هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، مَوْلَى بني أسد، من أهل باحَمْشا. أخذ عن الرُّؤَاسيّ، ودخل الكوفةَ وهو غلام، وأدَّب ولدَ الرشيد.
قال محمد بن الحسين السمريّ: رأيت الكسائيَّ بالبصرة في مجلس يونس، وهو يناظره مناظرة النظير.
وقال أبو عليٍّ إسماعيل بن القاسم البغداذي: سمعت محمد بن السَّرِيّ يقول: حضر الكسائيُّ مجلس يونس فقال: لم صارت "حتَّى" تنصب الأفعال المستقبلة؟ فقال: هكذا خُلِقَتْ! فضحك به.
وقال عبد الله بن أبي سعد: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبيد بن آدم بن جُشَم العبديُّ قال: حدثني الأحمر قال: دخل أبو يوسف على الرشيد والكسائي عنده يمازحه، فقال له أبو يوسف: هذا الكوفي قد استفرعك وغَلب عليك! فقال: يا أبا يوسف، إنه ليأتيني بأشياء يشتمِل عليها قلبي. فأقبل الكسائي على أبي يوسف قال: يا أبا يوسف، هل لك في مسألة؟ قال: نحو أم فقه؟ قال: بل فقه. فضحك الرشيد حتى فحص برجله. ثم قال: تُلْقِي على أبي يوسف فقهًا؟! قال: نعم. قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لامرأته: "أنت طالق إن دخلتِ الدار"؟ قال: إن دَخَلتِ الدارَ طَلَقَتْ. قال: أخطأت يا أبا يوسف. فضحك الرشيد، ثم قال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال: "أَنْ" فقد وجب الفعل، وإذا قال: "إِنْ" فلم يجب، ولم يقع الطلاق. قال: فكان أبو يوسف بعدها لا يدَع أن يأتيَ الكسائيَّ.
حدثنا محمد بن العباس الهاشمي الحلبيُّ قال: أخبرنا أحمد بن عثمان،
[ ١٢٧ ]
حدثنا محمد بن عبد العزيز: أخبرني مَنْ أثِقُ به أن الرشيد تلقاه الكسائي في بعض طريقه، فوقف عليه وسأله عن حاله، فقال الكسائيُّ: لو لم أجْتَنِ من ثمرة الأدب إلا ما وَهَبَ الله لي من وقوف أمير المؤمنين عليَّ لكان كافيًا.
وقال الأوارجي الكاتب: حدثني العَجْوَزِيُّ أن الكسائيَّ النحويَّ ارتحل إلى حمزةَ الزياتِ، وعليه كِسَاءٌ جيدٌ، فجلس بين يديه فقرأ ثلاثين آية، وكان حمزة أخذ أكثر من ثلاثين آية، فقال له: اقرأ. فقرأ أربعين، ثم قال له: اقرأ إلى أن تتم مئة آية. فقال له: قم. ثم افتقده، فقال: ما صنع صاحبُ الكساءِ الجيدِ؟ فسُمِّيَ الكسائيّ.
وقال أحمد بن يحيى ثعلب: قال سَلَمَةُ: صحَّف الكسائيُّ في بيت الجَعْدِيّ:
* وكان النكيرُ أن تُضيف وتَجأرَا *
قال: "يُضِيف".
قال: ولم يبلغني أن الكسائي ولا الفراء قالا شعرًا قطّ. وكان الأحمر يَقْرض الشعر، وله أبيات.
قال سلَمة: أنشد الكسائيُّ الرشيدَ بحضرة الأصمعي:
أم كيف ينفع ما تُعطَى العَلُوق بِه رئمانَ أَنفٍ إذا ما ضُنّ باللَّبنِ
[ ١٢٨ ]
قال الأصمعيُّ: "رئمانُ أنف". فقال الكسائيُّ: "رئمانَ أنف"، و"رئمانَ أنف"، اسكتْ، ليس هذا من صنعتك.
قوله: "رئمان أنف" يريد أنها ترأم البوَّ، وهي مع ذلك لا تَدُرُّ اللبن، والعَلُوق التي ترأمُ بأنفها وتمنعُ ضَرْعها. ويقال: العلوق من النُّوق التي تريد الفحل ولا ترأم الولد، ومن النِّساء التي لا تحبُّ غير زوجها. وقال:
وبُدِّلتُ من أُمٍّ عليَّ شفيقةٍ عَلوقًا، وشرُّ الوالدات عَلوقُها
ابن أبي سعد قال: حدثني ابن طهمان قال: سمعت والله الفراء يحيى يقول: مدحني رجل من النحويين فقال: ما اختلافك إلى الكسائيِّ وأنت مثله في العلم؟ قال: وأعجَبَتْنِي نفسي فناظرته وسألته؛ فكأنِّي كنتُ طائرًا يغْرِف من بَحْرٍ.
قال الهَرَوي: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال: كان الكِسائيُّ فصيح اللسان، لا يُفْطَن لكماله، ولا يُخيَّل إليك أنه يُعرِب، وهو يُعرِب.
وقال أحمد بن أبي الطاهر: حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جُشَم العَبْدي، حدثني ثابت الغنمي، أخبرني رجل في حلقة الأحمر النَّحويِّ، عن تميم الداري -رجل كان بالرَّي- قال: لما خرج الرشيد إلى طُوس، خرج الكسائيُّ معه، فلمَّا صار إلى الرَّيّ اعتلّ علَّة منكرة، فأتى إليه هارون الرشيد ماشيًا متفزِّعًا، وخرج مِن عِنْده وهو مُغْتَمّ، فقال لأصحابه: ما أظنُّ الكسائيَّ إلَّا ميتًا. وجعل يَسْتَرْجِع. فجعل القوم يعزُّونه ويطيِّبون نفسَه، وجعل يظهر حزنًا. فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما الذي قضيت عليه بهذا له! فقال: لأنَّه حدثني أنه لقي أعرابيًّا عالمًا غزيرًا بموضع يقال له: "ذو النَّخْلَتين". فقال الكسائي: فكنت أغدُو عليه وأرُوح، أمْتاح ما عنده، فغدوتُ عليه غُدوةً من الغدوات، وهو ثقيل، فرأيت به علَّة منكرة، فألقى نفسه، وجعل يَنْتَفِضُ ويقول:
[ ١٢٩ ]
قَدَرٌ أحلَّك ذا النُّخَيْل وقد تَرَى لولاه مَالَكَ ذو النُّخَيْل بدارِ
إلَّا كداركمُ بذي بقَرِ الحِمَى أَيْهَاتَ ذو بقرٍ من المُزدار
قال الكسائيُّ: فغدوتُ إليه صباحًا، فإذا هو لمآبه، ودخلتُ على الكسائيِّ وهو يُنشد البيتين، فغمَّني ذلك.
فمات الكسائي بالرّيّ، وكان كما ظن الرشيد.
وتُوفِّي هو ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، ودفنا في يوم واحد، سنة تسع وثمانين ومئة، فقال الرشيد: دفنَّا الفقه واللغة في الري في يوم واحد.
قال محمد بن عبد الملك توفي الكسائي سنة ثلاث وتسعين ومئة.
قال ابن أبي سعد: ورثاهما اليزيدي فقال:
أَسيتُ على قاضي القضاة محمَّدٍ فأَذريتُ دمْعِي والفؤادُ عميدُ
وأفزعني موتُ الكسائيِّ بعدَه فكادت بيَ الأرض الفضاء تميدُ
هما عَلَمانا أَوْديَا وتُخرِّمَا فما لهما في العالمينَ نديدُ
[ ١٣٠ ]