ما يجوز من الحيل وما لا يجوز
فإن قلت (^١): تعليم الحيل مذموم حتى قالوا: إن المفتي الذي يعلم الناس الحيل هو الماجن الذي يستحق الحجر (عليه) (^٢) في جميع المذاهب [قلت] (^٣): الحق فيه التفصيل، قال تعالى: ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ (^٤) الآية، وقال (﷿) لأيوب: ﴿﴾
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ (^٥) وكان [أيوب ﵇] (^٦) حلف أن يجلد زوجته رحمة مئة جلدة. فعلمه الله تعالى المخرج، وقد صح أنه (﵇) قال:
(خذوا عثكالا (^٧) فيه مئة شمراخ فاضربوه به» (^٨) حين أتى بناقص الخلق وقد زنى، وقد صح أنه ﵇ قال لعامل خيبر: «أوكل تمر خيبر هكذا؟» (^٩) قال: لا بعت منه صاعين بصاع قال ﷺ: «إنه عين الربا هلا بعت
_________________
(١) ينظر الكردري، المناقب:١/ ١٥٦.
(٢) ساقط في الأصل. زيادة من: الكردري، المناقب:١/ ١٥٦.
(٣) الكلام: الكردري.
(٤) سورة يوسف: الآية ٧٦.
(٥) سورة ص الآية ٤٤.
(٦) ساقط بالأصل زيادة من: الكردري المناقب، ص ١٥٦.
(٧) العثكول والعثكولة: العذق أو الشمراخ. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:٢/ ١٣٦٠
(٨) ينظر: ابن حنبل، المسند:٥/ ٢٢٢؛ ابن ماجة، السنن:٢/ ٨٥٩؛ الطبراني، أبو القاسم، سليمان بن أحمد (٣٦٠ هـ /٩٧٠ م) المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي (ط ٢، مكتبة العلوم والحكم، الموصل،١٤٠٤ هـ -١٩٨٣ م) ٦/ ٦٣؛ البيهقي، سنن الكبرى: ٨/ ٢٣٠.
(٩) ينظر/أبن حنبل، المسند ٣/ ٦٢؛ البخاري، الصحيح:٨١٣،٢/ ٨؛ مسلم، الصحيح: ٣/ ١٢١٥.
[ ١ / ١٧٣ ]
صاعيك بدرهم ثم ابتعت به تمرا» (^١) فدل أن الحيلة للتوصل إلى الحق أو للتخلص عن المضرة جائزة، وإنما الحرام ما يتوصل به إلى الباطل، أو إبطال الحق بعد الثبوت، والمفتي الماجن في القول المعتمد هو الذي يفتي بأمر باطل يؤدي إلى الخروج من الدين، كمن يعلم المرأة الارتداد لتتخلص من الزوج وليس لها ذلك فإنها إن فعلت ذلك يسترقها زوجها، وهذا على قولهما بلا شبهة، والمسألة معروفة.
وقد ذكر عبد المجيد الخوارزمي عن محمد (^٢) بن مقاتل: أن رجلا جاء وقال للإمام:
ما تقول فيمن لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ولا يخاف الله، ويأكل الميتة، ويصلي بلا ركوع وسجود، ويشهد بما لم يره، ويبغض الحق ويحب الفتنة؟. فقال: هذا رجل يرجو الله لا الجنة ويخاف الله لا النار ولا يخاف عليه الظلم من الله في عدله ويأكل السمك والجراد ويصلي على الجنائز ويشهد بالتوحيد ويبغض الموت وهو الحق، ويحب المال والولد وهما الفتنة، فقام السائل وقبل رأسه وقال: أشهد أنك وعاء للعلم.
وذكر العلامة حسام الملة السغناقي (^٣): أن رجلا جاء إليه وقال: بواو أم بواوين؟ /٦ ب/ [فقال بواوين] (^٤) فقال: بارك الله فيك كما بورك في: لا و: لا فلم يعلم الحاضرون ما قالا [فقال الحاضرون ما هذا الكلام] (^٥)، فقال: سألني عن
_________________
(١) ينظر/أبن حنبل، المسند ٣/ ٦٢؛ البخاري، الصحيح:٨١٣،٢/ ٨؛ مسلم، الصحيح: ٣/ ٢١٥.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٥٧، الصالحي، عقود الجمان:٢٥١ - ٥٢٢.
(٣) ستأتي ترجمته برقم ٥٩٧.
(٤) هو الحسين بن علي بن الحجاج. ستأتي ترجمته برقم ١٩٩. وينظر الخبر في: الكردري، المناقب:١/ ١٥٧.
(٥) ساقط في الأصل: زيادة من: الكردري، المناقب:١/ ١٥٧.
[ ١ / ١٧٤ ]
التشهد أبواو أم بواوين قلت: بهما، فقال: بارك الله فيك كما بورك في [شجرة] (^١) لا شرقية ولا غربية.
وذكر الديلمي عن علي بن عثام [قال] (^٢): لما فر الإمام إلى المدينة وكان فيها حسين بن زيد العلوي واليا عن عهد بني العباس فقال لغلامه: خذ بلجام دابة الشيخ وقل له: من خير الناس بعد النبي (﵇)؟ فقال: العباس فسكت، وكان غرض العلوي أنه إذا قال الصديق: آذاه، وإذا قال المرتضى لامه في ترك مذهبه فلما اختار الثالث لم يتمالك أن يقول شيئا خوفا من بني العباس انتهى.
وكان الإمام قصد به الخيرية من الحيثية النسبية. وقد ورد «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» (^٣)،
وثبت: «أن الحرب خدعة» (^٤). وذكر (^٥) الإمام الحلبي عن علي (^٦) بن عاصم: قال:
كان الإمام يأخذ من لحيته الحجام فقال له: اتبع مواضع البياض، فقال: لا، لأنه
_________________
(١) ساقط في الأصل. زيادة من: الكردري، المناقب:١/ ١٥٧.
(٢) ساقط في الأصل. زيادة من: الكردري، المناقب:١/ ١٥٧.
(٣) ابن أبي شبية، أبو بكر عبد الله بن محمد الكوفي (ت ٢٣٥ هـ /٨٤٩ م) المصنف، تحقيق: كمال يوسف الحوت (ط ١، مكتبة الرشيد، الرياض،١٤٠٩ هـ /٦/ ١٨٥). ينظر: البخاري، الأدب المفرد. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي (ط ٣، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت،١٤٠٩ هـ /١٩٨٢ م» ص ١٨٤ وفيه: «حدثنا عمرو بن مرزوق، قال أخبرنا شعبة عن قتادة سمع مطرفا قال: صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة فقل منزل ينزل إلا وهو ينشدني شعرا وقال: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب». وينظر كذلك ص ١٨٩.
(٤) ينظر: ابن حنبل، المسند:١٢٦،١١٣،١/ ٨١. في مواضع كثيرة يذكر «الحرب خدعة»؛ البخاري، الصحيح:١٣٢١،٣/ ١١٠٢، و٦/ ٢٥٣٩؛ مسلم، الصحيح:٢/ ٧٤٦.
(٥) ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:٣٤٨،١٣/ ٣٤٧، الكردري، المناقب:١/ ١٥٩، ١٦٠.
(٦) ستأتي ترجمته برقم ٣٨٩.
[ ١ / ١٧٥ ]
يزيد. فقال: اتبع السواد لعله يزيد، فبلغ الحكاية إلى شريك (^١) فقال: لو ترك القياس في شيء لتركه مع الحجام. وذكر الكرماني (^٢) عن محمد (^٣) بن سلمة قال: مرض أبو يوسف؛ فعاده الإمام مرارا فرآه في بعض الأيام ثقيلا فقال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ولئن مت ليموتن علم كثير، فلما برأ أعجب بنفسه وعقد مجلس الأمالي (^٤) في مسجده، فلما بلغ ذلك الإمام دس إليه رجلا، وقال: قل له: ما تقول في قصار (^٥) أنكر أن يكون الثوب لصاحبه، ثم جاء إليه مقصورا وطلب الأجر؟ وإن قال: يجب الأجر، قل: أخطأت، وإن قال: لا، قل: أخطأت، ففعل الرجل ذلك، فقام أبو يوسف من ساعته وجاء إلى خدمته، فقال: ما جاء بك إلا مسألة القصار سبحان الله من رجل يتكلم في دين الله، ويعقد مجلسا، ولا يحسن مسألة من مسائل الإجارة، فقال
_________________
(١) هو: شريك بن عبد الله القاضي. ستأتي ترجمته برقم ٢٦٩.
(٢) ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:٣٥٠،١٣/ ٣٤٩، الكردري، المناقب:١/ ١٦٠، ١٦١.
(٣) هو: محمد بن سلمة، الإمام المحدث، أبو عبد الله الحراني المفتي. قال ابن سعد: كان ثقة، فاضلا. توفي في آخر سنة (١٩١ هـ /٨٠٩ م). ينظر: ابن سعد، الطبقات:٧/ ٤٨٥؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٩/ ٤٩.
(٤) الأمالي: كتاب أملاه الإمام أبو يوسف علي طلبته ومن يحضر دروسه، وهو في فروع الفقه الحنفي، ذكر أنه أكثر من ثلاث مئة مجلد (ينظر: حاجي خليفة، كشف الظنون:١/ ١٦٤) والأمالي عند أهل الفقه والحديث والأدب جمع الإملاء، وهو أن يقصد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله (﷿) عليه من العلم ويكتبه التلاميذ، فيصير كتابا. ينظر: حاجي خليفة، كشف الظنون:١/ ١٦١ وللإملاء آداب ورسوم اعتنى بها المحدثون على وجه الخصوص. ينظر: السمعاني، أبو سعد، عبد الكريم بن محمد (ت ٥٦٢ هـ /١١٦٦ م) أدب الإملاء والإستملاء، نشر: ماكسي ويسويلر (د. ط، مطبعة بريل، لندن،١٩٥٢ م) ص ٢٥ وما بعدها، ابن الصلاح، علوم الحديث: ص ١٦٠.
(٥) القصار، محور الثياب، ومبيضها. ينظر: الزبيدي، أبو الفيض، محب الدين محمد بن مرتضى الحسيني (١٢٠٥ هـ) تاج العروس من جواهر القاموس (د. ط، دار الحياة، بيروت، د. ت) ٣٤٩٦.
[ ١ / ١٧٦ ]
علمني، قال: إن قصره قبل الجحود يجب الأجر؛ لأنه صنعه للمالك وإن قصره بعده لا يجب؛ لأنه صنعه لنفسه، ثم قال: من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه. وذكر المرغيناني (^١): أن شيطان الطاق (^٢) وهو شيخ الرافضة كان يتعرض للإمام كثيرا، فدخل الشيطان يوما في الحمام، وكان فيه الإمام، وكان قريب العهد بموت أستاذه حماد فقال الشيطان: مات أستاذكم فاسترحنا منه، فقال الإمام: استأذنا مات وأستاذكم ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ ..﴾. ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (^٣)؛ فتحير الرافضي فكشف عورته، فغمض الإمام عينه، فقال الشيطان: يا نعمان منذ كم أعمى الله بصرك؟ فقال: منذ هتك الله سترك؛ فبادر الإمام إلى الخروج من الحمام وانشأ شعر (^٤):
أقول قولي وفي قولي بلاغ وحكمة … وما قلت قولا جئت فيه بمنكر
ألا يا عباد الله خافوا إلهكم … ولا تدخلوا الحمام إلا بمئزر
(وروى عنه) (^٥) أنه قال: كنا لا نصرف من عند حماد إلا بفائدة، فقال لنا يوما إذا وردت عليكم مسألة معضلة فاجعلها سؤالا على صاحبها فوعيته، فبعد مدة ذهبت إلى دار المنصور، فخرج إلي ربيع الحاجب (^٦)، وكان يعاديني، فقال إن أمير
_________________
(١) ينظر: الموفق المكي، المناقب:١/ ١٦٩؛ الكردري، المناقب،١/ ١٦٢.
(٢) هو: محمد بن النعمان، أبو جعفر، الأحول العراقي، شيعي جلد. يلقبه الشيعة بمؤمن الطاق، يعد من أصحاب جعفر بن محمد (﵇). توفي سنة (١٨٠ هـ /٧٩٦ م). ينظر: ابن النديم، الفهرست:٢٤٤؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:١٠/ ٥٥٣.
(٣) سورة الحجر: الآية ٣٧.
(٤) البيتان في: الموفق المكي، المناقب:١/ ١٦٩؛ الكردري، المناقب:١/ ١٦٢.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٦٤.
(٦) هو: أبو الفضل الربيع بن يونس، كان حاجبا لأبي جعفر المنصور، ثم وزر له بعد أبي أيوب المورياني وكان من نبلاء الرجال. توفي سنة (١٧٠ هـ /٧٨٦ م). ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:٨/ ٤١٤؛ ابن خلكان، وفيات الأعيان:٢/ ٢٩٤ - ٢٩٩.
[ ١ / ١٧٧ ]
المؤمنين يأمرنا بقتل رجل ولا ندري ما هو أنقتله؟ فقلت: يا أبا العباس أن أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق، قلت: انفذ الحق حيث كان قال: وكان الربيع أراد ان يوثقني فربطته.
(وروي) أن امرأة كانت مجنونة لها لقب إذا دعيت بذلك شتمت، فدعاها رجل به فقذفت أبويه وهما حيان، فرفعت إلى ابن أبي ليلى (^١) فأقام عليها حدين قائمة في المسجد في مجلسه، فقال الإمام: المجنونة لا تحد، والخصم أبواه، ولا تحد إلا بطلبهما، ولا يوالي بين حدين حتى يجف الآخر. ولا يكرر الحدان إن قذف جماعة بكلمة، ولا تقام الحدود في المساجد، ولا تحد قائمة، ولا تمد في الحدود.
وعن خارجة (^٢). قال: دعاه المنصور وعنده ابن أبي ليلى قاضي الكوفة، وابن شبرمة قاضي بغداد فقال: ما قولك في الخوارج إذا أصابوا من مال المسلمين ودمائهم؟ قال: سل هذين فسألهما، فقال أحدهما: يؤاخذون، وقال الآخر [لا] (^٣) قال أخطئا جميعا، قال: لهذا دعوتك، ما صوابه؟ قال: ما أصابوا [بعد] (^٤) التجمع لا يضمنون وما أصابوا قبله ضمنوا، ادعى الزهري (^٥) في هذه المسألة إجماع الصحابة.
_________________
(١) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، قاضي فقيه من أصحاب الرأي، ولى القضاء والحكم بالكوفة لبني أمية، ثم لبني العباس، له الأخبار مع أبي حنيفة. توفي سنة (١٨٤ هـ /٨٠٠ م) ينظر: ابن سعد، الطبقات:٦/ ١٠٩ - ١١٣؛ خليفة بن خياط، تاريخ: ص ٢٧٨.
(٢) هو: خارجة بن مصعب بن خارجة، الإمام العالم المحدث، شيخ خراسان. توفي سنة (١٦٨ هـ /٧٨٤ م). ينظر: ابن سعد، الطبقات:٧/ ٣٧١، الذهبي، سير أعلام النبلاء:٧/ ٣٢٦.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٦٦.
(٤) ساقط في الأصل: زيادة من الكردري.
(٥) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر الزهري القرشي المدني نزيل الشام؛ الإمام العلم، حافظ زمانه توفي سنة (١٢٤ هـ /٧٤١ م).-
[ ١ / ١٧٨ ]
(وروي) أن عاصما (^١) كان من شيوخه وإذا أتاه يستفتيه قال: اتيتنا صغيرا، وأتيناك كبيرا.
وعن بشر (^٢) بن المفضل عنه أنه قال: كانت لنا جارة ولها غلام أصاب منها دون الفرج فحبلت فجائني أهلها، وقالوا: نخاف أن تلد وهي بكر، فقلت: هل لها أحد تثق به؟ قالوا: عمتها قلت تهب الغلام منها ثم تزوّجها منه فإذا أزال عذرتها ردت الغلام إليها فيبطل النكاح، وهذه حيلة أيضا ذكرها لمن يخاف أن لا يطلق المحللة بعد النكاح منه وإن أرادت قطع التحدث باعت الغلام من تاجر يروح به إلى أقصى المقام.
(وعن) يوسف (^٣) بن خالد السمتي/٧ أ/قال: (^٤) خرجنا معه إلى بستان فلما رجعنا إذا نحن بابن أبي ليلى، فسلم، فتسايرا فمرا على نسوة يغنين فلما سكتن قال الإمام: أحسنتن. فنظر ابن أبي ليلى في قماطره (^٥) فوجد قضية فيها شهادته [فدعاه ليشهد في تلك القضية فلما شهد أسقط شهادته] وقال: قلت لمن كن يغنين أحسنتن قال: متى قلت ذلك حين سكتن أم حين كن يغنين؟ قال: حين سكتن. قال: أردت بذلك أحسنتن السكوت؛ فأمضى شهادته، ثم قرأالإمام: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ﴾
_________________
(١) =ينظر: البخاري، التاريخ الكبير:١/ ٢٢٠، الذهبي، سير أعلام النبلاء:٥/ ٣٢٦.
(٢) هو: عاصم بن كليب بن شهاب الجرحي الكوفي. ينظر: ابن حجر، تهذيب التهذيب (ط ١، دار صادر، بيروت،١٩٦٨ م) ٥/ ٥٥.
(٣) هو بشر بن المفضل بن لاحق، أبو إسماعيل الرقاشي البصري، الإمام الحافظ، المجود، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان عثمانيا. توفي سنة (١٨٦ هـ /٨٠٢ م) ينظر: ابن سعد، الطبقات:٧/ ٢٩٠؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٩/ ٣٦.
(٤) تأتي ترجمته برقم ٧٢١.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:١٧١،١/ ١٧٠.
(٦) القماطر: ما يصان فيه الكتب. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط:١/ ٦٤٨.
[ ١ / ١٧٩ ]
﴿بِأَهْلِهِ﴾ (^١). فخاف ابن أبي ليلى من الإمام خوفا شديدا بعد ذلك المقام، وكان إذا وقع له عويصة دس الإمام رجلا يسأله عنها وكان الإمام يعلم ذلك وينشد شعر (^٢):
وإذا تكون كريهة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
وفيه تنبيه على أن الغناء للناس كبيرة كما هو مفهوم من «الهداية» (^٣) في قوله:
(ولا من يغني للناس».
وقد ذكر السهروردي في «العوارف» (^٤) عن الأئمة الأربعة: الرواية على حرمته.
وعن ابن سلام قال (^٥): ما زال الإمام يخطئ ابن أبي ليلى حتى عزله الخليفة عن القضاء. (ومن) غرائب ما وقع له معه: إن الإمام دخل عليه زائرا، فلما جلس قال لحاجبه: ائذن للخصوم، كأنه رام أن يرى الأمام أمضاء الحكم، فتقدم إليه خصمان فقال أحدهما: إن هذا قال لي: ابن الزانية، فخذ حقي منه، قال القاضي للمدعى عليه: ما تقول؟ قال الأمام: لم لم تسأل منه؟ إن كانت أمه حية، فليس له حق الطلب وإن كانت ماتت كان قولا آخر، فسأله، فأدعى موتها، فبرهن، فأراد القاضي السؤال عنه، فقال: سله: هل لها وارث آخر؟ فإن لم يكن لها وارث آخر كان قولا آخر، فبرهن على أنه لا وارث لها غيره، فذهب القاضي ليسأل المدعى عليه فقال: سله: هل كانت أمه حرة؟ فبرهن على حريتها، فلما رام القاضي السؤال
_________________
(١) سورة فاطر: الآية ٤٣.
(٢) البيت في: الكردري، المناقب:١/ ١٧١.
(٣) ينظر: المرغيناني، برهان الدين، أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني (ت ٥٩٣ هـ /١١٩٦ م)، الهداية-شرح بداية المبتدئ (د. ط، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، د. ت) ٣/ ١٢٣ (باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل).
(٤) ينظر: السهروردي، شهاب الدين، أبو حفص عمر بن محمد القرشي اليمني المكي (ت ٦٣٢ هـ /١٢٣٤ م) عوارف المعارف المطبوع ملحق إحياء علوم الدين للغزالي (د. ط، مكتبة التجارية الكبرى، مصر، د. ت) ص ١١٤،١١٥.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٧١.
[ ١ / ١٨٠ ]
قال: سله هل كانت مسلمة فبرهن على إسلامها، وكانت من وجوه أهل الكوفة فقال الأمام: سل الآن عن القاذف فانكر، فلما ذهبوا إلى البينة قام الأمام فألتمس القاضي أن يقعد حتى يأتي بالبينة فأبى وراح واستراح.
(وعن وكيع (^١) قال (^٢): رأيته وسفيان، ومسعرا (^٣)، ومالك (^٤) بن مغول، وجعفر بن زياد والأحمر، والحسن بن صالح في وليمة بالكوفة وفيها الاشراف والموالي، وقد زوج بنتا رجل من ابني رجل فخرج عليهم صاحب الوليمة وقال:
مصيبة عظيمة زفت امرأة كل إلى الآخر غلطا، ودخل على كل واحدة غير زوجها، فقال سفيان لا بأس به، وقد حكم أمير المؤمنين علي (﵁) كان وجه إليه معاوية فيه، فقال علي للسائل: أنت رسول معاوية أن هذا لم يكن ببلدنا أرى على الرجلين العقر (^٥) بما أصابا وترجع كل امرأة إلى زوجها الأول ولا شيء عليهم في ذلك، والناس مستمعون كلامه، فالتفت مسعر إلى الإمام، وقال: قل فيهما، فقال سفيان: ما يقول غير هذا قال الإمام: علي بالغلامين، فأتى بهما، فقال الإمام:
أيحب كل منكما أن يكون المصاب عنده؟ قالا: نعم، قال لكل منهما: طلق التي لك عند أخيك، ففعل فنكح كل واحد التي في حبالته ثم قال: جددوا عرسكم، فتعجب القوم، فقام مسعر فقبله بين عينيه وقال: تلومنني على حبه وسفيان ساكت.
(وروى) (^٦) أنه وقع بين الأعمش وامرأته كلام فحلفت أن لا تكلمه ولا تجيبه، فقال الأعمش: إن لم تكلميني الليلة فأنت طالق، فندم ولم يدر المخرج، فذهب
_________________
(١) ستأتي ترجمته برقم ٦٩٥.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:١٧٤،١/ ١٧٣.
(٣) ستأتي ترجمته برقم ٦٤٥.
(٤) ستأتي ترجمته برقم ٦٢٠.
(٥) العقر: دية الفرج المغصوب. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط:١/ ٦٢٠.
(٦) ينظر: الكردري المناقب:١/ ١٧٥.
[ ١ / ١٨١ ]
ليلا إلى الإمام فقدمه الإمام وأكرمه، فجعل الأعمش يعتذر فقال: دع الاعتذار وتكلم بالحاجة، فلما كلمه بحاجته قال: الفرج قريب إن يسر الله تعالى فدعا مؤذن الأعمش وقال: إذا دخل الأعمش منزله فأذن قبل انفجار الصبح وكانت العادة بالكوفة كما هو الشرع أن لا يؤذن لصلاة ما قبل دخول وقتها، فلما أذن قبل الوقت ظنت أنه وقع عليه الحنث فقالت: الحمد لله الذي أراحني منك يا سيء الخلق، فقال الأعمش لم تصبح حيلة وقعت ونعم الحيلة رحم الله أبا حنيفة دلنا عليها.
(وروى) (^١) أن الأعمش لم يكن يعاشر الإمام بجميل، ولا يذكره بخير، فحلف بطلاق امرأته إن أخبرته بفناء الدقيق أو أشارته، أو أرسلت إليه، أو كتبت له، أو ذكرته لأحد يذكره إليه، فتحيرت المرأة، وطلبت المخرج فسألت الإمام، فقال الأمر سهل، شدي جراب الدقيق على تكته، أو ما قدرت عليه من ثوبه، فإذا رآه علم بفناء الدقيق بنفسه، ففعلت فلما قام من الليل وجر إزاره علم بفناء الدقيق بنفسه، فقال: والله هذه من حيل النعمان يرينا عجزنا ويفضحنا بما يشاء في نسائنا ويريهن رقة فهمنا.
(وذكر الحلبي) (^٢) عن أبي يوسف قال: جاء إليه رجل وقال: حلفت أن لا أكلم امرأتي ولا تكلمني، وحلفت أيضا مثله، فأفتى سفيان بأن أيهما كلمه الآخر حنث فسأل الإمام فقال: كلمهما ولا حنث عليك، فأنكر سفيان وقال: أنه يبيح الفروج فلما اجتمعا أعاد الرجل/٧ ب/السؤال فأعاد الإمام الجواب، فقال سفيان: من أين هذا؟ قال: لما شافهته باليمين الثاني سقط الأول؛ لأنها كلمته، فقال سفيان: فتح لك من العلم ما لم يفتح لنا.
(وعن) عبد العزيز بن خالد عن الإمام قال (^٣): أتاني رجل وقال: ماتت أختي وفي بطنها ولد يتحرك قلت: اذهب وشق بطنها وأخرج الولد، ففعل فجاءني
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٧٦.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٧٦.
(٣) ستأتي ترجمته برقم ٣٣٦.
[ ١ / ١٨٢ ]
بعد سبع سنين ومعه غلام قال: أتعرفه؟ قلت: لا، قال: هو الذي أفتيت بشق بطن أمه وإخراجه، فأخرجته وسميته بمولى أبي حنيفة.
(وعن) محمد (^١) بن مقاتل قال (^٢): سمعت أبا مطيع يقول: رأيت عليه يوم الجمعة قميصا ورداء قومتهما بأربع مئة درهم، وهذا محمول على قوله تعالى: (^٣)
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ وقوله سبحانه: (^٤) ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وعلى ما ورد من حديث: (^٥) (إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه.)
وقد روى بن خزيمة (^٦) في مسنده، والبيهقي (^٧) عن جابر (﵁) أنه (﵇) «كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة» والمراد بالأحمر:
أن فيه خطوطا حمرا» كما هو شأن برود اليمن، ويؤيده ما رواه الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: «أنه «﵇» كان يلبس برد حبر في كل عيد» (^٨) إلا أن النووي ضعف الحديثين.
وعن شريك قال (^٩): كنا في جنازة رجل من سادات بني هاشم، ومعنا الثوري وأبي ليلى، وابن شبرمة، والإمام وجماعة من الأئمة فلما رفعت الجنازة
_________________
(١) ستأتي ترجمته برقم ٥٩٧.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٨١ - ١٨٢.
(٣) سورة الأعراف/الآية ٣٢.
(٤) سورة الضحى/الآية ١١.
(٥) ينظر: ابن حنبل، المسند:٣/ ٤٨٣؛ الطبراني، المعجم الكبير:٣/ ٢٧١؛ البيهقي، السنن الكبرى:٣/ ٢٧١.
(٦) ينظر: ابن خزيمة، أبو بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (ت ٣١١ هـ / ٩٢٣ م) المسند، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي (ط ١، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٥ هـ،١٩٧٥ م) ٣/ ١٣٢.
(٧) البيهقي، السنن الكبرى:٢٨٠،٣/ ٢٤٧.
(٨) ينظر: الشافعي، المسند: ص ٧٤.
(٩) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢٠٠.
[ ١ / ١٨٣ ]
توقف الناس هناك، فسأل الإمام عن سبب ذلك، فقالوا: حلفت أمه أن لا ترجع قبل الصلاة عليه، وحلف أبوه بالطلاق أن لا تتبع الجنازة وترجع فلم يهتد أحد إلى جواب فناداه أبو الميت: يا نعمان أغثنا، فسأل الإمام عن كيفية الحلفين، فلما بينوه، قال ضعوا الجنازة، فوضعوها، فصلى عليه الناس ثم قال لها: ارجعي إلى منزلك، ثم رفعت إلى القبر فقال ابن شبرمة: عجزت النساء أن يلدن مثله.
وعن ابن المبارك قال (^١): سأله رجل أن ينقب في حائطه كوة فأفتاه بالجواز، فمنعه ابن أبي ليلى عن ذلك، فأتاه ثانيا، فقال: افتح فيه بابا فمنعه ابن أبي ليلى، فشكى إلى الإمام فقال: كم قيمة حائطك؟ قال: ثلاثة دنانير قال: علي قيمتها، اذهب فاهدمها، فلما رام الهدم خاصمه خصمه إلى ابن أبي ليلى فقال: كيف أحوله عن هدم حائطه؟ قال تمنعني عن أيسر من ذلك، فقال القاضي ما أصنع يذهب إلى رجل يدلني على خطئي، أفلا أرجع.
(وعن) عبد الله بن المبارك قال (^٢): سألته عن رجل له درهمان ورجل له درهم اختلطا، ثم ضاع منه درهمان قال: يكون الدرهم الباقي بينهما اثلاثا، فلقيت ابن شبرمة، وعرضت عليه الجواب، فقال اخطأ بل الباقي بينهما انصافا؛ لأنا نعلم قطعا أن الواحد من الضائعين لذى الدرهمين فاستحسنت جوابه، فلما عرضته على الإمام قال: لما اختلطا وجبت الشركة اثلاثا، فالضائع والباقي على الشركة والواجبة.
(وأدق) من هذا ما روى (^٣) عن علي (كرم الله وجهه) فيمن له خمسة أرغفة وللآخر ثلاثة أرغفة فجلسا ليأكلا فجاء إليهما رجل وأكل معهما ودفع إليهما ثمانية دراهم وقال: اقسما على قدر ما أكلت من ارغفتكم فأعطى صاحب الخمسة ثلاثة لصاحب الثلاثة فلم يرض إلا بالمناصفة، فاختصما إلى أمير المؤمنين علي
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:٢٠١،١/ ٢٠٠.
(٢) م. ن:١/ ٢٠١.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢٠١.
[ ١ / ١٨٤ ]
فقال: خذ ما عرض عليك فقال: لا أرضى إلا بالحق، قال: إذن لك درهم؛ لأنا نفرض أنكم أكلتم بالسوية؛ لأنا لا نعلم الأكثر أكلا أليس كل رغيف ثلاثة أثلاث؟
فالكل أربعة وعشرون كل منكم أكل ثمانية من أربعة وعشرين فيكون لصاحبك سبعة أثلاث ولك ثلث.
(وذكر الإمام) الحلبي عن وكيع قال (^١): كنا عنده إذ جاءته امرأة، وقالت:
مات أخي وأعطوني من تركته دينارا. قال من قسم تركتكم، قالت: داود الطائي، قال: لعله مات عن ست مئة دينار واثني عشر أخا، وأنت، لكل أخ ديناران وأنت دينار واحد، قالت نعم، وبنتين لهما الثلث أربع مئة دينا، وأم لها السدس مئة دينار، امرأة لها الثمن خمسة وسبعون دينار.
(وسئل) (^٢) الإمام عمن حلف ليقربن امرأته نهارا في رمضان، قال: يسافر بها ويقربها.
(وادعى) (^٣) رجل النبوة وطلب من الناس أن يمهلوه حتى يأتي بالعلامة على صدقه، فقال الإمام: من طلب منه العلامة كفر؛ لأنه يوهم صدقه، وانفتاح باب النبوة، وفيه رد كونه (ﷺ) خاتم النبيين.
(وتزوج) (^٤) الإمام على والدة حماد فهجرت الإمام وقالت: لا أرضى بلا تطليق الجديدة. فقال لها: إذا كنت جالسا مع والدة حماد فادخلي علينا كأنك سائلة، وقولي:
إذا تزوج الرجل على امرأته فهل للقديمة هجران زوجها؟ ففعلت، فقالت والدة حماد: لا أسألك بلا تطليق الجديدة [فقال الإمام كل امرأة لي خارج الدار فهي طالق، فرضيت، وسالمته، ولم تطلق الجديدة]. (^٥)
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢٠٣.
(٢) م. ن:١/ ٢٠٤.
(٣) م. ن.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢٠٤.
(٥) ساقط في الأصل. زيادة في الكردري، المناقب:١/ ٢٠٤.
[ ١ / ١٨٥ ]
(وجاء رجل إلى) الإمام فقال (^١): لي ابن إن زوجته امرأة طلقها، وإن اشتريت له جارية اعتقها وإن لم أزوجه امرأة، ولم اشتر له أمة يقع في الزنا، فما أصنع؟ قال: اشتر أمة [لنفسك] (^٢) وزوجها منه فإن طلقها ردت عليك، وإن اعتقها لم ينفذ [عتقه] (^٣).
(وقال الليث) (^٤) بن سعد إمام أهل مصر (^٥): كنت أتمنى/٨ أ/لقاء الإمام فرأيته اجتمع عليه الناس وسئل عن هذه المسألة فما اعجبني صوابه كما اعجبني سرعة جوابه.
(وروى) أنه كان عند الأعمش إذ سئل عن مسائل، وقيل: ما تقول في كذا وكذا قال الإمام: أقول كذا وكذا، فقال الأعمش: من أين لك هذا؟ قال: أنت حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة وعن أبي وائل عن عبد الله، وعن أبي إياس عن أبي مسعود الأنصاري (﵁) أنه قال (ﷺ): «من دل على خير كان له مثل أجر عمله» (^٦)، وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة (﵄) أنه (﵇) قال له رجل: يا رسول الله كنت أصلي في داري فدخل علي رجل فأعجبني ذلك فقال (ﷺ): «لك أجران:
_________________
(١) الكردري، المناقب:١/ ٢٠٥.
(٢) ساقط في الأصل. زيادة من: الكردري، م. ن.
(٣) ساقط في الأصل. زيادة من م. ن.
(٤) ستأتي ترجمته برقم ٤٦٤.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢٠٥.
(٦) ينظر: ابن حنبل، المسند:٢٧٤،٥/ ٢٧٢،٤/ ١٢٠ مع بعض الاختلاف؛ مسلم، الصحيح: ٣/ ٥٠٦ «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»؛ أبو داود، سنن أبي داود:٤/ ٣٣٣؛ الترمذي، سنن الترمذي:٥/ ٤١.
[ ١ / ١٨٦ ]
أجر السر، وأجر العلانية» (^١) وحدثتنا عن الحكم عن أبي مجلز عن حذيفة عنه (ﷺ): «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى يشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم» (^٢).
وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة (﵁) قال (ﷺ) «ما من عبد إلا له صيت في السماء، وصيت في الأرض، فإذا كان في السماء حسنا وضع له القبول في الأرض، وإن كان سيئا وضع له كذلك في الأرض» (^٣).
وحدثتنا عن أبي الزبير عن جابر قال: شكونا من جوع إليه (﵇) فقال: «لعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا في طعامكم يبارك الله لكم» (^٤) وحدثتنا عن يزيد الرقاشي عن أنس (﵄) عنه (ﷺ) أنه قال:
«كاد الحسد أن يغلب القدر، وكاد الفقر أن يكون كفرا» (^٥)، «وأن الرجل ليذنب
_________________
(١) ينظر: ابن ماجة، سنن ابن ماجة:٢/ ١٤١٢: الطبراني، المعجم الكبير:١٧/ ٢٦٣؛ الدارقطني، علي بن عمر بن أحمد (ت ٣٨٥ هـ /٩٩٥ م) العلل الواردة في الأحاديث النبوية، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله السلفي (د. ط، دار طيبة، الرياض،١٤٠٩ هـ) ٦/ ١٩٩.
(٢) ينظر: ابن حنبل، المسند:٣٩٥،٤/ ٤٠٦؛ مسلم، الصحيح:٤/ ٢١٦٠ مع بعض الاختلاف.
(٣) ينظر: الطبراني، مسند الشاميين، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي (د. ط، مؤسسة الرسالة، بيروت،١٤١٧ هـ -١٩٩٦ م) ٤/ ٨٩؛ البيهقي، كتاب الزهد الكبير، تحقيق: الشيخ عامر أحمد حيدر (ط ٣، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت،١٩٩٦ م) ٢/ ٣٠٩.
(٤) ينظر: ابن ماجة، سنن ابن ماجة:٢/ ١٠٩٣ مع بعض الاختلاف.
(٥) ينظر: ابن عدي، عبد الله بن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ /٩٧٥ م) الكامل في ضعفاء الرجال. تحقيق: د. سهيل زكار (ط ٣، دار الفكر، بيروت،١٤٠٩ هـ) ٧/ ٢٣٧؛ الذهبي، ميزان الاعتدال، تحقيق: علي محمد البجاوي (د. ط، دار المعرفة، بيروت، د. ت) ٤/ ٤١٦.
[ ١ / ١٨٧ ]
ذنبا فيحرم نصيبه من الرزق» (^١). قال الأعمش: حسبك، ما حدثتك في يوم حدثتني في ساعة، ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة (^٢)، وأنت أيها الرجل أخذت بكلا الطرفين.
وذكر الإمام المرغيناني (^٣) أن رجلا جاء إليه، وقال له: حلفت أن لا أغتسل من هذه الجنابة، فأخذ الإمام بيده وانطلق به حتى إذا مر على قنطرة نهر فدفعه في الماء حتى انغمس في الماء ثم خرج فقال: قد طهرت وبررت لأن اليمين كان على منع نفسه عن فعل الغسل ولم يحصل منه فعل.
و(سئل) (^٤) عن امرأة صعدت السلم فقال لها زوجها: إن صعدت فأنت طالق وإن نزلت أيضا قال: يدفع السلم، وهي قائمة عليه، ثم يوضع على الأرض أو ترفع المرأة ويوضع على الأرض، ولا يحنث؛ لأنها ما صعدت ولا نزلت.
(وسئل) (^٥) أيضا عن رجل قال لامرأته: إن لبست هذا الثوب فأنت كدا وإن لم أجامعك فيه فأنت كذا فتحير علماء الكوفة، فقال: يلبسه الزوج ويجامعها فيه.
(وولدت) (^٦) امرأة ولدين ظهرهما متصل فمات أحد الولدين، قال علماء الكوفة: يدفنان جميعا، قال الإمام: يدفن الميت ويتوصل بالتراب في قطع الاتصال ففعلوا فانفصل الحي وعاش، وكان يسمى بمولى أبي حنيفة.
_________________
(١) ينظر: القضاعي، أبو عبد الله محمد بن سلام بن جعفر (ت ٤٥٤ هـ /١٠٦٢ م)، مسند الشهاب، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي (ط ٢، مؤسسة الرسالة، بيروت،١٤٠٧ هـ / ١٩٨٦ م) ١/ ٣٤٢.
(٢) الصيادلة: الذين يبيعون العطر. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط:٢/ ١٣٥٠.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢٠٧.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢٠٧.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢٠٧.
(٦) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢٠٨.
[ ١ / ١٨٨ ]
(ودعاه) (^١) ابن هبيرة (^٢) يوما وأراه فصا منقوشا مكتوب عليه: عطاء بن عبد الله وقال: أكره التختم به لمكان اسم غيري عليه ولا يمكن حكه، فقال: دور رأس الباء يكون عطاء من عند الله، فتعجب من سرعة استخراجه، وقال: لو أكثرت [الاختلاف إلينا] (^٣)؟ قال: وما أصنع عندك؟ إن قربتني فتنتني، وإن أقصيتني أحزنتني، وليس عندك ما أرجوه، ولا ما أخافك عليه، ومثل هذا جرى بينه وبين المنصور وعيسى (^٤) بن موسى، أمير الكوفة حين قالا له: لو أكثرت الاختلاف إلينا وأفدتنا.
(وعن الحسن) (^٥) بن زياد قال (^٦): ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق دعاني المنصور يوما وقال: الناس قد افتتنوا به، فهيئ له من المسائل
_________________
(١) الكردري، المناقب:٢١٠،١/ ٢٠٩.
(٢) ابن هبيرة: هو عمر بن هبيرة بن معاوية الفزاري الشامي، أمير العراقين، ووالد أميرها يزيد، توفي سنة (١٠٩ هـ /٧٢٥). ينظر: المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسن بن علي (ت ٣٤٦ هـ /٩٥٧ م) مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد (د. ط، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٠٨ هـ /١٩٨٨ م) ٤/ ٣٧؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٤/ ٥٦٢.
(٣) ساقط في الأصل. وهو زيادة من: الكردري، المناقب:١/ ٢٠٩.
(٤) هو: عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، كان فارس بني العباس، وسيفهم المسلول، جعله السفاح ولي عهد المؤمنين بعد المنصور، فتحيل له المنصور، وقدم في العهد عليه المهدي. توفي سنة (١٦٨ هـ /٧٨٤).- ينظر: الطبري، محمد جرير (ت ٣١٠ هـ /٩٢٢)، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم (ط ٤، دار الفكر، بيروت،١٣٩٩ هـ /١٩٧٩ م) ٣٨،٨/ ٧،٧/ ٤٥٨، ١٦٤،١٢١،٦٢؛ الجهشياري، محمد بن عبدوس (ت ٣٣١ هـ /٩٤٢ م)، الوزراء والكتاب، تحقيق: مصطفى السقا وآخرين (ط ١، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة،١٣٥٧ هـ / ١٩٣٨) ص ١٢٧،١٢٦.
(٥) ستأتي ترجمته برقم ١٨١.
(٦) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢١٠.
[ ١ / ١٨٩ ]
الشداد، فهيأت له أربعين مسألة، ثم دعاه، وقال: ألق عليه من مسائلك؛ فألقيت عليه واحدة واحدة، فجعل يقول: كذا قال أهل المدينة فيه، وأنتم قلتم فيه كذا وكذا، وأنا أقول كذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة، وربما خالف الكل، فلما فرغ قال:
ألسنا روينا: «إن أعلم الناس أعلمهم بهذه الإختلافات».
وعن أبي معاذ البلخي (^١): إن الإمام كان يقول (^٢): أهل الكوفة كلهم مولاي؛ لأن الضحاك (^٣) بن قيس الشيباني الحروري دخل الكوفة وأمر بقتل الرجال كلهم فخرج إليه الإمام في قميص ورداء فقال: أريد أن أكلمك، قال تكلم، قال: لم أمرت بقتل الرجال؟ قال: لأنهم مرتدون، قال: أكان دينهم غير ما هم عليه فارتدوا حتى صاروا إلى ما عليه أم كان هذا دينهم؟ قال: أعد ما قلت فأعاد، قال الضحاك أخطأنا فغمدوا سيوفهم، ونجا الناس.
وقال أبو الفضل الكرماني (^٤): لما دخل الخوارج الكوفة ورأيهم تكفير كل من أذنب وتكفير كل من لم يوافقهم قيل لهم: هذا شيخ هؤلاء، فأخذوا الإمام وقالوا:
تب من الكفر، فقال: أنا تائب من كل كفر، فقيل لهم: إنه قال أنا تائب من كفركم فأخذوه فقال لهم: أبعلم قلتم أم بظن؟ قالوا: بظن، قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (^٥)،
_________________
(١) هو خالد بن سليمان البلخي. ستأتي ترجمته برقم ٢٢٣.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:٢١١،١/ ٢١٠.
(٣) تولى الضحاك أمر الخوارج الصفرية بعد وفات سعيد بن بهدل الشيباني، وقد غلب على العراق، ولم يغلب أحد الخوارج قبله ولا بعده عليها. وهو أحد بني عمرو بن محلم بن ذهل ويكنى أبا سعيد. ينظر: المسعودي، التنبيه والإشراف (د. ط، دار الصاوي، القاهرة، ١٣٥٧ هـ /١٩٣٨) ص ٢٨٢.
(٤) هو: عبد الرحمن بن محمد بن اميروية بن محمد الكرماني، ستأتي ترجمته برقم ٣٢٣. وينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢١١.
(٥) سورة الحجرات/الآية ١٢.
[ ١ / ١٩٠ ]
والإثم ذنب فتوبوا من الكفر، قالوا: تب أيضا من الكفر، فقال: أنا تائب من كل كفر، فهذا الذي قاله الخصوم إن الإمام استتيب من الكفر مرتين ولبسوا على الناس.
وحكى (^١) أن رجلا أوصى إلى رجل وسلم إليه كيسا فيه ألف دينار، وقال:
إذا كبر ولدي فادفع إليه ما تحبه، فلما كبر/٨ ب/دفع إليه الكيس وأمسك المال.
فلم يجد الصبي مخرجا فجاء إلى الإمام. وقصى [عليه] (^٢) فدعا الإمام الوصي، وقال له: ادفع الألف لأنك أمسكت المال والرجل إنما يمسك ما أحب ويعطي ما لا يحب.
وذكر (^٣) [إن] (^٤) الإمام إذا أشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: ما هذا الا لذنب أحدثته، وكان يستغفر، وربما قام وصلى فتنكشف له المسألة، ويقولوا: رجوت أنني تيب علي، فبلغ ذلك الفضيل (^٥) بن عياض فبكى بكاء شديدا ثم قال: ذلك لقلة ذنبه، فأما غيره فلا يتنبه لهذا. قلت ولعل الشافعي من هنا قال شعر (^٦):
شكوت إلى وكيع (^٧) … سوء حفظي
فأوصى إلى ترك المعاصي
فإن الحفظ فضل من إله … وفضل الله لا يؤتى لعاصي
ووكيع هذا كان أستاذ الشافعي، وقد قال الإمام (^٨) لداود الطائي (^٩): أنت
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢١١.
(٢) ساقط في الأصل. وهو زيادة من: الكردري،١/ ٢١١.
(٣) ينظر: الكردري، م. ن:١/ ٢١٥
(٤) ساقط في الأصل. وهو زيادة من: الكردري، م. ن:
(٥) ستأتي ترجمته برقم ٤٥٠.
(٦) ينظر: الشافعي، أبو عبد الله محمد بن ادريس (ت ٢٠٤ هـ /٨١٩ م) ديوان الإمام الشافعي، جمع وتعليق: محمد عفيف الزعبي (ط ٣، مؤسسة الزعبي، بيروت،١٩٣٢ هـ /١٩٧٤ م) ص ٥٤ مع بعض الاختلاف.
(٧) هو: وكيع بن الجراح بن مليح الكوفي. ستأتي ترجمته برقم ٦٩٥.
(٨) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢١٥.
(٩) هو: داود بن نصير الطائي الكوفي، ستأتي ترجمته برقم ٢٣٨.
[ ١ / ١٩١ ]
تتخلى للعبادة، وقال لأبي يوسف: أنت تميل إلى الدنيا، وقال لكل واحد من تلامذته كلاما، وكان كما قاله، وهذا من الكرامة والفراسة، وكان يقول: ذو الشرف أتم عقلا من غيره ولعله أخذه من قوله (﵇): «الناس معادن كمعادن الذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (^١).
وذكر (^٢) أبو العلاء الهمداني (^٣)، عن أبي القاسم يوسف (^٤) بن علي اليشكري صاحب «الكامل» في علم القراءة قال: مرض أبي يوسف فقيل: إنه قضى قال الإمام: لا، قيل من أين علمت؟ قال: أنه خدم العلم، فما لم يجن ثماره لا يموت وكان كما قال، حتى روي أنه كان له يوم مات سبع مئة ركاب ذهبية.
وذكر (^٥) الإمام أبو القاسم بن علي الرازي قال: احتاج الإمام إلى الماء في طريق الحجاز فساوم إعرابيا قربة من ماء فلم يبعه إلا بخمسة دراهم، فاشتراه بها
_________________
(١) ينظر: ابن حنبل، مسند أحمد:٥٣٩،٣٩١،٢٦٠،٢/ ٢٥٧؛ البخاري، الصحيح:٣/ ١٢١٥، ١٢٨٨،١٢٣٨؛ مسلم، الصحيح:٢٠٣١،٤/ ١٩٥٨.
(٢) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢١٨.
(٣) العطار، الإمام الحافظ، المقرئ، شيخ الإسلام، الحسن بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد بن سهل بن مسلمة بن عثكل بن إسحاق بن حنبل الهمداني، شيخ همدان. توفي سنة (٥٦٩ هـ /١١٧٣ م). ينظر: ابن الأثير، الكامل:١١/ ١٦٧؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٢١/ ٤٠ - ٤٦.
(٤) هو: يوسف بن علي بن جبارة بن محمد بن عتيق بن سوادة، أبو القاسم الهذلي اليشكري، المقرئ الجوال، أحد من طوف الدنيا في طلب القراءات توفي سنة (٤٦٥ هـ /١٠٧٢ م). ينظر: الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والاعصار، تحقيق: بشار عواد معروف، وشعيب الأرناؤوط، وصالح مهدي عباس (ط ٢، مؤسسة الرسالة، بيروت،١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م) ٤٣٣،١/ ٤٢٩٠؛ الجزري، محمد بن محمد (٨٣٣ هـ /١٤٢٩ م)، غاية النهاية في طبقات القراء، عني نشره: ج برجستر اسر،١٣٥٢ هـ /٢/ ٣٩٧:١٩٩٣ - ٤٠١.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٢١٨.
[ ١ / ١٩٢ ]
ثم قال له: كيف أنت بالسويق؛ فقال: أريده فوضعه بين يديه حتى أكل ما أراد، وعطش [فطلب الماء] (^١) فلم يعطه ماء حتى اشتراه بخمسة والله أعلم.