هو عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، مولى بني الحارث بن كعب بن عمرو بن عُلَة بن جَلْد بن مالك بن أُدد. أخذ عن الخليل.
قال أبو علي البغدادي: ولد سيبويه بقرية من قرى شيراز، يقال لها: "البيضاء" من عَمَل فارِس، ثم قدم البصرة ليكتب الحديث، فلزم حلقة حماد بن سلمة، فبينا هو يستملي على حماد قول النبي -ﷺ-: "ليس مِن أصحابي إلَّا مَن لو شئتُ لأخذتُ عليه ليس أبا الدرداء". فقال سيبويه: "ليس أبو الدرداء". فقال حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، وإنما "ليس" هاهنا استثناء. فقال: سأطلب علما لا تلحنني فيه. فلزم الخليل فبرع.
وقال عبيد الله بن معاذ العنبري البصري: جاء سيبويه إلى حماد بن سلمة، فقال: أحدثك هشام بن عروة، عن أبيه، في رجل رَعُفَ في الصلاة؟ فقال حماد: أخطأتَ، إنما هو "رَعَفَ". فانصرف إلى الخليل، فشكا إليه ما لقيه من حماد، فقال: صدق حماد، ومثل حماد يقول هذا. و"رَعُفَ" لغة ضعيفة، والصحيح "رَعَفَ".
وقال أحمد بن معاوية بن بكر العُلَيْمِيّ: ذُكِر سيبويه النحوي عند أبي، فقال: عمرو بن عثمان قد رأيته، وكان حَدَثَ السِّنِّ، كنت أسمع في ذلك
[ ٦٦ ]
العصر أنه أثبتُ مَن حمل عن الخليل بن أحمد، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حُبسة، ونظرت في كتابه، فعلمه أبلغ من لسانه.
وقال ابن قتيبة: حدثني أبو حاتم، عن أبي زيد الأنصاري قال: كان سيبويه غلامًا يأتي مجلسي، له ذؤابتان، فإذا سَمِعتَه يقول: حدَّثني مَن أثق بعربيَّته. فإنما يعنيني.
وقال الأخفش سعيد بن مسعدة: كان سيبويه إذا وضع شيئًا من كتابه، عرضه عليَّ، وهو يرى أني أعلم منه، وكان أعلم مني، وأنا اليوم أعلم منه.
وذكر محمد بن سلام قال: كان سيبويه النحوي جالسًا في حلقته بالبصرة، فتذاكرنا شيئًا من حديث قتادة، فذكر حديثًا غريبًا وقال: لم يروِ هذا إلا سعيد بن أبي العَروبة. فقال له بعض ولد جعفر بن سليمان: ما هاتان الزائدتان يا أبا بشر؟ فقال: هكذا يقال؛ لأن العروبة هي الجمعة، ومن قال: "عروبة" فقد أخطأ. قال ابن سلام: فذكرت ذلك ليونس، فقال: أصاب، لله دره!
قال ابن عائشة: كنا نجلس مع سِيبويهِ النحويِّ في المسجد -وكان شابًّا جميلًا نظيفًا، قد تعلَّق من كل علمٍ بسبَب، وضرب فيه بسهم، مع حداثة سنه، وبراعته في النحو-، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ هبَّت ريحٌ أطارت الوَرَق، فقال لبعض أهل الحلْقة: انظر أيُّ ريح هِي؟ وكان على منارة المسجد تمثال فرس من صُفْر - فنظر ثم عاد فقال: ما يثبُتُ الفرس على شيء. فقال سيبويه: العرب تقول في مثل هذا: تَذَاءَبت الريحُ، أي فعلت فعل الذئب لِيخْتِل، فيتوهمَ الناظر أنه عدَّة ذئاب.
وقال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحبًا بزائر لا يُمَلُّ. قال أبو عمرو المخزومي -وكان كثير المجالسة للخليل-: ما سمعت الخليل يقولها إلا لسيبويه.
[ ٦٧ ]
حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان قال: حدثنا العباس بن الفرج الرياشي قال: كان سيبويه سُنِّيًّا على السُّنَّةِ.
حدثنا مروان، حدثنا الرياشي قال: سمعتُ عمرو بن مرزوق يقول: رأيتُ سيبويهِ والأصمعيَّ يتناظران، قال: يقول يونس بن حبيب: الحق مع سيبويه، وقد غلب ذا -يعني الأصمعي- بلسانه.
وحكى أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس النحوي المصري قال: قال أحمد بن يحيى ثعلب، ومحمد بن يزيد المبرد: لما ورد سيبويه العراق شقَّ أمرُه على الكِسائي، فأَتَى جعفرَ بن يحيى بن برمك، والفضلَ بنَ يحيى بن برمك وقال: أنا وليُّكما وصاحبُكما، وهذا الرجل إنما قدم ليُذهب محلي. قالا: فَاحْتَلْ لنفسك، فإنَّا سنجمع بينكما. فجُمِعا عند البرامكة، وحضر سيبويه وحده، وحضر الكسائي ومعه الفراء والأحمر وغيرهما من أصحابه. فسألوه: كيف تقول: "كنت أظن العقرب أشدَّ لَسْعَةً من الزُّنبور، فإذا هو هي" أو "هو إيَّاها"؟ قال: أقول: "فإذا هو هي". فأقبل عليه الجميع فقالوا: أخطأتَ ولحنتَ. فقال يحيى بن خالد بن برمك: هذا موضعٌ مُشكِلٌ؛ حتى يُحكَمَ بينكم. فقالوا: هؤلاء الأعراب على الباب. فأُدخِلَ أبو الجراح ومَن وُجد معه ممَّن كان يأخذ منه الكسائي وأصحابه، فقالوا: "فإذا هو إياها". فانصرم المجلس على أنَّ سيبويه قد أخطأ. فأعطاه البرامكة وأخذوا له من الرَّشيد، وبُعِث به إلى بلده، فيقال: إنه ما لبث إلا يسيرًا، ثم مات كمدًا.
قال أبو الحسن علي بن سليمان: وأصحاب سيبويه إلى هذه الغاية لا اختلافَ بينهم أن الجواب كما قال سيبويه، وهو: "فإذا هو هي"؛ أي: فإذا هو مثلُها. وهذا موضع الرفع، وليس موضع النصب. فإن قال قائل: فأنت تقول: خرجتُ فإذا زيدٌ قائمٌ وقائمًا، فتنصب "قائمًا". ولم يكن "فإذا هو إياها"؛ لأن "إيَّا" للمنصوب، و"هي" للمرفوع؟ فالجواب في هذا أن "قائمًا" انتصب ثَمَّ على
[ ٦٨ ]
الحال وهو نكرة، و"إيَّا" مع ما بعدها مما إليه معرفة، والحال لا تكون إلا نكرة، فبطل "إياها" ولم يكن إلا "هي" وهو خبر الابتداء، وخبر الابتداء يكون معرفة ونكرة، والحال لا تكون إلا نكرة، وكيف تقع "إياها" وهي معرفة موضعَ ما لا يكون إلا نكرة وهو موضع الرفع!
ويقول أصحاب سيبويه: الأعرابُ الذين شهدوا الكسائي من أعراب الحُطَمة الذين كانوا يقوم بهم الكسائي ويأخذ عنهم.
قال: وروى هذه الحكاية الأوارجِيُّ الكاتب بأتمَّ من هذا، وأنا مجتلبُها على حسب ما روى. قال: حدثني أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستَم الطبري قال: حدثني أبو عثمان المازنيُّ قال: حدَّثني أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش: أن أبا بشْر عمرو بن عثمان بن قَنْبَر سيبويه لما قدِم على أبي عليٍّ يحيى بن خالد بن بَرْمك سأله عن خَبَره والحال التي وردَ لها. فقال: جئتُ لتجمعَ بيني وبين الكِسائيِّ. فقال له: لا تفعل؛ فإنه شيخ مدينة السلام وقارئُها، ومُؤدِّبُ ولد أمير المؤمنين، وكلُّ مَن في المِصْر له ومعه. فأبى إلا أن يَجمع بينهما، فعرَّف الرشيد خبرَه، فأمر بالجمْع بينهما، فوعده بيوم، فلما كان ذلك اليوم غدا إلى دار الرشيد، فوجد الفرَّاء، والأحمر، وهشام بن معاوية، ومحمد بن سَعْدان قد سبقوه، فسأله الأحمرُ عن مئة مسألة فأجابه عنها، فما أجابه بجواب إلا قال: أخطأتَ يا بصريُّ. فوجَم لذلك سيبويه. ووافى الكسائي ومعه خَلْق من العرب، فلما جَلس قال له: يا بصريُّ، كيف تقول: "خرجتُ فإذا زيدٌ قائمٌ"؟ فقال: "خرجتُ فإذا زيدٌ قائمٌ". فقال له: أيجوز: "فإذا زيدٌ قائمًا"؟ فقال: لا. فقال الكسائي: هذه العرب على باب أمير المؤمنين، وقد حضرتْ فتُسألُ. فقال: سَلْها. فقال لهم الكسائيُّ: كيف تقولون: "قد كنت أَحْسِب أنَّ العقربَ أشدُّ لَسعةً من الزُّنبور، فإذا الزُّنبور إيَّاها بعينها"؟ فقالت طائفة: "فإذا الزُّنبور هِي". وقالت أخرى: "إيَّاها بعينها". فقال: هذا خلافُ ما تقول يا بصريُّ. فقال: أمَّا عربُ بلدنا فلا تعرف إلا "هو
[ ٦٩ ]
هي". فخطَّأته الجماعةُ وحَصِر، فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف درهم وصرفه.
قال الأخفش: فلمَّا دخل إلى شاطئ البصرة وجَّه إليَّ فجئتُه، فعرَّفني خبرَه مع البغدادي، وودَّعني ومضى إلى الأهواز. وتزوَّدتُ وجلستُ في سُمَارِيَة حتى وردتُ بغداد، فوافيتُ مسجد الكسائي، فصلَّيتُ خلْفَه الغداةَ، فلمَّا انْفَتَلَ من صلاته، وقَعَد في محرابه، وبين يديه الفراء والأحمر وهشام وابن سَعْدان سألتُه عن مئة مسألة، فأجاب عنها بجوابات خطَّأتُه في جميعها. وأراد أصحابُه الوثوب عليَّ، فمنعهم من ذلك، ولم يقطعْني ما رأيتُهم عليه مما كنتُ فيه. فلما فرغت من مئة مسألة، قال الكسائي: بالله أنت أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش؟! قال: قلتُ: نعم. فقام إليَّ وعانقني وأجلسني إلى جانبه، ثم قال لي: أولادي أُحِبُّ أن يتأدَّبوا بكَ، ويخرَّجوا على يديك، وتكونَ معي غيرَ مفارِق لي. وسألني ذلك فأجبتُه فلما اتَّصلت الأيام بالاجتماع سألني أن أؤلف له كتابًا في "معاني القرآن"، فألَّفتُ كتابي في المعاني، فجعله إمامًا لنفسه وعمل عليه كتابًا في المعاني، وعمل الفرَّاءُ كتابه في المعاني عليهما. فأقام سيبويه مُديْدة في الأهواز، ثمَّ مات من ذَرَبٍ أصابَهُ، وما قتله إلا الغمُّ لما جرى عليه.
أحمد بن يحيى قال: حدثني سلَمة قال: قال الفراء: قدم سيبويه على البرامكة، فعزم يحيى بن خالد على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يومًا، فلما حضر تقدمتُ أنا والأحمر فدخلنا فإذا بمثال في صدر المجلس، فقعد عليه يحيى بنُ خالد، وقَعد إلى جانب المثال جعفر والفضل ومَنْ حضر بحضورهم، وحضرَ سيبويه فأقبل عليه الأحمرُ فسأله عن مسألة، فأجاب فيها سيبويه، فقال له: أخطأتَ. ثم سأله عن ثانية فأجابه، فقال: أخطأتَ. ثم سأله عن ثالثة فأجاب، فقال: أخطأتَ. فقال سيبويه: هذا سوء أدب. قال: فأقبلتُ عليه فقلت: إن في هذا الرجل جِدًّا وعَجَلة، ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء أيُّون، ومررت
[ ٧٠ ]
بأيِّين؟ وكيف تقول على مثال ذلك من وأيت أو أويت؟ فقدَّر وأخطأ، فقلت له: أعد النظر، فقدَّر فأخطأ، فقلت: أعد النظر، فقدَّر فأخطأ، فقلت له: أعد النظر، ثلاث مرات يُجيب ولا يصيب. فلما كَثُر ذلك عليه قال: لستُ أكلِّمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره.
قال: فحضر الكسائيُّ، فأقبل على سيبويه فقال: تسألُني أو أسألُك؟ فقال: لا، بل تسألني أنت. فأقبل عليه الكسائيُّ فقال: ما تقول، أو كيفَ تقول: "قد كنتُ أظنُّ العقربَ أشدَّ لسعةً من الزُّنبور فإذا هو هي"، أو "فإذا هو إيَّاها"؟ قال سيبويه: "فإذا هو هي"، ولا يجوز النصب. فقال له الكسائيُّ: لحنتَ. ثم سأله عن مسائلَ من هذا النوع: "خرجت فإذا عبد الله القائمُ" أو "القائمَ". قال سيبويه في ذلك كلِّه بالرفع دون النصب. فقال الكسائيُّ: ليس هذا كلامَ العرب، العربُ ترفعُ في ذلك كلِّه وتنصب. فدفع سيبويه قولَه.
فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما، وأنتما رئيسا بلديكما، فمَن ذا يحكمُ بينكما؟! قال الكسائي: هذه العرب ببابك قد جمعتَهم من كل أوْب، ووفدتْ عليك من كل صُقْع، وهم فُصَحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المِصْرين، وسمع أهلُ الكوفة وأهلُ البصرة منهم، فيُحضَرون ويُسألون. فقال يحيى وجعفر: قد أنصفتَ. وأمر بإحضارهم، فدخلوا عليه وفيهم أبو فَقْعَس وأبو دثار وابو الجرَّاح وأبو ثَرْوان، فسُئِلوا عن المسائل التي جرتْ بين الكسائيِّ وسيبويه، فتابعوا الكسائيَّ وقالوا بقوله.
فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تَسْمَع أيها الرجل! قال: فاستكانَ سيبويه، وأقبل الكسائيُّ على يحيى فقال: أصلح الله الوزير! قد وفَد عليك مِن بلده مُؤمِّلًا، فإن رأيتَ ألَّا تردَّه خائبًا. فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصيَّره ووجَّهه إلى فارس، فأقام هناك حتى مات ولم يَعُدْ إلى البصرة.
قال: إنما أدخل العماد ونصب.
وحكى أحمد أبو جعفر النحاس، أن كِتابَ سيبويه وُجِد بعضُه تحت
[ ٧١ ]
وِسادة الفرَّاء التي كان يجلس عليها.
وقال أبو إسحاق الزّجاج: إذا تأمَّلتَ الأمثلة من كتاب سيبويه؛ تبينت أنه أعلمُ الناس باللغة.
ورُوي أنه لما اعتلّ سيبويه وضَع رأسه في حِجر أخيه، فبكى أخوه لمَّا رآه لمآبه، فقطرتْ من دمعه قطرةٌ على وجْهه، فرفع سيبويه رأسه إليه فرآه يبكي فقال:
أُخَيَّيْن كنَّا فَرَّق الدهر بيننا إلى الأَمَدِ الأقصى ومَنْ يأمن الدهرا!
وقال أبو سعيد الطُّوال: رأيتُ على قبر سيبويه هذه الأبيات مكتوبة، وهي لسليمان بن يزيد العَدَويّ:
ذهب الأَحِبَّةُ بعد طول تَزَاورٍ ونأَى المزارُ فأَسلموكَ وأَقْشَعوا
تركوك أوْحشَ ما تكونُ بقَفرَةٍ لم يُؤنِسوك وكُرْبَةً لم يَدْفعوا
قُضِيَ القضاءُ وصِرْتَ صاحبَ حُفْرةٍ عنك الأَحِبَّةُ أَعْرَضوا وتَصدَّعوا
وحدثني أبو عبد الله بن طاهر العسكريُّ قال: سيبويه اسم فارسي، فالسي ثلاثون، وبويه رائحة، فكأنه في المعنى: ثلاثون رائحة. وكان فيما يقال حسنَ الوجه.
وتوفي وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، سنة ثمانين ومئة.