هو يحيى بن المبارك، مولى بني عدي بن عبد مناة بن تميم. وكان مُعلِّمًا قُبالة دار أبي عمرو بن العلاء دهرًا. وقيل له: "اليزيدي" لأنه أدَّب أولاد يزيد بن منصور الحِمْيَرِيّ.
وقال أبو حاتم: اليزيدي هو مولًى لبني عديٍّ، وليس أيضًا منهم، ولكن كذا يقولون، كان نازلًا فيهم، نُسب إلى اليزيد، وكان مُؤدِّبًا ليزيد بن مِزْيد.
[ ٦١ ]
وقال أبو حاتم: قال الاصمعي: كان هاهنا مؤدب يقطع الصيف في رداء وَذِرَةٍ، وكان سفيهًا. وكان جارًا لأبي عمرو بن العلاء، وكان لزم قراءة شعيب بن صخر.
وقال الفضل بن الحُباب: قال لي محمد بن سلام: ما جالست أحدًا عنده من العلم إلَّا دون ما وجدتُ عند شعيب بن صخر.
وقال ابن قتيبة: اسمه عبد الرحمن، والأشهر يحيى. وهو من غلمان أبي عمرو بن العلاء في النحو والغريب والقراءة، وكان مؤدب المأمون، وخرج معه إلى خراسان، وتوفي بها.
قال محمد بن عبيد الله بن أبي محمد اليزيدي: أتانا النضر بن شميل بمرو يعزِّينا عن أبينا، فقال: كنتُ مع أبي محمد وأبي زيد الأنصاري في كتَّاب، وهأناذا قد جئتُ أعزّي بأبي محمد، النضرُ واللهِ لاحقٌ به. فلما صِرْنا إلى جرجان جاءنا نعيُه.
وكان اليزيدي ظريفًا، حدَّث أبو حنيفة عن أبي الفضل اليزيدي قال: انصرف اليزيدي من كتَّابه يومًا، فقعد المأمون مع غلمانه ومَن يأنس به، وأمر حاجبَه ألَّا يأذن عليه لأحد -وهو صبيٌّ في ذلك الوقت- فبلغ اليزيدي خبرُه، فصار إلى الباب فمُنِع، فكتب إليه:
هذا الطفيليُّ علَى البابِ يا خيرَ إخواني وأصحابِي
فصيِّروني رجلًا منكمُ أو أخرِجوا لي بعضَ أَتْرابي
فأذن له، فدخل، فانقبض المأمون، فقال: أيها الأمير عُدْ إلى انبساطك، فإني إنما جئت على أن أكون نديمًا لا مُعلِّمًا.
ومن قول اليزيدي يعتذر إلى المأمون من شيء تكلَّم به وهو سكران:
[ ٦٢ ]
أنا المذنبُ الخطَّاءُ، والعَفْوُ واسعٌ ولو لم يكنْ ذنبٌ لما عُرِفَ العفوُ
سَكِرتُ فأَبدت مِنِّي الكأسُ بعض ما كرهتُ، وما إن يستوِي السُّكْرُ والصحوُ
ولا سِيَّما إذْ كنتُ عند خليفةٍ وفي مجلسٍ ما إن يجوز به اللغوُ
فإن تعفُ عني أُلْفِ خطويَ واسعًا وإلَّا يكن عفوٌ فقد قَصُرَ الخطوُ
ومن قوله يهجو الأصمعيَّ في شعره:
ومَنْ أَنت؟ هل أنت إلا امرؤٌ -وإن صحَّ أصلُك- من باهلهْ
وحسبُك لُؤمُ قبيلٍ به لمن هي في كفِّه حاصلهْ
فكيف لمن كان ذا دِعْوةٍ وكِفّةُ نِسْبَتِهِ شائلهْ
حدثني محمد بن العباس الهاشميُّ الحلبيُّ قال: حدَّثنا محمد بن إبراهيم الأنماطيُّ قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا شاذان بن محمد قال: حدثنا الأصمعي قال: سمعتُ أبا محمد اليزيدي يقول: كنت أؤدب المأمون وهو في حِجْر سعيدٍ الجوهري، فأتيته يومًا، فوجَّهت إليه بعضَ خدمه ليخرج إليّ فأبطأ، فوجهت رسولًا آخر فأبطأ، فقلت لسعيد: إن هذا ربما تأخر واشتغل بالبَطالة. فقال لي سعيد: إذا فعل ذلك؛ فقوِّمه بالأدب. فلما خرج أمرتُ بحمله، فقوَّمتُه بسبع دِرَرٍ، فإنه لَيَدْلُك عينيه بالبكاء إذْ قيل: جعفر بن يحيى بن بَرْمك قد أَقْبَل، فأخذ منديلًا فمَسح عينيه، وقام إلى فراشه مُسرعًا،
[ ٦٣ ]
فجلس عليه ثم قال: يدخل. فدخل، وقمت عن المجلس إلى فراشه مُسرعًا، وخفتُ أن يشكوَني إليه، فألقى منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجهه، وحدثه بوجه طَلْق وضحك. فلما همَّ بالحركة قال: يا غلام، دابَّته. وأمر غِلْمانه فمضوْا بين يديه، ثم سأل عني فجئته، فقال: ما حَملك على ما صنعت من خروجك عنا؟ فقلت: أيها الأمير، لقد خفتُ أن تشكوَني إلى جعفرٍ، ولو فعلتَ لنَكَّل بي. فقال: إنَّا لله يا أبا محمد! يغفر الله لك! لقد خطر ببالك ما لا يكون. قال: فكنتُ أهابه بعد ذلك، وأجلُّه.
ومن قول أبي محمد اليزيديّ في عِنان جارية الناطفيّ وأبي ثعلب الأعرج، وكان شاعرًا:
أبو ثعلبٍ للناطفيّ زَؤُورُ على خبئه والناطفيُّ غيورُ
وبالبغْلةِ الشهباء رِقَّةُ حافرٍ وصاحبنا ماضِي الجَنان جسورُ
ولا شك في أن الأعيرج آرها وما الناس إلا آيرٌ ومَئِيرُ
ومن قوله - أنشدناه المدائنيُّ، ويقال: إنه أنشدهما الكسائي، وكان يماضّه، وقد رثاه اليزيدي بعد موته:
يا رجلًا خفَّ عنده الثِّقَلُ حتى به صار يُضرَبُ المثلُ
ثَقُلت حتى لقد خَفَفْتَ كما سَمُجْتَ حتى مَلُخْتَ يا رجُلُ
قال إسماعيل بن أبي محمد: كان لأبي شعر كثير في الرشيد وجعفر بن
[ ٦٤ ]
يحيى وغيرهما، فلما حضره الموت أخذ علينا ألَّا نخرِج له غير المواعظ.
ومن قوله قصيدته المشهورة:
مَنْ يَلُمِ الدهر ألَا فالدهرُ غير مُعْتِبِهْ
وفيها أمثال حِسَان وحكمة.
وتوفي سنة اثنتين ومئتين، وهي السنة التي خرج فيها المأمون من مرو إلى العراق، ودخل سنة أربع في صفر فيها.
* * *
قال أبو بكر محمد بن حسن الزبيدي: ووجدتُ بخط المستنصر ﵀: وَلَد أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي: محمدًا، وعبدَ الله أبا عبد الرحمن، وأبا يعقوب إسحاق، وأبا إسحاق إبراهيم، وإسماعيل؛ بني أبي محمد يحيى بن المبارك. فولد محمد بن أبي محمد العباسَ أبا الفضل، والفضل أبا العباس، وعبيد الله أبا القاسم، وأحمد، وجعفرًا. فولد العباس محمدًا، وكان كأعمامه في الآداب. وكلهم أديب عالم.
ومِمَّن نَبُلَ مِن أولادهم، وحُمِل عنه: محمد بن عبيد الله بن محمد، وإسحاق بن إبراهيم بن أبي محمد، وأحمد أخوه.
قال الفرغاني: توفي أبو عبيد الله محمد بن أبي الفضل العباس بن محمد بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي النحوي في شهر جمادى الآخرة من سنة عشر وثلاثمئة في خلافة المقتدر بالله، وهي السنة التي مات فيها أبو جعفر الطبري -رحمهما الله-، وكان عالمًا بالعربية، حاملًا لعلم سلفه اليزيديين، أديبًا
[ ٦٥ ]
فاضلًا، قد حدَّث، وكتب الناس عنه علمًا كثيرًا، ومولده للنصف من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين ومئتين، وهو الذي ذكر المستنصر أولًا، وأثنى عليه، وألحقه بأعمامه.