هو أحمد بن يحيى النحوي بن يزيد، مولى بني شيْبان، المعروف بثعلب. فاق مَن تقدَّم من الكوفيين وأهل عصره منهم، وكان قد ناظر أصحابَ الفرَّاء وساواهم.
قال أبو عليٍّ: وحدثني أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري قال: نظر أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في النحو وله ثمان عشرة سنة، وصنَّف الكتب وله ثلاثٌ وعشرون سنة، وكان ثقةً صدوقًا حافظًا للُّغة عالمًا بالمعاني.
قال: وحدثني أبو بكر محمد بن القاسم أيضًا أن الرّياشيّ سئل حين انصرف من بغداذ إلى البصرة عن علماء بغداذ، فقال: ما رأيت منهم أعلمَ من الغلام المنبَّز -يعني ثعلبًا-.
وحدثني قال: حدثني أبو العباس قال: قدم علينا الرياشي، فقصدتُ إليه مجلسه، فسألته عن مسائلَ من النحو، فلم يتكلم فيها بشيء، وقال: أنا تارك لهذا.
وقال الأوارجي الكاتب: حدثني العَجْوَزِي قال: كان ثعلب من الحفظ، والعلم، وصدق اللهجة، والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر القديم، ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين على ما ليس عليه أحدٌ. وكان يدرسُ كتبَ الفرَّاء وكتب الكسائي درسًا، ولم يكن يعلم مذهب البصريين، ولا مستخرجًا للقياس ولا مطالبًا له. وكان يقول: قال الفراء، وقال الكسائي، فإذا سئل عن الحجة والحقيقة في ذلك لم يغرق في النظر.
وكان خَتنه أبو علي الدينوري زوج ابنته يخرج من منزله وهو
[ ١٤١ ]
جالسٌ على باب دارِه، فيتخطَّى أصحابَه، ويمضي ومعه محبرته ودِفْتَرُه، فيقرأ كتابَ سيبويه على محمد بن يزيد المبرّد، فيعاتبه على ذلك أحمد بن يحيى ويقول: إذا رآك الناس تَمْضي إلى هذا الرجل، وتقرأ عليه، يقولون ماذا! فلم يكن يلتفتُ إلى قوله.
وكان أبو عليٍّ هذا حسنَ المعرفة. وسمعتُ إسماعيلَ بن إسحاق بن إبراهيم المصعبي يقول له: يا أبا عليٍّ، كيف صار محمد بن يزيد النحوي أعلمَ بكتاب سيبويه من أحمد بن يحيى ثعلب؟ قال: لأن محمد بن يزيد قرأه على العلماء، وأحمد بن يحيى قرأه على نفسه.
ولم يزل أحمد بن يحيى مُقدَّمًا عند العلماء من أيام حداثته، قال: قرأت كتاب أبي نصر الطوسي إلى أبي أحمد من سُرَّ مَن رأى يقول: شككنا في حرف كذا وكذا، فصِرْ إلى أبي العباس فاسأله عنه؛ فإنه كان أحفظَ لِمَا يسمعه منا.
وكان ضيِّق النَّفقة مقتّرًا على نفسه، حدثني أخي -وكان صاحبه ووصيَّه- قال: دخلتُ عليه يومًا وقد احتجم وبين يديه طَبق، وفيه ثلاثةُ أرْغِفة وخمسُ بَيْضات وبقْل وخلّ وهو يأكل، فقلتُ: قد احتجمتَ فلو أخذتَ رِطْلًا من لَحْم فأصلحتَ لك منْه قُدَيْرة؛ لكان أصلحَ لك. فقال: رِطْل لحم وثمن التوابل ومثلُه أيضًا للعيال، فَقد اجْتَمع، فما له معنى!
وكانت ابنتُه قد استهلكت ألف دينار من ألفي دينار، فطالَبَها بذلك أشدَّ مُطالبة وأغلظَها، وجمعَ أصحابه عليها وناظرَها بحضْرتهم. قال: فحدَّثني أخي قال: كنتُ فيمن خاطبها وهي وراء السّتْر، فقالت: هو أعرفُ بموضع الدنانير، كان ضيِّقًا كما قد علمت، فكان يَخْرُج من عندنا بَكِرًا
[ ١٤٢ ]
فإذا انتصفَ النَّهارُ رَجَع وخَلَع ثيابه، وقال: عندكم شيءٌ نأكله؟ فتُخرج الجارية مائدةً عليها أرغفة سَميذ وقطعة من جَدْي أو دجاجة وفَضْلة من جام حَلْواء، فيأكل ذلك ولا يقول: مِن أَيْن لكم هذا؟ فلا يزالُ هذا دأبه، ولا يسأل عمَّا يُقدَّم إليه، وما يُشتَرى له من الفاكهة والطيبات، فقولوا له: تلك الدنانيرُ ذهبتْ فيما كنتَ تأكلُه ولا تسألُ عنه! فانصرفت وقد أوجبتْ عليه الحجة، ولم يصلْ إلى درهمٍ واحدٍ ممَّا ذهبَ له.
وقال: سمعت أحمد بن إسحاق المعروف بابن المدوَّر يقول: كنتُ أرى أبا عبد الله بن الأعرابيِّ يشكُّ في الشيء فيقولُ: ما عندك يا أبا العباس في هذا؟ ثقةً بغزارة حفظه، ولم يكن مع ذلك موصوفًا بالبلاغة، ولا رأيته إذا كتب كتابًا إلى بعض أصحاب السلطان خرج عن طبع العامَّة، فإذا أخذتَه في الشعر والغريب ومذهب الفراء والكسائي؛ رأيتَ مَن لا يفي به أحد، ولا يتهيأ له الطَّعنُ عليه.
وكان هو ومحمد بن يزيد عالِمَينِ قد خُتِم بهما تاريخُ الأدباء. قال بعض المُحدَثين:
يا طالب العلم لا تَجْهَلَنْ وعُذْ بالمبرِّد أو ثعلبِ
تجدْ عندَ هذينِ عِلمَ الورى فلا تكُ كالجملِ الأجربِ
علومُ الخلائقِ مقرونةٌ بهذينِ في الشرق والمغربِ
قال: وكان محمد بن يزيد يُحِبُّ أن يَجْتَمِع معه ويَستكثِر منه، فكان يمتنع من ذلك، فقلت لخَتَنِه الدِّينَوَرِي: لِمَ يفعلُ ذلك؟ فقال: أبو العباس محمد بن يزيد حَسَن العبارة، حُلو الإشارة، فصيحُ اللسان، ظاهرُ البيان، وأحمد بن يحيى مذهبُه مذهبُ المعلِّمين؛ فإذا اجتمعا في محفِل حُكِم لهذا على الظَّاهر إلى أن يعرف الباطن. وكان إذا تلاقَيَا على ظَهْر الطريق تساءلا وتوافقا، رحمهما الله.
قال أبو عمر بن سعد القُطْرَبليّ: سرت إلى أحمد بن يحيى في يوم الأربعاء
[ ١٤٣ ]
وكانت وفاته يوم الجمعة، ومعي مُتطبِّبٌ لنا، فلما دخلت عليه قال: أتيتَ بما في نفسي، كنتُ الساعةَ على أن أكتبَ إليك أسألك البعثةَ به إليَّ، فقد سرَّني أن وقع مجئيه بالاتفاق. فنظر إليه، وجسَّ يدَه، ثم قال له: أنت كأنك الدّرّ، أنت في كلِّ عافية، القوة تامَّة، والنبضُ طبيعيّ، والذي تشكوه من دم. فرأيته وقد اقشعرَّ وجهه وقال: بشَّرك الله بخير! وسنُّه في الوقت تسعون سنة وسبعة أشهر.
قال بعضهم: كنَّا عند أحمد بن يحيى نُعزِّيهِ بخَتَنِه أبي عليٍّ -وقد جاء نعيه من مصر يوم الأحد لستٍّ بقين من ذي الحجة سنة ست وثمانين-، فقال في كلام جرى: ما كنتُ في وقت من الأوقات أشدَّ تثبُّتًا في العربية واللغة مني في هذا الوقت؛ لأنِّي كلَّما طاولتها وتبحرتها احتجتُ إلى التثبُّت فيها. ثم قال: وأرى قومًا ينظرون أيامًا يسيرة، ثم يقع لهم أنهم قد بلغوا واكتفوا.
قال: وقال أبو العباس: أحسنَ زهير في القول والمعنى ما شاء. وكان يتعصَّب له ويقدِّمه. فقال أبو عمر -وكان يقدِّم الحطيئةَ-: ما أدفع فضل الحطيئة. فقال: وأنا لا أدفع فضل زهير. قال: فمن أين مثل قول زهير:
تَهامون نجديُّون كيدًا ونُجْعةً لكل أناس من وقائعهم سَجْلُ
سعى بعدهمْ قومٌ لكي يدركُوهُمُ فلم يفعلُوا ولم يلاموا ولم يألوا
قال: فمِنْ أين مثل قول الحطيئة:
أولئك قومٌ إن بنوْا أحسنُوا البنا وإن عاهدُوا أوفَوْا وإن عَقَدوا شَدُّوا
[ ١٤٤ ]
فإن كانتِ النَّعماء فيهمْ جزَوْا بها وإن أَنْعَموا لا كَدَّرُوها ولا كَدُّوا
قال: وقال أبو العباس: رأيتُ المأمون لما قَدِم من خُراسان، وذلك سنة أربع ومئتين، وقد خرج من باب الحديد، وهو يُريد قصر الرُّصافة، والناس صفَّان إلى المُصلَّى، وكان أبي قد حَمَلَني على يده، فلمَّا مرَّ المأمون رفعني وقال: هذا المأمون، وهذه سنة أربع. فحفظت ذلك إلى هذه الغاية، وكانت سنُّه يومئذ أربع سنين.
وقال أبو عمر: قال لي أبو العباس: إنه ما قال شعرًا قطُّ إلَّا شيئًا لم يَظْهر، البيت والبيتين، وما كان يَرْضى ما يأتيه من ذلك.
قال أحمد بن يحيى: دخلتُ يومًا إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وعنده أبو العباس محمد بن يزيد وجماعة من أشباهه وكتابه، وكان محمد بن عيسى وصفَه له، فلما قعدتُ قال لي محمد بن عبد الله: ما تقول في بيت امرئ القيس:
لها مَتْنَتَان خَظَاتَا كما أَكَبَّ على ساعديْه النَّمِرْ
قال: فقلتُ: الغريب أنه يقال: خَظَا بظا؛ إذا كان صُلْبًا مكتنزًا، ووصف فرسًا. وقوله: "كما أكبَّ على ساعديه النَّمِر" أي في صلابةِ ساعِدَيِ النَّمِر إذا اعتمد على يده. والمتْن الطريقة الممتدَّة عن يمين الصُّلْب وشِماله. وما فيه من العربية أنَّه "خظتا"، فلما تحركت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة.
قال: فأقبل بوجْهه على محمد بن يزيد، فقال له: أعز الله الأمير، أراد في "خظاتا" الإضافة، أضاف "خظاتا" إلى "كما". فقلتُ له: ما قال هذا أحد. فقال محمد بن يزيد: بل سيبويه يقوله. فقلتُ لمحمد بن عبد الله: لا والله، ما قال هذا سيبويه قط، وهذا كتابه فيحضَر. ثم أقبلتُ على محمد بن
[ ١٤٥ ]
عبد الله فقلت له: وما حاجتُنا إلى كتاب سيبويه؟ أيقال: مررت بالزيديْنِ ظريفيْ عمرو؟ فيضاف نعت الشيء إلى غيره! فقال محمد بن عبد الله بصحة طبعه: لا والله، ما يقال هذا. ونظر إلى محمد بن يزيد، فأمسك ولم يَقُلْ شيئًا، وقمت ونهض المجلس.
أبو بكر بن عبد الملك: قال جحظة: أنشدني أبو العباس:
فلما رأيتُ النَّسرَ عَزَّ ابن دَايةٍ وعشَّش في بُرْجَيْه ضاق به صدري
شبَّه شبابه بابن دَايَة وهو الغُراب، وشبَّه الشيب بالنَّسر فقال: لما رأيتُ الشيب قد غلب الشباب وقَهَرَه وعشَّش في بُرْجَيْه أحزنني ذلك، وجاش له صدري. وإنما سمَّي الغراب ابن داية لأنه يأكل ما قد دَوِي من ظهور الإبل.
قال أبو العباس: ويقال للطفيليين: لعامظة، وأنشد:
لعامِظةٌ بين العصا ولِحَائِها أَرقَّاءُ أكَّالون من سقط السّفْرِ
قال أبو عمر بن سعد القُطْرَبُّليّ: قال أبو العباس أحمد بن يحيى -وقد تكلم بكلام- فقلت له: إنما أردتَ كيتَ، وعنيتُ ذَيْتَ، قد فطنتُ لعُذْري، وأخذتُ بقطني؛ وذيْت صفة الشيء بعينه، وكيْت صفته بفعله.
أخبرني عمّي قال: قال أحمد بن يحيى -وقد سُئِل عن قول امرئ القيس:
نَطْعَنُهم سُلْكَى ومخلوجَةً كَرّك لأَمَينِ على نابِلِ
إن اللأم السَّهم، واللَّأمان السهمان، أي نَطْعَنهم قُدُمًا، ونَطْعَنُهم يَمْنة ويسرة وشأمة، أي نحن حُذَّاقٌ بالطعن. ويقال: الأمر سُلْكَى
[ ١٤٦ ]
وليس بمخلوجة، أي الأمر مستقيم وليس بمعوجٍّ، أي فطعْنُنا في السرعة كما يَكُرُّ هذا فيرمي سَهْمًا في إثر سَهْم. ويقال: كما يُصلح هذا سهامه، فهو لا يؤخّرها بل يستعجلُ فيها. والنَّابل الذي يُعالج النَّبْل ويُصْلِحها، فهو يُقوِّمُها ويغرّيها، ويسرع في ذلك لئلا تَنْفَسد عليه؛ والطَّعْن إنما هو بالإسراع فيه.
وقال أبو عمر بن سعد: كنت أسمع أحمد بن محمد بن مدبِّر يقول في كلامه: حديث ذو لِقاح. قال: فسألت أبا العباس أحمد بن يحيى عن ذلك، فقال: كما يقال: حديثٌ ذو شجون؛ وقال: الناقة اللَّقوح التي لها لَبَن، واللَّاقح: الحامل، واللِّقاح: الناقة إذا وضعت، فالمعنى: حديث ينضمُّ إلى حديث كما انضمَّ الولد إلى الأم لما صار في بطنها. وشُجُون الوادي طُرُقه وانعراجاته، فكأنَّ الإنسان يكون في حديثٍ ثمَّ يخرجُ منه إلى غيره، لأنه يتذكر به ما يشبهه ثم يعود إلى حديثه الأول، كالذي يَمْشي في الوادي، فيعرِض له الطريق، فيأخذُ فيه، ثم يؤدِّيه ذلك الطريق إلى الطريق الأول. ويقال: حيٌّ لَقاح إذا كانوا أعزَّاء لا يَدينون للملوك، ولا يُقْدر عليهم؛ كالناقة إذا حملتْ لم يقدر الفحل أن يَدْنُو منها.
قال أبو بكر: قال لي عمي: قال أبو العباس: الفرزدق وجرير أشعر من ذي الرُّمَّة، وذو الرُّمَّة أشعر من كُثيِّر، وكُثيِّر أشعر من جَمِيل.
أبو عمر بن سعد: قال أبو العباس ثعلب: صحبتُ أحمد بن سعيد بن سَلْم -وكان ظريفًا يُشبِه النَّاس- في سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وفارقته في سنة خمس وعشرين ومئتين، وصحبتُ العبَّاسَ بُوكردان إلى سنة ثلاث وأربعين ومئتين، وصحبتُ محمد بن عبد الله بن طاهر في هذه السنة، أول يوم من المحرم، وصحبتُه ثلاث عشرة سنة، إلى أن تُوُفِّيَ ﵀.
أبو بكر قال: وحدثني عمي قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: في سنة تسع ومئتين طلبتُ اللغة والعربيةَ، وفي سنة ست عشرة ومئتين؛ ابتدأت النظر في حدود الفرَّاء وسنِّي ثمان عشرة سنة، وبلغتُ خمسًا وعشرين سنة وما بقي عليَّ مسألةٌ للفرَّاء إلَّا وأنا أحفظُها وأحفظ موضعها من الكتاب، ولم يبق شيءٌ من كتب الفراء في هذا الوقت إلا وقد حفظته.
[ ١٤٧ ]
قال: وسمعتُ أحمد بن يحيى ثعلبًا يحدِّث أبا عمر بن سعد القُطْربلي -وكان يغشاهم كثيرًا- قال: أقعدني محمد بن عبد الله بن طاهر مع ابنه طاهر، وأفرد لي دارًا في داره، وأقام لنا وَظيفة، وكنتُ أقعد معه إلى أربع ساعات من النهار، ثم أنصرفُ إذا أراد الغَدَاء، فنُمِي ذلك إليه، فوجَّه فكسا البَهْو والأَرْوِقَة والمجالس الخيْشَ، وأضعف ما كان يُعِدُّ من الألوان والثَّلْج والفاكهة والخِوان، فلمَّا حضر وقت الانصراف انصرفتُ، فنُمِي ذلك إليه، فقال للخادم المُوكَّل بطاهر: نُمِيَ إليَّ انصرافُ أحمد بن يحيى في وقت الطعام والقائلة، فظننت أنه استقلَّ ما كان يحضُرُ، وأنه لم يَسْتَطِبِ الموضع، فأضْعَفْنا ما يُقام، وزِدْنا في الخيشِ، ثم نُمِي إليَّ أنه قد انصرف بعد ذلك! فتقول له عن نفسك: بيتُك أبْرَد من بيتنا! أو طعامك أنظف من طعامنا! وتقول له عني: انصرافُك إلى منزلك في وقت الغَدَاء هُجْنَة علينا. فلمَّا عرَّفني الخادم بذلك أقمتُ، فكنتُ على هذا الحال ثلاثَ عشرة سنة، وكان يتغدَّى معنا مَن يحضر من خاصَّته مثل ابن عَوْن وغيره؛ وكان يُقيم لي مع ذلك سبع وظائف من الخبز الخُشْكار، ووظيفة من الخبز السَّميذ، وسبعة أرطال من اللحم؛ وعَلوفة رَأس، وأجْرَى لي في الشهر ألفَ درهم، فكان يتفقد مَن يُجْرَى عليه القوتُ من الخبز واللحم، حتى يصلَ ذلك إليه في وقته ولا يتأخَّر عنه. ولقد جاءت سنة الفتنة، وغلُظ الأمر في الدَّقيق واللَّحم، فكتب إليه كاتبُه على المطبخ يعرِّفه غليظَ ما هو فيه، وعظم ما يُعانيه من المؤونة، ويسأل أن يأمر بإحضار الجريدة التي فيها ثَبَت مَن يُجْرَى عليه الدقيق واللحم، ليقتصر على مَن لا بدَّ منه؛ إذ كانت الجريدة
[ ١٤٨ ]
تشتمل على خَلْق كثير لا يلزمه أمرهم، ولا سيما في مثل هذه الحال وهذا الوقت. قال: فوقَّع إليه: أنفِذْها إلينا. فأنفذها فكانت مشتملة على ثلاثة آلاف وستمئة إنسان. فرأيتُ محمدًا قد زاد فيها بخطه، ثم وقَّع عليها: لستُ أقطعُ عن أحدٍ ما عوَّدتُه، ولا سيَّما مَن قال: أطعِمْني الخبزَ. فأجْرِ الأمرَ على ما في الجريدة، واصبر على هذه المؤونة، فإمَّا عِشنا جميعًا، أو مِتنَا معًا.
قال: وقال أبو العباس: زهيرٌ أشعر شعراء الجاهلية، والحُطَيئة بعده، وجرير أشعر شعراء الإسلام، وبعده المرَّار الأسدي، وجرير في صدر الإسلام كزهير في صدر الجاهلية.
وقال أبو العباس: أنشدنا أبو عبد الله بن الأعرابيِّ:
ومؤلَّق أَنضجتُ كَيَّةَ رَأْسِه فتركتُه ذِفرًا كريح الجورب
مُتَرَبِّبًا كلبًا فقام يعَضُّه يا لَلرِّجال لكلبه المتربِّب
كالثور يُضرب أن تَعاف نعاجُه وجب العيافُ، ضَربْتَ أو لم يضرِب
الذَّفر، يقال للطِّيب والنتن، ومنه مسك أذفر. والأوْلق الجنون؛ أي تركته لا يُلتفت إليه. وكنتُ في فعلي به وإكرامي إياه كالذي ربَّى كلْبًا، فلما كبر عضَّه، فعجب الناس من ذلك. ثم قال: "كالثور" أي وكان في وضعه الأمر في غير موضعه كالثور الذي يوضع ضربُه في غير موضعه؛ لأنه إذا وردَتِ البقرُ فعافتِ الماءَ ولم تَرِدْه، ضُرِب حتى يَرِد، فتتبعه البقر؛ والنعجة البقرة.
وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصوليُّ: مات أحمد بن يحيى ثعلب يومَ السبت لعشْر خَلَوْن من جُمَادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومئتين؛ ودفن في مقابر باب الشام، وأوصى إلى عليِّ بن محمد الكوفيِّ مِن تلاميذه، وتقدَّم إليه في دفْع كتبه إلى أبي بكر أحمد بن إسحاق بن سعد القطربلي،
[ ١٤٩ ]
فقال إبراهيم الزَّجاج للقاسم بن عبد الله: هذه كتب جليلة، فلا تفوتنَّك. فتقدم القاسم إلى عليِّ بن عبيد الله رأس البَغْل أن يقوِّم الكتب ويأخذها له، فأحضر خيران الورَّاق فقوَّم ما يساوي عشرة دنانير بثلاثة دنانير، فبلغت أقل من ثلاثمئة دينار. فلما رأيتُ بعد ذلك -وقد أحضرنا لشراء كتب يبيعها ولد القاسم- ديوان مسائل الأخفش، وعليه بخط خيران أربعة دنانير، وعليه خطُّ أحمد بن يحيى: "كتبتُ إلى أبي حاتم السجستانيِّ أن ينسخ لي مسائل الأخفش كلها في النحو، فوجَّه إليَّ بهذه النسخة، وأعلمني أنه لم يَبْقَ له مسألة إلا وهي في هذا الكتاب" فبلغت الأجزاء، فأخذها بعض ولد القاسم، ولم يمكِّنَّا من شرائها.
قال محمد بن أبان بن سيِّد: وهي بخط ذي الرّمة ورّاق أبي حاتم. وقد رأيت هذه النُّسخة بين يدي أمير المؤمنين المستنصر بالله قبل ولايته، أتته من العراق.
قال أبو بكر محمد بن أبي الأزهر -واسمه يزيد-: توفي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ليلةَ السبت لثلاث عشرة ليلةً خلت من جُمادى الأولى، وكان دفنه صبيحة يوم السبت في حجرةٍ اشتريت له، وكان خلَّف أحدًا وعشرين ألف درهم وألفي دينار، ودكاكين بباب الشام قيمتها ثلاثة آلاف دينار، فرُدَّ مالُه على ابنة ابنته.
وقال الأوارجيُّ الكاتب: حدثني العَجْوَزِيّ قال: قال ثعلب: ولدتُ سنةَ مئتين.
وتوفي سنة إحدى وتسعين ومئتين، وفيها توفي أبو الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وليُّ المدينة، وأبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات.
[ ١٥٠ ]