هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عُمَيْر بن حسان بن سُليم بن سعد بن عبد الله بن يزيد بن مالك بن الحارث بن عامر بن عبد الله بن بلال بن عوف بن أسلم -وهو ثُمالة- بن أحْجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزْد بن الغوث.
قال عبد الله بن الحسين بن سعد الكاتب، وأبو بكر بن أبي الأزهر: كان أبو العباس محمد بن يزيدَ من العلم وغَزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللسان، وبراعة البيان، ومُلُوكِيَّة المجالسة، وكَرَم العِشْرة، وبلاغة المكاتبة، وحَلاوة المخاطبة، وجَوْدة الخط، وصحَّة القريحة، وقُرْب الإفهام، ووضوح الشرْح، وعُذوبة المنطق على ما ليس عليه أحد ممَّن تقدَّمه أو تأخَّر عنه.
سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: لم يرَ المبرّد مثلَ نفسه ممَّن كان قبلَه، ولا يوفى بعدَه مثلُه.
وحدَّثني سهْل بن أبي سهل البَهْزيّ، وإبراهيم بن محمد المِسْمَعيُّ قالا: رأينا محمد بن يزيد، وهو حديث السنِّ، مُتصَدِّرًا في حلْقة أبي عثمان المازني يُقرأ عليه كتابُ سيبويه، وأبو عثمان في تلك الحلقة كأحد مَن فيها.
وحدثني اليوسفي الكاتب قال: كنت يومًا عند أبي حاتم السجستاني إذ أتاه شابٌّ من أهلِ نيسابور، فقال له: يا أبا حاتم، إني قدمتُ بلدكم، وهو بلد العلم والعلماء، وأنت شيخ هذه المدينة، وقد أحببتُ أن أقرأ عليك كتاب سيبويه. فقال له: الدِّينُ النَّصيحةُ، إنْ أردتَ أن تنتفع بما تقرأ؛ فاقرأ على هذا الغلام: محمد بن يزيد. فتعجَّبتُ من ذلك.
وكان سبب حمله من البصرة، فيما حدثني أحمد بن حرب صاحب الطَّيْلَسان
[ ١٠١ ]
قال: قرأ المتوكل على الله يومًا، وبحضرته الفتح بن خاقان: ﴿وَمَا يُشعِرُكُم أَنَّها إذا جاءتْ﴾. فقال له الفتحُ بنُ خاقان: يا سيدي، ﴿إِنَّها إذا جاءتْ﴾ بالكسر. ووقعتِ المُشاجرةُ، فتبايَعا على عشرة آلاف دينارٍ، وتحاكما إلى يزيدَ بن محمدٍ المهلَّبي -وكان صديقًا للمبرد-، فلما وقف يزيد على ذلك خاف أن يَسقُط أحدهما، فقال: والله ما أعرفُ الفرقَ بينهما، وما رأيتُ أعْجَبَ من أن يكون باب أمير المؤمنين يَخْلُو من عالم مُتقدِّم. فقال المتوكل: فليس هاهنا مَن يُسأَلُ عن هذا؟ فقال: ما أعرف أحدًا يتقدم فتًى بالبصرة يعرف بالمبرّد. فقال: ينبغي أن يُشخَص. فنفد الكتاب إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشمي بأن يُشخِصَه مُكرَّمًا.
فحدثني محمد بن يزيد قال: وردتُ سُرَّ مَن رأى، فأُدخِلتُ على الفتح بن خاقان، فقال لي: يا بصريُّ، كيف تقرأ هذا الحرف: ﴿وما يُشعِرُكم إِنَّها إذا جاءتْ لا يؤمنون﴾ بالكسرِ، أو ﴿أَنَّها إذا جاءتْ﴾ بالفتحِ؟ فقلتُ: ﴿إِنَّها﴾ بالكسرِ، هذا المختار، وذلك أنَّ أوَّلَ الآية: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾، قال: ﴿قل إِنَّما الآيات عند الله وما يشعركم﴾، ثم قال ﵎: يا محمد ﴿إِنَّها إذا جاءت لا يؤمنون﴾، باستئناف جواب الكلام المتقدم. قال: صدقتَ. وركبَ إلى دار أمير المؤمنين، فعرَّفه بقدومي، وطالبه بدفع ما تخاطرا عليه، وتبايعا فيه، فأمر بإحضاري فحضرتُ، فلما وقعتْ عينُ المتوكل عليَّ قال: يا بصريُّ، كيف تقرأ هذه الآية: ﴿وما يشعركما إِنَّها إذا جاءت﴾ بالكسر، أو ﴿أَنَّها إذا جاءت﴾ بالفتح؟ فقلتُ: يا أمير المؤمنين، أكثر الناس يقرؤُها بالفتح. فضحك، وضرب برجله اليسرى، وقال: أحضِرْ يا فتحُ المالَ. فقال: إنه والله يا سيِّدي قال لي خلافَ ما قال لك. فقال: دَعْني مِن هذا، أَحضِر المالَ. وأُخرِجتُ فلم أصلْ إلى الموضع الذي كنت أُنزِلتُه، حتى أتتني رُسُل الفتح، فأتيتُه، فقال لي: يا بصريُّ، أول ما
[ ١٠٢ ]
ابتدأتَنا به الكذب! فقلتُ: ما كذبتُ. فقال: كيف وقد قلتَ لأمير المؤمنين: إن الصواب: ﴿وما يشعركم أَنَّها إذا جاءت﴾ بالفتح؟ فقلت: أيها الوزير، لم أقل هكذا، وإنما قلتُ: أكثر الناس يقرؤُها بالفتح، وأكثرهم على الخطإِ، وإنَّما تخلصتُ من اللائمة، وهو أمير المؤمنين. فقال لي: أحسنتَ. قال أبو العباس: فما رأيتُ أكرمَ كرمًا، ولا أرطب بالخير لسانًا من الفتح.
قال أبو العباس: أُحضِرتُ مجلسَ المتوكل يومًا، وقد عمِل فيه النبيذ، وبين يديه أبو عُبَادة الوليد بن عُبيد البحتري، وهو يُنْشد قصيدة يمدح فيها المتوكل، وبالقرب من البُحْتري أبو العنْبس الصَّيْمَرِيّ، فأنشد البحتري قصيدته التي أولها:
عنْ أي ثَغْرٍ تَبْتَسِمْ وبأيِّ طَرْفٍ تحتكمْ
حَسَنٌ يَضَنُّ بِحُسْنِهِ والحسنُ أَشْبَهُ بالكَرَمْ
حتى بلغ إلى قوله:
قُلْ للخليفةِ جعفر بن الـ ـمتوكِّل بْنِ المعتصِمْ
المرتضَى ابن المجْتَبَى والمنعم ابن المنتقِمْ
أَمَّا الرَّعية فهي مِنْ أَمَنَات عَدْلِك في حَرَمْ
نِعَمٌ عليها في بقا ئِك فلتَتِمَّ لها النِّعَمْ
يا بانيَ المجد الذي قد كان قُوِّضَ فانهدمْ
اسلَمْ لدين محمدٍ فإذا سلمتَ له سَلمْ
نِلْنَا الهدى بعد العَمَى بك والغِنَى بَعْدَ العَدَمْ
فلما انتهى رجع القَهْقَرى للانصراف، فوثب أبو العَنْبَس الصَّيْمريّ فقال: يا سيدي يا أمير المؤمنين، تأمر بردِّه؟ فردَّه. فقال أبو العنبس: قد
[ ١٠٣ ]
عارضتُك في قصيدتك، وكنت بحضرة أمير المؤمنين. ثم اندفع ينشد شيئًا، لولا أنَّها جواب وبها تجب الفائدة لأمسكتُ عنها، قال:
في أيِّ سَلْحٍ تَرْتَطِمْ وبأيِّ كفٍّ تَلْتَقِمْ
أدخلتُ رأْسَ البحتريّ أَبا عُبادة في الرَّحِمْ
ووصل ذلك بما أشْبَهه، فضحك المتوكل، وضرب برجله اليسرى، وقال: ادْفعوا إلى أبي العنبس عشرة آلاف. فقال الفتحُ: يا سيدي، فالبحتري الذي هُجِي وأُسمِع المكروهَ ينصرفُ خائبًا؟! قال: وتُدفَع إليه عشرة آلاف درهم. فقال له: يا سيدي، فهذا البصري الذي أَشْخَصناه من بلدِه، لا يشرَكهم فيما حصَّلوه؟ قال: يدفع إليه أيضًا عشرة آلاف درهم. فانصرفنا في شفاعة الهزل، ولم ينفع البحتريَّ جِدُّه واجتهادُه ولا تقدُّمُه.
ولم يكن أبو العباس محمد بن يزيد -على رياسته، وتفرُّده بمذهب أصحابه، وإرْبائه عليهم بفطنتهم وصحَّة قريحته- متخلِّفًا في قول الشعر، وكان لا يَنْتَحل ذلك ولا يَعْتَزِي إليه، ولا يرسُم نفسَه به، وله أشعار كثيرة، منها قوله أبيات يمدح بها عُبيدَ الله بن عبد الله. وكان سبب اتصاله بالطاهريْن أنه لما قُتِل الفتح بن خاقان، كتب محمد بن عبد الله في إشخاص محمد بن يزيد، فلم يزلْ مُقيمًا معه، وأرزاقه مسبّبة على أعمال مصر، حَسَب ما كانت أرزاقُ الندامَى تُجرَى عليه، يدلُّ على ذلك ما شاهدتُه منه يومًا، وقد ورد عليه كتاب من طاهر بن الحارث، مع غلام له يقال له: نَصْر، في دَرْجِه كتاب التَّسبيب بأرزاقه إلى مصر، فأجاب عن الكتاب أبياتًا قالها على البديهة، وهي:
بنفسي أخٌ شددتُ به أَزْرِي فألقيته حرًّا على العُسْر واليسرِ
أغيبُ فلي منه ثناءٌ ومدحةٌ وأحضرُ منه أحسنَ القول والبِشْر
[ ١٠٤ ]
وما طاهرٌ إلا جمالٌ لصحْبه وناصرُ عافيه على كَلَب الدَّهْرِ
تفرَّدتَ يا خيرَ الورى فكفيتَني مطالبة شنعاء ضاق بها صدري
وأحسنُ من هذا الحديث ونشرِه كتابٌ أتاني مُدْرجًا بيديْ نَصْرِ
سُررتُ به لمَّا أتى ورأيتُني غَنيتُ وإن كان الكتاب إلى مصرِ
وقلتُ: رَعَاك الله من ذي مودَّةٍ فقد فُتَّ إحسانًا وقصَّر بي شكري
فهذا على البديهة.
ومما كتب به إلى عبيد الله بن عبد الله، بعد أن استبطأه وعاتبه، قوله:
يا موئلًا لذوي الهمّات والخَطرِ ومَنْ عمَدت لحاجاتي من البَشَر
هل أنت راضٍ بأن يُضحِي نزيلُكُمُ والمستجيبُ لكم في حالِ مستَترِ
صِفرًا من المال إلا من رَجَائِكُمُ ولابسًا بعد يُسْرٍ حُلَّةَ العُسُرِ
قل للأمير عُبيد الله دام له عِزُّ الإمارة في طولٍ من العُمُرِ
بدأتَ وعدًا فعد فانْظر لمنتظرٍ فإن حقَّ تمام الوِرْدِ للصَّدَرِ
وقد بدا عودُ شُكْرِي مُورِقًا فأجِدْ سُقْياك أجنيكَ منهُ يانعَ الثَّمَرِ
فإنَّما يسمُ الوسميّ مبتدئًا وللوليّ نبات الروض والزَّهَرِ
والسيف يُجْلَى فإن لم تُسْقَ صفحتُه نبا ولم يك كالمشحوذَةِ البُتُرِ
وقد تَقَدَّم إحسانٌ إليَّ لكمْ لم أُوتَ فيه من الإغراق في الشُّكُرِ
وفي بقاء عبيد الله لِي خلَفٌ وفيض راحته المغني عن المطرِ
قال أبو علي إسماعيل بن القاسم: وقال أبو العباس محمد بن يزيد في أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب:
أُقْسِمُ بالمبتَسَم العذْبِ ومُشْتكى الصَّبِّ إلى الصَّبِّ
لو كَتَب النحو عن الرَّبِّ ما زاده إلا عمى قَلْبِ
قال أبو عليٍّ: فلما أنشِد أبو العباس أحمد بن يحيى هذين البيتين تمثَّل
[ ١٠٥ ]
بقول الشاعر:
أَسْمَعَنِي عبدُ بني مِسْمَعٍ فصنتُ عنه النَّفسَ والعِرْضَا
ولم أُجِبْه لاحتقارِي به ومَن يعضّ الكلبَ إِن عَضَّا!
قال الأوارجيُّ الكاتب: حدثني العجْوزي قال: كنت يومًا عند أبي العباس محمد بن يزيد، وأتاه رجل على دابَّة على رأسه فرافقة، وعلى كتفه طَيْلسان أخْضَر، فلما رآه أبو العباس قام إليه فاعتنقه، فأكبر الرجل قيامَه إليه، فقال له: أتقوم إليَّ يا أبا العباس! فقال له أبو العباس:
أيُنكَرُ أن أقومَ إذا بَدَا لي لأكْرِمه وأعظِمَه هشامُ
فلا تعجبْ لإسراعي إليه فإنَّ لمثْله ذُخِرَ القيامُ
قال وأنشدني أيضًا قال: أنشدني أبو الحسن محمد بن عبدون الكاتب، عن المبرد:
لئن قمتُ ما في ذاك منِّي غضاضةٌ عَلَيَّ ولكنَّ الكريمَ مذلَّلُ
على أنها منِّي لغيرك هُجْنةٌ ولكنَّها بيني وبينك تَجْمُلُ
قال أبو بكر بن عبد الملك: كان المبرّد من أبخل الناس بكل شيء. قال: وقال أبو عبيدة معمر بن المُثنَّى: لا يكون نحويٌّ شجاعًا. فقيل له: وكيف؟ فقال: ترونه يفرِّق بين الساكن والمتحرك، ولا يفرق بين الموت والحياة! وقال المبرّد: وأنا أقول: إنه لا يكون نحويٌّ جوادًا. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: ترونه يُفرِّق بين الهمزتينِ، ولا يفرّق بين سبب الغنى والفقر! يريد أن الإمساك سبب من أسباب الغنى، والعطاء سبب من أسباب الفقر.
[ ١٠٦ ]
قال: وأخبرني بعض مَنْ أَثِق به أنه كان يقول: ما وضعتُ بحذاء الدرهم شيئًا قطُّ إلَّا رَجَح الدِّرهمُ في نفسي عليه. هذا مع سَعَة كان فيها ووُجْد.
قال: وكان ثعلب على مثل ما كان عليه المبرد في الإمساك، وفوقه في السَّعة، غير أن المبرد كان يَسأل سؤالًا صُراحًا، وكان ثعلب يُعرِّض ولا يُصرِّح. قال: ولولا أني أكره أن أكون عيَّابًا للعلماء خاصة لأخبرتك عنهما من الأخبار التي تزيد على أخبار محمد بن الجهم البرمكي، والكندي، وخالد بن صفوان، والأصمعي في الإمتاع. يقول هذا أبو بكر التاريخي، وهو مَن لم يأكل عند أحد من عصرنا شيئًا قط، ولا رآه أحد يأكل أو يشرب، ولقد كان -عفا الله عنا وعنه- ومعه في المنزل من أقاربه سكَّان، فسألناهم عن خبره في مأكله ومشربه، فذكروا أنه كان إذا أراد الأكل دخل البيت، وأخذ الماء معه، ورد الباب في وجهه، أو طرح السِّتر، فلا يعلم أحد منهم بشيء من أمره.
وأنشدنا أبو العباس المبرد لأبي الطَّمَحان:
أَضاءَتْ لهم أحسابهمْ ووجوهُهمْ دُجَى اللَّيْلِ حَتَّى نظَّم الجَزْع ثاقبُه
ويقال للخرَز الجَزْع. ومُنْعَطَف الوادِي جِزْع.
قال ابن أبي سعد: قال لنا أبو موسى النحوي -وهو الحامض-: أخبرنا أبو يعقوب الضرير قال: كنا عند عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم المُصعَبي على نبيذ، وحضرَنا محمد بن يزيد، فغنَّتْ قَينة هُناك:
يا أيُّها السَّدِمُ الملوِّي رأسَه ليقود من أهل الحجاز تَريما
[ ١٠٧ ]
قال ما هذا؟ إنما هو "بريمًا" وهو جيش. وقال: "تريما" جَدٌّ من أجدادي. قال أبو الحرِّ: الجيش من أخلاط، وأصل ذلك الخيط يُفْتَل من ألوانٍ، ويعلَّق في عنق الصبيّ.
قال أبو بكر: قال جدي: سمعت محمد بن يزيد يقول: النَّعَم: الإبل خاصة، وإن كان معها بقرٌ أو شاءٌ أو كلاهما، قيل لجميع ذلك: نَعَم؛ لاتصاله بالنَّعَم، فإن أفردت الشاء والبقر لم يُقَلْ لشيء منها نَعَم.
وأنشد للأخطل:
فيومٌ منك خيرٌ من أُناسٍ كثير عندهمْ نَعَمٌ وشَاءُ
قال: ونظير ذلك "قوم" إنما يقال ذلك للرجال، فإن كان معهم نساء قلت: "قوم"، وإن انفردن لم يقل لهن: "قوم". قال الله -﷿-: ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنَّ خيرًا منهنَّ﴾ وأنشد لزهير:
وما أَدْري وسوفَ إِخالُ أَدرِي أقومٌ آل حِصْنٍ أم نِسَاءُ
وذكر التاريخي أنه سمِع ذلك، وأن أبا محمد المغربي حضر، فاستحسن الشرح، وقبَّل رأسَ أبي العباس.
وقال أبو بكر: إن يحيى بن علي بن يحيى المنجّم سأل أبا إسحاق الزَّجَّاج في مجلس العباس بن الحسن عن ذلك، فقال كما قال المبرد. قال يحيى بن علي: يقال ذلك للرجال والنساء، واحتجَّ بقول الله -﷿-: ﴿كَذَّبَتْ قومُ نوحٍ المرسلين﴾، وقال كذَّبتِ النساءُ والرجالُ. فقال الزجاج: فلعلَّ زهيرَ بنَ أبي سُلْمى أخطأَ، وأنشد البيت، فضحِك كلُّ مَن كان في المجلس والعباس.
[ ١٠٨ ]
فقال يحيى بن علي: احتججتُ بالقرآن فلم يُقْبَل مِنِّي، واحتج خَصْمي بقول زُهَيرٍ فقُبِل قوله. فقلتُ له: ففي القرآن شاهدٌ أَبْينُ من شاهدِك. فقال: وما هو؟ فقلتُ: ﴿لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيرًا منهنَّ﴾. فقال: نعم.
أخبرني إسماعيل من حفظه قال: لما قُتِل المتوكل بسُرَّ مَن رأى رَحَل المبرّد إلى بغداذَ، فقدِم بلدًا لا عهد له بأهله، فاخْتَلَّ، وأدركتْه الحاجةُ، فتوخَّى شهودَ صلاة الجمعة، فلما قُضِيتِ الصلاة أقبل على بعض مَن حَضَره، وسأله أن يُفاتِحه السُّؤال؛ لِيتسبَّب له القولُ، فلم يكن عند مَن حضره علمٌ. فلمَّا رأى ذلك رفع صوته، وطفِق يفسِّر، يُوهم بذلك أنه قد سُئِل، فصارت حوله حَلْقة، وأبو العباس يَصِلُ في ذلك كلامَه.
فتشوَّف أبو العباس أحمد بن يحيى إلى الحلْقة، وكان كثيرًا ما يرِدُ الجامعَ قومٌ خراسانيون من ذَوِي النظر، فيتكلَّمون ويجتمع الناسُ حولَهم، فإذا بَصُر بهم ثعلب، أرسل من تلاميذه مَن يُفاتِشُهم، فإذا انقطعوا عن الجواب انفضَّ الناس عنهم. فلما نظر ثعلب إلى مَن حول أبي العباس أمرَ إبراهيم بن السَّرِيَّ الزَّجَّاج وابنَ الحائك بالنهوض، وقال لهما: فُضَّا حَلْقة هذا الرجل. ونَهَضَ معَهما مَن حضر من أصحابه، فلما صارا بين يديه قال له إبراهيم بن السري: أتأذنُ -أعزَّك الله- في المفاتَشة؟ فقال له أبو العباس: سَلْ عما أحببتَ. فسأله عن مسألةٍ، فأجابه فيها بجوابٍ أقنعه. فنظر الزَّجَّاج في وجوهِ أصحابه مُتعجِّبًا من تجويد أبي العباس للجواب. فلما انقضى ذلك قال له أبو العباس: أقنِعْت بالجواب؟ فقال: نعم. قال: فإن قال لك قائل في جوابنا هذا كذا، ما أنت راجع إليه؟ وجعل أبو العباس يُوهِنُ جوابَ المسألة، ويُفسِده، ويَعْتَلُّ فيه. فبقي إبراهيم سَادِرًا لا يُحِير جوابًا. ثم قال: إن رأى الشيخُ -أعزَّه الله- أن يقولَ في ذلك؟ فقال أبو العباس: فإنَّ القولَ على نحو كذا، فصحَّح الجواب الأول، وأوْهن ما كان أفْسده به، فبقي الزَّجَّاجُ مَبْهُوتًا، ثم قال في نفسه: قد يجوزُ أن يتقدَّم له حفظُ هذه المسألة
[ ١٠٩ ]
واتفاق القول فيها، ثم يتفق إذا سأله عنها، فأوردَ عليه مسألةً ثانيةً ففعل [أبو] العباس فيها بنحوِ فعْله في المسألة الأولى، حتى والَى بين أربع عشرة مسألة، يجيب عن كل واحدة منها بما يُقنِع، ثم يفسد الجواب، ثم يعود غلى تصحيح القول الأول.
فلما رأى ذلك إبراهيم بن السَّرِيِّ قال لأصحابه: عُودوا إلى الشَّيخ، فلستُ مُفارِقًا هذا الرجلَ، ولا بدَّ لي من ملازمته. فعاتبه أصحابه وقالوا: تأخذ عن مجهول لا تعرف اسمه، وتَدَع مَن قد شُهِر علمُه وانتشر في الآفاق ذكرُه؟! فقال لهم: لستُ أقول بالذكر والخمول، ولكني أقول بالعلم والنظر. قال: فلزم أبا العباس، وسأله عن حاله، فأعلمه برغبته في النظر، وأنه قد حَبَس نفسه على ذلك إلَّا ما يَشْغلُه من صناعة الزُّجَاج في كل خمسة أيام من الشهر، فيتقوَّتُ بذلك الشهر كله. ثم أجْرى عليه في الشهر ثلاثين درهما، وأمره أبو العباس باطراح كتب الكوفيين، ولم يزل ملازمًا له، وآخذًا عنه، حتى برع من بين أصحابه. فكان أبو العباس لا يُقرئ أحدًا كتابَ سيبويه حتى يقرأه على إبراهيم ويصحح به كتابه. فكان ذلك أول رياسة أبي إسحاق.
وقرأ أبو العباس ثلث كتاب سيبويه على الجَرْمي، وتوفي الجرمي، فابتدأ قراءته على المازني.
وقال أبو علي: وسمع أبو العباس الكتاب من الجرمي، وعمله على المازني.
وكان مولد أبي العباس يوم الاثنين في ذي الحجة ليلة الأضحى سنة عشر ومئتين، وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ست وثمانين ومئتين.