هو عبد الله بن أبي إسحاق مولى آل الحضرمي، وهم حُلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف. أخذ عن الأقرن. وهو أول من بَعج النحو، ومدَّ القياس، وشرح العلل، وكان مائلًا إلى القياس في النحو. وكان بلال بن أبي بُردة جمع بين ابن أبي إسحاق، وأبي عمرو بن العلاء بالبصرة -وهو يومئذٍ والٍ عليها- عمَّله خالد بن عبد الله القسري زمان أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك -﵄-. قال أبو عمرو: فغلبني ابنُ أبي إسحاق بالهمز يومئذٍ، فنظرتُ فيه بعد ذلك وبالغتُ.
قال ابن سلام: سمعت أبي يسأل يونس عن ابن أبي إسحاق وعِلمِه، فقال: هو والبحر سواء. أي هو الغاية. قال: فأين علمُه من علم الناس اليومَ! قال:
[ ٣١ ]
لو لم يكن في الناس اليومَ أحد لا يعلم إلا علمه يومئذ لضُحك منه، ولو كان فيهم مَن له ذهنه ونفاذه، ونظر نظرَه؛ لكان أعلمَ الناس. قال ابن سلام: فقلت أنا ليونس: هل سمعت من ابن أبي إسحاق شيئًا؟ قال: نعم، قلتُ له: هل يقول أحدٌ "الصَّوِيق" يعني السويق؟ قال: نعم، عمرو بن تميم تقولها. وما تريد إلى هذا؟ عليك بباب من النحو يطّرد وينقاس.
قال: وكان ابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر يَطْعُنان على العرب. قال ابن أبي إسحاق للفرزدق في مديحه لأمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك -رضوان الله عليهما-:
مستقبلينَ شمالَ الشام - تضرِبُنا بحاصب كنديفِ القُطْن مَنْثُورِ
على عمائمنا يُلْقى، وأَرْحُلِنَا على زواحف تُزْجَى مُخُّهَا رِيرِ
أسأتَ، إنما هو "مُخُّهاريرُ"، وكذلك قياس النَّحو في هذا الموضع. قال يونس: والذي قال جائز حسن. فلما ألحُّوا على الفرزدق قال:
* على زواحفَ تُزجيها محاسيرُ *
فترك الناس هذا، ورجعوا إلى الأول.
وفي ابن أبي إسحاق يقول الفرزدق يهجوه:
فلو كان عبدُ الله مولًى هجوتُهُ ولكنَّ عبدَ الله مولَى مواليَا
[ ٣٢ ]
وكان ابنُ أبي إسحاق يقرأ: ﴿يا ليتنا نردُّ ولا نكذبَ بآيات ربنا ونكونَ من المؤمنين﴾ بالنصب.
وكان يقرأ: ﴿الزانيةَ والزانيَ﴾، ﴿والسارقَ والسارقةَ﴾ بالنصب، وهو خلاف ما قرأ به القُرَّاءُ.
وأَخَذ على الفرزدق بيتًا في شعره، فقال: أين هذا الذي يَجُرُّ خصييه في المسجد؟ ألا يصلحه! يعني ابن أبي إسحاق.
وتُوفِّي ابنُ أبي إسحاق سنةَ سبع عشرة ومئة.
[ ٣٣ ]