هو أبو عبد الرحمن بن أحمد بن عمرو بن تميم الفَراهيديُّ. وكان يونس يقول: الفُرْهوديّ مثل فُرْدُوس؛ وهو حيٌّ من الأزد. ولم يُسمَّ أحدٌ بأحمدَ بعد رسول الله -ﷺ- قبل والد الخليل. وكان الخليل ذكيًّا فطنًا شاعرًا، واستنبط من العَرُوض ومن عِلَل النحو ما لم يستنبط أحدٌ، وما لم يسبقه إلى مثله سابق، وهو القائل:
اعمل بعلمي، ولا تنظر إلى عَملي ينفعك عِلْمي، ولا يضررْك تَقْصيري
وكتب إليه سُليمان بن عليٍّ الهاشميُّ يستدعيه إلى صُحبته، وبعث إليه بطُرَفٍ وكُسًا ومال وفاكهة، فقبل الفاكهة، وصرف ما سوى ذلك، وكتب إليه:
أَبلغْ سليمانَ أنِّي عنه في سَعَةٍ وفي غِنًى غير أنِّي لستُ ذا مال
سَخَّى بنفسيَ أنِّي لا أرى أحدًا يموت هَزْلًا ولا يَبْقَى على حال
فالرزق عن قَدَرٍ لا العجزُ يَنْقُصه ولا يَزِيدُك فيه حَوْلُ مُحْتَالِ
والفقرُ في النَّفْس لا في المال تعرفه ومثلُ ذاك الغِنى في النَّفْس لا المال
والمالُ يَغْشَى أُنَاسًا لا أُصول لهمْ كما تُغشى أصول الدِّنْدَن البالي
قال: ونظر في النجوم فأبعد النظر، ثم لم يرضَ بذلك، فقال:
أَبلغا عنِّي المنجِّمَ أنِّي كافرٌ بالذي قضتْه الكواكبْ
عالم أنَّ ما يكون وما كا ن بحتْمٍ من المهيمن واجبْ
[ ٤٧ ]
شاهدٌ أنَّ مَنْ يفوّض أو يُجْبرُ زارٍ على المقادير كاذبْ
وهو القائل -وأكثر الناس يروونه للأخطل-:
وإذا افْتَقَرْت إلى الذخائر لم تجدْ ذُخْرًا يكونُ كصالح الأعمالِ
وقال الخليل: تربَّع الجهلُ بين الحياء والكِبْر في العلم. وقال: نوازع العلم بدائع، وبدائع العلم مسارح العقل، ومَن استغنى بما عنده جَهِل، ومَن ضمَّ إلى علمه علمَ غيره كان من الموصوفين بنعت الرَّبَّانيِّين.
وقال الخليل: وجدت في بعض كتب العلماء: من أظهر حياء في التماس العلم، وقعد عنه؛ لَبِس الجهل، وتقنَّع قناع السَّفَه، ومن امتدت له أيامه في غُلَواء جهله حُشِر يوم القيامة أعمى. وقال: إني أدركتُ بعضَ ما أنا فيه من العلم باطِّراح الحِشْمة بيني وبين المعلمين، وبإلقائي الستر بيني وبين الذين كنت ألتمس ما عندهم. ومَن رَقَّ وجهُه عن طلب العلم؛ رقَّ علْمه. ووجدت الرقة في التماس العلم سفَها يدعو إلى سفاهٍ، وكلٌّ يدعو إلى ضلال.
قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مَرْوان قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل قال: سمعت العُتْبيَّ يقول: قال الخليل: زَلَّة العالِم مَضْروبٌ بها الطَّبْل.
وقال المبرّد: جلس رجل إلى الخليل بن أحمد فقال: أحسبني قد ضيَّقْتُ عليك. فقال له: لا تقل ذلك؛ فإن شِبرًا من الأرض لا يَضيق على المتحابَّين، والأرض برُحْبِها لا تَسَعُ متباغضيْن.
حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان قال: حدثنا العباس بن الفرج، عن الأصمعي قال: كادت الإباضيَّةُ تغلب على الخليل؛ حتى منَّ الله عليه بمجالسة أيوب.
[ ٤٨ ]
وكان الخليل يقول: القياس باطل. فذكر ذلك للأصمعي، فقال: هذا أخذه عن إياس.
ومن قول الخليل في صفة بخيل:
كفَّاه لم تُخْلقا للنَّدى ولم يكُ بخلُهما بدْعَهْ
فكفٌّ عن الخير مقبوضَةٌ كما نقصتْ مئةٌ سَبْعَهْ
وكفٌّ ثلاثة آلافها وتِسْعُ مِئِيها شِرْعَهْ
وذكر عن شيوخ البصرة أن ابن المقفع اجتمع مع الخليل بن أحمد، فتذاكرا ليلة تامة، فلما افترقا سئل ابن المقفع عن الخليل، فقال: رأيتُ رجلًا عقلُه أكثرُ من علمِه. وقيل للخليل: كيف رأيتَ ابن المقفع؟ فقال: رأيتُ رجلًا علمُه أكثرُ من عقلِه.
وابن المقفع من أهل الأهواز. وقيل: إن ابن المقفع لما برع كان أبوه يقول: ابني هذا علمُه أكثرُ من عقلِه، ويوشك أن يكون ذلك سببًا لهلاكه. فكان قتله بسبب العهد الذي كتبه لعمر بن هبيرة، ثم العهد الذي عمله لعبد الله بن علي.
ابن أبي سعد قال: وحدثني عبد الرحمن بن نوح قال: لما صنع إسحاق بن إبراهيم كتابه في النَّغم واللحون عرَضه على إبراهيم بن المهديّ، فقال: أحسنت يا أبا محمد، وكثيرًا ما تُحسنُ. فقال إسحاق: بل أحْسَنَ الخليلُ؛ لأنه جَعَل السبيلَ إلى الإحسان. قال إبراهيم: ما أحسن هذا الكلام! فممن أخذتَه؟ قال: من ابن مُقبِل، إذ سمع حمامة من المطوّقات، فاهتاج لمن يحب، فقال:
[ ٤٩ ]
فلو قبْل مبكاها بكيتُ صبابةً بليلي شفيتُ النَّفْسَ قَبْلَ التَّندُّم
ولكنْ بكت قبلي فهاج لِيَ البكا بُكَاها فقلتُ: الفضلُ للمتقدم
وأنشد أحمد بن سعيد قال: أنشدني أبو إسحاق الشيزري قال: أبو الحسين المعروف بالأصمعي بحمص قال: أنشدني عبد الله بن ثابت للخليل بن أحمد:
لا يكون السريُّ مثل الدنـ ـيّ، ولا ذو الذكاء مثل العَيِيِّ
قيمة المرء كل ما يحسن المرْ ءُ، قضاءٌ من الإمام عليِّ
أي شيء من اللِّباس على ذي السَّـ ـرْو أَبْهى من اللسان البَهيِّ
ينظِمُ الحجة الشَّتيتة في السِّلْـ ـكِ من القول مثل عِقْد الهَدِيِّ
وترى اللَّحن بالحسيب أخي الهيـ ـئة مثل الصَّدَى على المشْرَفِيِّ
فاطلب النحو للحِجاج ولِلشِّعْـ ـرِ مُقيمًا والمسنَد المرْويِّ
والخطاب البليغ عند حِوار الْـ ـقَوْل يُزْهَى بمثله في النَّدِيِّ
وارْفُض القول من طغامٍ جفوا عَنْـ ـه فعادَوْه نَصْبَةً للنَّبيِّ
قال الأصمعي: كنا عند الخليل بن أحمد، فأنشدتُه أبياتَ اليهوديِّ حتى مررتُ بقوله:
ينفع الطَّيِّب القليلُ من الكسب، ولا ينفع الكثير الخَبيثُ
فقال: كيف؟ قال: قلت: ليس في كلامهم الثاء. فقال: كيف؟ قال: "الكثير"!
[ ٥٠ ]
ويُروى أن ملك اليونانية كتب إلى الخليل كتابًا باليونانية، فخلا بالكتاب شهرًا حتى فهمه، فقيل له في ذلك، فقال: قلتُ: لا بد له من أن يُفتَح الكتاب ببسم الله أو ما أشبهه، فبنيت أول حروفه على ذلك، فاقتاس لي. فكان هذا الأصل الذي عمل له الخليل كتاب المعمَّى.
وتوفي الخليل -﵀- سنة سبعين ومئة. وقالوا: سنة خمس وسبعين، وهو ابن أربع وسبعين سنة.