هو النضر بن شُمَيْل بن خَرَشة بن يزيد بن كلثوم بن عبْدةَ بن زُهَيْر السِّكِّيت الشاعر بن عروة بن حليمةَ بن حُجْر بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم المازني التميمي. من أهل مَرْو.
قال أبو عليٍّ: ذكر أبو عبيدة في مثالب أهل البصرة قال: ضاقت المعيشةُ بالنضر بن شميل، فخرج يريد خُرَاسان، فشيَّعه من أهل البصرة نحوُ ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدِّث، أو لغوي، أو نحوي، أو عروضي، أو أخباري. فلما صار بالمِرْبد جلس، فقال: يا أهل البصرة، تَعِزُّ عليَّ مفارقتُكم، والله لو وجدتُ كلَّ يومٍ كِيلَجَةً من باقلَّا ما فارقتكم. قال: فلم يكن فيهم أحد يتكفل له بذلك، حتى وصل إلى خراسان، فأفاد أموالًا عظيمة.
قال أبو علي: وطلب المأمون يومًا -وهو بمرو- رجلا من أهل الأدب يسامره، فخرج الحاجب يسأل عن رجل يصلح لمجالسة المأمون ومسامرته، فقيل له: هاهنا النضر بن شميل، فبعث فيه، فأدخله على المأمون فسامره، فقال المأمون في بعض كلامه: "سَدادٌ مِن عَوَز" بفتح السين، فأنكره النضر ولم يغيِّر عليه، ثم حدثه بأحاديث كثيرة، حتى ذكر هُشَيمًا، فقال: قال هُشَيمٌ -وكان لحَّانًا-: "سَدادٌ مِن عَوَز". فقال له المأمون: يا نضر، وكيف تقول؟ قال: "سِدادٌ مِن عَوَز" بكسر السين، فأمر له بخمسين ألف درهم.
[ ٥٥ ]
وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: حدثنا المسيح بن حاتم العُكليُّ بالبصرة بمِربَدها سنة ثمانين ومئتين، قال: حدثنا النضر بن شميل بن خَرَشة المازني قال: لمَّا قدم المأمون علينا خُرَاسان واستُخلِف، دخلنا عليه، فحدثنا عن هُشَيمٍ، عن مُجالِد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "مَن تَزوَّجَ امرأةً ذاتَ جمالٍ ومالٍ؛ فقد أصابَ سَدادًا مِن عَوَزٍ". فقلتُ له: يا أمير المؤمنين، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب -رحمة الله عليه ورضوانه-، أن رسول الله -ﷺ- قال: "مَن تَزوَّجَ امرأةً ذاتَ جمالٍ ومالٍ؛ فقد أصابَ سِدادًا مِن عَوَزٍ". فقال: أَتُلَحِّنني يا نضر؟! فقلت: أمير المؤمنين أفصح من ذلك، وهذا لَحْنُ هُشيمٍ، وكان لحَّانًا. فقال: وما حجتك؟ فقلتُ: قول العَرْجيّ:
أضاعوني وأيّ فتًى أضاعوا ليوم كَريهة وسِداد ثَغْرِ
قال: فسكت.
قال أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زُرَيق، مولى طلحة بن عبد الله الخزاعي: أخبرنا أبو القاسم إسحاق بن
[ ٥٦ ]
إبراهيم بن محمد بن غالب بن حمَّاد الكِنَانيّ قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الكندي قال: حدثني فورك بن ناصح قال: حدثني النضر بن شُمَيل المازني التميمي المروزي. وروى أحمد بن عمر التميمي، عن أبي بشر الأصبهاني قال: أخبرني النضر بن شميل المازني قال: كنتُ أدخلُ على المأمون في سَمَزه، فدخلتُ يومًا وعليَّ إزارٌ مَرْقوع، فقال لي: يا نضر، ما هذا التقشف؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ، وحرُّ مَرْوَ كما ترى، فأحببت أن أتبرد بهذه الخُلْقَان. قال النضر: فجرى بنا الحديث في ذكر النساء، فقال المأمون: حدثنا هُشيم بن بشير، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أيما رجل تَزوَّجَ امرأةً لدينها وجمالها؛ كان في ذلك سَدادٌ مِن عَوَزٍ". قلت: يا أمير المؤمنين، صدق هشيم. حدثنا عوف بن أبي جميلة الأعرابي قال: حدثنا الحسن بن علي قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أيما رجل تَزوَّجَ امرأةً لدينها وجمالها؛ كان في ذلك سِدادٌ مِن عَوَزٍ". قال: وكان متكئًا فاستوى جالسًا، ثم قال: يا نضرُ، كيف قال هشيم: "سَداد"، ولم يقل: "سِداد"؟ وما الفرق بينهما؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، السَّداد القصد في الدِّين والسَّبيل، والسِّداد -بالكسر- من الثّغر والثُّلْمة، وكل ما سددت به شيئًا فهو سِداد. قال: وتعرف العرب ذلك؟ قلتُ: نعم، قال الشاعر:
أَضاعوني، وأَيَّ فتًى أضاعوا ليوم كريهة وسِداد ثَغْرِ
كأنِّي لم أكنْ فيهمْ وسيطًا ولم تكُ نسبتي في آل عَمْرِو
قال: قَبَّحَ اللهُ اللَّحنَ! قلتُ: يا أمير المؤمنين، إنه لحن هشيمٍ، وكان هشيم لحَّانة، فاتَّبع أميرُ المؤمنين لفظَه، وقد تُتْبَعُ أخبارُ الفقهاء. ثم قال: يا نضر، هل تروي من الشعر شيئًا؟ قلتُ: نعم، يا أمير المؤمنين. قال:
[ ٥٧ ]
فأنشِدْني أخلْبَ بيت قالت العرب. قال: قلتُ: قول حمزة بن بِيض، حيث يقول في الحَكم:
تقول لي والعيونُ هاجعةٌ: أَقِمْ علينا يومًا، فلم أُقِمِ
أيَّ الوجوهِ انتجعتَ؟ قلتُ لها: وأين وجهٌ إلَّا إلى الحَكَمِ
مَتَى يقلْ صاحبا سُرَادقه: هذا ابن بِيضٍ بالباب؛ يبتسمِ
قال: أحسن والله ما شاء! قال: فأنشدني أنصف بيت قالت العرب. قال: قول أبي عَروبة المدنيِّ يا أمير المؤمنين، إذ يقول:
إني وإن كان ابنُ عمي واغرًا لَمُزاحم من خَلْفِهِ وورائِهِ
ومُعده نصري وإن كان امرأً متباعدًا في أرضه وسمائه
وأكون والِيَ سِرِّه وأصونُه حتى أصيرَ إلى زمان إخائه
وإذا الحوادثُ أَلحقَتْ بسَوامِه قُرِنَتْ صحيحتُنا إلى جَرْبائه
وإذا دعا باسْمِي ليركب مَرْكَبًا صعبًا ركبتُ له على سِيسَائِهِ
وإذا رأيتُ عليه بُرْدًا ناضرًا لم يُلْفِني متمنِّيًا لردائه
قال: أجاد والله ما شاء! فأنشدني أقنع بيت قالته العرب. قال: قلت:
[ ٥٨ ]
بيت الراعي حيث يقول:
أطلبُ ما يطلبُ الكريم من الر زق لنفسي فأُجمِلُ الطلبَا
وأحلبُ الثَّرَّةَ الصَّفِيّ ولا أحلُبُ أَخلاف غيرِها حلَبا
إنِّي رأيت الكريمَ وهو إذا رغَّبْتَه في صنعية رغِبَا
والنَّذْل لا يطلب العلا فهْو لا يُعطيك شيئًا إلا إذا رَهِبَا
كمثل عَيْرٍ موقّع هُو لا يُحْسِن مشيًا إلا إذا ضُرِبا
ولم أجد عزة الحياة سوى ذا الد ينِ لمّا اختبرت والحسبا
قد يُدْرك الخافضُ المقيمُ وما شدَّ لعَنْسٍ رَحْلا ولا قَتَبا
ويُحرمُ الرزقَ ذو المطيّةِ والرَّ حْل ومَنْ لا يزال مُغْترِبا
قال: أحسن والله ما شاء! ما مالُك يا نضر؟ قلتُ: فريضة لي بمَرْوالرّوذ أتَضَهَّلُها وأتمَزَّزُ بها. قال: أفلا أفيدُك إلى مالك مالًا؟
[ ٥٩ ]
قال: قلت: إني إلى ذلك لمحتاج. قال: فتناول الدواةَ والقرطاس وكتب، ولم أدر ما كتب. ثم قال لي: يا نضر، كيف تقول إذا أمرتَ أن تُتْرب كتابًا؟ قال: قلتُ: أَترِبْه. قال: فهو ماذا؟ قلتُ: مُتْرَب. قال: فمن الطين؟ قلتُ: طِنْه. قال: فهو ماذا؟ قلتُ: مطين. قال: قال: فمن السَّحاءة؟ قال: قلتُ: اسحه. قال: فهو ماذا؟ قلتُ: مَسحيٌّ ومسحوٌّ. قال: يا غلامُ، أَترِب واسْحُ وطِنْ. ثم قام فصلى بنا المغرب، ثم قال لغلام فوق رأسه: تبلّغ معه الكتاب إلى الفضل بن سَهْل. قال: فدخلنا عليه، فتناول الكتاب، فقرأه، وقال: يا نضر، إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين الف درهم، فما القصة؟ قال: فحدثته الحديث، ولم أكتمه شيئًا، قال: فقال لي: لحَّنتَ أميرَ المؤمنين! قال: قلتُ: كلَّا، إنما لحنَ هشيمٌ -وكان لحَّانة-، فتبع أميرُ المؤمنين لفظَه، وقد تُتَّبَعُ ألفاظ العلماء. فأمر لي بثلاثين ألف درهم، فأخذت بكلمة واحدة استفادها ثمانين ألف درهم.
أبو بكر محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا أبو عمر الجرمي البصري قال: حدثني عبد الخالق بن منصور النيسابوري قال: حدثني محمد بن حاتم المؤدب قال: مرض النضر بن شميل بن خرشة المازني، فدخل الناس يعودونه، فقال له رجل من القوم: مَسَحَ اللهُ ما بك. فقال النضر: لا تقل: "مسح الله"، ولكن قل: "مصح"، ألم تنظر إلى قول الأعشى:
وإذا ما الخمرُ فيها أَزبدتْ أَفَلَ الإِزبادُ فيها فمصَحْ
فقال الرجل: لا بأس، السين قد تعاقب الصاد فتقوم مقامها. فقال النضر: إن كان هذا هكذا؛ فينبغي أن تقول لمن اسمه سليمان: "صليمان"، وتقول: "رصول الله"، وتقول لمن يكنى أبا صالح: "أبا سالح"! ثم قال النضر: لا يكون هذا في السين إلا مع أربعة أحرف: الطاء، والخاء، والقاف، والغين.
[ ٦٠ ]
فيبدلون السين صادًا في هذه إذا وقعت السين قبلها، وربما أبدلوها بزاي، كما قالوا: سراط، وصراط، وزراط.
-قال محمد: مَصَح الظلُّ؛ إذا زال وذهب. وقال: إذا ولَّى لونُ الزَّهر قيلَ: مَصَح يَمْصح مصوحًا-.
وأنشد أبو زياد في صفة الهودج:
يُكسَيْن رقْم الفارسيّ كأَنَّه زَهَرٌ تتابَع لونُه لَمْ يَمْصَح
حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا الخُشنِي، عن محمد بن المغيرة أبي العباس قال: حدثنا ابن أبي رِزْمة قال: سأل رجلٌ النضر بن شميل أن يقرأ عليه ويترسَّل ويزيده في الدَّوْلة، فقال النضر:
تسأَلني أم الحسينِ جَمَلا يمشي رويدًا ويَكُون أَوَّلا
وتوفي بمرو سنة ثلاث ومئتين. وكان عالمًا بفنونٍ من العلم، وكان صدوقًا ثقة. وقد رُوِي عنه الحديث، وكان صاحب حديث، وغريب، وشعر، وفقه، ومعرفة بأيام الناس. وزعم ابن الفراء المصري أنه كان يكنى أبا الحسن.