هو أحمد بن محمد بن أبي محمد اليزيدي. كان راويةً شاعرًا متفننًا في العلوم. قال: قال أبو جعفر: أصبحتُ يومًا في غيم ورذَاذ، ففكَّرتُ فيمَنْ أبعث إليه، فخطَر بقلبي أبو جعفر محمد بن الفضل، فأخذتُ الدواةَ لأكتب إليه، فإذا أنا بالغلام قد دخل عليَّ، فقال: أبو جعفر محمد بن الفضل بالباب. فقلتُ: يدخل. فلما دخل قمتُ إليه، والقلم والقِرطاس في يدي. فقلت: هذا والله كتابي إليك، فالحمد لله الذي جاء بك. فقال: ليس والله
[ ٨٢ ]
أقيم عندَك، ولا تقعدْ من قيامك؛ حتى تُوَافِيَني إلى البيت، ولستُ أنْتظرك؛ فإنّ عندي إنسانًا يشتَاقُك وتشتَاقه، ثم قال: يا غلام، أسْرِج الدابَّة، واذهبْ أنت يا غلام فجئني بثيابه، ثم مَضَى وتركني. فلبِستُ ثيابي ولحقت به. فدخلت وهو قاعد على مصلّى عند باب الرّواق، وبحذاء المصلَّى آخَرُ عليه مخارق، وقد أخْلِيَ لي الصدْر. فلما دخلتُ قام إليَّ مخارق فسلَّم عليَّ، ثم جلس، فأقبلنا نتذاكر أيامنا، فقال محمد بن الفضل: يا غلام، ما عندك من الطعام؟ قال: جَدْي بارد وفراريج وشرائح. قال: آتنا بما حَضَر. ثم بعث إلى الجواري يأمرهنَّ بالغَدَاء، فتغدَّينا، وتغدَّى الجواري، ثم خرجْن إلينا، ومع كلِّ واحدة وصيفة تَحْمِل عودَها، ومعها مِذبَّة. فقعدْن وأخذن عيدانهنَّ، فكان إذا مرَّ بي الصوت أستحسنُه من مخارق استعدتُه وأشرتُ إليهنَّ ليأخذنه، فغنَّى مخارق:
يقولُ أُناس لو تبدَّلْتَ غيرَها لعلك تَسْلُو إنما الحُبُّ كالحِبِّ
فاستحسنتُه واستعدتُه مرَّاتٍ، فقال لي مخارق: يا أبا جعفر، كأنَّه قد دار لك! قلتُ: إي والله. قال: ففيه عيب. قلتُ: وما ذاك يا أبا المهنَّأ؟ قال: هو فَذٌّ. قلتُ: فتحبُّ أن يكون تَوْأَمًا؟ قال: إي والله. فقلتُ:
فقلت لهمْ: لو أَنَّ قلبي يُطيعني فَعَلْتُ ولكنْ لا يطاوعُني قَلْبي
فاستحسنه وغنى فيه ثم قال لي يا أبا جعفر لي صوت عيبه كعيب هذا فقلت وما هو فقال:
زرْ آل زينَب أيُّها الوجِعُ واسأَلْهُمُ أعطوْك أو مَنَعوا
[ ٨٣ ]
فقلتُ:
واشْف السقَام بأَن تَزُورَهُمُ فبقرْب زينب يَذْهَب الوَجع
ومن شعر أبي جعفر أحمد بن محمد اليزيدي:
فؤاديَ مشتاق وقَلْبيَ تَائقٌ إلى ذات دَلٍّ بينُها لِيَ شائقُ
بجُمْلٍ صَبَا قلبي كما أنها صبتْ متَى تَدْنُ يومًا يأْلَف النومَ عاشقُ
مُعَنًّى شكا ما تَشْتَكيه فإنما يحنُّ كلانا؛ ذاتُ وجدٍ ووامقُ
كئيبٌ تراهُ يُظهر الصبْرَ جُهْدَهُ على أن دَمْع العين بالشوق ناطقُ
وجُمْلٍ بأَرضٍ لو إليها تخلُّصٌ لولَّيتُ أسعى نحوها وأُسَابقُ
تَضَنُّ علينا زينبٌ بنَوالها وهل إن دنتْ جُمْلٌ بنا لا تفارقُ
وليستْ كجمْلٍ زينبٌ، جملُ إِن تُنِبْ أنيبُ وإن تَفْسُقْ فإنِّيَ فاسقُ
تُثيب إذا أحسنتُ والعذْرُ عندها رحيبٌ إذا عاقتْ لديها العوائقُ
يؤخذ من أول كل بيت كلمة تامة، فتكون:
فؤادي بجُمْلٍ مُعَنًّى كئيبُ وجُمْلٌ تَضَنُّ وليست تُثِيبُ
وله أيضًا:
لَئِنْ بَعُدَتْ عن الأحباب دارُ فمالي بعدَ فُرْقَتِهمْ قَرَارُ
هنا هُمْ عَيْشُهُمْ، وَصَفَاء عَيْشي يُكَدِّرُه حَنينٌ وادِّكَارُ
كئيبٌ بالنّهار حليف حُزْن أخو ليلٍ إذا ذَهَبَ النهارُ
أبيتُ إذا هُمُ باتوا نيامًا وبين حَشايَ للهِجْران نارُ
أَأشقى يا عبادَ الله عُمْرِي ويَسْعَدُ أهلُ وُدِّي حيثُ ساروا
يواصلهمْ أُناسٌ بعد ناسِ ويلهيهمْ سَمَاعٌ أو عُقارُ
[ ٨٤ ]
بقيتُ بلا أخٍ إن رمتُ حتَّى أصارمَهم وإن قلَّ اصطبارُ
علا في المكرُمات وفي المعالي سليمان فَتَمَّ له الفَخَارُ
سأذكر يا أبا أَيُّوبَ فَضْلًا حوتْه لك الجحاجحةُ الكبارُ
لَجَارُك في المُلمِّ أَعَزُّ جارٍ لأنك خير قَرْمٍ يُستجارُ
كأنك حاتمٌ جُودًا وبذْلًا إذا أَزَمَتْ وعزَّ بها القُتارُ
وله أيضًا:
ولقد شجتْني طفلةٌ بَرَزَتْ ضُحًا كالشمسِ خَثْماء العظام بِذي غَضَا
ومثله:
فطلبتُها ومضى الفرزدقُ ظاعنًا إذْ ضَجَّ شخصٌ بالمغيثَةِ كهمسا
في كل بيت منها حروف: أ، ب، ت، ث.
وقال أيضًا:
حجّ الزكيّ بخُنث ظاعنًا فطغى وضقتُ بالبين صدرًا إذْ هُمُ شسعوا
فيه حروف: أ، ب، ت، ث.
وقال أيضًا:
نفسِي تحدِّثُنِي بأَنك غَادِرُ وهوايَ فيكَ على ذُنُوبك سَاترُ
تَعِدُ الوفاءَ وأنت تُظهرُ غيرَهُ ولقد يَدُلُّ على الضمير الظاهرُ
لك مُقْلَةٌ طَمَّاحةٌ مَقسُومَةٌ بين الجميع كما يَدُور الدَّائرُ
[ ٨٥ ]
لو زار بيتَك كلَّ يومٍ عَسْكَرٌ أرضاهُمُ لحظٌ بعينك فاترُ
ومن البلاء بأنَّ عينك فاتنٌ للعالمين وأنَّ وجهَك ساحرُ
وإذا برزتِ فكلُّ قلبٍ طائر شوقًا إليكِ وكل طَرْفٍ ناظرُ
ولديك إسعافٌ لهم وإجابةٌ وهو الذي ما زلتُ منك أحاذر
في دون هذا للمتيَّم سَلْوَةٌ عن إلفه لو أنَّ قَلْبيَ صابرُ
ولأهجرنَّك جازعًا أو صابرًا إني إذا إِلْفٌ تنكَّرَ هاجرُ