هو العباس بن الفرج الرياشي، مولى محمد بن سليمان بن عليٍّ، يُكنَى أبا الفضل. حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان بن عبد الملك قال: ولاء العباس بن الفرج الرياشي لبني هاشم، وإنما كان أبوه عبدًا لرجل يقال له: "رِياش"، فباعه من رجل من بني هاشم، فأعتقه الهاشمي.
قال: وسمعت العباس بن الفرج يقول: تَحَفَّظتُ كتبَ أبي زيدٍ ودرستُها، إلَّا أني لم أجالسه مجالستي للأصمعيِّ، وأما كتب الأصمعي فإني حفظتُها لكثرة ما كانت تتردَّد على سمعي لطول مجالستي له. قال: وكنتُ أقرأ على أبي زيد، ولعل حفظي كان قريبًا من حفظه.
قال: وقال لي يومًا: عمَّن تأخذُ؟ قلتُ له: عن فلان. قال: فاجتمعنا عنده يومًا أنا وذلك، قال: فتناظرْنا عنده، فقال لي: تقول لي: إنَّك تأخذُ عن هذا وأنت أعلمُ منه!
قال: وسمعت الرياشي يقول: ما طلبنا هذا حين طلبناه لموضع الأجر.
قال مرْوان: وسمعت أبا حاتم قال لي -وليس معنا ثالث-: إنه ليشتدُّ عليَّ أن يذهب هذا العلم على رأسٍ، وتذهب هذه الكتبُ، وما هاهنا إلَّا هذا الرياشيّ، وعلمه قليل، ليس عنده كبير شيء. ثم قال لي: وإنَّ أصحاب الحديث يَدُقُّون عليه، ولقد كتب إليَّ إنسان من أهل خراسان فيه ويدقُّ عليه. فقلت لأبي حاتم: إنه يذهب في هذا الوقت إلى مذهب ابن المعذَّل، حتى صار يذكر فيه رؤيا عن رجل عن النبي -ﷺ- أنه أمر بالوقف.
حدثنا الرياشي قال: حدثنا أبو زيد، عن شعبة قال: كان سِماك بن حرب يقول: إذا كانتْ لك حاجة إلى أميرٍ، قل فيه بيتَيْ شعرٍ. فسمعتُ العباس يقول: وأنا كانت لي حاجة إلى أميرٍ، فقلتُ فيه بيتَيْ شعرٍ، وكانت لحاجة لأبي حاتمٍ. وكان الفضل بن إسحاق الأمير، وكان أبو حاتم رأى أنه واجد عليه، فأتاني أبو حاتم فقال لي: لم أر أحدًا أجيئه غيرَك. قال: واستثنى على أبي حاتم
[ ٩٧ ]
دعوةً، قيل له: أبو حاتم وَفَى بها. قال: أبو حاتم لا يَفِي بها. وأنشدنا أبو العباس البيتين:
أَبتْ لك أَن يخشى عدوُّك صولةً عليه إذا ما أمكنتْك مقاتلُهْ
شَمائلُ عفوٍ عن أبيكَ ورثتَها ومِن خَيْرِ أخلاقِ الرجال شمائلُهْ
قال العباس: وما جاءت إلا بتعب. ثم قال: أستغفرُ اللهَ منهما.
الخشنيُّ قال: كان المازنيُّ في الإعراب، وأبو حاتم في الشعر والرواية، وكان الرياشي في الجميع. وكان أهل البصرة إذا اختلفوا في شيء قالوا ما قال فيه أبو الفضل، فانقادوا لقوله وروايته.
وكان من أهل الفضل، ولا تُخرِج البصرة مثل الرياشي.
ابن الغازي، أنشدنا الرياشيُّ:
خليليَّ إنْ كانت بِسَامَرَّ مِيتَتِي فإيَّاكما في البَرِّ أن تدفنانِيا
فإنه حين احتُمل إلى سُرَّ مَن رأى، وكان احتُمل لقضاء البصرة واستعفى منه، وقال شعرًا يمدح المتوكل به، وذكر خلاءَ مسجده، وأنه لا قائم له، فأعطاه وتوسَّع عليه ورده. وقرأ عليه ولد الفتح بن خاقان، وكان صاحب الخلافة في تلك الأيام، وأُعطِيَ مالًا جسيمًا، ورجع إلى البصرة.
قال الخُشَنِيُّ: وأَشهدُ لرأيتُ أبا حاتم يكفر بين يدي الرياشي ويعظمه ويجلُّه، وكان أبو حاتم أسنَّ من الرياشي بسَنَةٍ، ولكنه كان يُعطيه الحق لفضله عليه وما هو فيه.
وقال الرياشي: الذُّنَابَى ما كان لِذي جَناحٍ خاصة، وربما استعير للفرس. والذّنب لما سوى ذلك. ويقال: عَجَفْتُ للرجل إذا ضربته بالعصا، ويقال للواحد: كَرَوان، وللجمع: كِرْوان. وكذلك وَرَشان ووِرْشان، وظَرِبان وظِرْبان.
قال أبو مروان: وسمعت أبا الفضل الرياشي يقول: إنما صار لي ذِكرٌ بهذا
[ ٩٨ ]
يعني بالغريب والشعر. قال: وسمعته يقول في عقب ذي الحجة من سنة أربع وخمسين ومئتين، وقيل له: كم تعدُّ؟ فقال: أظن سبعًا وسبعين. وخلَّفته بالبصرة في شوال سنة ست وخمسين ومئتين.
قال: وناظرَ العباسُ المازنيَّ في كتاب سيبويه، حتى أتى على آخره. قال أبو علي البغداذي: وبلغني أن المازنيَّ قال: قرأ عليَّ الرياشيُّ الكتابَ وهو أعلمُ به مِنِّي.
وقتله صاحب الزِّنْج سنة سبع وخمسين ومئتين، في شوال أيام دخوله البصرة.