روي أن المنصور أشخص الإمام إلى بغداد وطلب منه أن يتولى القضاء من تحت يده، فأبى، واعتل بعلل، فحلف المنصور، إن لم يقبل حبسه، فأصر على الإباء، وقال: الخليفة أقدر على كفارة يمينه، فحبسه، وكان يرسل إليه في الحبس أنه إن لم يقبل يضربه فأبى، فأمر أن يخرج/١١ أ/ويضرب كل يوم عشرة أسواط، فلما تتابع عليه الضرب في تلك الأيام، انتقل إلى جوار الملك العلام، فمات في الحبس مبطونا مجهودا، وقيل مسموما، فأخرجت جنازته، وكثر بكاء الناس على حالته، ودفن في مقابر الخيزران بناء على وصيته.
_________________
(١) هو: أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان التميمي ثم المازني البصري، شيخ القراء والعربية. توفي سنة (١٧٥ هـ /٧٩١ م). ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء:٦/ ٤٠٧؛ ابن الجزري، طبقات القراء:١/ ٢٨٨.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ٩.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ١١.
[ ١ / ٢١٢ ]
وروي أنه ضرب مئة وعشرة أسواط في أحد عشر يوما، فأخرج من السجن على أن يلزم الباب وطلب أن يفتي فيما يرفع إليه من الأحكام وكان يرسل إليه بالمسائل، فكان لا يفتي، فأمر أن يعاد إلى السجن ويغلظ عليه، فأعيد وضيق عليه تضييقا شديدا، فكلم خواص [المنصور] (^١) وأخرج من السجن، ومنع من الفتوى، والجلوس للناس، والخروج من المنزل، فكانت تلك حالته ولم يدخل في العمل.
وروي (^٢) أنه أخرج من الحبس ودفع إليه قدح من سم ليشرب فأبى، وقال:
لا أشرب، لأني أعلم ما فيه، ولا أعين على نفسي، فطرح وصبت في فمه، وخلى عنه، فجاء إلى المنزل الذي نزل فيه ببغداد، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات.
وروي (^٣) أنه لما أحس بالموت سجد وخرجت روحه وهو ساجد.
وذكر الإمام النسفي (^٤) عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري (^٥)، قال (^٦):
دخل الحسن بن قحطبة أحد قواد المنصور على الإمام، وقال: عملي لا يخفى عليك فهل لي من توبة؟، قال: نعم، إذا علم الله أنك نادم على ما فعلت، ولو خيرت بين قتل مسلم وقتلك لاخترت قتلك على قتله، وتجعل مع الله عهدا على أن لا تعود، فإن وفيت فهي توبتك، قال الحسن: إني فعلت ذلك وعاهدت مع الله أن لا أعود إلى قتل المسلمين، فكان ذلك إلي أن ظهر بالبصرة إبراهيم (^٧) بن عبد الله الحسنى، فأمره
_________________
(١) ساقط في الأصل. وهو زيادة من: الكردري، المناقب:٢/ ١٩.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ٢٠.
(٣) م. ن:٢٢،٢/ ٢١.
(٤) هو: عمر بن محمد بن أحمد صاحب «المنظومة». ستأتي ترجمته برقم ٤٢٩.
(٥) هو: أحمد بن حفص. ستأتي ترجمته برقم ٤٣.
(٦) ينظر: الكردري، المناقب:٢٣،٢/ ٢٢.
(٧) هو: إبراهيم بن عبد الله بن حسن العلوي، الذي خرج بالبصرة زمن خروج أخيه بالمدينة توفي سنة (٢٤٥ هـ /٦٧٢ م). ينظر الجاحظ، البيان والتبين ٢٠/ ١٩٥ و٣/ ٣٣٣؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٦/ ٢١٨.
[ ١ / ٢١٣ ]
المنصور أن يذهب إليه فجاء إلى الإمام، وقص عليه الكلام، فقال: جاء أوان توبتك، وإن وفيت بما عاهدت فأنت تائب، وإلا فأخذت بالأول والآخر، فجد في توبته، وتأهب وسلم نفسه للقتل، ودخل على المنصور وقال: لا أسير إلى هذا الوجه إن كان [لله تعالى] (^١) لك طاعة في سلطانك فيما فعلت فلي منه أوفر الحظ وإن كان معصية فحسبي، فغضب المنصور، فقال حميد أخوه: إنا انكرنا عقله منذ سنة وكأنه خولط عليه أنا أسير وأنا أحق بالفضل منه، فسار، فقال المنصور لبعض تقاته من يدخل عليه من هؤلاء الفقهاء؟ قالوا: إنه يتردد إلى الإمام، فدعا الإمام بعلة شيء فسقاه السم، ثم سقى الحسن أيضا بعد أيام، فأما الحسن فعالج نفسه فبرأ، فمات الإمام شهيدا في سنة خمسين ومئة، وكان ابن سبعين سنة، ولم يكن له من الأولاد سوى حماد.
وذكر (^٢) العسكري عن عبد الله بن مطيع عن أبيه قال: رأيت جنازة في أيام المنصور في طاقات باب خراسان خلفها رجل يحملها أربعة أنفس، قلت: جنازة من هذا؟ قالوا: جنازة فقيه كوفي يدعى أبا حنيفة مات في السجن، فلما خرج من باب خراسان كأنه نودي في الناس، فازدحموا عليه، فعبر به إلى الجانب الآخر، فصلينا عليه بباب الحسن، فلم نقدر على دفنه إلا بعد العصر من الزحام، فجاء المنصور فصلى على قبره، ومكث الناس يصلون على قبره إلى عشرين يوما، فقلت: كيف اختار هذا الجانب؟ قال: لأن ذلك الجانب غصب، وهذه الأرض كانت أطيب منه، فلما بلغ المنصور وصيته، قال: من يعذرني منه حيا وميتا؟. وقيل:
حزر من صلي عليه فكان مقدار خمسين ألفا، وقد قيل فيه (^٣):
عزّ الشريعة إذ مضى كشافها … وظهيرها النعمان نحو جنانه
عمر التقي والشرع أكثر عصره … بالأصغرين لسانه وجنانه
_________________
(١) ساقط في الأصل، وهو زيادة من: الكردري، المناقب:٢/ ٢٣.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ٢٣.
(٣) الأبيات في: الكردري، المناقب:٣٢،٢/ ٣١.
[ ١ / ٢١٤ ]
عجبا لقبر فيه بحر زاخر … عجبا لبحر لف في أكفانه
وذكر (^١) الإمام الإسفراييني عن الربيع بن يونس قال: سمعت المنصور يخاطب الإمام على القضاء ويقول [له الإمام] (^٢) اتق الله تعالى، ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله تعالى، ما أنا بمأمون الرضاء فكيف أكون مأمون الغضب، ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددني على أن تغرقني في الفرات أو أزيل الحكم لاخترت الغرق، حاشيتك محتاجون إلى من يكرمهم لك، فقال له: كذبت أنك تصلح، قال: قد حكمت لي على نفسك كيف يحل لك أن تولي القضاء من يكون كاذبا؟!
وما ذكرنا من أفعال المنصور بالإمام، فعل يزيد بن هبيرة والي الكوفة بالإمام أيضا في زمان المروانية، كما رواه العسكري (^٣) وغيره عن يحيى بن أكثم عن أبي داود قال: أراد ابن هبيرة أن يولي الإمام القضاء الكوفة، فأبى فحلف ابن هبيرة إن لم يقبل يضربه بالسياط على رأسه ويحبسه، فحلف الإمام على أنه لا يلي منه، فقيل له: إنه حلف على أن يضربك، قال: ضربه في الدنيا أهون من معالجة مقامع الحديد في العقبى، والله لا أفعل ولو قتلني، فقيل: إنه حلف أن لا يخليك وأنه يريد بناء قصر فتول له، عدد اللبن، فقال: لو سألني أن أعدله أبواب المسجد ما فعلت؛ فذكر للأمير، فقال: قد بلغ من قدره أن يعارضني في اليمين، فدعاه فشافهه وحلف أن/١١ ب/لا يقبل فضرب على رأسه عشرين سوطا، فقال: اذكر مقامك بين يدي الله تعالى فإنه أذل من مقامي هذا ولا تهددني فإني أقول: لا إله إلا الله، والله يسألك عني حيث لا يقبل منك الجواب إلا بالحق فأومأ إلى الجلاد أن أمسك وبات في السجن، وأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب وذكر أنه لما ضربه الأمير كان ابن أبي ليلى وابن شبرمة في المسجد فأخبرا بذلك فأظهر أبن أبي ليلى
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢٤،٢/ ٢٣.
(٢) ساقط في الأصل. وهو زيادة من: الكردري، المناقب:٢/ ٢٣.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:٢٧،٢/ ٢٦.
[ ١ / ٢١٥ ]
الشماتة، فقال ابن شبرمة: ما أدري ما يقول هذا؟، نحن نطلب الدنيا وهو يضرب على رأسه ليأخذ الدنيا فلم يقبلها.
وعن ابن المبارك (^١): إن الرجال في الاسم سواء حتى يقع في البلوى، وقد ضرب أبو حنيفة على رأسه في السجن حتى يدخل في الحكم فصبر على الذل والضرب في الحبس طلبا لسلامة دينه.
وعن أبي عبد الله (^٢) بن أبي حفص الكبير البخاري: إن الفتنة لما ظهرت بخراسان دعا ابن هبيرة العلماء كابن أبي ليلى وأبي شبرمة وداود بن هند وولى كل واحد منهم شيئا من عمله، وعرض على ابي حنيفة أن يكون الخاتم في يده لا ينفذ كتاب إلا من تحت يده فأبى فحلف الأمير أنه إن لم يله يضربه في كل جمعة سبعة أسواط، فقال الفقهاء إننا إخوانك نناشدك على أن لا تهلك نفسك وكلنا نكره عمله ولكن لم نجد بدا منه، فقال الإمام: لو أراد مني أن أعد له أبواب مسجد واسط لم أعد له، فكيف وهو يريد مني أن يكتب في دم رجل وأختم له؟، والله لا أدخل في ذلك، فقال ابن أبي ليلى: دعوه فإنه مصيب؛ فحبسه الشرطي جمعتين وضربه أربعة عشر سوطا. ثم اجتمع مع الأمير فقال: ألا ناصح لهذا أن يستمهلني، فاستمهله وقال: أشاور إخواني، فخلاه؛ فهرب إلى مكة في سنة مئة وثلاثين إلى أن صارت الخلافة للعباسية أقام بها فقدم الكوفة في زمن المنصور، فعظمه وأمر بجائزة عشرة آلاف درهم، وجارية فلم يقبلها.
وروى أنه كان يتمثل كثيرا شعر (^٣):
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ٢٧.
(٢) ستأتي ترجمته برقم ٤٧٠. وينظر: الخبر في الكردري، المناقب:٢/ ٢٧؛ الصالحي، عقود الجمان: ص ٣١٢،٣١١.
(٣) الأبيات في: الكردري، المناقب:٢٨،٢/ ٢٦.
[ ١ / ٢١٦ ]
عطاء ذي العرش خير من عطائكم … وسيبه (^١) واسع يرجى وينتظر
أنت يكدر ما تعطون منكم … والله يعطي فلا من ولا كدر
وروي (^٢) أن ابن هبيرة أتي بشاهد زور وهو والي الكوفة فقال: علي بالقاضي، فقيل: رأيت القاضي وأبا حنيفة والحجاج (^٣) بن ارطأة في المسجد، فقال:
علي بهم، فلما جاؤا، قال: هذا ارتكب فما تصنع به؟، فبدأ بابن أبي ليلى، وقال:
يضرب أربع مئة سوط، وقال الحجاج: يحلق رأسه ولحيته، فقال للإمام: ما تقول أنت؟ فقال: بلغنا أن شريحا كان إذا أتى بمثله: إن كان سوقيا طاف به في سوقه، وإن كان من العرب طاف به في حيه، فعمل بقول الإمام وكان على رأس الإمام عمامة واسترخى كور منها في وجهه، فلما خرجوا قال لابن أبي ليلى ما هذا الفتيا؟! لو ضرب أربع مئة ومات بما كنت تلقي الله في دمه؟ قال: ما أردت إلا أربعين ولكن من الخوف جرى على لساني. وقال للحجاج: حلق الرأس قد جاء في موضع أما حلق اللحية إذا حلقت ولم تنبت كيف حكمه؟ قال: ما أردت إلا حلق الرأس؛ فمن الهيبة جرى على لساني. فقال ابن أبي ليلى: وأنت أيضا لم تجترئ على تسوية كور عمامتك من وجهك ألم يكن لك يد؟ قال: إن لم يكن لي يد اسوي بها عمامتي فلي قلب أعلم ما أقول به.
وروى (^٤) أن المنصور كان يريد أن يقرب الإمام، فيقول الإمام لا لأنك إن قربتني فتنتني، وإن أبعدتني أحزنتني وليس عندك ما أرجوك له، وليس عندي ما أخافك عليه وأنا غني بمن أغناك فلن أغشاك فيمن يغشاك.
_________________
(١) السيب: العطاء. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:١/ ١٨٠.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢٩،٢/ ٢٨.
(٣) هو: الحجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة بن سراحيل، أبو ارطأة النخعي الكوفي، الإمام العلامة، مفتي الكوفة. توفي سنة (١٤٥ هـ /٧٦٢ م). ينظر: ابن سعد، الطبقات:٦/ ٣٥٩؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٧/ ٧٨.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:٢/ ٢٩.
[ ١ / ٢١٧ ]
ومثله (^١) ذكر عن الإمام محمد بن الحسن: أنه قال لعيسى (^٢) بن موسى والي الكوفة، وزاد في آخره أنشأ شعرا
كسرة خير وقعب (^٣) … ماء
وفرد ثوب مع السلامه
خير من العيش في نعيم … يكون من بعده ندامه
_________________
(١) الأبيات والخبر في: الكردري، المناقب:٢/ ٣٠.
(٢) سبقت ترجمته.
(٣) القعب: القدح الضخم الجافي أو إلى الصغر، أو يروي الرجل. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:١/ ٢١٥.
[ ١ / ٢١٨ ]