اسمه كنيته. وفي بعض الروايات اسمه زبّان بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التيمي المازني.
وهو بصري، أخذ عن ابن أبي إسحاق، وكان أوسع علما بكلام العرب ولغاتها وغريبها من عبد الله بن أبي إسحاق. وكان من جِلَّة القراء والموثوق بهم. كان يقرئ الناس القرآن في مسجد البصرة، والحسن بن أبي الحسن حاضر.
قال يونس: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد لكان ينبغي لقول أبي عمرو أن يؤخذ كله. ولكن ليس من أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك.
قال: وكان أبو عمرو يُسلِّم للعرب ولا يطعُن عليها. وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق:
ما زلت أفتح أبوابا وأغلِقها حتى أتيتُ أبا عمرو بنَ عَمَّارِ
وأخافه الحجاج بن يوسف فكان يتستر. قال: فخرجت في الغَلَس أريد التنقل من الموضع الذي كنت فيه إلى غيره، فسمعت منشدًا يُنشد:
ربَّما تكرَه النُّفوس من الأَمْـ ـرِ له فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ
وسمعتُ عجوزًا تقول: مات الحجاج. فما أدري بأيهما كنت أسرَّ، أبقول المنشد: "فَرجة" بالفتح، أم بقول العجوز: مات الحجاج؟
قال أبو علي: الفَرْجة في الأمر بالفتح، والفُرْجة بالضم في الحائط وغيره.
قال: وسئل أبو عمرو بن العلاء عن اشتقاق الخيل، فلم يعرف، فمرَّ أعرابيٌّ
[ ٣٥ ]
مُحْرِم، فأراد السائل سؤال الأعرابي، فقال له أبو عمرو: دَعْنِي، فأنا ألطف بسؤاله وأعرف. فسأله، فقال الأعرابي: اشتقاق الاسم من فعل المسمى. فلم يعرف من حضر ما أراد الأعرابي، فسألوا أبا عمرو عن ذلك، فقال: ذهب إلى الخُيلاء التي في الخيل والعُجْب؛ ألا تراها تمشي العِرَضْنة خُيلاءً وتكبُّرًا!
وقال الأصمعي: كان لأبي عمرو بن العلاء من غَلَّته كل يوم فَلْسان: فَلْس يشتري به كوزًا، وفَلْس يشتري به ريحانًا، فيشم الريحان يومه، ويشرب في الكوز يومه، فإذا أمسى تصدَّق بالكوز، وأمر الجارية أن تجفِّف الريحان وتدقَّه في الأُشنان.
وحدثني أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: سمع أبو عمرو رجلًا ينشد:
* ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ على الغيِّ لائما *
فقال: أُقوِّمُك أم أتركك تتسكع في طُمَّتك؟ فقال: بل قوِّمني. فقال: قل: ومَن يَغْوِ -بكسر الواو-، ألا ترى إلى قول الله ﷿: ﴿فَغَوَى﴾!
قال أبو علي: ويقال: غَوِي الفصيلُ من لبن أمه إذا تخثَّر، أي بَشِم. وقال: تتسكَّع: تتلوَّث. والطُّمَّة الخُرْأة.
قال الأصمعي: وقال أبو عمرو بن العلاء في قول النبي -ﷺ-: "في الجنين غُرَّة عبد أو أَمَة": لولا أن رسول الله -ﷺ- أراد بالغُرَّة معنًى لقال: في الجنين عبد أو أَمَة. ولكنه عَنَى البياض، لا يُقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء.
[ ٣٦ ]
وقال أبو حاتم: حدثني الأصمعي قال: حدثني شعبة قال: كنت أختلف إلى ابن أبي عقرب، فأسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو عن العربية، فيقوم وأنا لا أحفظ حرفًا مما سأل عنه، ولا يحفظ حرفًا مما سألتُ عنه.
وكان أبو عمرو قد زار محمد بن سليمان بن علي الهاشمي واليَ الكوفة سنة أربع وخمسين ومئة.
حدثنا أحمد، حدثنا أحمد، حدثنا مروان بن عبد الملك الفخار قال: سمعت عباس بن محمد يقول: سمعت يحيى يقول: أبو عمرو بن العلاء ثقة، وأبو سفيان بن العلاء ومعاذ بن العلاء أخوا أبي عمرو، يروي عنهما وكيع.
قال مروان: وحدثنا أبو حاتم، حدثنا الأصمعي قال: قال أبو عمرو: أخذت في طلب العلم قبل أن أُخْتَن. قال الأصمعي: وسمعت أبا عمرو يقول -ولم يقله إن شاء الله بغيًا أو تطاولًا-: ما رأيتُ أحدًا قطُّ أعلمَ منِّي.
قال الأصمعي: قال أبو عمرو: ما سمع حمَّادٌ الرَّاويةُ حرفًا قطّ إلا سمعتُه. وكان أسنَّ من حماد.
سمعت عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي يقول: حدثني عمي قال: كنت إذا سمعت أبا عمرو بن العلاء يتكلم ظننت أنه لا يحسن شيئًا ولا يَلحَن؛ يتكلم كلامًا سهلًا.
أبو حاتم عن الأصمعي قال: كان أبو عمرو بن العلاء يوسّع لي، وربما حلف ألَّا يُخبِرَني بحرف حتى آكل، وكانت ابنته تجيء وتجلس عندنا في مجلسه وقد حَجَمَ الثديُ على نحرها. قال: وعيسى بن عمر وضَرْبُه
[ ٣٧ ]
إنما كانوا يلقوْنه أيامَ الجُمَع.
وقال الأصمعي: سألت الخليل بن أحمد النحوي عن قول الراجز:
ختى تحاجزن عن الذواد تحاجُزَ الرِّي ولم تَكادِي
لِمَ قال: "تكادي" ولم يقل: "ولم تَكَدْ"؟ قال: فطحن يومًا أجمع. قال: وسألت أبا عمرو بن العلاء -وكأنما كان على طرف لسانه- فقال: ولم تكادي أيتها الإبل.
حدثنا العباس بن الفرج الرياشي، حدثنا الأصمعي، عن أبي عمرو قال: شهدت عند سوَّار، قال له: كيف تعلم هذا؟ قلت: أعلمه كما أعلم أنك سوار بن عبد الله بن قدامة بن عَنَزة بن نقَب.
حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمر بن مهران البصري بفسطاط مصر، قال: حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثنا أبو عبيدة، عن أبي عمرو قال: كنا عند بلال بن أبي بُردة، فخرج الفرزدق يتخلَّع، فسمعني أُنشِد بيت التَّغلبي:
نُعاطي الملوك القِسْط ما قصدوا لنا وليس علينا قَتْلُهمْ بمحرَّم
فقال الفرزدق: أأرشُدك أم أدعُك؟ قلت: أرشدْني. قال: "ما قصدوا بنا".
حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أبو إسحاق الشيزري قال: حكى أبو العباس الأديب، عن الأصمعي، عن أبي عمرو قال: بينا أنا ذات يوم -أحسبه قال: في ضيعتي- سمعتُ قائلًا يقول:
وإن امرأً دنياه أكبر همِّه لَمُسْتمسك منها بحبْل غرور
قال: فكتبت هذا البيت على فَصِّ خاتمي، فكان نقشه هذا.
حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان قال: حدثنا أبو حاتم
[ ٣٨ ]
وابن أخي الأصمعي قالا: حدثنا الأصمعي قال: لم أرَ مَسانّ قطّ أذْكرَ من أبي عمرو بن العلاء، وسلَمة بن عياش، وأبي هلال الراسبي، وأبي الأشهب العطاردي.
ابن أبي سعد قال: قال أبو عمرو بن العلاء: كانت العرب إذا أرادت أن تنشد قصيدة المتلمِّس توضؤوا لها:
تُعيِّرني أُمِّي رجالٌ ولن ترى أخا كرمٍ إلَّا بأَنْ يَتكرَّما
ابن أبي سعد قال: قال ابن نوفل: سمعتُ أبي يقول لأبي عمرو بن العلاء: أخبرني عما وضعتَ مما سميتَه عربية، أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: لا. فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العربُ وهم حُجَّة؟ قال: أعمل على الأكثر، وأسمي ما خالفني لغات.
وقال أبو الحسن الباهلي: مر أبو عمرو بن العلاء بعمرو بن عبيد وهو يتكلم في الوعد والوعيد ويثبته، فقال له أبو عمرو: ويلك يا عمرو! إنك أَلْكَن الفهم، ألم تسمع إلى قول القائل:
وإنِّي وإن أوعدتُه أو وعدتُهُ لمخلفُ إيعادي ومنجز مَوْعِدي
[ ٣٩ ]
إنما أراد أن الله ﵎ قد وعد وأوعد، وهو قادر على أن يعفو عمن أوعده، وقادر أن ينجز لمن وعده.
قال محمد: وفي بعض الروايات أن ابن عبيد قال لأبي عمرو: يا أبا عمرو، شغلك الإعراب عن معرفة الصواب. وأنشد بعضهم بيتًا قبل البيت المذكور:
لا يَرْهَبُ ابنُ العم والجارُ صَوْلتِي ولا أَختفي من خَشْية المتَهَدِّدِ
وقال ابن قتيبة: وكانت وفاة أبي عمرو في طريق الشام، وذلك أنه خرج إليها يجتدي عبد الوهاب بن إبراهيم، فمات سنة أربع وخمسين ومئة، وله عقب بالبصرة.