بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب الأرض والسماء، ذي الفضل والطول والنعماء، رفيع الدرجات في الصفات والأسماء، ورافع مراتب العلماء، من الأنبياء والأولياء، والصديقين والشهداء، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء، وسيد الأصفياء وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء، وعلى أتباعهم بحسن الإقتداء في الملة الحنيفية السمحاء.
أما بعد فيقول الواثق بكرم ربه البارئ علي بن سلطان محمد القارئ: إني لما وفقني الله سبحانه بلطفه الخفي، وتوفيقه الوفي، على كتابة «سند الإمام»، شرح «مسند الإمام»، أحببت أن أذكر بعض مناقبه وأشهر نبذة من مراتبه، تنبيها للجاهلين بمقامه، والغافلين عن دقائق مرامه، وأذيله بذكر أصحابه العلية، المشاهير من طبقات الحنفية، وما لهم من اللطائف الخفية، والعوارف الجلية، والمعارف السنية، رجاء أن أتخلق بفرائد أخلاقهم، وأترزق من موائد أرزاقهم، فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، وببركاتهم تحصل النعمة، وتزول النقمة، وقد قيل للجنيد (^١) سيد الطائفة: هل لذكر المشايخ من منفعة؟ فقال نعم، فقيل له: هل على ذلك دلالة من الكتاب أو السنة؟ فقال: نعم، قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ (^٢)
_________________
(١) هو الجنيد بن محمد النهاوندي ثم البغداد القواريري الصوفي، تفقه على أبي ثور، وسمع من السري السقطي وصحبه، ومن الحسن بن عرفة، وصحب أيضا الحارث المحاسبي، وأتقن العلم، ثم تفرغ للعبادة. توفي سنة (٢٩٧ هـ /٩٠٩ م). ينظر: السلمي: أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد (ت ٤١٢ هـ /١٠٢١ م)، طبقات الصوفية، تحقيق نور الدين شريبة (ط ٣، مطبعة المدني، القاهرة،١٤٠٦ هـ /١٩٨٦ م) ص ١٥٥ - ١٧٩، الذهبي، محمد بن عثمان (٧٤٨ هـ /١٣٤٧ م) سير أعلام النبلاء، تحقيق: مشترك (ط ١، مؤسسة الرسالة، بيروت،١٤٠١ هـ /١٩٨١ م) ١٤/ ٦٦، السبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي (ت ٧٧١ هـ /١٣٦٩ م) طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو (ط ١، مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة،١٣٨٣ هـ /١٩٦٤ م) ٢/ ١٧٠ - ١٨٠.
(٢) سورة هود: الآية ١٢٠.
[ ١ / ١٢٧ ]
ثم من المعلوم أن الأولياء هم العلماء العاملون والفضلاء الكاملون، وقد ثبت عن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي (^١)، أنهما قالا: لو لم يكن العلماء أولياء فليس لله أولياء، وروى:"ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه" (^٢) ومما يشهده من الآيات قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (^٣) حيث اندرج فيهم الأنبياء والأولياء وقوله سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ (^٤). وقوله (﷿) ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ (^٥). وقد قيل لعبد الله (^٦) بن المبارك: كيف لا تستوحش وحدك في المقام؟ فقال كيف يستوحش من يجالس النبي ﵇، والصحابة والتابعين رضوان الله عنهم أجمعين؟ يعني: الكتب؛ لأن فيها الأخبار والآثار، رواه الحاكم في تاريخه (^٧) عن نعيم (^٨) بن حماد.
_________________
(١) هو محمد بن إدريس، أبو عبد الله القرشي الإمام الكبير، صاحب المذهب، انتهت إليه رئاسة العلم بديار مصر، توفي سنة (٢٠٤ هـ /٨١٩ م) ينظر: الذهبي، سير الأعلام النبلاء،١٠/ ٥، السبكي، طبقات الشافعية الكبرى:٢/ ١٧٠ - ١٨٠.
(٢) لم أعثر عليه.
(٣) سورة آل عمران: الآية ١٨.
(٤) سورة المجادلة الآية ١١.
(٥) سورة فاطر: الآية ٢٨.
(٦) تأتي ترجمة برقم:٣٠٤.
(٧) هو «تاريخ نيسابور» للحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني المتوفي سنة (٤٠٥ هـ /١٠١٤ م). وقال عنه فؤاد سزكين:"من آثاره"تاريخ نيسابور"يتكون من ١٢ جزءا، ألفه وفق كتاب تاريخ بيهق"للبيهقي ويبدو أن النسخة الأصلية لهذا الكتاب قد فقدت يراجع تفاصيل أكثر حول الكتاب. فؤاد سزكين، تاريخ التراث العربي:١/ ٥٤٣.
(٨) ستأتي ترجمته برقم ٦٨٣.
[ ١ / ١٢٨ ]