هو سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجُشْمي السِّجِسْتَانيّ. قال ابن الغازي: كتب يعقوب الصفَّار والي سِجِسْتان -وكان متغلِّبًا عليها، وكان في مُلكٍ شديدٍ- يسأل أبا حاتم نحوًا مختصرًا، فأراد أن يبعث إليه كُتبَ الأخفشِ. فقيل له: لو أراد كتبَ الأخفش عَلِم مكانَها، وإنما أراد مِن قِبَلك. فبعث إليه كتابه المختصر في النحو المنسوب إليه، وهو على مذهب الأخفش وسيبويه.
قال: ورَوَى أبو حاتم عِلْمَ سيبويهِ عن الأخفش عن سيبويه عمرو بن عثمان، قال: وكانتْ تُقرَأ على أبي حاتمٍ كتب الأخفش، فكان يردُّ رَدًّا حسنًا.
قال ابن الغازي: ثم رأيتُها تُقرَأ على أبي الفضل الرِّياشيّ، فلا حول ولا قوة إلا بالله! أيّ نَدْف كان ينْدِفُها! فإذا الرياشيّ كان أعلم بها. قال: وسمعتُ أبا حاتم يقول: قال أبو زيدٍ الأنصاريُّ: يقال: تغدَّيتُ وتعشَّيْتُ، ولم أسمع غَدَوْت ولا عَشَوت. وقال أبو عبيدة: قد سمعت غَدَوْت وعَشَوْت.
وقال أحمد بن كامل بن خَلَف شجَرة: سمعتُ أبا بكر بن دُرَيد يقول: مات أبو حاتم في آخر سنة خمس وستين ومئتين. قال: وقال لي أبو جعفر الطبري: كان أبو حاتم إذا اكتحل نفضَ من الكُحلِ على لحيته يغيِّرها به، فكان يَسقط الكحل من لحيته على ثوبه وعلى صَدْره، وكان يُتعجَّب من ذلك.
قال: ورأيتُ عنده قومًا من أهل البصرة يُعظِّمونه، ويقولون: أنت شيخُنا وأستاذُنا، ونحو ذلك من القول.
[ ٩٤ ]
أخبرنا أحمد بن سعيد، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا مرْوان بن عبد الملك، سمعت الرياشي يقول ونحن على قبر أبي حاتم لمَّا دفنَّاه وهو يترحَّم عليه: ذُهِب معه بعلمٍ كثير. فقال له بعض أصحابه: كتبُه. فقال العباس: الكتب تؤدي ما فيها، ولكن صدْره.
ابن الغازي قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: قلنا لأبي زيد: عَلَى مَن نقرأ بَعْدَك؟ قال: على سهل بن محمد -يعني أبا حاتم-. قال: وكان يُزَنُّ بنحو ما زُنَّ به أبو عبيدة، ولكن كان بريئًا منه، إلَّا أنه كانت فيه دُعابة، فكان ذلك مما يُوجَد به السبيلُ إليه.
وأنشد بعضهم لأبي حاتم:
الدمع من عينيّ مُرفَضُّ وللهوى في كبدي عَضُّ
أخلَقَ وجهي شادنٌ وجهُه عندي جديدٌ أبدا غضُّ
أُرْعَد إن أبصرتُه مقبلًا كأنَّما بي تزحَفُ الأرضُ
ورُوِي عن أبي عثمانَ الخُزاعي أنَّه كان قال لأبي حاتم: كنتُ البارحة بين النائمِ واليقظانِ، فرأيتُني في المحراب، إذْ سمعتُ قائلًا يقول:
أبو حاتم عالم بالعلومِ فأهلُ العلوم له كالخَوَلْ
عليكم أبا حاتمٍ إنه له بالقراءة عِلْمٌ جَلَلْ
فإن تفقدوه فلن تدركوا له ما حييتُمْ بعلْمٍ بَدَلْ
وأنشد أبو عمرٍو البصري لنفسه فيه:
إلى مَن تفزعون إذا فُجعتمْ بسهلٍ بعده في كلِّ بابِ
ومَن ترجونه من بعد سهلٍ إذا أَوْدَى وغُيِّبَ في الترابِ!
[ ٩٥ ]
وقال يعقوب القارئ:
استمع القرآن إذ يقرؤُهُ سهلٌ القارئ زينُ القرَأهْ
ودخل أعرابيٌّ مسجدَ البصرة، فتفقَّدَ أبا حاتم -وكان مختلفًا إليه- فأُعلِم بموته، فقال:
يا بانيَ الدنيا للذَّاتِهِ أعظمْ بذكرِ الموت من هادمِ
أما تَرَى الإخوان قد سارعوا بقادمٍ منهمْ على قادمِ
ومرَّ مَن قد كنتَ تُزْهى به ولستَ ممَّا ذاق بالسَّالمِ
وليس نقص الأرض في جاهلٍ كلَّا، ولكن ذاك في عالِمِ
أمَّا العراقان فقد أَقْفَرا بحادثٍ حَلَّهما قاصِمِ
مَنْ كان للخُطبة يُعنَى بها وللغريب المُشكِل العاتِم
قد ذهب العلم بأَعْلامِهِ والنحوُ من بعْدِ أبي حاتِمِ
مَنْ للدَّواوين إذا حُصِّلَتْ وكتْبِ أَمْلاكِ بني هاشِمِ
مفتاح قفل ضَلَّ مفتاحُه ولؤلو يبقى بلا ناظمِ
يا مسجدَ البصرة لمْ تبْكِهِ بواكفٍ من دمْعِك السَّاجِمِ
وقرأت في بعض الكتب: توفي أبو حاتم سهل بن محمد بالبصرة سنة خمس وخمسين ومئتين، ودُفن بصُرَّةِ المصلَّى، وصلَّى عليه سليمانُ بن جعفر بن سليمان بن عليِّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان يَلِي البصرة يومئذ.
قال مروان بن عبد الملك: توفي أبو حاتم في المحرم سنة خمس وخمسين ومئتين.
[ ٩٦ ]