وذكر الكردري (^٣): أنه أدرك الإمام محمد بن علي (^٤) بن حسين بن علي ابن أبي طالب.
ويسمى: الباقر؛ لأنه بقر العلم، أي: شقه بجوده ذهنه وحدة فهمه. وكذا أدرك جعفر (^٥) بن محمد بن علي بن حسين بن علي وهو الصادق، وأمه أم فروة
_________________
(١) «الإستيعاب في أسماء الأصحاب» لابن عبد البر النمري القرطبي (ت ٤٦٣ هـ /١٠٧٠ م)، مطبوع في أسفل كتاب (الإصابة)، مطبعة مصطفى محمد،١٩٣٩ م.
(٢) الوافدي: هو محمد بن عمر بن واقد، أبو عبد الله الأسلمي، المديني، صاحب التصانيف، والمغازي، العلامة، أحد أوعية لعلم. توفي سنة (٢٠٧ هـ /٨٢٢ م). ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء:٩/ ٤٥٤ - ٤٥٧.
(٣) المناقب:١/ ٧٠.
(٤) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر، القرشي الهاشمي، العلوي، الفاطمي، المدني، وكان أحد من جمع بين العلم والعمل، والسؤدد، والشرف، والرزانة، وكان أهلا للخلافة، وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية، وتقول بعصمتهم، وفضائله جمة، هو غني عن التعريف، توفي سنة (١١٤ هـ /٧٣٢ م) ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء،٤/ ٤٠١ - ٤٠٩؛ ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي، (ت ٧٧٤ هـ /١٣٧٢ م) البداية والنهاية، تحقيق: د. أحمد أبو ملحم ود. علي نجيب عطوى وآخرون (ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت،١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م) ٩/ ٣٠٩.
(٥) ينظر: ترجمته في: خليفة بن خياط، تاريخ:٤٢٤؛ أبو نعيم، حلية الأولياء:٣/ ١٩٢؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء،٦/ ٢٥٥.
[ ١ / ١٣٧ ]
بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃، ولد سنة الثمانين في السنة التي ولد فيها الأمام، ومات سنة ثمان وأربعين ومئة (^١).
(ومنهم) ربيعة الرأي (^٢) تابعي مشهور من فقهاء المدينة من شيوخ الإمام مالك، وزيد (^٣) بن اسلم مولى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (﵁) (ومنهم) شعبة بن الحجاج الذي يقال له: أمير المؤمنين في الحديث.
ومنهم أبو محمد عبد الله (^٤) بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب من سادات بني هاشم وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي، مات في حبس المنصور بالكوفة.
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٧٥.
(٢) هو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، المدني، أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن، القرشي، اليمني، مولاهم المشهور بربيعة الرأي، من موالي آل المنكدر، مفتي المدنية، توفي سنة ١٣٦ هـ /٧٥٣ م. ينظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان:٢/ ٢٨٨؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٦/ ٨٩ - ٩٣.
(٣) هو: زيد بن أسلم، أبو عبد الله، العدوي، المدني الفقيه، الإمام الحجة، توفي سنة (١٣٦ هـ /٧٥٣ م). ينظر: البخاري، التاريخ الكبير (د. ط، مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد- الهند،١٣٢٦١ هـ) ٣/ ٢٨٧؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٥/ ٣١٦.
(٤) روى عن أبيه وأمه وابن عم جده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وروى عنه ابناه موسى ويحيى وروى عنه أيضا، الإمام مالك والثوري وابن علبة وغيرهم، وكان ثقة، وكان من العباد له شرف وهيبة ولسان شديد، وكان ذا منزلة من عمر بن عبد العزيز توفي سنة (١٤٥ هـ /٧٦٢ م) زمن المنصور، وهو أحد رجال السنن. ينظر: المزى، جمال الدين يوسف (ت ٧٤٢ هـ /١٣٤١ م)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: د. بشار عواذ معروف (ط ٤، مؤسسة الرسالة، بيروت،١٤٠٦ هـ /١٩٨٥ م) ٤١٤/ ١٤ - ٤١٨؛ الذهبي، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، تحقيق: عزت علي عطية (ط ١، دار الكتب الحديثة، القاهرة،١٣٩٣ هـ /١٩٧٢ م) ٢/ ٨٠.
[ ١ / ١٣٨ ]
(ومنهم) الأوزاعي (^١)، إمام أهل الشام. ومنهم عطاء (^٢) بن أبي رباح المكي، كان جعد الشعر، أسود، أفطس، أشل، أعور، ثم عمي بعد ذلك. قال أبو حنيفة ﵀: ما رأيت أفقه من حماد (^٣) ولا أجمع من عطاء.
(ومنهم) أبو بكر عاصم (^٤) بن أبي النجود بفتح النون وضم الجيم، الإمام في القراءة، تابعي جليل القدر.
(ومنهم) عامر (^٥) بن شرحبيل بن عبد الله الشعبي قال: أدركت خمس مئة من أصحاب النبي (ﷺ). وكان يعجبه هذا البيت. (^٦)
ليست الأحلام في حين النهى … إنما الأحلام في حال الغضب
قلت: وقد ورد: (^٧) «الصبر عند الصدمة الأولى»، وذكر بعضهم (^٨): أنه
_________________
(١) الأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، أبو عمرو، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، وكان خيرا فاضلا، مأمونا، كثير العلم، والحديث، والفقه، توفي سنة (١٥٧ هـ /٧٧٣). ينظر: ابن سعد، الطبقات ٧/ ٤٨٨؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٧.
(٢) هو: فقيه الحجاز، ومن أجلاء الفقهاء، وتابعي مكة وزهادها، توفي سنة (١١٤ هـ /٢٧٣ م) ينظر: ابن سعد، الطبقات ٢/ ٣٨٦ الشيرازي، طبقات الفقهاء: ص ٦٩.
(٣) ستأتي ترجمته برقم ٢١٥.
(٤) الآسدي، الكوفي، الإمام الكبير، مقرئ العصر، توفي سنة (١٢٧ هـ).
(٥) الحميري، أبو عمرو الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، والنعمان بن بشير، وجرير بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وغيرهم من الصحابة (﵁) ينظر: ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (ت ٥٩٧ هـ /١٢٠٠ م)، صفة الصفوة (د. ط، حيدرآباد،١٣٨٨ هـ /١٩٦٨ م) ٣/ ٣٩.
(٦) البيت في: الكردري، المناقب:١/ ٨٣.
(٧) ينظر: البخاري، الصحيح:١/ ٤٣٠ ورد بلفظ مختلف قليلا؛ مسلم، الصحيح:٢/ ٦٣٧.
(٨) ينظر: الكردرى، المناقب:١/ ٧٣.
[ ١ / ١٣٩ ]
أدرك بهلول (^١) بن حمزة الصوفي المجنون، فإن كان هذا بهلول الذي لقي الرشيد، فلا يبعد، لجواز أن يكون طويل العمر، وقصته: أن الرشيد حج سنة ثمان وثمانين ومائة، وكان بهلول حج في تلك السنة أيضا، فلما لقيه قال: يا أمير المؤمنين حدثني عمرو بن عبد الله العامري، وقال: رأيته (ﷺ) حج على جمل وتحته رحل رث ولم يكن بين يديه ضرب ولا طرد ولا إليك إليك، ثم انشأ يقول:
هب أنك قد ملكت الأرض طرا … ودانت لك العباد فكان ماذا
أليس غدا مصيرك جوف قبر … ويحثوك التراب هذا ثم هذا
قال: أجدت يا بهلول، هل غير هذا؟ قال: نعم، من رزقه الله مالا وجمالا، فعف من جماله، وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار، فظن الرشيد أنه يستجدي، فأمر له بمال، وقال: تقضي به دينك.
فقال: لا يقضى دين بدين، أن الذي أعطاك لا ينساني، ثم قال: توكلت على الحي الذي لا يموت، وما أرجو سوى الله، وما الرزق من الناس بل من الله.
وقد نظم بعضهم (^٢):
غدا مذهب النعمان خير المذاهب … كذا القمر الوضاح خير الكواكب
تفقه من خير القرون مع التقى … فمذهبه لا شك خير المذاهب
ثلاثة آلاف وألف شيوخه … وأصحابه مثل النجوم الثواقب
_________________
(١) هو: بهلول بن عمرو الصيرفي، أبو وهيب، من عقلاء المجانين، له أخبار ونوادر وشعر، ولد ونشأ بالكوفة، واستقدمه الرشيد وغيره من الخلفاء لسماع كلامه، كان من منشئه من المتأدبين، ثم وسوس فعرف بالمجنون، توفي سنة (١٩٠ هـ /٨٠٥ م) ينظر الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (ت ٢٥٥ هـ /٨٦٨ م) البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام محمد هارون (ط ١، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة،١٣٦٨ هـ / ١٩٤٩ م) ٢/ ٢٣٠.
(٢) الأبيات في: الكردري، المناقب:١/ ٧٠.
[ ١ / ١٤٠ ]
وذكر الإمام النسفي (^١) صاحب «المنظومة» (^٢) عن عبد العزيز (^٣) بن رزمة: أن توبة (^٤) بن سعد كان جالسه، وأخذ صفو علمه، وكان لا يجاوز في القضاء أقوال أبي حنيفة، ويقول: حسبي هو بيني وبين ربي (^٥).
وقيل: يؤخذ بقول أبي يوسف في مسائل القضاء لأنه؛ ابتلى بهذا البلاء، والمذكور في الفتاوى: أنه إذا كان مع أحد صاحبيه من طرف نأخذ به، وإن كان وحده من طرف نتخير، وقال ابن المبارك: نأخذ بقوله لا غير (^٦). وذكر الإمام الإسفراييني (^٧) بإسناده إلى علي (^٨) بن المديني وهو من أساتذة البخاري، وهو الذي
_________________
(١) ستأتي ترجمته برقم:٤٢٨.
(٢) نظم «الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن وجعله شعرا، ورتبها على عشرة أبواب، وسماه «المنظومة». ينظر: ابن حجر، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني المصري (ت ٨٥٢ هـ /١٤٤٨ م) لسان الميزان: (ط ٢، بيروت، مؤسسة الأعلمي،١٣٩٠ هـ - ١٩٧١ م) ٤/ ٣٢٧؛ حاجي خليفة، كشف الظنون:٢/ ١٨٦٧.
(٣) هو: عبد العزيز بن أبي رزمة غزوان، أبو محمد اليشكري مولاهم المروزي، الإمام المحدث، من كبار مشايخ مرو. توفي سنة (٢٠٦ هـ /٨٢١ م). ينظر البخاري، التاريخ الكبير:٢٩/ ٦؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٩/ ٥٠٥.
(٤) ستأتي ترجمته برقم ١٥٥.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٤١.
(٦) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٤١ - ٤٢.
(٧) هو: الفضل بن سهل بن بشر، أبو المعالي، الدمشقي ويلقب بالأثير الحلبي، توفي ببغداد سنة (٥٤٨ هـ /١١٣ م). ينظر: ابن الجوزي؛ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم:١٠/ ١٥٥؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٢٠/ ٢٢٦.
(٨) ابن المديني: هو الإمام الحافظ أبو الحسين علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم البصري، بلغ في الحديث ونقد رجاله ما لم يبلغه أحد. توفي سنة (٢٣٤ هـ /٨٤٨ م) ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل:٦/ ١٩٣؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:٤٥٨/ ١١؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:١١/ ٤١.
[ ١ / ١٤١ ]
طعن في حديث القلتين (^١): سمعت عبد الرزاق (^٢) يقول: قال معمر (^٣): ما أعرف بعد الحسن أحدا يتكلم من الفقه أحسن معرفة منه (^٤)، وناهيك به أن الشافعي قال (^٥) في حقه: الخلق كلهم عيال أبي حنيفة في الفقه، وفي رواية عنه (^٦): من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وقال الشافعي (^٧): قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته.
وهذا كمال انصاف مالك مع علو مقامه هنالك، وغاية مبالغته في بلاغة الإمام، وبيان المرام في جميع المقام.
وقال ابن مبارك (^٨): رأيت أورع الناس فضيل (^٩) بن عياض، وأعلم الناس
_________________
(١) بشأن حديث القلتين ينظر: الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس (ت ٢٠٤٥ هـ) مسند الشافعي، (د. ط، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت). (باب ما خرج من كتاب الوضوء) عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله (ﷺ) قال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا أو خبثا) ص ٧.
(٢) هو: عبد الرزاق بن همام بن نافع، الحافظ الكبير، الثقة، الشيعي، صاحب التصانيف ومنها «مصنف الكبير» المعروف المتداول. توفي سنة (٢١١ هـ /٨٢٦ م) ينظر: ابن سعد، الطبقات ٥/ ٥٤٨؛ الذهبي، تذكرة الحفاظ:١/ ٣٦٤.
(٣) هو معمر بن راشد، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، أبو عروة بن ابي عمرو الأزدي، مولاهم البصري، نزيل اليمن، توفي سنة (١٥٣ هـ /٧٧٠ م) ينظر: ابن سعد، الطبقات ٥/ ٥٤٦، ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل:٨/ ٢٥٥ - ٢٥٧.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٤٢.
(٥) ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:١٣/ ٣٤٦.
(٦) م. ن
(٧) م. ن:١٣/ ٣٣٧.
(٨) ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:٣٤٣،١٣/ ٣٤٢.
(٩) ستأتي ترجمته برقم ٤٥١.
[ ١ / ١٤٢ ]
الثوري (^١) وأفقه الناس أبا حنيفة، وقوله (^٢) أعلم الناس: أي بالحديث والآثار وأفقه الناس أي أعلمهم بمعانيها، والعلم بمعانيها يستلزم العلم بمبانيها.
وذكر الإمام الغزنوي (^٣): أن الإمام الأديب أبا يوسف: يعقوب بن أحمد بن محمد انشد لنفسه شعر (^٤):
حسبي من الخيرات ما أعددته … يوم القيامة في رضى الرحمن
دين النبي محمد خير الورى … ثم اعتقادي مذهب النعمان
ومما يدل على فضيلة المتقدمين قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ (^٥) وفسر أن يموت علمائها وقرائها. وحديث: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا مات العلماء اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (^٦).
ومن هنا لما كان الإمام من القرن المشهود اكتفى بظاهر عدالة الشهود إلا في باب الحدود، وصاحباه لما كانا في عصر غلبة الهوى فاشترطا تزكية أرباب الهدى (^٧).
وقد جاء (^٨) في الآثار والأخبار: أنّ أولي الأمر هم العلماء الأخيار وقوله
_________________
(١) ستأتي ترجمته برقم ٢٥٨.
(٢) الكردرى، المناقب:١/ ٤٣.
(٣) هو أحمد بن محمد بن محمود بن سعيد الغزنوي، ستأتي ترجمته برقم ٨٥.
(٤) البيتان والنص في مناقب الكردرى:١/ ٤٣.
(٥) سورة الرعد: الآية ٤١.
(٦) حديث «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا …» متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. ينظر: البخاري، الصحيح-كتاب العلم-١/ ٢٠؛ مسلم، الصحيح-كتاب العلم-:٤/ ٢٠٥٨.
(٧) ينظر: الكردرى، المناقب:٥٣،١/ ٥٢.
(٨) الكردرى المناقب:٥٢،١/ ٥٣.
[ ١ / ١٤٣ ]
﵊ في صحيح مسلم: (^١) «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» معناه لم يعرف من يجب عليه الإقتداء والإهتداء به في أوانه.
وقد قال (^٢) بعضهم من تعريف المجتهد: هو الذي يكون صوابه أكثر من خطئه لا العكس، فإن المجتهد يخطئ ويصيب، وثبوت لا أدري لا ينافي كونه مجتهدا، فإن مالكا سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: لا أدري.
وسئل (^٣) علي عن مسألة فقال سلوا مولاي الحسن.
وذكر الكردرى (^٤): إن الإمام حين فر من بني أمية جاور بالحرمين مدة كثيرة.
وإنما لزم الإمام من بين مشايخه الكرام حماد (^٥) بن أبي سليمان العكلي الكوفي الأشعري؛ لأنه كان أفقه من غيره كما صرح به الإمام بنفسه، وذكر الإمام النيسابوري (^٦)، أن حمادا كان يفطر عنده كل ليلة من ليالي رمضان خمسون إنسانا، فإذا كان ليلة الفطر كساهم وأعطى كل واحد منهم مئة مئة وذكر أيضا (^٧) أن رجلا كلم حمادا أن يحول إبنه من معلم إلى معلم آخر؛ لإن المعلم الأول يقلل ما يجري عليه كل شهر، فقال: ما يجري عليه كل شهر؟ قال: ثلاثين فقال: دع الولد عنده فأنا
_________________
(١) ينظر: الطيالسي، سليمان بن داود مسند أبي داود (د. ط، دار الحديث، بيروت، د. ت) ص ٢٥٩ وفيه جاء بلفظ «… من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، ومن نزع يدا من الطاعة جاء يوم القيامة لا حجة له»؛ وينظر: ابن بابويه القميّ (ت ٣٢٩ هـ /٩٤٠ م): الإمامة والتبصرة من الحيرة، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي (ع) (د. ط، قم، د. ت) ص ١٥٣.
(٢) الكردري، المناقب:١/ ٥٨.
(٣) م. ن:١/ ٦٣.
(٤) م. ن:١/ ٥٩.
(٥) ستأتي ترجمته برقم ٢١٥.
(٦) هو أبو يحيى زكريا بن يحيى بن الحارث النيسابوري، ستأتي ترجمته برقم ٢٤٥.
(٧) الكردرى، المناقب:٨٩،١/ ٨٨.
[ ١ / ١٤٤ ]
يجري عليه من كل شهر من عندنا مائة. وذكر أيضا (^١) أنه جاء أبو الزناد (^٢) جابيا للخراج إلى الكوفة، فقال رجل لحماد: اشفع لي إليه في جباية ألف درهم، فقال: أنا أعطي لك من مالي خمسة آلاف درهم ولا أبذل وجهي له في ألف، فدعا له الرجل بالخير.
وذكر (^٣) الحافظ أبو الحسن السجستاني (^٤) أن الإمام الشافعي كان يقول: ما زلت أحب حمادا مذ بلغني عنه أنه كان راكبا فانقطع زره فمر على خياط فأراد أن ينزل ليسويه فمنعه عن النزول وقام وسواه؛ فأخرج صرة فأعطاه، وحلف أنه لا يملك غيرها.
قال الكردرى (^٥):
ومثله سمعت من والدي ﵀ يحكي عن أستاذه الأمير مولانا همام الدين الخطيب الخوارزمي في أنه راكبا فسقط من كمه صرة فيها خمسون دينارا،
_________________
(١) ينظر: الموفق بن أحمد بن محمد بن سعيد (ت ٥٦٨ هـ /١١٧٢ م) مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان (ط ١، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند-حيدرآباد،١٣٢١ هـ) ٥٤/ ١،٥٣.
(٢) هو: عبد الله بن ذكوان القرشي المدني الأمام الفقيه الحافظ المفتي، وقيل مولى عائشة بنت عثمان بن عفان، توفي سنة (١٣٠ هـ /٧٤٧ م). ينظر: البخاري، التاريخ الكبير:٥/ ٨٣؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء،٥/ ٤٤٥.
(٣) ينظر: المكي، المناقب:١/ ٥٤، الكردري، المناقب:١/ ٨٩.
(٤) هو محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم السجستاني الآبري الشافعي، الإمام الحافظ، محدث سجستان بعد ابن حبان مصنف كتاب «مناقب الإمام الشافعي» توفي سنة ٣٦٣ هـ /٩٧٣ م. ينظر: السمعاني، أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي (ت ٥٦٢ هـ /١١٦٦ م) الأنساب. تقديم وتعليق: عبد الله البارودي (ط ١، دار الجنان، بيروت،١٤٠٨ هـ:١٩٨٨ م): ٣/ ٢٢٥ - ٢٢٧؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:١٦/ ٢٩٩.
(٥) المناقب:١/ ٨٩.
[ ١ / ١٤٥ ]
فأخذه رجل وناوله فلم يأخذه، وقال: إن هذا رزق ساقه الله إليك، وفضائله جمة وفيه كفاية.
وذكر الإمام أبو المعالي الإسفراييني عن نجيم بن إبراهيم عن ابن كرامة (^١). قال رجل: أخطأ أبو حنيفة، وقال كيف تقول هذا؟ وعنده مثل أبي يوسف (^٢) وزفر (^٣) في قياسهما، ومثل يحيى (^٤) بن زكريا بن أبي زائدة، وحفص (^٥) بن غياث، وحبان (^٦) ومندل (^٧) في حفظهم، والقاسم (^٨) بن معن في معرفته بالفقه والعربية، وداود (^٩) الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما لم يكن ليخطئ، ولو أخطأ لردوه إلى الحق (^١٠).
وعن سفيان (^١١) بن عيينة قال (^١٢) شيئان ما كنت أرى أن قراءة حمزة، ورأى الإمام، يتجاوزان قنطرة الكوفة، وقد بلغا الآفاق
_________________
(١) ابن كرامة: الإمام المحدث، الثقة، أبو جعفر محمد بن عثمان بن كرامة العجلي، مولاهم الكوفي، الوراق حدث عنه البخاري، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة، توفي سنة (٢٥٦ هـ / ٨٦٩ م). ينظر ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل:٨/ ٢٥؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:١٢/ ٢٩٦.
(٢) ستأتي ترجمته في فصل (ذكر مناقبه)، وبرقم ٧١٤.
(٣) ستأتي ترجمته في فصل «ذكر مناقبه»، وبرقم ٢٤٣.
(٤) ستأتي ترجمته برقم ٧٠١.
(٥) ستأتي ترجمته في فصل «ذكر مناقبه»، وبرقم ٢٠٦.
(٦) ستأتي ترجمته برقم ١٦٨.
(٧) ستأتي ترجمته برقم ٦٦١.
(٨) ستأتي ترجمته برقم ٤٥٨.
(٩) ستأتي ترجمته في فصل «ذكر مناقبه»، وبرقم ٢٣٨.
(١٠) ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:١٤/ ١٤٧.
(١١) ستأتي ترجمته برقم ٢٥٩.
(١٢) ينظر: الكردرى، المناقب:١/ ٩٠.
[ ١ / ١٤٦ ]
وعن الأوزاعي يقول (^١): هو أعلم الناس بمعضلات المسائل.
وعن عبد المجيد (^٢) بن عبد العزيز بن أبي رواد قال (^٣): كنا مع جعفر بن محمد في الحجر إذ جاء فسلم وسلم عليه جعفر وعانقه وسائله حتى سأله عن الخدم فلما قام قال قائل: يا بن رسول الله هل تعرفه؟ قال: ما رأيت أحمق منك، أسأله عن الخدم وأنت تقول هل تعرفه؟ هذا أبو حنيفة أفقه أهل بلاده.
وعن الواقدي قال (^٤): كان مالك كثيرا ما يقول بقوله، وإن كان لا يظهره.
وعن إسماعيل بن أبي فديك قال (^٥): رأيت مالكا قابضا على يد الإمام وهما يمشيان، فلما بلغا المسجد قدم الإمام فسمعه لما دخل المسجد قال: بسم الله الرحمن الرحيم هذا موضع الأمان فآمني من عذابك ونجني من النار.
وعن ليث بن نضر قال (^٦): لما أخرج من القصر وطيف به حين امتنع من الولاية قال ابن شبرمة (^٧): ما على هذا المسكين لو قبله؟ قال ابن
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٩٠.
(٢) هو: عبد المجيد بن عبد العيز بن أبي رواد الأزدي، المكي، العالم القدوة، الحافظ الصادق، مولى المهلب بن أبي صفرة، توفي سنة (٢٠٦ هـ). ينظر: ابن سعد، الطبقات،٥/ ٥٠٠؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٩/ ٤٣٤.
(٣) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ٩٣.
(٤) م. ن.
(٥) م. ن.
(٦) ينظر: الكردرى، المناقب:١/ ٩٤.
(٧) ابن شبرمة: هو عبد الله بن شبرمة، الإمام العلامة فقيه العراق، قاضي الكوفة، كان عفيفا، صارما، عاملا، خبيرا، يشبه النساك، وكان شاعرا جوادا له نحو خمسين حديثا. توفي سنة (١٤٤ هـ /٧٦١ م). ينظر: البخاري، التاريخ الكبير:٥/ ١١٧؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٦/ ٣٤٧.
[ ١ / ١٤٧ ]
أبي ليلى (^١): هذا مسكين عندي وعندك، وغدا يكون خيرا مني ومنك.
وعن الحسن بن قتيبة قال مسعر (^٢): ما أحسد إلا رجلين، الإمام في فقهه، والحسن (^٣) بن صالح في زهده.
وعن ابن مبارك (^٤) كان مسعر إذا رآه قام له وإذا جلس جلس بين يديه، وكان معظما له، مائلا إليه، مثنيا عليه، ومسعر من مفاخر الكوفة في زهده، وحفظه، وكان من شيوخه أكثر عن الرواية في «مسنده».
وعن الأصمعي (^٥) قلت لأبي يوسف: لقد بلغ فيك الأماني هل وددت أكثر مما أنت فيه؟ قال: وددت أن لي زهد مسعر بن كدام وفقه الإمام، وفي رواية (^٦):
قال: وددت أن لي مجلسا من مجالس أبي حنيفة بنصف ما أملك وكان ماله أكثر من ألفي ألف، وقال الأصمعي: ولم تتمنى هذا؟ قال: في النفس حزازات (^٧) /٣ ب/
_________________
(١) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، قاضي فقيه، من أصحاب الرأي ولي القضاء، والحكم بالكوفة لبني أمية، ثم لبني العباس، له الأخبار مع الإمام أبي حنيفة، توفي سنة (١٨٤ هـ /٨٠٠ م). ينظر: ابن سعد، الطبقات ٦/ ١٠٩ - ١١٣: خليفة بن خياط، تاريخ: ص ٢٧٨.
(٢) ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:١٣/ ٣٣٨؛ الكردرى، المناقب:١/ ٩٤. ومسعر: هو مسعر بن كدام، تأتي ترجمته برقم ٦٤٥.
(٣) تأتي ترجمته برقم ١٨٢.
(٤) ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:١٣/ ٣٤٣.؛ الكردرى، المناقب:١/ ٩٤.
(٥) الأصمعي: هو الإمام العلامة الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب، أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي. توفي سنة (٢١٥ هـ /٨٣٠ م). ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل:٥/ ٣٦٣؛ ابن خلكان، وفيات الأعيان:٣/ ١٧٠ - ١٧٦.
(٦) ينظر: الكردرى، المناقب:٩٩،١/ ٩٨.
(٧) حزازات وجع في القلب من غيظ ونحوه، وقل ما حز القلب، وحك في الصدر. ينظر: الفيروزآبادي، القاموس:١/ ٧٠١.
[ ١ / ١٤٨ ]
كنت أسألها عنه. قلت: وفيه رايحة تصف البخل، وروي عنه أنه قال (^١): ما علمي عند علم الإمام إلا كنهر صغير في جانب الفرات وعن المعلى (^٢) بن منصور قال أبو يوسف (^٣): ما اتفق قولي وقوله إلا وجدت لها في قوة، وما فارقته في مسئلة إلا وفي قلبي أمثال الجبال من الضعف والريبة.
وعن عثمان المزني قال: كان الإمام أفقه من حماد (^٤) وإبراهيم (^٥) وعلقمة (^٦)، والأسود (^٧).
وعن أحمد (^٨) بن بديل، قال أبو معاوية (^٩): يا أهل الكوفة، رفعكم الله بالأعمش وبأبي حنيفة، يا أهل الكوفة شرفكم الله به وبالأعمش، وأبو معاوية هذا
_________________
(١) ينظر: الكردرى، المناقب:٩٩،١/ ٩٨.
(٢) ستأتي ترجمته برقم ٦٥٦.
(٣) ينظر: الكردرى، المناقب:١/ ٩٩.
(٤) ستأتي ترجمته برقم ٢١٦.
(٥) هو: الإمام الحافظ أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، أحد أعلام الحديث والفقه، روى عن كبار التابئين، كان رجلا صالحا فقيها كبير الشأن كثير المحاسن، وكان مفتي أهل الكوفة. توفي سنة (٩٦ هـ /٧١٤ م) وله تسع وأربعون سنة. ينظر ابن سعد، الطبقات ٦/ ٢٧٠؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٢٠.
(٦) علقمة: هو الإمام الحافظ أبو شبل علقمة بن قيس النخعي عم الأسود بن يزيد وخال إبراهيم النخعي، ولد في أيام الرسالة المحمدية وعداده في المخضرمين، وحدث عن كثير من الصحابة، وحدث عنه الشعبي وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وغيرهم. توفي سنة (٦١ هـ /٦٨٠ م) وقيل (٦٢ هـ /٦٨١ م) وقيل غير ذلك. ينظر: ابن سعد، الطبقات ٦/ ٨٦ ح الذهبي، سير أعلام النبلاء:٤/ ٥٣.
(٧) الأسود: هو أبو عمرو الأسود بن يزيد النخعي أحد حملة العلم والحديث أدرك الجاهلية والإسلام، روى عن معاذ بن جبل، وبلال، وابن مسعود وغيرهم، وروى عنه أبنه عبد الصمد، وأخوه عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي والشعبي وغيرهم، توفي في أرجح الأقوال سنة (٧٥ هـ /٦٩٤ م). ينظر: ابن سعد، الطبقات ٦/ ٧٠؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٤/ ٥٠.
(٨) ستأتي ترجمته برقم ٣٢.
(٩) ستأتي ترجمته برقم ٥١٦. والخبر في: الكردرى، المناقب:١/ ٩٧.
[ ١ / ١٤٩ ]
هو الضرير من ائمة الكوفة وأجلتهم، وفد على الرشيد فأكرمه، وجيء بالطعام فأكله بين يديه، وصب الرشيد الماء على يديه حتى غسلهما. وقال: أتدري من يصب الماء على يديك؟، قال: لا، قال أمير المؤمنين، قال: أكرمك الله كما أكرمت العلم. قال: ما أردت إلا هذا.
وعن عبد الله بن لبيد قال (^١): كنا عند يزيد (^٢) بن هارون فقال رجل: حدثنا عنه (ﷺ) فقال يزيد: يا أحمق هذا تفسير أحاديثه (ﷺ) وما تصنع بالحديث إذا لم تعلم معناه؟، ولكن همتكم للسماع، ولو كان همتكم العلم لنظرتم في كتب الإمام وأقاويله.
وعن سويد (^٣) بن نصر عن ابن مبارك أنه قال (^٤): لا تقولوا: رأي أبي حنيفة، ولكن قولوا: إنه تفسير الحديث.
وعن عمر (^٥) بن يزيد قال (^٦): كنت اختلف إلى عامر، فقال لي: أنظرت في كتبه؟ فقلت: إني أطلب الحديث فما أصنع به؟، قال: طلبت الأثار سبعين سنة فلم أحسن الإستنجاء حتى نظرت في كتبه.
وعن ابن مبارك (^٧): عليكم بالأثر، ولا بد للأثر منه، فإنه يصرف تأويل الحديث ومعناه.
_________________
(١) ينظر: الكردرى، المناقب:١/ ١٠١.
(٢) ستأتي ترجمته برقم ٧١٣.
(٣) المعروف بالشاه الإمام، المحدث، أبو الفضل المروزي، من رجال الترمذي، والنسائي، توفي سنة (٢٤٠ هـ /٨٥٤ م). ينظر: البخاري، التاريخ الكبير:٤/ ١٤٨؛ المزي، تهذيب الكمال: ١٢/ ٢٧٢ - ٢٧٤.
(٤) ينظر: الكردرى، المناقب:١/ ١٠٣.
(٥) ستأتي ترجمته برقم ٦١٤.
(٦) ينظر: الكردرى، المناقب:١/ ١٠٥.
(٧) م. ن:١/ ١٠٦.
[ ١ / ١٥٠ ]
وسئل الإمام (^١) عن أفقه من في خراسان؟ فقال: النصر (^٢) بن محمد، ودعي الإمام إلى مجلس فلم يجد رداء فأخذ رداء نصر بن محمد وكان شراؤه بمئتي درهم [فلبسه] (^٣)، فلما رجع قال: شهرتني بردائك.
وعن عطية بن أسباط ختن ابن مبارك على أخته قال: كان إذا قدم الكوفة استعار من زفر كتبه فكتبه مرارا.
وسئل (^٤) مالك أفقه أم هو؟ قال: هو أفقه من ملأ الأرض مثل مالك.
وعن ابن مبارك قال (^٥): إن الله خلقه رحمة لهذه الأمة. وعنه (^٦): لولاه لكنت ممن يبيع الفلوس أو من المبتدعة.
قال الكردري (^٧): فإن قلت: ليس لأبي حنيفة كتاب مصنف، قلت: هذا كلام المعتزلة، ودعواهم أنه ليس له في علم الكلام تصنيف، وغرضهم بذلك نفي أن يكون «الفقه الأكبر» (^٨)، وكتاب «العالم والمتعلم» (^٩) له؛ لأنه صرح فيه بأكثر قواعد أهل السنة، ودعواهم أنه كان من المعتزلة (^١٠)، وذلك الكتاب لأبي حنيفة البخاري، وهذا غلط صريح، فإني رأيت بخط العلامة مولانا شمس الملة والدين
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٠٤.
(٢) ستأتي ترجمته برقم:٦٧٦.
(٣) ساقط في الأصل، زيادة من الكردري، المناقب:١/ ١٠٤.
(٤) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٠٥.
(٥) ينظر: م. ن:١/ ١٠٦.
(٦) ينظر: م. ن:١/ ١٠٥.
(٧) ينظر: م. ن:١/ ١٠٨.
(٨) مطبوع متداول.
(٩) مطبوع متداول.
(١٠) المعتزلة: أصحاب واصل بن عطاء الغزالي، أعتزل عن مجلس الحسن البصري. ينظر: الجرجاني، السيد الشريف علي بن محمد (ت ٨١٦ هـ /١٤١٣ م) التعريفات (ط ٣، دار الكتب العلمية، بيروت،١٤٠٨ هـ /١٩٨٨ م) ص ٢٢٢.
[ ١ / ١٥١ ]
الكردري البراتقيني العماري (^١) هذين الكتابين، وكتب فيهما أنهما لأبي حنيفة وقد تواطأ على ذلك جماعة كثيرة من المشايخ، انتهى.
ومن تصانيفه: وصاياه لأصحابه، وقد شرحت «الفقه الأكبر» وضمنته وصاياه بحمد الله، ولعلي إذا ظفرت «بالعالم والمتعلم» أشرحه بعون الله وتوفيقه ولم يكن الإمام قدريا (^٢) ولا جبريا (^٣) ولا مرجيا (^٤)، ولا معتزليا بل سنيا حنفيا.
وعن إبراهيم بن فيروز عن أبيه قال (^٥): رأيته جالسا في المسجد الحرام يفتي أهل المشرق والمغرب، والفقهاء الكبار، وخيار الناس كلهم حضور في مجلسه.
وعن أبي حيان التوحيدي (^٦): الملوك عيال عمر ﵁ إذا ساسوا، والفقهاء عيال أبي حنيفة إذا قاسوا، والمحدثون كلّ على أحمد بن حنبل إذا أسندوا.
_________________
(١) هو محمد بن عبد الستار الكردري. ستأتي ترجمته برقم ٥٤٤.
(٢) القدرية: هم الذين يزعمون أن كل عبد خالق لفعله ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله تعالى. ينظر: الجرجاني، التعريفات ص ١٧٤.
(٣) الجبرية: هو من الجبر، وهو إسناد فعل العبد إلى الله، والجبر إثنان: متوسطة تثبت للعبد كسبا في الفعل كالأشعرية، وخالصة: لا تثبت كالجهمية. ينظر: الجرجاني، التعريفات ص ٧٤.
(٤) المرجئة: قوم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. الجرجاني، التعريفات ص ٢٠٨.
(٥) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٠٩.
(٦) هو: أثير الدين، محمد بن يوسف بن علي بن حيان الغرناطي، الجياني المالكي، ثم الشافعي، أديب، نحوي، لغوي، مفسر، محدث، مقرئ، مؤرخ، صاحب تصانيف، توفي سنة (٧٤٥ هـ). ينظر: السبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي (ت ٧٧١ هـ) طبقات الشافعية، تحقيق: محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو (ط ١، مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة، ١٣٨١ هـ /١٩٦٤ م) ٦/ ٣١ - ٤٤؛ ابن نعزي بردى، النجوم الزاهرة:١٠/ ١١١ - ١١٥. ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١٠٦.
[ ١ / ١٥٢ ]
وعن مقاتل (^١) بن حيان: أدركت التابعين ومن بعدهم، فما رأيت أحدا مثله.
قال العلماء: أدرك مقاتل عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، ونافعا (^٢)، وجماعة من التابعين، وروى عنهم، وكان جليلا. وروى عنه، وأخذ منه، وهو شريكه في السماع عن التابعين مثل: نافع، وعطاء، وابن المنكدر (^٣)، وابن سيرين (^٤)، وغيرهم.
قال مقاتل: وفدت إلى عمر بن عبد العزيز، فأنزلني دار الضيافة، وكان أصابه جنابة فأمر بتسخين الماء، فقال الغلام: ليس هنا حطب، قال: اشتر بالنسيئة وإذا وجدت [دراهم] (^٥) تقضي، فجاء به، فقال: أين سخنته؟ فقال: في دار الضيافة، فرده فقال: مات بماء من البئر، فجاء به فصبه عليه فقال: هذا. أهون من زمهرير جهنم.
_________________
(١) هو مقاتل بن حيان بن دوال دور، الإمام العالم المحدث، الثقة، أبو بسطام النبطي البلحي، وكان من العلماء العاملين، ذا نسك وفضل، صاحب سنة. توفي سنة (١٥٠ هـ /٧٦٧ م). ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديا:٨/ ٣٥٣؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٦/ ٣٤٠.
(٢) نافع مولى ابن عمر: هو أبو عبد الله نافع بن هرمز مولى ابن عمر وراويته، أحد التابعين الثقات، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. توفي بالمدينة سنة (١١٧ هـ /٧٣٥ م) وقيل (١٢٠ هـ /٧٣٧ م). ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل:٨/ ٤٥١؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:٥/ ٩٥.
(٣) هو: محمد بن المنذر بن عبد الله بن الهدير، الفقيه القدوة، الحافظ، من الزاهدين العابدين، توفي سنة (١٣٠ هـ /٧٤٧ م). ينظر: خليفة بن خياط، تاريخ: ص ٢٨٥، النافعي، أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليمني المكي (ت ٧٨٦ هـ /١٢٦٩ م) مرآة الجنان وعبرة اليقظان (ط ٢، مؤسسة الأعلمي، بيروت،١٣٩٠ هـ -١٩٧٠ م) ١/ ٢٧٣.
(٤) هو: محمد بن سيرين، مولى أنس بن مالك، وهو أحد الفقهاء من أهل البصرة، والمشهور بالورع والتقوى، وكانت له اليد الطولى في تعبير الرؤيا، توفي سنة (١١٠ هـ /٧٢٨ م). ينظر: ابن سعد، الطبقات ٧/ ١٩٣؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد،٥/ ٣٣١ - ٣٣٨.
(٥) ساقط في الأصل، زيادة: الكردري، المناقب:١/ ١١١.
[ ١ / ١٥٣ ]
وعن أبي معاذ البلخي أنه قال (^١): ما رأيت أحدا أفضل منه، وهو خالد بن سليمان (^٢) حافظ الحديث، أخذ الحديث عن الثوري، والحديث والفقه عن الإمام، وكان زاهدا صلبا في دين الله، وحين حج سفيان كان أبو معاذ عديله.
وعن شقيق (^٣) بن إبراهيم البلخي: أن ذكر مناقبه من أفضل الأعمال، وهو من الزهاد والعلماء العباد.
حتى قيل: ما أخرجت بلخ مثله، وقد دخل بغداد في زي الفقراء./٤ أ/ وعليه مدرعة صوف، فرآه أبو يوسف من بعيد في موكبه وجلالته، فقال:
﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ (^٤) قال: نعم، ثم رآه من بعد، قال: يا أبا إسحاق أنت في كسوتك ما غيرتها قال: لا؛ لأني ما وجدت ما طلبتها، يعني الجنة، وأنت وجدت ما طلبت، أي الدنيا فغيرت كسوتك.
وعن شداد (^٥) بن حكيم: لولا هو، وأصحابه لم نكن ندري ما نختار ونأخذ، وكان شداد من أزهد أهل زمانه من أئمة بلخ، صلى بوضوء اليوم ظهر الغد ستين سنة، روى عن زفر وأصحابه، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين.
وعن ابن المبارك (^٦): ذكر الإمام عند داود الطائي فقال: ذاك نجم يهتدي به الساري، ويقبله قلوب المؤمنين. وكل علم ليس بعلمه فهو بلاء على حامله، ثقة، عالم بالحلال والحرام، والنجاة من النار، مع ورع مستكمل، وخدمة دائمة.
وعن أبي يوسف (^٧): أن الإمام كان يفتي في المسجد الحرام إذ وقف عليه
_________________
(١) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١١٠ - ١١١.
(٢) ستأتي ترجمته برقم ٢٢٣.
(٣) ستأتي ترجمته برقم ٢٧٤.
(٤) سورة الفرقان الآية ٢٠.
(٥) ستأتي ترجمته برقم ٢٦٨، وينظر: الخبر في: الكردري، المناقب:١/ ١١١.
(٦) ينظر: الكردري، المناقب:١/ ١١٢.
(٧) ينظر الكردري المناقب:١/ ١١٢.
[ ١ / ١٥٤ ]
الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر الإمام ﵄ وعن آبائهما الكرام فقام، وقال: يا ابن رسول الله لو علمت أول ما وقفت لما قعدت، وأنت قائم، فقال:
اجلس وافتي الناس، على هذا أدركت آبائي.
فإن قلت: هل لشهادة هؤلاء تأثير في الترجيح؟ قلت: نعم، وأي تأثير عند أرباب الفطنة، وذلك ثابت بالكتاب والسنة، اما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ ..﴾. (^١). قالت طائفة المفسرين: إنه شهادة البعض على البعض في الدنيا، وأما السنة، فما في صحيح مسلم (^٢) عن أنس ﵁، عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: حين مرت به جنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: وجبت ثلاثا، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليه شرا، فقال: وجبت، ثلاثا، فقال عمر: فداك أبي وأمي ما وجبت؟ قال (ﷺ): «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، وأنتم شهداء الله في أرضه»، ثلاثا، ولا ينافي هذا ما في البخاري وغيره: أنه الشهادة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم.