هو أبو عبد الرحمن الضبي، مولًى لهم. وكان من اهل جَبُّل. أخذ عن أبي عمرو. وكان النحو أغلب عليه. قال ابن عائشة: قال يونس بن حبيب: أول مَن تعلمتُ منه النحو: حماد بن سلمة. وعاش ثمانيًا وثمانين سنة.
ودخل المسجد وهو يُهادَى بين اثنين من الكِبَر، فقال له رجل كان يتَّهِمه على مودَّته: بلغتَ ما أرى يا أبا عبد الرحمن! قال: هو الذي ترى، فلا بُلِّغْتَه.
وقال أبو الخطاب زياد بن يحيى: قال أبو عبيدة: لم يكن عند يونس عِلْم إلَّا ما رآه بعينه. وقال أبو الخطاب: مثل يونس كمثل كوز ضيّق
[ ٥١ ]
الرأس، لا يدخله شيء إلَّا بعُسْر؛ فإذا دخله لم يخرج منه - يعني لا ينسى.
وقال ابن سلام، عن أبي زيد النحوي: ما رأيتُ أبذلَ لعلمٍ من يونس.
وحدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا أبو عبيدة، عن يونس قال: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءة شُبَيْل بن عَزْرَةَ الضُّبَعيُّ، فقام إليه أبو عمرو فألقى له لِبْدَ بَغْلَتِه، فجلس عليه، ثم أقبل يحدثه، فقال شبيل: يا أبا عمرو، سألتُ رُؤَيبتكم هذا عن اشتقاق اسمه، فما عرفه. قال يونس: فلم أملك نفسي عند ذكره لرُؤْبَةَ، فزحفتُ إليه ثم قلتُ: لعلك تظن أن معدَّ بنَ عدنانَ أفصحُ من رُؤْبَةَ ومن أبيه! فأنا غلامُ رُؤبة؛ فما الرَّوْبَةُ، والرُّوبَةُ، والرُّوبَةُ، والرُّوبَةُ، والرُّؤْبَةُ؟ فلم يُحِرْ جوابًا، وقام مُغضَبًا. فأقبل عليَّ أبو عمرو وقال: هذا رجل شريف يقصد مجالسنا، ويقضي حقوقنا، وقد أسأتَ فيما واجهتَه به. فقلت له: لم أملك نفسي عند ذكره رؤبة. فقال له أبو عمرو: أَوَسُلِّطتَ على تقويم الناس! ثم فسر لنا يونس فقال: الرَّوْبَةُ خميرة اللبن. والروبة قطعة من الليل. وفلان لا يقوم بروبة أهله؛ أي بما أسندوا إليه من أمورهم. والروبة جمام ماء الفحل. والرؤبة -مهموزة-: القطعة تدخلها في الإناء يشعب بها الإناء.
ولما مات سيبويه قيل ليونس: إن سيبويه ألَّف كِتابًا من ألْفِ ورقة في علم الخليل. فقال يونس: ومتى سمع سيبويه من الخليل هذا كله؟ جيئوني بكتابه. فلما نظر في كتابه ورأى ما حكى، قال: يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل فيما حكاه، كما صدق فيما حَكى عنِّي.
حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا المِهرانيّ قال: حدثنا يزيد المهلَّبيّ، عن الموصلي إسحاق، عن ابن سلام، عن يونس قال: ما بكتِ العربُ شيئًا
[ ٥٢ ]
ما بكت الشباب، وما بلغتْ كُنْهَه.
المهراني: حدثنا أبي، حدثنا ابن سلام، عن يونس قال: ليس لحاقن ذكاء.
وقال أحمد بن يحيى: يقال: إن يونس جاوز المئة، وكان قد تفدع من الكِبَر، ويقال: قارب المئة.
ابن أبي سعد قال: حدثنا محمد بن يحيى القشيري قال: حدثنا أبو بشر قال: قال محمد بن سلَّام: كان يونس يزورني، فأطلب له النبيذ الحلو، فيتهافت فيه الذباب، فيشرب منه القدحَ ثم يقول: قاتله الله! إنه لَيَشْحنُهنّ شَحْنًا. وربَّما أُتِي بالنبيذ الحازِر (أي الحامض الشديد) فيشرب منه قدحًا، ثم يقول: قاتله الله! إنه لَيَقْصعهنَّ قَصْعًا.
قال محمد بن سلام: قال يونس: تقول العرب: طَسٌّ وطَسْتٌ، فمَن قال: "طَسّ" قال: "طِساس". ومَن قال: "طَسْت" قال: "طِسَات". وسمعتُه يقول: إنما سُمِّيتِ اللِّمَّةُ لِمَّةً لأنَّها ألمَّتْ بالأذنين.
ابن سلام قال: سأل بكّارُ بنُ محمدٍ يونسَ فقال: ما العَجِيزُ مِن الرجال؟ قال: لا أعرفه. قال: فما المليخ؟ قال: أما إذا جئت بالمليخ؛ فالعجيز: الذي لا يأتي النساء، والمليخ: الذي لا يولد له.
قال ابن سلام: وتذاكرنا القدر مرة في مجلس يونس، فقالوا: ما تقول يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: لا فكر لي فيه.
قال ابن سلام: قلت ليونس: "إيَّاك زيدًا" تُجيزها؟ قال: أجاز ابن أبي إسحاق للفضل بن عبد الرحمن:
إيَّاكَ إيَّاكَ المراءَ فإنه إلى الشر دعاءٌ وللشرِّ جالبُ
وتوفي يونس -﵀- سنة اثنتين وثمانين ومئة.
[ ٥٣ ]