١٩٢ - سليمان بن إبراهيم بن حمزة البلوي (١).
من أهل مالقة، يكنى أبا أيوب. كان مجوّدا للقرآن، عالما بكثير من معانيه، متصرفا في فنون من العربيّة، حسن الفهم، خيّرا فاضلا، وكان زوجا لابنة أبي عمر الطلمنكي؛
وروى عنه كثيرا من روايته وتواليفه.
وروى عن حسنون القاضي وغيره من شيوخ مالقة. وكان محسنا في العبارة، مطبوعا. وتوفي بقرطبة سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
ذكره ابن بشكوال في «الصلة».
١٩٣ - سليمان بن إبراهيم بن هلال القيسي (٢).
_________________
(١) له ترجمة في: الصلة لابن بشكوال ١/ ١٩٦.
(٢) له ترجمة في: الصلة لابن بشكوال ١/ ١٩٦.
[ ١ / ٢٠٣ ]
من أهل طليطلة، يكنى أبا الربيع. كان رجلا صالحا زاهدا عالما بأمور دينه تاليا للقرآن، مشاركا في التفسير والحديث، ورعا، فرّق جميع ماله وانقطع إلى الله تعالى، ولزم الثغور. وتوفي بحصن غرماج، وذكر أن النصارى يقصدونه ويتبركون بقبره، ﵀ ونفعنا به.
ذكره ابن بشكوال أيضا.
١٩٤ - سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير (١).
الإمام الحجة بقية الحفاظ أبو القاسم اللّخميّ الشامي الطّبرانيّ، مسند الدنيا، ولد بعكا. وأمّه من أهلها، في صفر سنة ستين ومائتين، وسمع من سنة ثلاث وسبعين وهلم جرا، بمدائن الشام، والحرمين، واليمن، ومصر، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وأصبهان، والجزيرة، وغير ذلك، وحدّث عن ألف شيخ أو يزيدون.
وصنّف «المعجم الكبير» وهو المسند سوى «مسند أبي هريرة»، فكأنه أفرده في مصنف، و«المعجم الأوسط» في ست مجلدات كبار على معجم شيوخه، يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير «كتاب الأفراد» للدارقطنيّ، بين فيه فضيلته وسعة روايته، وكان يقول:
هذا الكتاب روحي. فإنه تعب عليه وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر، وصنّف «المعجم الصغير» وهو عن كل شيخ له حديث واحد، وله «كتاب الدعاء» في مجلد كبير، وكتاب «المناسك» و«كتاب عشرة النساء» و«كتاب السنة» و«كتاب الطوالات» و«كتاب النوادر» وكتاب
_________________
(١) له ترجمة في: البداية والنهاية لابن كثير ١١/ ٢٧٠، تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ٩١٢، الرسالة المستطرفة للكتاني ٣٨، طبقات الحنابلة ٢/ ٤٩، العبر ٢/ ٣١٥، لسان الميزان للذهبي ٣/ ٧٣، مرآة الجنان لليافعي ٢/ ٣٧٢، المنتظم ٧/ ٥٤، ميزان الاعتدال ٢/ ١٩٥، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٤/ ٥٩، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/ ١٤١.
[ ١ / ٢٠٤ ]
«دلائل النبوة» وكتاب «مسند شعبة» وكتاب «مسند سفيان» وعمل «مسانيد جماعة من الكبار»، وله «كتاب حديث الشاميين» و«كتاب الأوائل» و«كتاب الرمي» وله «تفسير كبير» وأشياء أخر.
وهو من فرسان هذا الشأن مع الصدق والأمانة، سمع هاشم بن مرثد الطبرانيّ، وأبا زرعة الدمشقيّ، وإسحاق الدّبريّ، وإدريس العطار، وبشر ابن موسى، وحفص بن عمر سنجة ألف الرّقيّ، وعلي بن عبد العزيز البغويّ، ومقدام بن داود الرّعينيّ، ويحيى بن أيّوب العلّاف، وأبا عبد الرحمن النّسائيّ وعبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، ونظراءهم. وحرص عليه أبوه في صباه، ورحل به، وكان يروى عن دحيم وغيره.
حدّث عن الطبراني أبو خليفة الجمحي، وابن عقدة، وأحمد بن محمد الصحاف وهؤلاء من شيوخه، وأبو بكر بن مردويه، والفقيه أبو عمر محمد ابن الحسين [البسطامي، وأبو الحسين (١)] بن فاذشاه، ومحمد بن عبيد الله بن شهريار، وعبد الرحمن بن أحمد الصفار، وأبو بكر بن ريذة خاتمة أصحابه، وبقي بعده عامين عبد الرحمن الذّكوانيّ يروى عنه بالإجازة.
قال الذّكوانيّ: سئل الطبراني عن كثرة حديثه فقال: كنت أنام على البواري ثلاثين سنة. قال أبو نعيم: دخل الطبراني أصبهان سنة تسعين، فسمع وسافر ثم قدمها فاستوطنها ستين سنة.
وقال ابن مردويه: قدم الطبراني سنة عشر فقبله أبو علي بن رستم العامل وضمه إليه، وجعل له معلوما في دار الخراج، كان يتناوله إلى أن مات.
قال أبو عمر بن عبد الوهاب السلمي: سمعت الطبراني يقول: لما قدم
_________________
(١) تكملة عن: تذكرة الحفاظ للذهبي.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ابن رستم من فارس أعطاني خمسمائة درهم، فلما كان في آخر أمره تكلم في أبي بكر وعمر ﵄ ببعض الشيء، فخرجت ولم أعد إليه بعد. قال ابن فارس صاحب اللغة: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا كحلاوة الوزارة والرئاسة التي أنا فيها؛ حتى شاهدت مذاكرة الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلبه بكثرة حفظه؛ وكان أبو بكر يغلبه بفطنته حتى ارتفعت أصواتهما إلى أن قال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلّا عندي فقال: هات؛ قال: حدثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيوب وحدث بحديث، فقال الطبراني: فأنا سليمان بن أيوب، ومني سمعه أبو خليفة، فاسمعه مني عاليا، فخجل الجعابي، فوددت أن
الوزارة لم تكن وكنت أنا الطبراني وفرحت كفرحه.
قال أبو جعفر بن أبي السري: سألت ابن عقدة أن يعيد لي فوتا وشددت عليه، فقال: من أين أنت؟ فقلت: من أصبهان، فقال: ناصبة، فقلت: لا تقل هذا ففيهم فقهاء ومتشيعة، قال: شيعة معاوية، قلت: بل شيعة علي ﵁، وما فيهم إلّا من على أعز عليه من عينيه وأهله، فأعاد عليّ ما فاتني، ثم قال لي: سمعت من سليمان بن أحمد اللخمي؟ فقلت: لا أعرفه، فقال: يا سبحان الله. أبو القاسم ببلدك وأنت لا تسمع منه وتؤذيني هذا الأذى، ما أعرف له نظيرا. وقال: أتعرف إبراهيم بن محمد بن حمزة؟
قلت: نعم. قال: ما رأيت مثله في الحفظ.
قال ابن مندة: الطبراني أحد الحفاظ المذكورين، حدث عن أحمد بن عبد الرحيم البرقي ولم يحتمل منه لقيه.
قال الذهبي: نعم، ولكن ما أراده الطبراني ولا قصد الرواية عنه، إنما روى عن عبد الرحيم بن البرقي السيرة وغير ذلك، فغلط في اسمه وسماه باسم أخيه.
[ ١ / ٢٠٦ ]
١٩٥ - [سليمان بن الأشعث أبو داود السّجستانيّ (١).
جوابا (٢) لهم عن ذلك، ومسائله للإمام أحمد وحديث مالك.
وشيوخه في السنن وغيرها، نحو ثلاثمائة نفس.
وروى عنه من أصحاب الكتب الستة أبو عيسى الترمذيّ، وأبو عبد الرحمن النسائيّ.
وأخذ علم الحديث عن الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وبأولهما تفقه ولازمه مدة، وكان من نجباء أصحابه، ومن جلة فقهاء زمانه، ومع ذلك فقد ذكره في «طبقات الشافعية» أبو عاصم العبّادي، وابن باطيش، وتبعهما التاج السبكي، ولم يذكر لذلك دليلا، ولذا تعقب بابه حنبلي، ودليل ذلك مسائله عن الإمام أحمد، وقد ذكره القاضي أبو الحسين بن الفراء في الطبقة الأولى من طبقات الحنابلة، وهو من كبار الطبقة الحادية عشرة.
ولد سنة اثنتين ومائتين، ومات بالبصرة ليلة الجمعة لست عشرة ليلة خلت من شوال، سنة خمس وسبعين ومائتين.
_________________
(١) له ترجمة في: البداية والنهاية لابن كثير ١١/ ٥٤، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٩/ ٥٥، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩١، تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ١٦٩، طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١/ ١٥٩، طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ٢٩٣، العبر ٢/ ٥٤، اللباب ١/ ٥٣٣، مرآة الجنان لليافعي ٢/ ١٨٩، مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده ٢/ ١٣٥، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/ ١٣٨.
(٢) اتصل آخر الترجمة السابقة بهذه العبارات دون أن يكون هناك بياض أو فاصل في الأصل، وهذه العبارات من ترجمة لسليمان بن الأشعث، وقد بحثت في مراجع الترجمة المثبتة هنا وغيرها، للوقوف على من نقل عنه الداودي بالنص، حتى أستكمل صدر الترجمة، فلم أهتد الى ذلك.
[ ١ / ٢٠٧ ]
١٩٦ - سليمان بن الحسن جمال الدين بن النقيب.
الحنفيّ المصريّ، فقيه حسن، ومحدّث مجيد.
صنّف «تفسيرا» نحو خمسين مجلدا، جمع فيه أقوال المفسّرين، وكان زاهدا عابدا.
ذكره العلامة شيخ الإقراء برهان الدين أبو محمد بن عمر بن إبراهيم الجعبري في شيوخه، ولم يؤرخ مولده ولا وفاته.
١٩٧ - سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث (١).
الإمام الحافظ العلامة أبو الوليد الباجي التّجيبيّ القرطبي الذهبي المالكي، الأصولي المتكلم المفسر الأديب الشاعر، صاحب التصانيف النافعة.
ولد في يوم الثلاثاء النصف من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة، وأصله من مدينة بطليوس، فانتقل جده إلى باجة المدينة التي بقرب إشبيلية فنسب إليها، وليس هو من باجة القيروان التي ينسب إليها الحافظ أبو محمد المذكور.
أخذ عن يونس بن عبد الله القاضي، ومكي بن أبي طالب، ومحمد بن إسماعيل وأبي بكر بن الحسين بن عبد الوارث.
وارتحل سنة ست وعشرين. فحج وجاور ثلاثة أعوام ملازما لأبي ذرّ الحافظ، وحمل عنه علما كثيرا، وكان يسافر معه إلى سراة بني شبابة
_________________
(١) له ترجمة في: البداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ١٢٢، بغية الملتمس للضبي ٢٨٩، تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ١١٧٨، ترتيب المدارك ٤/ ٨٠٢، الديباج المذهب ١٢٠، الرسالة المستطرفة للكتاني ٢٠٧، الصلة ١/ ١٩٧، طبقات المفسرين للسيوطي ١٤، فوات الوفيات ١/ ٣٥٦، اللباب ١/ ٨٢، مرآة الجنان اليافعي ٣/ ١٠٨، معجم الأدباء لياقوت الحموي ٤/ ٢٥١، نفح الطيب للمقري ٢/ ٦٧، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/ ١٤٢.
[ ١ / ٢٠٨ ]
ويخدمه، ثم رحل إلى بغداد ودمشق ففاته أبو القاسم بن بشران، وسمع أبا القسم بن الطّبيز، وعلي بن موسى السمسمار، والسكن بن جميع الصيداويّ، وأبا طالب عمر
بن إبراهيم الزهريّ، وأبا طالب بن غيلان، وأبا القاسم عبيد الله الأزهريّ، ومحمد بن عبد الله الصّوريّ، وأبا بكر الخطيب، وطبقتهم.
وتفقه في بغداد بالقاضي أبي الطيب، والقاضي أبي عبد الله الحسين الصيمريّ، وأبي العباس أحمد بن محمد بن عمروس المالكي، وأخذ الأصول عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وأقام بالموصل سنة على أبي جعفر السّمنانيّ فأخذ عنه العقليات، وبرع في الحديث وعلله، وفي الفقه وغوامضه وخلافه، وفي الكلام ومضايقه، ورجع إلى الأندلس بعد ثلاثة عشر عاما بعلم جم حصله مع الفقر والتعفف.
روى عنه الحافظان أبو بكر الخطيب، وأبو عمر بن عبد البر، وهما أكبر منه، وأبو عبد الله الحميديّ، وعلي بن عبد الله الصقليّ، وأحمد بن علي بن غزلون، والحافظ أبو علي الصدفيّ، وولده الإمام أبو القاسم أحمد بن أبي الوليد الزاهد، وأبو بكر الطرطوشي، وأبو علي بن سهل السبتيّ، وأبو بحر سفيان بن العاص، ومحمد بن أبي الخير القاضي وسواهم، وتفقه به الأصحاب.
قال القاضي عياض: آجر أبو الوليد نفسه ببغداد لحراسة درب، وكان حين رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب للغزل ويعقد الوثائق، قال لي أصحابه: كان يأتينا للإقراء وفي يده أثر المطرقة؛ إلى أن فشا علمه وهيئت الدنيا له، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته حتى مات عن مال وافر، وكان يستعمله الأعيان في ترسلهم ويقبل جوائزهم، ولي القضاء بمواضع من الأندلس.
وصنّف كتابا كبيرا جامعا بلغ فيه الغاية سماه كتاب «الاستيفاء»
[ ١ / ٢٠٩ ]
وكتاب «المعاني في شرح الموطأ» جاء في عشرين مجلدا عديم النظير، وكتاب «المنتقى في شرح الموطأ» وهو اختصار «الاستيفاء» ثم اختصر «المنتقى» في كتاب سماه «الإيماء» قدر ربع «المنتقى» وكتاب «الإيماء في الفقه» خمس مجلدات، وكتاب «السراج في عمل الحجاج» وكتاب «اختلاف الموطآت» وكتاب «مسائل الخلاف» لم يتم، وكتاب «المقتبس من علم مالك بن أنس» لم يتم، وكتاب «المهذب في اختصار المدونة» وكتاب «الجرح والتعديل» وكتاب «شرح المدونة» و«مسألة اختلاف الزوجين في الصداق» وكتاب «إحكام الفصول في أحكام الأصول» وكتاب «الحدود في أصول الفقه» وكتاب «تبين المنهاج» وكتاب «التسديد إلى معرفة طريق التوحيد» وكتاب «شرح المنهاج» وكتاب «السراج في الخلاف» وكتاب «سنن الصالحين وسنن العابدين» وكتاب «سبيل المهتدين» و«كتابا في فرق الفقهاء» وكتاب «التفسير» لم يتمه، وكتاب «الناسخ والمنسوخ» لم يتمه، وكتاب «السنن في الرقائق والزهد»، وكتاب «التعديل والتخريج لمن خرج عنه البخاري في الصحيح» «وكتابا في مسح الرأس» و«كتابا في غسل الرجلين» و«كتاب النصيحة لولديه» و«رسالته المسماة بتحقيق المذهب» وله غير ذلك.
قال أبو نصر بن ماكولا: أما الباجي ذو الوزارتين أبو الوليد ففقيه متكلم، شاعر أديب [سمع (١)] بالعراق ودرس الكلام وصنّف، وكان جليلا رفيع القدر والخطر، قبره بالمرية.
وقال أبو علي بن سكرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدا على سمته وهيئته وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم
_________________
(١) تكملة عن: تذكرة الحفاظ للذهبي.
[ ١ / ٢١٠ ]
فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشاميّ فقلت له: أدام الله عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعله ابن الباجي؟ فقلت: نعم، فأقبل عليه.
قال القاضي عياض: كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته للرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره «كأوريولة (١)» فكان يبعث إليها خلفاءه وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلا، حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره، واستئجار نفسه مدة مقامه ببغداد فيما سمعته، مستفيضا لحراسة درب، وقد جمع ابنه شعره، وكان ابتداؤه لكتاب «الاستيفاء» في الفقه، لم يصنع منه سوى كتاب الطهارة في مجلدات.
قال: ولما قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلا أنه كان خارجا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه في رأيه جماعة من أهل الجهل، وحلّ بجزيرة ميورقة (٢) فرأس فيها واتبعه أهلها، فلما قدم أبو الوليد كلموه في ذلك، فدخل عليه وناظره وشهر باطله، وله معه مجالس كثيرة.
ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري، قال: بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ، وكفره بإجازة الكتب على رسول الله ﷺ النبي الأمي وأنه تكذيب للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا الفتنة، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم:
_________________
(١) في الأصل «أوربولة»، والمثبت في معجم البلدان لياقوت الحموي. وأوريولة: بالضم ثم السكون وكسر الراء وياء مضمومة ولام وهاء، مدينة قديمة من أعمال الأندلس من ناحية تدمير، بساتينها متصلة ببساتين مرسية (معجم البلدان لياقوت ١/ ٤٠٣).
(٢) ميورقة: بالفتح ثم الضم وسكون الواو والراء وقاف، جزيرة في شرقي الأندلس (المصدر السابق ٤/ ٧٢٠).
[ ١ / ٢١١ ]
برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال إن رسول الله قد كتبا (١)
وصنّف أبو الوليد «رسالة» بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة.
قال الذهبي الحافظ عقب هذا الكلام، قلت: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا لأنه لا يسمى كاتبا، وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال ﵊: (إنّا أمّة (٢» أي أكثرهم كذلك لندرة الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (٣).
ولأبي الوليد:
إذا كنت أعلم علما يقينا بأن جميع حياتي كساعة (٤)
فلم لا أكون ضنينا بها وأجعلها في صلاح وطاعة
[وأما الحافظ ابن عساكر، فذكر أن أبا الوليد قد كان أتى من باجة القيروان تاجرا يختلف إلى الأندلس، وهذا أقوى مما ابتدأنا به، وصار الباجيان نسبتهما إلى مكان واحد. قال ابن سكرة: مات بالمرية في تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة، رحمة الله عليه (٥)].
_________________
(١) تذكرة الحفاظ للذهبي.
(٢) رواه مسلم في كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، وروايته هناك: «إنا أمة أمية. لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وعقد الابهام في الثالثة «والشهر هكذا وهكذا» يعني تمام ثلاثين.
(٣) سورة الجمعة ٢.
(٤) معجم الأدباء لياقوت الحموي.
(٥) ما بين القوسين بياض في الأصل، أكملته عن تذكرة الحفاظ للذهبي والداودي هنا ينقل بالنص عن الذهبي.
[ ١ / ٢١٢ ]
١٩٨ - سليمان بن أبي القاسم نجاح أبو داود المقرئ (١).
مولى الأمير المؤيد بالله بن المستنصر الأموي الأندلسي، شيخ الاقراء مسند القراء. وعمدة أهل الأداء أخذ القراءات عن أبي عمرو الداني، ولازمه مدة، وأكثر عنه، وهو أجلّ أصحابه، وكتب عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وأبي شاكر الخطيب.
قرأ عليه بشر كثير، منهم أبو عبد الله بن سعيد الداني؛ وأبو علي الصدفي، وأبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عاصم الثقفي. وأحمد بن سحنون المرسي، وإبراهيم بن جماعة البكري الداني، وجعفر بن يحيى بن غتال، ومحمد بن علي النواشي، وعبد الله بن فرج الزهيري، وأبو الحسن علي بن هذيل، وأبو نصر فتح بن خلف البلنسي، وأبو نصر فتح بن يوسف بن أبي كبة، وأبو داود سليمان بن يحيى القرطبي.
قال ابن بشكوال: كان من جلة المقرئين وفضلائهم وأخيارهم، عالما بالقراءات وطرقها، حسن الضبط، ثقة دينا.
له تواليف كثيرة في معاني القرآن العظيم وغيره.
أخبرنا عنه جماعة ووصفوه [بالعلم والفضل والدين (٢)] قرأت بخط بعض تلامذة أبي داود، قال: تسمية الكتب التي صنفها أبو داود كتاب «البيان الجامع لعلوم القرآن» في ثلاثمائة جزء، كتاب «التبيين لهجاء التنزيل» في ست مجلدات، «كتاب الرجز» المسمى بالاعتماد، الذي
_________________
(١) له ترجمة في: بغية الملتمس للضبي ٢٨٩، الصلة لابن بشكوال ١/ ٢٠٠، طبقات القراء لابن الجزري ٢/ ٣١٦، طبقات القراء للذهبي ١/ ٣٦٤.
(٢) ما بين القوسين بياض في الأصل، أكملته عن طبقات القراء للذهبي لأن ترجمة بنصها في طبقات القراء.
[ ١ / ٢١٣ ]
عارض فيه شيخه أبا عمر في أصول القراءات وعقود الديانة، وهو عشرة أجزاء، وعدد هذه الأرجوزة ثمانية عشر ألف بيت وأربعمائة وأربعين بيتا، وله كتاب عن قوله تعالى (١): حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى في مجلد، ثم سمى تتمة ستة وعشرين مصنفا.
قال ابن بشكوال: ولد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وتوفي ببلنسية في سادس عشر رمضان سنة ست وتسعين، وتزاحموا على نعشه، ﵀ وإيانا.
ذكره الذهبي في: «طبقات القراء».
١٩٩ - سلمة بن عاصم النحويّ أبو محمد (٢) وكان ثقة عالما حافظا. صنّف: «معاني القرآن»، «غريب الحديث»، «المسلوك في النحو» وهو والد المفضّل بن سلمة (٣).
٢٠٠ - سنيد- بنون ثم دال مصغرا- ابن داود الحافظ أبو علي المصّيصيّ المحتسب (٤).
واسمه الحسين، كان أحد أوعية العلم.
حدث عن حماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وعبد الله بن المبارك، وأبي بكر بن عياش، ونحوهم.
_________________
(١) سورة البقرة ٢٣٨.
(٢) له ترجمة في: انباه الرواة للقفطي ٢/ ٥٦، طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٣١١، الفهرست لابن النديم ٦٧، معجم الأدباء ٤/ ٢٤٩، نزهة الألباء للأنباري.
(٣) بياض في الأصل، وقد وقفت الترجمة عند المفضل بن سلمة في بغية الوعاة التي نقل عنها الداودي، ولكنها جاءت مستوفاة في انباء الرواة.
(٤) له ترجمة في: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٥٦، خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي ١٣٧، ميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٢٣٦.
[ ١ / ٢١٤ ]
وعنه أبو بكر الأثرم، وأبو زرعة، وأحمد بن أبي خيثمة، وعبد الكريم الدّيرعاقوليّ (١)، وخلق سواهم.
قال أبو داود: لم يكن بذاك. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ فتجاوز الحد: لم يكن ثقة، وهو مع معرفته وإمامته فيه ضعف؛ لكونه كان يلقن حجاج بن محمد شيخه.
وله «تفسير» رواه عنه محمد بن إسماعيل الصائع. مات سنيد سنة ست وعشرين ومائتين، خرج له ابن ماجة.
٢٠١ - سهل بن إبراهيم بن سهل (٢).
ابن نوح بن عبد الله بن جمّاز (٣).
من أهل إستجّة؛ نسبه في البربر ويوالي بني أميّة، يعرف بابن العطار، كان ذكيّا فاضلا زاهدا، عالما بمعاني القرآن والحديث، بصيرا بالمذهب، حافظا للإعراب عالما بالحساب.
سمع بقرطبة من أحمد بن خالد، والحسن بن سعيد، وقاسم بن أصبغ.
ودخل البيرة سنة تسع عشرة وثلاثمائة، فسمع بها من محمد بن فطيس، وعثمان بن جرير، ولزم الانقباض والعبادة إلى أن توفي.
قال: ولدت سنة تسع وتسعين ومائتين، وتوفي في يوم الأربعاء لست خلون من شهر رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
٢٠٢ - سهل بن عبد الله [بن يونس بن عيسى بن عبد الله (٤)]
_________________
(١) الدير عاقولي: بفتح الدال المهملة وسكون الياء وبعدها الراء وبعدها العين المهملة وبعد الألف قاف ثم واو وفي آخرها اللام. نسبة الى دير العاقول، وهي قرية من أعمال بغداد (اللباب لابن الأثير ١/ ٤٣٧).
(٢) له ترجمة في: بغية الملتمس للضبي ٣٠٢. تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ١٩١.
(٣) كذا في الأصل، وهو يوافق ما في: الأثير تاريخ علماء الأندلس «ابن خمار».
(٤) بياض في الأصل، أكملته عن اللباب لابن الأثير ١/ ١٧٦.
[ ١ / ٢١٥ ]
التستريّ (١) (٢).
٢٠٣ - سهل بن محمد بن محمد بن القاسم أبو حاتم السّجستانيّ (٣).
من ساكني البصرة. كان إماما في علوم القرآن واللغة والشعر، قرأ كتاب سيبويه على الأخفش مرتين، وروى عن أبي عبيدة، وأبي زيد، والأصمعيّ، وعمرو بن كركرة، وروح بن عبادة. وعنه ابن دريد وغيره.
ودخل بغداد. فسئل عن قوله تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ (٤)، ما يقال منه للواحد؟ فقال: ق، فقال: فالاثنين؟ فقال: قيا، قال: فالجميع؟ قال:
قوا، قال: فاجمع لي الثلاثة، قال: ق، قيا، قوا. قال: وفي ناحية المسجد رجل جالس ومعه قماش، فقال لواحد: احتفظ بثيابي حتى أجيء، ومضى إلى صاحب الشرطة، وقال: إني ظفرت بقوم زنادقة يقرءون القرآن على صياح الدّيك، فما شعرنا حتى هجم علينا الأعوان والشّرطة، فأخذونا وأحضرونا مجلس صاحب الشرطة، فسألنا فتقدّمت إليه وأعلمته بالخبر، وقد اجتمع خلق من خلق الله، ينظرون ما يكون، فعنّفني وعذلني، وقال: مثلك
_________________
(١) له ترجمة في: تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٦٨٥، العبر ٢/ ١٠، اللباب لابن الأثير ١/ ١٧٦، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٣/ ٩٨. والتستري: بالتاء المضمومة وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية والراء المهملة. نسبة الى تستر من كور الأهواز من خوزستان (اللباب لابن الأثير ١/ ١٧٦).
(٢) بياض في الأصل، والتستري كما جاء في العبر، هو: القدوة العارف سهل بن عبد الله التستري الزاهد، له مواعظ وأحوال وكرامات، وكان من أكبر مشايخ القوم، توفي سنة ٢٨٣ هـ (العبر ٢/ ٧٠).
(٣) له ترجمة في: انباه الرواة للقفطي ٢/ ٥٨، الانساب الورقة ٢٩١، البداية والنهاية لابن كثير ١١/ ٢، تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ٢٥٧، طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٣٢٠، طبقات النحاة لابن قاضي شهبة ١/ ٣٦١، العبر ١/ ٤٥٥، الفهرست لابن النديم ٥٨، مرآة الجنان ٢/ ١٥٦، معجم الأدباء ٤/ ٢٥٨، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٢/ ٣٣٢، نزهة الألباء لابن حجر ١٨٩، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/ ١٥٠.
(٤) سورة التحريم ٦.
[ ١ / ٢١٦ ]
يطلق لسانه عند العامة بمثل هذا! وعمد إلى أصحابي فضربهم عشرة عشرة، وقال: لا تعودوا إلى مثل هذا، فعاد أبو حاتم إلى البصرة سريعا، ولم يقم ببغداد، ولم يأخذ عنه أهلها.
وكان أعلم الناس بالعروض واستخراج المعميّ، وكان يعدّ من الشعراء المتوسطين، وكان يعنى باللغة، وترك النحو بعد اعتنائه به، حتى كأنه نسيه، ولم يكن حاذقا فيه، وكان إذا اجتمع بالمازنيّ في دار عيسى بن جعفر الهاشميّ تشاغل، وبادر بالخروج خوف أن يسأله مسألة في النحو.
وكان [جمّاعا] (١) للكتب يتّجر فيها، ذكره ابن حبّان في الثقات، وروى له النّسائيّ في «سننه»، والبزّار في «مسنده».
وصنّف: «إعراب القرآن»، وكتاب «ما تلحن فيه العامة»، وكتاب «المقصور والمدود»، وكتاب «الأضداد»، وكتاب «القسيّ والنبال والسهام»، وكتاب «السيوف والرماح»، وكتاب «الدرع والترس»، وكتاب «اللّبأ واللبن الحليب»، وكتاب «اختلاف المصاحف»، وكتاب «القراءات»، وكتاب «الهجاء»، وكتاب «خلق الإنسان»، وكتاب «الإدغام»، وغير ذلك. وكانت وفاته في المحرم- وقيل: في رجب- سنة ثمان وأربعين ومائتين بالبصرة.
ذكره ابن خلكان، ثم شيخنا في «طبقات النحاة».
٢٠٤ - سيار بن عبد الرحمن النحوي (٢) له «تفسير».
_________________
(١) تكملة عن:
(٢) بياض في الأصل، وقد ذكره ابن النديم ولم يزد على ذلك، وانظر الفهرست ٣٤.
[ ١ / ٢١٧ ]