هو أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يَعمر بن حُلَيْس بن نُفاثة بن عدي بن الدِّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكان علَوِيَّ الرأي، وكان رجل أهل البصرة.
وهو أول من اسس العربية، ونهج سُبُلَها، ووضع قياسها؛ وذلك حين اضطرب كلام العرب، وصار سَراة الناس ووجوههم يلحنون، فوضع باب الفاعل، والمفعول به، والمضاف، وحروف النصب والرفع والجر والجزم.
قال أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عَيْذون بن هارون القالي، ثم البغدادي: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السَّري الزَّجَّاج النحوي قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي قال: أوَّلُ مَن وضع العربية ونقط المصاحف أبو الأسود ظالم بن عمرو.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: سئل أبو الأسود الدؤلي عمن فتح له الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه، فقال: تلقيتُه من عليِّ بن أبي طالبٍ ﵀. وفي حديث آخر قال: ألقى إليَّ عليٌّ أصولًا احتذيتُ عليها.
ورُوي أن الذي أوجب عليه الوضعَ في النحو ابنته قعدت معه في يوم قائظٍ شديد الحرِّ، فأرادت التعجب من شدة الحر فقالت: (ما أشدُّ الحرِّ)! فقال أبوها: القيظ، وهو ما نحن فيه يا بنية. جوابًا عن كلامها لأنه استفهام. فتحيَّرت وظهر لها خطؤها، فعلم أبو الأسود أنها أرادت التعجب، فقال لها: قولي يا بنية: ما أشدَّ الحرَّ! فعمل باب التعجب، وباب الفاعل، والمفعول به
[ ٢١ ]
وغيرها من الأبواب.
وذكر ابن أبي سعد، عن عمر بن شبَّة، عن أبي بكر بن عيَّاش، عن عاصم بن أبي النَّجود قال: أولُ مَن وضع العربية أبو الأسود الدؤلي، جاء إلى زياد بالبصرة، فقال: إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلامًا يقيمون به كلامهم؟ قال: لا. فجاء رجل إلى زياد، فقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك بنون. فقال زياد: تُوفي أبانا وترك بنون!! ادع لي أبا الأسود. فقال: ضع للناس الذي كنتُ نهيتُك أن تضع لهم.
وقال أبو الأسود: إني أجد للحن غَمَرًا كغَمَر اللحم.
ابن أبي سعد قال: حدثنا علي بن محمد الهاشمي قال: سمعت أبي يذكر، قال: كان بدء ما وضع أبو الأسود الدؤلي النحو أنه مر به سعد -وكان رجلًا فارسيًّا قدم البصرة مع أهله، وهو يقود فرسه- فقال: مالك يا سعد؟ ألا تركب؟ فقال: (فرسي ضالع)، فضحك من حضره. قال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه، وصاروا لنا إخوة، فلو علمناهم الكلام! فوضع باب الفاعل والمفعول، لم يزد عليه. قال أبي: فزاد في ذلك الكتاب رجل من بني ليث أبوابًا، ثم نظر فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه، فلما كان عيسى بن عمر قال: أرى أن اضع الكتاب على الأكثر، وأسمِّي الأخرى لغات. فهو أول من بلغ غايته في كتاب النحو.
[ ٢٢ ]
ويقال: وضع عيسى بن عمر في النحو كتابين: سمى أحدهما "الجامع"، والآخر "المكمل"، فقال الخليل بن أحمد:
بطل النحو جميعا كلُّه غيرَ ما أحدث عيسى بن عمرْ
ذاك "إكمال" وهذا "جامع" فهما للناس شمس وقمرْ
ورُوي أن أبا الأسود كتب إلى علي بن أبي طالب ﵀: أما بعد؛ فإن الله جعلك مُؤتَمَنًا وراعيًا مسؤولًا، وقد بلوتُك -رحمك الله- فوجدتُك عظيمَ الأمانة، ناصحًا للرعية، توفِّر فيئَهم، وتُنزِّه نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم. وإن ابن عمك ابن عباس قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر -رحمك الله- فيما هناك، وتقدَّم إليَّ فيما أحببتَ أتبعْه إن شاء الله.
فكتب إليه عليٌّ ﵀: أما بعد؛ فإنك ناصح للإمام والأمة، وأنت ممن وَالَى أهل الحق، وبارز أهل الباطل والجوْر. وقد كتبتُ إلى صاحبك فيما كتبتَ فيه إليَّ من أمره، ولم أعلِمْه كتابَك إليَّ، فلا تَدَعْ إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب عليك إن شاء الله.
وقعد إلى أبي الأسود غلام، فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ فقال: أخذته الحمَّى، ففضختْه فضخًا، وطبخته طبخًا، وفنخته فنخًا، فتركته فرخًا. قال: فما فعلت امرأته التي كانت تُشارُّه، وتُجارُّه، وتُهارُّه، وتُضارُّه، وتُزارُّه؟
[ ٢٣ ]
قال: طلَّقها، فتزوجت غيره، فرضِيَت وحَظِيَت وبَظِيَتْ. قال أبو الأسود: وما "بَظِيَتْ" يا بني؟ قال الغلام: حرف من اللغة لم يبلغك. قال: يا بني، ما لم يبلغ عمَّك؛ فاستره كما تستر الهرة خُرأها.
حدثنا أحمد، حدثنا ابن خالد، حدثنا مروان، حدثنا أبو حاتم، حدثنا الأصمعي، حدثنا عيسى بن عمر قال: قال رجل لأبي الأسود الدؤلي ومعه بعير يبيعه: هلمَّ أقاربْك. فقال: إن لم تقاربْني باعدتك. فقال: أعطِيتُ به كذا وكذا، وهو لك بكذا وكذا. فقال: ما تزال تحدِّث عن خيرٍ قد فات!
قال الأصمعي: قال أبو الأسود: ليس للسائل الملحف خيرٌ من المنع الجامس.
قال أبو حاتم: يريد الجامد. يقال: أصبح الماء جامسًا، وكذلك السمن.
وروى حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، أن ابن عباس استخلف أبا الأسود على البصرة، والرواة والنُّسَّاب وأصحاب السِّيَر والتاريخ على هذا.
وقيل: إنه خرج مع أصحابه إلى الصيد، فلما جلسوا للطعام، جاء أعرابي فقال: السلام عليكم. فقال أبو الاسود: كلمة مقولة! قال الأعرابي: أدخلُ؟ فقال أبو الأسود: وراءَك أوسعُ لك! فقال الأعرابي: إن الرَّمضاء قد أحرقت
[ ٢٤ ]
رجليَّ. فقال أبو الأسود: بُلْ عليهما. فقال: هل عندك شيء تطعمنيه؟ فقال أبو الأسود: نأكل ونُطعم العيال، فإن فضل شيء فأنت أحقُّ به من الكلب! قال: ما رأيتُ ألأمَ منك. قال أبو الأسود: بلى! ولكنَّك نسيتَ.
وبلغني أن أبا الأسود انتبه ليلة ودابَّته تقضم شعيرها. فقال: لا أراكِ تسْرين وأنا نائم. فلما أصبح باعها.
حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا الطحاوي قال: حدثنا يونس قال: حدثنا أحمد بن الغمر الدمشقي قال: دخل أبو الأسود الدؤلي على الجارود في أخلاق له، فقال له: ما هذا؟ قال: أصلح الله الأمير! رُبَّ مملولٍ لا يُستطاع فراقه! ففطن له الجارود، فبعث إليه بثياب ونفقة، فأنشأ أبو الأسود يقول:
كَسَاك ولم نَسْتكسِه فحمِدتَه أَخ لك يُعطيك الجزيل وناصرُ
وإنَّ أحقَّ الناس -إن كنتَ حامدًا- بحمدك مَن أعطاك والعِرض وافرُ
حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا مروان الفخار قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي قال: سمعت عيسى بن عمر ينشد قول أبي الاسود:
ذكرتُ ابنَ عبَّاسٍ بباب ابنِ عامرٍ وما مرَّ من عيشي ذكرت وما فَضَلْ
[ ٢٥ ]
أميريْن كانا آخيًا لي كلاهما فكلًّا جزاه الله عنِّي بما فَعَلْ
فإن كان خيرًا كان خيرًا جزاؤه وإن كان شرًّا كان شرًّا بما عَمِلْ
وتُوفِّي أبو الأسود سنة تسع وستين في طاعون الجارف، وهو ابن خمس وثمانين سنة.