هو مولى خالد بن الوليد المخزومي، نزل في ثَقِيف، وأخذ عن ابن أبي إسحاق
[ ٤٠ ]
وكان يطعُن على العرب. قال عيسى بن عمر: أساء النابغة في قوله:
فبتُّ كأَنِّي ساورتْني ضئيلةٌ من الرُّقْشِ في أنيابها السمُّ ناقعُ
ويقول: وجهه أن يكون: "السمُّ ناقعًا". وكان عيسى بن عمر يختار "السُّمّ، والشُّهد" بالضم، وهي عُلْوية. وكان يقرأ: ﴿هؤلاء بناتي هنَّ أطهرَ لكم﴾، وهذا مخالف لما قاله النحويون أجمعون ولِمَا قرأتْ به القَرَأَة، وأنكرها أبو عمرو بن العلاء عليه، فقال: كيف تقول: هؤلاء بَنيّ، هم ماذا؟ فقال: عشرين رجلا. فأنكرها أبو عمرو.
وكان عيسى وأبو عمرو يقرآن: ﴿يا جبال أوبي معه والطيرَ﴾ بالنصب، ويختلفان في التأويل؛ كان عيسى يقول: هو على النداء، كما تقول: يا زيد والحارثَ؛ لمَّا لم يمكنْه "ويا الحارث". وقال أبو عمرو: لو كان على النداء لكان رفعًا، ولكنها على إضمار: "وسخَّرنا الطير"؛ لقوله على إثر هذا: ﴿ولسليمان الريحَ﴾.
وكان عيسى بن عمر صاحب تقعير في كلامه واستعمال الغريب فيه وفي قراءته. وضربه عمر بن هبيرة فكان يقول: والله إن كانت إلا أثيَّابًا في أسَيْفاط، قَبَضها عَشَّاروك.
قال أبو حاتم: قال الأصمعي: كان عيسى لا يدع الإعراب لشيء.
وقال الأصمعي: كان ابن هبيرة اتهم عيسى بن عمر بأن بعض العمال
[ ٤١ ]
استودعه مالا، فضربه مقطعا نحوا من ألف سوط فجعل يقول له: ما عندك؟ فيقول: والله ما كانت إلا أثيابا في أسيفاط، قبضها عشاروك، فيقول: إنك لخبيث -وكان دقيق الصوت- قال الأصمعي: ورأيت يده إذ كان ذلك الوقت أجلبت من أثر الجامعة، وكان ظهره متقطعا.
حدثنا أحمد قال: حدثنا ابن الأعرابي، قال سمعت الدوري يقول: سمعت ابن معين يقول: عيسى بن عمر بصري، وزاد غير ابن الأعرابي: ثقة.
وجمع الحسن بن قحطبة عند مقدمه مدينة السلام الكسائي والأصمعي وعيسى بن عمر، فألقى عيسى على الكسائي هذه المسألة: همك ما أهمك، فذهب الكسائي يقول: يجوز كذا ويجوز كذا، فقال له عيسى: عافاك الله، إنما أريد كلام العرب، وليس هذا الذي تأتي به كلام العرب.
قال أبو العباس ثعلب: وليس يقدر أحد أن يخطئ في هذه المسألة؛ لأنه كيف عرب فهو مصيب، وإنما أراد عيسى من الكسائي أن يأتيه باللفظة التي وقعت إليه.
وقال أبو عبيدة قال عيسى: كنت وأنا شاب أقعد بالليل، أكتب حتى ينقطع سوائي أي وسطي، وفيه يقول الشاعر:
ذهب النحو جميعا كله ** غير ما أحدث عيسى بن عمر
وهما بابان صارا حكمة ** وأراحا من قياس ونظر
قال أبو الحسن: حدثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن أبي محمد اليزيدي
[ ٤٢ ]
قال أخبرني عمي إسماعيل بن أبي محمد قال: حدثنا أبو محمد قال: جاء عيسى بن عمر الثقفي ونحن عند أبي عمرو بن العلاء إلى أبي عمرو فقال: يا ابا عمرو، ما شيء بلغني أنك تجيزه؟ قال: وما هو، قال: بلغني أنك تجيز ليس الطيب إلا المسك بالرفع، قال: فقال أبو عمرو: نمت يا أبا عمر، وأدلج الناس! ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب وليس في الأرض تميمي إلا وهو يرفع.
قال أبو محمد: ثم قال أبو عمرو: تعال يا يحيى وتعال أنت يا خلف -لخلف الأحمر- اذهبا إلى أبي المهدي فلقناه الرفع، فإنه لايرفع، واذهبا إلى المنتجع التميمي فلقناه النصب فإنه لا ينصب، قال: فذهبت أنا وخلف فأتينا أبا المهدي، فإذا هو يصلي - وكان به عارض وإذا هو يقول في الصلاة: اخسأنان عني، قال: ثم قضى صلاته وانفتل إلينا، فقال: ماخطبكما؟ قلنا: جئنا نسألك عن شيء من كلام العرب، فقال: هاتيا، فقال له خلف: تقول: (ليس الطيب إلا المسك)؟ فقال: أتأمرانني بالكذب على كبرة السن! فأين الجادي! وأين كذا وكذا! فقال له خلف: ليس الشراب إلا العسل. قال: فما تصنع سودان هجر؟ ما بعمان شراب إلا هذا التمر.
قال أبو محمد: فلما رأيت ذلك منه قلت له: ليس ملاك الأمر إلا طاعةُ الله، والعمل بها، فرفعتُ، فقال: هذا كلام لا دخل فيه، ثم قال: ليس ملاك الأمر إلا طاعةَ الله والعمل بها، فنصب، قال أبو محمد: فقلت له: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، فرفعت. فقال: ليس هذا من لحني ولا لحن قومي، قال: فكتبنا منه ما سمعنا. قال: فقال: ألا أنشدكما أبياتا قلتها حين سمعت تراطن هذه الأعاجم حولي؟ قلنا: بلى، فأنشدنا:
[ ٤٣ ]
يقولون لي: "شَنْبِذْ"، ولستُ مُشَنْبِذًا طَوَالَ اللَّيَالِي أو يزولَ ثَبِيرُ
ولا قائلا "زُوذا" لأُعجِل صاحبِي وَ"بِسْتَان" في صدري عليّ كبيرُ
ولا تاركًا لَحْنِي لأُحْسِنَ لحنَهم ولو دارَ صَرْفُ الدَّهْرِ حيث يدورُ
قال: فكتبنا هذه الأبيات، ثم أتينا المنتجع، فأتينا رجلًا يعقل، فقال له خلَف: ليس الطيب إلا المسكُ. قال: فرفع. قال: فلقَّنَّاه النصب وجهِدنا به في ذلك فلم ينصب، وأبى إلا الرفع. قال: فأتينا أبا عمرو فأعلمناه، وعنده عيسى بن عمر لم يَبْرح. قال: فأخرج عيسى بن عمر خاتمه من يده، فقال: لك الخاتم، بهذا والله فُقْت الناس.
وأخبرنا أبو الحسن، حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد، حدثنا أبو علي عمي، عن محمد بن سلام الجمحي قال: كان أبو المهدي هذا من باهلة، يضرب حنكَه يمينًا وشمالًا، ويقول: اخْسأنانِّ عني، فسألناه عن ذلك فقال: جِنَّان تدْأَمُني -يعني: تركبني-.
قال أبو عبد الملك مروان بن عبد الملك: أخبرنا عسى بن إسماعيل، حدثني بكر بن محمد أبو عثمان المازني، حدثنا الأصمعي قال: جاء عيسى بن عمر يومًا إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: مررت بقنطرة قرة، فلقيني بعيران مقرونان في قَرَن، فما شعرت شَعرة حتى وقع قرانهما في عنقي، فَلُبِجَ بي، فافرنقع عني والناس قيامٌ ينظرون. قال: فكاد أبو عمرو ينشق غيظًا من فصاحته.
ابن أبي سعد قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحارث الهاشمي، عن أبيه قال: كان بعض أَحْبَاء خالد بن عبد الله عند وقوع البلية بخالد وأصحابه استودعه وديعة -يعني عيسى بن عمر- فنُمِي ذلك إلى يوسف بن عمر، فكتب إلى واليه بالبصرة يأمره أن يحمله إليه مُقيَّدًا. فدعا به،
[ ٤٤ ]
ودعا بالحداد فأمر بتقييده، فلما عمد قال له الوالي: لا بأس عليك! إنما أرادك الأمير أن تؤدِّب ولده. قال: فما بال القيد إذًا! فبقيت مثلًا بالبصرة، فلما أُتِي به يوسف بن عمر سأله عن الوديعة فأنكر، فأمر به فضُرِب بالسياط، فلما أخذه السوط جزع فقال: أيها الأمير، إنما كانت أثيَّابًا في أسَيْفَاط. فلافع الضرب عنه، ووكَّل به حتى أخذ الوديعة منه.
قال محمد: الأحْبَاء: جلساء الأمير، واحدهم: حبا وحبأ، مقصور مهموز.
قال علي بن محمد بن سليمان: قال أبي: فرأيته طول دهره يحمل في كمه خِرْقةً فيها سُكّر العُشَر والإجَّاص اليابس. وربما رأيتُه عندي وهو واقف عَلَيَّ، أو سائر، أو عند ولاة البصرة، فتصيبه نَهْكة على فؤاده يَخفِق حتى يكاد يُغْلَب، فيستغيث بإجاصة وسكَّرة يلقيهما في فيه، ثم يمصّهما. فإذا سَرَط من ذلك شيئًا سكن ما به، فسألته عن ذلك، فقال: أصابني هذا من الضرب الذي ضربني يوسف بن عمر، فتعالجتُ له بكل شيء، فلم أجد له شيئًا أصلح من هذا.
قال: وقلت له يومًا: خبرني عن هذا الذي وضعتَ، يدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا. قال: قلت: فمن تكلم بخلافك، واحتذى على ما كانت العرب تتكلم به، أتراه مخطئًا؟ قال: لا. قلتُ: فما ينفع كتابك!
وتوفي عيسى بن عمر سنة تسع وأربعين ومئة، قبل أبي عمرو بن العلاء بخمس سنين أو ست.