل. وهو زيادة من: الكردري، م. ن.
(٦) وردت نصوص كثيرة تحرم استعمال الذهب للرجال منها: -عن علي (﵇) قال: رأيت رسول الله (ص) أخذ حريرا، فجعله في بمينه، وذهبا وجعله في شماله، ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي» رواه ابو داود بإسناد حسن. ينظر: أبو داود، سنن أبي داود (٤٠٥٧) -وعن أبي موسى الأشعري (﵁) أن رسول الله (ﷺ) قال: «حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم» رواه الترمذي: حديث حسن صحيح. ينظر: الترمذي، سنن الترمذي: (١٧٢٠).
[ ١ / ٢٤٦ ]
وعن أبي يوسف (^١): أنه كرر على الحسن بن زياد المسألة (ست عشرة) مرة، ثم قال الحسن: لعلي لم أفهمها.
ومن لطائفه (^٢): أنه وقعت بين الرشيد وبين امرأته منازعة، فقال الرشيد: الخبيص (^٣) أحلى من الفالوذج (^٤)، وعكست زبيدة، فدخل هو في هذا الحال، فسئل عن ذلك المقال، فقال: القضاء على الغائب لا يجوز، فأتي بطبق منهما، فجعل يأخذ من هذا لقمة ومن هذا لقمة، حتى كاد أن يأتي عليهما، فسأله الرشيد: أيهما أحلى؟ فقال:
أصلح الله الأمير كلما هممت أن أحكم لواحد/١٥ أ/أتى الآخر بشاهد فلما شبع قال:
الخبيص حلو، قال الرشيد: قويت حجج الخبيص، فقال: الخبيص حلو كما قلت، لكن لا بمنزلة الفالوذج.
وحكي عن ابن المبارك أنه قال (^٥): خرجت حاجا فدخلت عليه، فشكى لي ضيق الحال، وقال: في جواري غني أريد أن أتوكل عنه في أموره، فقلت: اصبر على العلم فإنه لا يضيعك، فلما قمت من عنده تعلق ذيلي بكوز وسخ فانكسر فتغير لونه، فقلت: ما الذي أصابك؟! فقال: إن هذا الكوز للشرب والضوء لي ولوالدتي ليس لنا غيره؛ فأخرجت دينارين وأعطيتهما إياه، فلما رجعت من الحج رأيته قد جعل قاضيا للقضاة، وأجزي له كل شهر مئة دينار، وألف درهم، ودار ذلك الغنى جعل اصطبلا لدوابه. قيل (^٦): كانت له عند الرشيد منزلة رفيعة بحيث يبلغ دار الخلافة راكبا بغلته فيرفع له الستر فيدخل كما هو راكبا، والرشيد يبدأه السلام.
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٤١.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٤٢.
(٣) الخبيص: المعمول من التمر والسمن. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:١/ ٨٣٨.
(٤) الفالوذج: حلواء. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:١/ ٤٨٣.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٤٣.
(٦) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٤٣.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وذكر الخطيب (^١) في تاريخ بغداد عن القاسم بن حكم قال: سمعته يقول: يا ليتني مت على ما كنت عليه من الفقر ولم أدخل في القضاء، على أني بحمد الله ما تعمدت جورا ولا حابيت خصما على خصم من سلطان ولا سوقة.
ويروى (^٢) أن الرشيد جعل الأمين ولي عهده في حياته قال أبو يوسف:
الحمد لله الذي جعل ولي عهد أمير المؤمنين من لم يسود صحيفته بالأوزار، فبلغ ذلك زبيدة أمه، فانقدت إليه مئة ألف درهم (^٣)!
وقيل: وأصحاب الأمالي الذين رووها عن أبي يوسف لا يحصون والله أعلم.