ولد سنة ثماني عشرة ومئة، وكانت أمه خوارزمية، وأبوه تركيا.
قيل كان سبب توبته أنه سمع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ (^٤)﴾ فقال: بلى والله، وكان هذا أول زهده وكذلك هذه الآية كانت سببا لتوبة فضيل (^٥) بن عياض.
مات عبد الله بهيت سنة إحدى وثمانين ومئة.
وعن الحسن (^٦) بن الربيع قال (^٧): لما حضرته الوفاة قال: اشتهى سويقا فلم يجد إلا عند رجل يعمل من أعمال السلطان فعرض عليه فلم يقبل، ومات ولم يشربه.
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٥٥.
(٢) م. ن:٢/ ١٦٠.
(٣) ستأتي ترجمته برقم ٣٠٤.
(٤) سورة الحديد/الآية ١٦.
(٥) ستأتي ترجمته برقم ٤٥١.
(٦) هو: الحسن بن الربيع، أبو علي البجلي، القسري، الكوفي، البوراني، الإمام الحافظ الحجة العابد الخشاب الحصري: توفي سنة (٢٢١ هـ /٨٣٥ م). ينظر: ابن سعد، الطبقات:٦/ ٤٠٩؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:١٠ م ٣٩٩.
(٧) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧١.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وعنه قال: لما حضرته الوفاة قال: قد ترى شدة الكلام علي فإذا سمعتني قلت كلمة الشهادة فلا تردها علي حتى تسمعني أخذت في كلام آخر، فإنما كانوا يحبون أن يكون آخر كلامهم كلمة الشهادة. لقوله (﵇): «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة» (^١).
قيل (^٢) لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة، قال: ترك الغضب، قلت: ولذا لما قال بعض الصحابة: أوصني يا رسول الله قال:
«لا تغضب» (^٣).
وقال (^٤) أبو علي الروذباري (^٥): صحبته في طريق مكة فلما دخلنا البادية قال: تكون الأمير أم أكون أنا؟ قلت: بل أنت، قال: فعليك بالسمع والطاعة، فأخذ المخلاة (^٦) فوضعها على عاتقه فقلت دعني أحمل، فقال: أنا الأمير أم أنت؟.
فمكثنا ذات ليلة إذ أخذ المطر فأخذ الكساء فأظلني إلى الصباح، فوددت أني مت ولم أقل كن أميرا، فلما أردت الإفتراق قال: يا أبا علي إذا صحبت إنسانا فاصحبه هكذا.
ولابن المبارك شعر (^٧):
إذا رافقت في الأسفار قوما … فكن لهم كذي الرحم الشقيق
_________________
(١) ينظر: ابن حنبل، مسند أحمد:٢٤٧،٥/ ٢٣٣؛ أبو داود، سنن أبي داود:٣/ ١٩٠
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧٢.
(٣) ينظر: البخاري، الصحيح:٥/ ٢٢٦٧؛ أبو داود، سنن أبي داود:٣/ ١٩٠.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧٢.
(٥) هو: أحمد ابن محمد بن القاسم بن منصور، أبو علي الصوفي الروذباري، سكن مصر، صحب الجنيد، وأبا الحسين النوري، وابا حمزة البغدادي وغيرهم، توفي سنة (٣٢٢ هـ / ٩٣٣ م). ينظر: السمعاني، الأنساب:٣/ ١٠٠؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:١٧/ ٢١٩.
(٦) المخلاة: القدر ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:٢/ ١٦٨١.
(٧) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧١ - ١٧٢.
[ ١ / ٢٥٤ ]
بعيب النفس ذا بصر وعلم … عمي القلب عن عيب الرفيق
ولا تأخذ بهفوة كل قوم … ولكن قل: هلم إلى الطريق
متى تأخذ بهفوتهم تمل … وتبقى في الزمان بلا صديق
ومن كلامه (^١): أن العلماء ورثة الأنبياء فإذا كانوا على طمع فبمن يقتدي؟ والتجار أمناء الله، فإذا خانوا فعلى من يؤتمن؟ والزهاد ملوك الأرض، فإذا كانوا ذا رياء فبمن يتبع؟ والولاة رعاة الأنام، فإذا كان الراعي ذئبا. فبمن تحفظ الرعية؟
وقد أشار عمران (^٢) بن حطان الخارجي إلى الفقرة الأخيرة فيما قاله لعبد الملك بن مروان مخاطبا: شعر (^٣):
إن أنت لم تبق لنا لا صوفا ولا غنما … ألقيتني أعظما في قرقر قاع
أخذت رزقي من ربي لتحفظني … فصرت لي سبعا يا أيها الراعي
وعن أحمد بن حنبل عن الحسن قال: حضرنا باب سفيان بن عيينة ليلا، فقيل: هو عند يحيى بن خالد، وقال: آخر هو عند جعفر، فقال رجل منا: يا رب أرنا رجل يسوي هذا العلم [بين الناس فقال رجل هو] (^٤) ابن المبارك [وقال رجل هات غيره، فذكرت هذا الكلام لابن المبارك] (^٥) ولم أقل: ذكروك، فقال: هو الفضيل بن عياض.
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧١ - ١٧٢.
(٢) هو: عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي البصري، من أعيان العلماء، لكنه من رؤوس الخوارج، حدث عن عائشة وأبي موسى الأشعري وأبن عباس. توفي سنة (٨٤ هـ /٧٠٣ م) ينظر: ابن سعد، الطبقات:٧/ ١٥٥؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٤/ ٢١٤.
(٣) بحثت كثيرا عن البيتين في شعر الخوارج فلم أعثر عليهما.
(٤) ساقط في الأصل. وهو زيادة من: الكردري: المناقب:٢/ ١٧٣.
(٥) ساقط في الأصل. وهو زيادة من: م. ن.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وعن الأشعث بن شعبه المصيصي قال (^١): قدم علينا ابن المبارك بالرقة وفيها هارون فجفل الناس إليه حتى تقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد للرشيد من برج، وقالت: ما هذا؟ قالوا: قدم من خراسان عالم يقال له ابن المبارك، قالت: هذا الملك لا ملك هارون الذي لا يجتمع الناس عليه إلا بشرطة وأعوان.
وكان كتبه التي حدث فيها عشرين ألفا.
وعن ابن إسحاق قال (^٢): نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبة النبي (ﷺ).
ومن كلامه (^٣) لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم وعن عمرو بن حفص الصوفي، قال: خرج ابن المبارك يريد المصيصة (^٤) للغزاة، وصحبه بعض الصوفية فقال لهم: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن تنفق عليكم، هات يا غلام المنديل والطست، فألقى عليه المنديل ثم قال: يلقي كل منكم تحت المنديل ما معه، فجعل الرجل يلقي عشرة وعشرين درهما فأنفق عليهم إلى المصيصة ثم قال: هذا بلاد لغيرنا، فنقسم ما بقى، فجعل الرجل عشرين دينارا مكان عشرين درهما فيقول: إنما أعطيت عشرين درهما فيقول: وما تنكر أن يبارك الله للغازي في نفقته؟، قال الكردري (^٥): يجوز أن يكون من قبيل إخفاء الإحسان على عادة السلف، قلت:
ويؤيده أنه كان ينفق على الفقراء في كل سنة مئة ألف، ويجوز أن يكون من باب الكرامات ويؤيده ما روى ابن وهب: أن ابن المبارك مر بأعمى، فقال: أدع الله أن يرد علي بصري فدعا، فرد الله عليه بصره وأنا أنظر إليه.
_________________
(١) ينظر: الكردري: م. ن
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:١٧٤،٢/ ١٧٣.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب
(٤) المصيصة بالفتح ثم الكسر والتشديد؛ وهي مدينة على شاطئ جيحان، من ثغور الشام، بين انطاكية وبلاد الروم، تقارب طرسوس. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان:٥٥٨،٤/ ٥٥٧.
(٥) ينظر: المناقب:٢/ ١٧٥.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ومن كلامه (^١): من كان/١٦ أ/فيه خلة من الجهل فهو من الجاهلين، قال تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (^٢).
ويشير إليه حديث: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» (^٣).
ومن كلامه (^٤): الرفيع من رفعه الله بطاعته، والوضيع من وضعه الله بمعصيته. وقال: أحب الصالحين، ولست منهم، وأبغض الطالحين وأنا منهم.
ودخل عليه أبو أسامة، فرأى في وجهه أثر ضر، فلما خرج وجه إليه أربعة آلاف درهم، ورزمة ثياب، ورقعة، وكتب إليه الشعر:
وفتى خلا من ماله … ومن المروة غير خال
أعطاك قبل سؤاله … وكفاك مكروه السؤال
وقال صاحب (حلية الأولياء) (^٥): أن رجلا في سرخس بعث إلى ابن المبارك شيئا عليه خيط، فأخذ الهدية ورد الخيط، وقال: كتب إلي في الشيء ولم يكتب إلى في الخيط، رب عمل صغير يعظمه الله، ورب عمل كبير يصغره الله.
وروي (^٦) أنه رجع من رقة إلى الشام في قلم استعاره ليرده على صاحبه.
وسأله (^٧) رجل عن الرباط، فقال: رابط نفسك على الحق حتى تقيمها على الحق فذلك الرباط. أي في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ..﴾. (^٨).
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧٦.
(٢) سورة هود: الآية ٤٦.
(٣) ينظر: ابن أبي شيبة،٤/ ٣١٧؛ الترمذي، سنن الترمذي،٣/ ٥٦١.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧٦.
(٥) لم أعثر عليها في حلية الأولياء
(٦) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧٩.
(٧) ينظر: الكردري، م. ن:٢/ ١٧٨.
(٨) سورة آل عمران/الآية ٢٠٠.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وسأله رجل (^١): أنّ تعلم القرآن أفضل أم العلم؟ قال: أتقرأمن القرآن ما تقيم به الصلاة؟ قال: نعم، قال: فعليك بالعلم تعرف به القرآن، أي معناه، والحاصل؛ أن الإشتغال بمعنى القرآن المستفاد من التفسير والحديث والفقه أفضل من مجرد تلاوته وكثرة قراءته وهذا معنى قوله (﵇): «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (^٢).
وقال: الحبر في الثوب حلية العلماء.
ولبعضهم شعر (^٣):
إنما الزعفران عطر العذارى … ومداد الدواة عطر الرجال
ويؤيده حديث: «مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء» (^٤).
وذكر الهمداني عن العباس ابن مصعب قال (^٥): كان ابن المبارك جمع بين الفقه، والحديث والعربية والفقه، والغريب، وأيام الناس، والسخاوة، والشجاعة، والتجارة، والمحبة عند الناس.
وذكر (^٦) محمد بن الحسن البخاري عن الفضل بن دكين: ما رأيت قط أحسن قراءة منه، كان يقرأعلى الإمام.
وعنه (^٧): أن أول العلم النية ثم الفهم، ثم العمل، ثم الحفظ، ثم النشر.
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧٨.
(٢) ينظر: الدارمي، سنن الدارمي:١/ ١٠٠.؛ الترمذي، سنن الترمذي:٥/ ٥٠.
(٣) البيت في: الكردري، المناقب:٢/ ١٧٨.
(٤) ينظر: الديلمي، أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الهمداني (ت ٥٠٩ هـ /١١١٥ م). فردوس بأثور الخطاب، تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول (ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٦ م) ٥/ ٤٨٦.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧٩.
(٦) م. ن
(٧) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٧٩.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وعن محمد بن إبراهيم البهراني: أن ابن المبارك أملئ هذه الأبيات عليه، وأنفذها إلى الفضيل بن عياض سنة سبع وسبعين ومئة، شعر (^١):
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم وريح عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأصهب (^٢)
ولقد أتانا من مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب
لا جمع بين غبار خيل، الله في … أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد كميت لا تكذب
قال: فلقيت الفضيل في المسجد الحرام، فلما قرأها بكى، وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ثم قال: وأنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم يا أبا علي، قال: فاكتب هذا الحديث جزاء لحمل الكتاب، وقال: حدثني المنصور بن المعتمر عن ابن صالح عن أبي هريرة (﵁): أن رجلا قال: دلني على عمل أنال به ثواب المجاهد في سبيل الله، فقال النبي (ﷺ): «هل تستطيع أن تصوم ولا تفطر وتصلي ولا تفتر، فقال: يا رسول الله إني أضعف عن ذلك، فقال (﵇): فو الذي نفسي بيده لو طوقت ذلك لما بلغت فضل المجاهد في سبيل الله أما علمت أن فرس المجاهد ليبيتن في طوله فيكتب لصاحبه بذلك الحسنات (^٣).
_________________
(١) الأبيات والخبر في: الكردري، المناقب:١٨١،٢/ ١٨٠
(٢) كل موضع تحمى عليه الشمس حتى ينشوي اللحم عليه. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:١/ ١٩٠.
(٣) ينظر: البخاري، الصحيح:٣/ ١٠٢٦؛ البيهقي، سنن البيهقي:٩/ ١٥٧؛ ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ /١٣٧٢ م). تفسير القرآن العظيم (د. ط، دار الفكر، بيروت،١٤٠١ هـ) ١/ ٤٤٨.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ويروى (^١) أنه قاتل علجا فدخل وقت صلاة العلج، فاستمهله، فلما سجد الكافر للشمس أراد أن يضربه بالسيف، فسمع صوتا من الهواء: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا ..﴾. (^٢) فأمسك، فلما فرغ المجوسي قال: لم أمسكت عن قصدك؟ فحكى له ما سمع، فقال الكافر: نعم الرب رب يعاتب وليه على عدوه، فأسلم وحسن إسلامه.
وعن عبد الله بن سنان قال (^٣): كنت معه ومع المعتمر بن سليمان بطرسوس فصاح الناس النفير؛ فلما اصطف الناس خرج علج رومي يطلب البراز، فخرج إليه مسلم فقتله، ثم وثم (^٤) حتى قتل ستة من المسلمين، ثم لم يخرج إليه أحد، فلما رأى ابن المبارك ذلك أوصى إليه وقال: إن قتلت فأفعل كذا وكذا، فخرج فقتله وقتل ستة من الكافرين ثم امتنعوا عنه، فغاب ثم نظرته فإذا هو بالمكان الذي كان فيه، وكان يحضر القتال ويقاتل ويبلى بلاء حسنا فإذا كان وقت القسمة غاب، فقيل له في ذلك فقال: يعرفني الذي أقاتل له ومناقبه كثيرة ومراتبه شهيرة وفي هذا مقنع لأرباب الألباب في هذا الباب.
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٨١.
(٢) سورة الإسراء/الآية ٣٤.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:١٨٢،٢/ ١٨١.
(٤) المواثمة في العدو: المضابرة، كأنه يرمي بنفسه. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:٢/ ١٥٣٤.
[ ١ / ٢٦٠ ]