هو أبو عبد الله الشيباني (^٥) من قرية تسمى
_________________
(١) تاريخ بغداد:١٤/ ٢٦٠.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٤٤.
(٣) بأي حق أخذ هذه الأموال الضخمة، من أين جمعت زبيدة تلك الأموال من مصدر حلال أم حرام كان حريا بأبي يوسف ﵀ أن يمتنع عن قبول هذه الصلة ويسجل موقفا يليق بمكانة العلماء وزهدهم عن حطام الدنيا.
(٤) ترجمته في ابن النديم، الفهرست: ص ٣٤١ - ٤٣٣؛ خليفة بن خياط، تاريخ: ص ٤٥٨؛ ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل:٧/ ٢٢٧؛ الصيمري، أخبار أبي حنيفة وأصحابه: ص ١٢٥ - ١٣٣؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:٢/ ١٧٢٠ ١٨٢؛ ابن عبد البر، الانتقاء ص ١٧٤ - ١٧٥؛ القرشي، الجواهر المضية:٢/ ٤٢ - ٤٤؛ ابن حجر، لسان الميزان:٥/ ١١٠. وستأتي ترجمته برقم ٥٩٠.
(٥) الشيباني: هذه النسبة إلى شيبان، وهي قبيلة معروفة من بكر بن وائل، وهو شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. ينظر: السمعاني، الأنساب:٣/ ٤٨٢ - ٤٨٥.
[ ١ / ٢٤٨ ]
حرستا (^١) من أعمال دمشق، قدم أبوه العراق، فولد محمد بواسط سنة اثنتين وثلاثين ومئة ونشأ بالكوفة، وسمع العلم من الإمام الأعظم، والأوزاعي، والإمام مالك، والثوري، ومسعر بن كدام، وروى عنه: الإمام الشافعي وغيره من العلماء الكرام، والمشايخ العظام.
وروي أنه (^٢): محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز ملك بني شيبان، وأبو حنيفة: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز، أسلم على يد عمر (﵁).
وعن وكيع قال (^٣): كنا نكره أن نمشي معه في طلب الحديث؛ لأنه كان غلاما جميلا.
وذكر السمعاني: أن أباه قدم به إلى الإمام، فقال الإمام لوالده: احلق رأسه وألبسه الخلقان، ففعل أبوه امتثالا؛ فزاد عند الخلق حسنا وجمالا، وفيه يقول أبي نؤاس:
حلقوا رأسه ليكسوه قبحا … غيرة منهم عليه وشحا
كان في وجهه صباح وليل … نزعوا ليله وأبقوه صبحا
ولاه الرشيد القضاء، فخرج معه إلى خراسان، ومات بالري سنة تسع وثمانين ومئة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات الكسائي (^٤) بعده بيومين، وحكى
_________________
(١) حرستا: قرية كبيرة عامرة وسط بساتين دمشق على طريق حمص، بينها وبين دمشق أكثر من فرسخ (أي أكثر من ٥ كم). حرستا: أيضا: قرية من نواحي حلب، وفيها حصى ومياه غزيرة. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان:٢٤٢،٢/ ٢٤١.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٤٧.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٤٧.
(٤) الكسائي: هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي الكوفي، أحد أصحاب القراءات، وأحد اللغويين الكبار، نشأ بالكوفة، وتنقل في البلدان، واستوطن بغداد، وتقدم، حتى اختير مؤدبًا لولدي هارون الرشيد الأمين والمأمون، توفي سنة (١٨٩ هـ/ ٨٠٤ م) وقيل:=
[ ١ / ٢٤٩ ]
أنهما ماتا في يوم واحد، فقال الرشيد: دفنت الفقه واللغة في الري وتشاءم به.
ودفن الإمام محمد بجبل طبرك والكسائي بقرية رنبوية، بينهما أربعة فراسخ وكان معسكره أربعة فراسخ نزل الإمام الكسائي في جانب، والإمام محمد في جانب، وقيل مرثيتهما (^١):
تضرمت (^٢) … الدنيا فليس خلود وما قد يرى من بهجة سيبيد
لكل امرئ منا من الموت منهل … فليس له إلا عليه ورود
ألم تر شيبا شاملا ينذر البلى … وأن الشباب الغض ليس يعود
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت … فكن مستعدا فالفناء عتيد
آسيت على قاضي القضاة محمد … وأذريت دمعي والفؤاد عميد
فقلت إذا ما أشفق الخطب من لنا … بإيضاحه يوما وأنت فقيد
وأوجعني موت الكسائي بعده … وكادت بي الأرض الفضاء تميد
_________________
(١) = (١٨٠ هـ/ ٧٩٦ م) وقيل (١٨٢ هـ/ ٧٩٨ م) وقيل: (١٨٣ هـ/ ٧٩٩ م). ينظر: ابن النديم، الفهرست: ٧٢؛ الققطي، انباه الرواة: ٢/ ٢٥٦؛ ياقوت الحموي، معجم الأدباء: ١٣/ ١٦٧.
(٢) هذه المرثية لأبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي نسب إلى يزيد بن منصور خال المهدي لصحبته إياه. رثى بها الكسائي ومحمد بن الحسن. ينظر: السيرافي، أبو سعيد الحسن بن عبد الله (٣٦٨ هـ/ ٩٧٨ م) أخبار النحويين البصريين، اعتنى بنشره وتهذيبه فريتس كرنكو (د. ط، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ١٩٣٦ م) ص ٤٥، ٤٦. وينظر: ابن عبد البر، الإنتقاء: ١٧٥؛ وهي ما عدا الثامن في أخبار أبي حنيفة وأصحابه: ١٢٩؛ والأبيات الأول، ومن الرابع إلى التاسع في: تاريخ بغداد ١١/ ٤١٣؛ معجم / الأدباء: ١٣/ ٢٠١، ٢٠٢؛ إنباه الرواة: ٢/ ٢٦٨. والأبيات؛ من الخامس إلى السابع والتاسع في: الأنساب: ٧/ ٤٣٦؛ والأبيات: الخامس والسابع والتاسع في: تاريخ بغداد: ٢/ ١٨٢. (٢،٦،٩) سقطت هذه الأبيات من الأصل. تكملة من (الجواهر المضية): ٣/ ١٢٦.
(٣) تضرمت: احتدم غضبًا. ينظر: الفيروز آبادي، القاموس: ٢/ ١٤٩.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وأذهلني عن كل عيش ولذة … وأرق عيني والعيون هجود
هما عالمانا أوديا وتخرما … فما لهما في العالمين نديد
وذكر السمعاني (^١): عن هشام (^٢) بن عبيد الله الذي توفي الإمام محمد في بيته: أنه لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له في ذلك، فقال: لو أوقفني الله تعالى وقال:
يا محمد ما أقدمك على الري؟ مجاهدا في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي؟ ما أقول؟!
وعن البويطي (^٣) عن الشافعي (^٤): أعانني الله تعالى في العلم برجلين في الحديث بابن عيينه، وفي الفقه: محمد بن الحسن.
وعن ابن جبلة: سمعت محمدا يقول: لا يحل لأحد أن يروي عن كتبنا إلا ما سمع، أو يعلم مثل ما علمنا.
وعن أحمد بن [حاج] (^٥)
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٤٩.
(٢) هو هشام بن عبيد الله الرازي، تفقه على أبي يوسف ومحمد، قال الصيمري: غير أنه كان لينا في الرواية. ينظر: الشيرازي، طبقات الفقهاء:١٣٨؛ القرشي، الجواهر المضية:٢/ ٥٦٩. ولم تذكر مصادر الترجمة سنة وفاته.
(٣) البويطي: يوسف بن يحيى المصري صاحب الإمام الشافعي، والقائم مقامه في الدرس والإفتاء بعد وفاته توفي سنة (٢٣١ هـ /٨٤٥ م). ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:١٤/ ٢٢٩؛ السبكي، طبقات الشافعية الكبرى:٢/ ١٦٢.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٥٠.
(٥) في الأصل (حجاج) التصحيح من: القرشي، الجواهر المضية:١/ ١٥٣. وهو: أحمد بن حاج، أبو عبد الله، العامري، النيسابوري، الفقيه، صاحب محمد بن الحسن، تفقه عليه، وكان شيخا جليلا، سمع ابن مبارك، وسفيان بن عيينة، توفي سنة (٢٣٧ هـ / ٨٥١ م)
[ ١ / ٢٥١ ]
يقول (^١): لم يحمل هذا الكتاب عني أحد أصح مما احتمله البخاري، أخذ عني ولم يستقص على أحد في السماع كاستقصائه قلت: لعله أراد به أبا حفص الكبير البخاري، فإن محمد بن إسماعيل البخاري ليس له رواية عن محمد فيما أحفظه.
قيل (^٢): دخل على الإمام أول ما دخل للعلم، قال: استظهر القرآن، فغاب سبعة أيام ثم جاء، وقال: حفظته.
وعن الديلمي أن الشافعي قال (^٣): جالسته عشر سنين، وحملت من كلامه حمل جمل لو كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا كلامه، ولكن كان يكلمنا على قدر عقولنا.
وعن الشافعي (^٤): ما رأيت سمينا عاقلا قط غيره.
وأنشدوا للشيخ سيف الدين (^٥) الباخرزي البخاري (^٦):
يقولون: أجساد المحبين نضوة (^٧) … وأنت سمين لست غير مرائي
فقلت لأن الحب خالف طبعهم … ووافقه طبعي فصار غذائي
وعن ابن سماعة (^٨): قال لأهله/١٥ ب/لا تسألوني حاجة من الحوائج فإن فيها شغل قلبي، وخذوا ما بدا لكم من وكيلي فإنه أفرغ لقلبي.
روي (^٩) أنه لما مات أبو يوسف: لم يخرج محمد لجنازته، قال: لأن
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٥٢.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٥٥.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٥٥.
(٤) ينظر: المناقب:٢/ ١٥٦.
(٥) ستأتي ترجمته برقم ٢٥٦.
(٦) البيتان في: الكردري، المناقب:٢/ ١٥٦.
(٧) نضوة: المهزول. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:٢/ ١٧٥٤.
(٨) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١٦٢.
(٩) ينظر: الكردري، م. ن:٢/ ١٦٦ ز.
[ ١ / ٢٥٢ ]
جواري أبي يوسف يندبنه ويقلن شعر:
اليوم يرحمنا من كان يحسدنا … اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
وروى (^١) عنه أنه قال: ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر، والباقي على الحديث والفقه.
وقال (^٢): أقمت على باب مالك ثلاث سنين.