هو أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان المازني، أحد بني مازن بن شيبان بن ذُهْل. ووجدت حكايةً عن الخُشني قال: بكر بن محمد المازني، مولى بني سَدوس، نزل في بني مازن بن شيبان.
قرأ على أبي الحسن الأخفش كتاب سيبويه، وعمله على الجَرْميّ.
وحدثني أبو عليٍّ إسماعيل بن القاسم البغداذي، حدثنا عبد الله بن جعفر بن دَرَستَوَيه، حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد. وقال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس -يزيد كل واحد منهما على صاحبه، وقد جمعنا روايتَهما-: اشتُرِيت للواثق جارية من البصرة بمئة ألف، فغنَّته يومًا:
أَظُليمُ إن مصابكم رجلًا أهدى السَّلامَ إليكمُ ظلمُ
فقال لها الواثق: قولي: "رجلٌ". فقالت: لا أقول إلا كما علمتُ. فقال للفتح بن خاقان: كيف هو يا فتح؟ فقال: هو خبرُ إِنَّ، كما قال أمير المؤمنين. فقالت الجارية: أخذت هذا الشعر من أعْلَم الناس بالعربية. فقال: ومَن هو؟ قالت: بكر بن عثمان المازني، وكان يُعرِبُ شعرَ غنائي. فأمر الواثق بإشخاصه من البصرة، فأُشْخِص.
قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل: قال أحمد بن يحيى: فلقيَني يعقوب بن السكيت، فسألني، فأجبتُه بالنصب، قال: فأين خبرُ إِنَّ؟ قلت: "ظُلْم"، ثم أُتِي بالمازني. قال أبو القاسم بن إسماعيل: قال أبو العباس
[ ٨٧ ]
المبرد: قال المازني: فلما دخلت على الواثق، سأل فقال: باسمُك؟ -وهي لغة بلْحارث بن كعب- فقلتُ: بَكْر، يا أمير المؤمنين. فقال: مَن خَلَّفتَ وراءك من العيْلة عند شخوصك؟ قلت: أخيَّة تَحُلُّ مني محلَّ البنت. قال: فما قالت لك عند فِراقك لها؟ فقال: قالت لي ما قالت ابنةُ الأعشى لأبيها:
فيا أَبتا لا ترِمْ عِنْدنا فإنا بخيْرٍ إذا لم تَرِمْ
ويا أَبتا لا تَزَلْ عندنا فإنا نخاف بأَن تُخْتَرَمْ
أرانا إذ أَضْمَرتْك البلا د نُجْفَى ويُقْطَعُ منَّا الرَّحِمْ
فقال الواثق: كأني بك قد قلت لها:
تقول بنتي وقد قَرَّبْتُ مرتَحلًا يا ربِّ جنِّبْ أبي الأوصابَ والوَجعا
عليكِ مثلُ الذي صلّيت فاغتمضي نومًا فإنَّ لجنب المرء مُضْطجَعا
ثم قال: فما قلت لها عند ذلك؟ قال: قلت ما قال جرير لابنته:
ثِقي بالله ليس له شريكٌ ومِنْ عندِ الخليفة بالنَّجاح
فقال الواثقُ: ثق بالنجاح من عند الله -﷿-، ومِن عندنا يا بكْر. ثم سألني عن البيت، فأجبتُ بما قالت الجارية. قال: وأمر لي بِصِلة جَزْلة، وأجرى عليَّ كلَّ شهرٍ مئة دينار؛ فكنتُ بحضرته.
قال أبو جعفر أحمد بن محمد: قال المازني: قلتُ لابن قادم -أو لابن سعدان- لمَّا كابرني: كيف تقول: "نفقتك دينارًا أصْلَحُ من درهم"؟ فقال: "دينار" بالرفع. قال: قلت: فكيف تقول: "ضربك زيدًا خيرٌ لك"؟ فنصب زيدًا. فقلت له: فرِّق بينهما. فانقطع. وكان ذلك عند الواثق،
[ ٨٨ ]
وحضر ابنُ السكيت، فقال له الواثق: سَلْه عن مسألة. فقلت له: ما وزن "نكتل" من الفعل؟ فقال: "نفعل". فقال الواثق: غلِطتَ. ثم قال لي: فسِّره. فقلتُ: "نكتل" تقديره: "نفتعل"، "نكتيل"، فانقلبت الياء ألفًا لفتحة ما قبلها، فصار لفظها "نكتال"، فأسكنت اللام للجزم؛ لأنه جواب الأمر، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. فقال الواثق: هذا الجواب، لا جوابك يا يعقوب. فلما خرجنا قال لي يعقوب: ما حملك على هذا، وبيني وبينك من المودَّة الخالصة؟! فقلت: والله ما قصدي تخطئتَك، ولم أظن أنه يَعْزُبُ عنك ذلك.
قال المازني: وحضرت يومًا آخر، واجتمع جماعة نحويِّي الكوفة، فقال لي الواثق: يا مازني، هاتِ مسألةً. قلتُ: ما تقول في قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ لِمَ لمْ يقل: "بغيَّة" وهي صفة لمؤنث؟ فأجابوا بجوابات غير مرضيَّة. فقال لي: هاتِ. قلت: لو كان "بغيّ" على تقدير "فعيل" بمعنى فاعلة؛ للحقتها الهاء مثل كريمة وظريفة. وإنما تحذف الهاء إذا كانت في معنى مفعولة في نحو امرأة قتيل، وكَفٍّ خضيب. و"بغيّ" هاهنا ليس بفعيل، إنما هو "فَعُول" لا تلحقه الهاء في وصف التأنيث نحو امرأة شكور، وبئر شطون؛ إذا كانت بعيدة الرّشاء. وتقدير "بغيّ": "بغوي" قلبت الواو ياء، ثم أدغمت الواو في الياء، فصارت ياء ثقيلة، نحو سيد وميت. فاستحسن الجواب.
قال المازني: فاستأذنتُه في الخروج، قال: هلَّا أقمتَ عندنا؟ قلتُ: لي أخيَّة أُشفِق أن أغيب عنها. فأذِن لي.
قال أبو علي إسماعيل بن القاسم: قال المازني: فانصرفتُ إلى البصرة، وكتب إلى عاملها أن يُدِرَّ عليَّ مئة دينار كلَّ شهر. فلما مات الواثق قُطِعت عنِّي. ثُم ذُكِرتُ للمتوكل، فأمر بإشخاصي، فلما دخلتُ عليه، رأيتُ من العُدَّة والسلاح والأتراك ما رَاعني، والفتح بن خاقان بين يديه، وخشيت أني إن سُئِلتُ عن مسألةٍ ألَّا أجيب فيها. فلما مثلتُ بين يديه،
[ ٨٩ ]
وسلَّمت عليه، قلت: يا أمير المؤمنين، أقول كما قال الأعرابي:
لا تَقْلُواها وادْلُوَاها دَلْوَا إنَّ مع اليوم أخاه غَدْوَا
قال أبو عثمان: فاستُبْردتُ وأخرِجت، ولم يُفهَم عني ما أردتُ. والقلْو أرفع السير، والدلْو أدناه. ثم دعاني بعد ذلك، فقال: أنشِدْني أحسنَ مَرثِيَةٍ للعرب. فأنشدتُه قصيدة أبي ذُؤيبٍ:
أَمِنَ المنون ورَيْبِها تتوجَّعُ والدَّهرُ ليسَ بِمُعْتبٍ مَن يجزَعُ
حتى أتيتُ على آخرِها. فقال: ليست بشيء. فأنشدتُه قصيدة مُتمِّم بن نُوَيرَة:
لَعمري وما دَهْري بتأبين هالكٍ ولا جَزَعٌ مما أصاب فأَوجعا
حتى أتيتُ على آخرها، فقال: ليست بشيء. فأنشدته قصيدةَ كعبٍ الغنوي:
تقول سُلَيمى: ما لجسمكَ شاحبًا كأَنك يحميكَ الطعامَ طبيبُ
قال: ليست بشيء. فأنشدتُه قصيدةَ ابن مناذر في عبد المجيد:
كُلُّ حَيٍّ لَاقِي الحِمَامِ فَمُودِي ما لَحيٍّ مُؤَمِّلٍ من خُلودِ
[ ٩٠ ]
حتى أتيتُ على آخرِها، فقال: ليست بشيء. ثم قال: مَن شاعرُكم اليومَ بالبصرةِ؟ فقلتُ: عبد الصَّمد بن المعذّل بن غيْلانَ. قال: فأنشِدْنِي له. فأنشدتُه أبياتًا قالها في قاضينا ابن رياح:
أَيا قاضيةَ البَصْرَهْ قومِي فارقُصِي قَطْرهْ
وَمُرِّي برواشِنْكِ فماذا البَرْدُ والفَتْرَهْ
أراك قد تثيرين عَجاجَ القَصْفِ يَا حُرَّهْ
وتخديشك خَدَّيْكِ وتجعيدكِ للطُّرَّهْ
فاستحسنَها واستطيَبَها، وأمر لي بجائزةٍ، فكنتُ أَتَعَمَّلُ أن أتحفَّظ أمثالَها، وأُنشِده إذا وصلتُ إليه، فيصلُني. وكان أبو عثمان يقول بفضل الواثق، ونَقْص المتوكل.
وحدث ابن إسماعيل، وعون بن محمد الكندي، وعبد الواحد بن العباس بن عبد الواحد، والطيّب بن محمد الباهلي -يزيد بعضهم على بعض-، فجئت بما اتفقوا عليه، وما افترقوا فيه، حتى كملت الرواية. قالوا: حدثنا أبو عثمان المازني قال: كان سبب طلب الواثق لي أن مُخارقًا غنَّى في مجلسه:
أَظُلَيْمُ إنَّ مصابَكُمْ رجلًا أهدى السلامَ إليكمُ ظُلْمُ
فغنَّاه مخارق: "إن مصابكم رجلٌ" فشايَعه بعضٌ، وخالفه آخرون. فسأل الواثق عمَّن بقِيَ من رؤساء النحويين، فذُكِرتُ له، فأمر بحمْلي إليه، وإزاحة عُذْري، فلما وصلتُ إليه قال: مِمَّن الرجل؟ قلتُ: من بني مازنٍ. قال: أمِن مازن تميمٍ، أم من مازن قيسٍ، أم مِن مازن ربيعةَ، أم من مازن اليمن؟ قال: قلت: من مازن ربيعةَ. قال لي: باسمُك؟ يريد: ما اسمُك؟
[ ٩١ ]
-وهي لغة في قومنا- فقلت على القياس: مَكْر، يا أمير المؤمنين، أي بكر. فضحك وقال: اجلس واطمئن. فجلستُ، فسألني عن البيت، فأنشدته:
* أَظُلَيْمُ إنَّ مصابَكُمْ رجلًا *
فقال: أين خبرُ إِنَّ؟ قلتُ: "ظُلْمُ" الحرف الذي في آخر البيت. ثم قلتُ: يا أمير المؤمنين، أما ترى البيتَ كأنه مُعلَّق لا معنى له حتى يتمَّ بهذا الحرف؟ وإذا قال: "أَظُلَيْمُ إنَّ مصابَكُمْ رجلًا أَهدَى السَّلامَ إِليكُم"، فكأنَّه ما قال شيئًا حتى يقول: "ظُلْم"؟ قال صدقتَ؛ ألك ولدٌ؟ قال: قلتُ: بُنيَّةٌ لا غير. قال: فما قالتْ حين ودَّعتَها؟ قلتُ: أنشدتْ شعرَ الأعشى:
تقولُ ابنتي حينَ جدَّ الرحيلُ أرانا سواءً ومَن قد يَتِمْ
أَبانا فلا رِمْتَ مِن عِنْدنا فإنا بخيْرٍ إذا لم تَرِمْ
أرانا إذا أَضْمَرتْكَ البلا د نُجْفَى ويُقْطَعُ منَّا الرَّحِمْ
قال: فما قلتَ لها؟ قلتُ: ما قال جريرٌ:
ثِقي بالله لَيْس له شريكٌ ومِنْ عندِ الخليفة بالنَّجاح
فقال: ثقْ بالنجاح إن شاء الله؛ إنَّ هاهنا قومًا يختلفون إلى أولادنا، فامتحِنْهم، فمَنْ كان منهم عالمًا يُنتفع به ألزمناه إيَّاهم، ومَن كان بغير هذه الصفة قطعناه عنهم. ثم أمر فجُمِعوا إليَّ، فامتحنتُهم فما وجدتُ طائلًا، وحذروا ناحيتي. فقلتُ: لا بأسَ على أحدٍ. فلما رجعتُ إليه قال: كيف رأيتَهم؟ قلتُ: يفضُل بعضُهم بعضًا في علومٍ يفضلُ الباقون في غيرِها، وكلٌّ يُحتاجُ إليه.
قال لي الواثقُ: إنِّي خاطبتُ منهم واحدًا، فكان في نهاية الجهل في خطابه
[ ٩٢ ]
ونظره. فقلتُ: يا أمير المؤمنين، أكثرُ مَن تقدّم منهم بهذه الصفة، ولقد أنشدتُ فيهم:
إن المعلِّم لا يزال مضعَّفًا ولو ابتَنى فوقَ السماء بنَاءَ
مَنْ علَّم الصبيانَ أَصْبَوا عقلَه حتى بَنِي الخُلَفَاء والأمراءَ
فقال: لله دَرُّك يا بكر! كيف لي بك يا بكرُ! فقلتُ: يا أمير المؤمنين، إن الغُنْم والفوْز في قربك والنظر إليك، ولكنِّي ألفتُ الوَحْدة، وأنستُ بالانفراد، ولي أهل يُوحشني البعد عنهم، ويضرُّهم ذلك، ومطالبة العادة أشدُّ من مطالبة الطباع. فأمر لي بألف دينار وكسوة وطيب، وقال: لا تقطعنا، وإن لم يأتك أمرنا. فقلتُ: سمعًا وطاعةً. وودَّعتُه وانصرفتُ.
قال مروان بن عبد الملك بن مروان: سمعتُ أبا حاتمٍ يقول: كان أبو عثمان المازني مخذولًا في النحو، كان إذا سُئِل فأجاب أخطأ. قال: وسمعتُ أبا حاتمٍ يقولُ: المازنيّ، أيُّ شيء كان يحسن! أو أيُّ شيء كان يُحسِن الرياشيُّ! هل وضعا كتابًا قطّ، أو صنعا شيئًا؟!
الزيادي أبو إسحاق قال: صرتُ إلى أبي عمر الجرميِّ أقرأ عليه كتاب سيبويه، ووافيتُ المازنيَّ يقرأ عليه في الجزاء: "هذا بابُ ما يرتفع بين الجزمين"، فكنا نعجب من حِذْقه وجَودةِ ذِهْنه، وكان قد بَلَغ من أول الكتاب إلى هذا الموضع.
وقال أبو الحسين بن ولَّاد: يعني أن المازني كان قد بلغ على الأخفش إلى هذا الموضع.
وقال ابن الفراء المصري: توفي أبو عثمان المازني سنة تسع وأربعين ومئتين بالبصرة، هكذا ذكر في تاريخه.
قال أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن واضح الكاتب: توفي المازني سنة ست وثلاثين ومئتين، كذا قال في تاريخه الكبير.
[ ٩٣ ]