قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمِنْ طَبَقَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ أَبُو خَالِدٍ عَبْدُ الْخَالِقِ، كَانَ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْخَوْفُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْبُهْلُولِ، مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ، عُلِمَ، غَيْرَ مَنَاقِبِهِ وَفَضَائِلِهِ، قَدْ ذَكَرَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
[ ٦٣ ]
قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْدُونُ بْنُ الْعَسَّالِ، قَالَ: سَأَلَنِي سَهْلُ بْنُ يُونُسَ بِمِصْرَ عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: قَطَعَهُ الْخَوْفُ عَنِ الْعَمَلِ، فَقَالَ لِي: مَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، لَوْ كَانَ عَبْدُ الْخَالِقِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَصَوَّرُوهُ فِي كَنَائِسِهِمْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّبَّادِ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ بُهْلُولٍ، عَنْ حَسْنُونٍ الدَّبَّاغِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ زَبِيبَةَ، وَكَانَ مِنَ الْمُخْبِتِينَ، وَكَانَ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ اللَّحْنُ الْحَسْنُونِيُّ، قَالَ: أَتَانِي أَبُو خَالِدٍ عَبْدُ الْخَالِقِ فِي اللَّيْلِ، وَذَكَرَ كَلامًا يَقَعُ بِقَلْبِي، أَنَّهُ بَعْدَمَا هَدَأَتِ الرِّجْلُ قَرَعَ عَلَيَّ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لِي: أَبُو خَالِدٍ، فَقُلْتُ: مَنْ أَبُو خَالِدٍ؟ فَقَالَ لِي: عَبْدُ الْخَالِقِ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا أَقُولُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: أَعِنْدَكَ مِصْبَاحٌ؟ فَقُلْتُ: لا، قَالَ: فَاطْلُبْهُ لِي، فَذَهَبْتُ إِلَى طَحَّانٍ كَانَ عِنْدَنَا فِي الْجِوَارِ فَأَوْقَدْتُ مِنْ عِنْدِهِ الْمِصْبَاحَ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَنِي بِأَنْ نُوقِدَ الْقِنْدِيلَ، فَأَوْقَدْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ، فَلَمْ أَزَلْ أَقْرَأُ وَهُوَ يَتَمَرَّغُ، حَتَّى إِذَا كَانَ السَّحَرُ خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ [. . . . . . .] انْتِظَار النَّاسِ، قَالَ لِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ بُهْلُولٍ، عَنْ حَسْنُونٍ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْنَا الْعَسَسُ قَاصِدِينَ، فَلَمَّا رَأَوْنَا انْصَرَفُوا عَنَّا، قَالَ عَبْدُ الْخَالِقِ: يَا حَسْنُونُ، مَا كَانَ أَحْسَنَ لَوْ أَصْبَحْنَا فِي الْحَبْسِ، يَعْنِي: أَنَّهُ إِنَّمَا تُرِكَا لأَنَّهُمَا عُرِفَا.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ جِيرَانِ عَبْدِ الْخَالِقِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُ: حَمْدُونٌ الْخِرْنِقُ، قَالَ حَمْدُونٌ: أَقْبَلَ إِلَيَّ عَبْدُ الْخَالِقِ عَلَى بَغْلٍ، وَعَلَيْهِ قُفَّتَانِ مِنْ قِفَافِ الْبَقْلِ، وَمَعَهُ لَحْمٌ بَقَرِيٌّ وَلَحْمٌ غَنَمِيٌّ،
[ ٦٤ ]
قَالَ: لا أَدْرِي هَلْ قَالَ: مِنْ كُلِّ صِنْفٍ رَطْلٌ، أَوْ قَالَ فِيهِمَا جَمِيعًا: رَطْلٌ، وَمَعَهُ خُبْزٌ نَقِيٌّ، قَالَ حَمْدُونٌ: فَقَالَ لِي: يَا حَمْدُونُ، إِنَّ أُمَّ حَمْدُونٍ مَرِيضَةٌ، يَعْنِي: زَوْجَتَهُ، وَقَدِ اشْتَهَتْ هَذَا اللَّحْمَ فَسِرْ مَعِي حَتَّى تَنَالَ مَعَنَا مِنْ هَذَا، وَكَانَ سُكْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْقَرْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ أُعْلِمْ أَهْلِي، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَجَبْتُهُ وَتَوَجَّهْتُ مَعَهُ إِلَى الْقَرْنِ، قَالَ حَمْدُونٌ: فَدَفَعَ ذَلِكَ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ إِلَى أَهْلِهِ، وَدَخَلْتُ مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَبَصُرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَأَثَرُ الْبُؤْسِ عَلَيْهِ وَمَعَهُ أَطْفَالٌ وَهُوَ يَقْضِمُ الشَّعِيرَ كَمَا تَقْضِمُ الدَّوَابُّ، فَسَارَ إِلَى أَهْلِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: يَا أُمَّ حَمْدُونٍ، يُضَعَّفُ لَكِ وَاللَّهِ غَدًا، يَا أُمَّ حَمْدُونٍ يُضَعَّفُ لَكَ وَاللَّهِ غَدًا، وَقَدْ كَانَتْ عَالَجَتْ ذَلِكَ الطَّعَامَ، فَأَقْبَلَ بِهِ بِأَسْرِهِ إِلَى الشَّيْخِ الْبَدَوِيِّ، وَقَالَ لَهُ: شَأْنُكَ مَعَ صِبْيَانِكَ فَهَذَا الطَّعَامُ، قَالَ حَمْدُونٌ: ثُمَّ نَهَضَ فَأَتَى بِقُرْصٍ مِنْ شَعِيرٍ وَلَبَنٍ، فَقَالَ لِي: أَحَمْدُونُ كُلْ أَنْتَ هَذَا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ جِيرَانِ عَبْدِ الْخَالِقِ: أَنَّ جَارًا لَهُ كَانَ ذَمِيمَ النَّظَرِ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ حَسْنَاءُ، وَكَانَ يُصِيبُهَا، فَشَكَتْ إِلَيْهِ ابْنًا لِعَبْدِ الْخَالِقِ كَانَ يَتَعَرَّضُهَا، وَكَانَتْ صَلاتُهُ مَعَ عَبْدِ الْخَالِقِ فِي الْمَسْجِدِ، فَانْتَظَرَ عَبْدَ الْخَالِقِ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَتْهُ جَارِيَتُهُ بِمَا أَخْبَرَتْهُ بِهِ، حَتَّى صَلَّى عَبْدُ الْخَالِقِ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ ثُمَّ انْصَرَفَ يُرِيدُ دَارَهُ، فَصَحِبَهُ الرَّجُلُ، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا خَالِدٍ، أَنْتَ تَرَى مَنْظَرِي، وَعِنْدِي جَارِيَةٌ، وَأَنَا أُصِيبُهَا، وَقَدْ شَكَتْ إِلَيَّ ابْنَكَ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَأْتِيَ بِوَلَدٍ فَيَخْبُثُ عَلَيْهِ قَلْبِي، أَوْ نَحْوَ هَذَا فَجَعَلَ عَبْدُ الْخَالِقِ يَقُولُ لَهُ: لا تَتَكَلَّمْ بِهَذَا الْكَلامِ فَإِنَّ عَلَيْكَ فِيهِ شَيْئًا، وَلا يَسْمَعْ مِنْكَ هَذَا الْكَلامَ أَحَدٌ، ثُمَّ دَخَلَ عَبْدُ الْخَالِقِ دَارَهُ وَانْصَرَفَ الرَّجُلُ عَنْهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ صَلَّى الرَّجُلُ الصُّبْحَ،
[ ٦٥ ]
فِي جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَرَ عَبْدَ الْخَالِقِ، فَتَوَجَّهَ جِهَةَ دَارِهِ فَإِذَا أَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةٌ، وَلَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَحَوَّلَ الْبَارِحَةَ بِعِيَالِهِ وَبِوَلِدِهِ وَبِجَمِيعِ مَنْ فِي دَارِهِ إِلَى الْفُنْدُقِ الَّذِي عِنْدَ الْجَامِعِ، قَالَ لِي أَبُو عُثْمَانَ: كَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَمْ يُمْكِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنْ يَكْتَرِيَ دَارًا، لأَنَّ النَّاسَ قَدْ صَارُوا إِلَى فُرُشِهِمْ، فَانْتَقَلَ إِلَى الْفُنْدُقِ حَتَّى تَهَيَّأَ لَهُ كِرَاءُ مَسْكَنٍ وَبَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ بَعْدُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الأَغْلَبِ أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْخَالِقِ فَجَاءَهُ، وَكَانَ عَبْدُ الْخَالِقِ رَجُلا طُوَالا آدَمَ غَلِيظًا كَثِيرَ الشَّعْرِ، يَلْبَسُ عِمَامَةً كَأَنَّهَا شُقَّةٌ، فَقَالَ لَهُ الأَمِيرُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَغْلَبِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَنَّ لَكَ عِيَالا، فَخُذْ هَذِهِ الْمِائَةَ دِينَارٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْخَالِقِ: أَنَا عَنْهَا غَنِيٌّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: زِيدُوهُ مِائَةً أُخْرَى، فَقَالَ عَبْدُ الْخَالِقِ: لَوْ كَانَ لِي حَاجَةٌ لَكَانَ فِي الْمِائَةِ كِفَايَةٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ زِيدُوهُ وَعَبْدُ الْخَالِقِ يُكَلِّمُهُ بِالكْلَامِ الأَوَّلِ حَتَّى بَلَغَ خَمْسَ مِائَةٍ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَغْلَبِ: أَفْسَدَكُمُ الْبَرْبَرِيُّ، وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَجَعَلُتُهُ يَرْقُصُ خَلْفِي، يَعْنِي: إِبْرَاهِيمَ بْنَ الأَغْلَبِ بُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ عَبْدُ الْخَالِقِ: فَأَحْسَسْتُ شَعْرِي خَرَجَ مِنْ عِمَامَتِي، ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَكُنْتُ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الطِّينِ الَّذِي يُعْجَنُ بَيْنَ يَدِكَ، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيَّ إِبْرَاهِيُم طِينٌ يُعْجَنُ لِمَرَمَّةٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنَّ حَمْدُونٍ المْعَرْوفِ بِالْخِرْنِقِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ الْخَالِقِ ذَاتَ يَوْمٍ، وَالْخَيْلُ تَسْتَبِقُ، فَقَالَ لِي: مَحْضَرٌ صَالِحٌ، بَلَغَنِي أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَشْهَدُهُ، قَالَ: فَحَضَرْنَاهُ، قَالَ
[ ٦٦ ]
حَمْدُونٌ: فَسَبَقَ وَاحِدٌ مِنَ الْخَيْلِ وَأَخَذَ فَارِسُهُ قَصَبَةَ السَّبْقِ، قَالَ حَمْدُونٌ: فَجَعَلَ عَبْدُ الخْالِقِ يَتَخَلَّلُ النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْفَرَسِ السَّابِقِ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُ جَحْفَلَتَهُ، وَيَقُولُ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، صَبَرْتَ فَظَفِرْتَ، ثُمَّ انْجَدَلَ عَبْدُ الْخَالِقِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا نَالَهُ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْفَرَسَ الَّذِي مِنْ خَلْفٍ، صَارَ أَمَامَ الَّذِي كَان أَمَامَهُ، وَأَخَذ قَصَبَةَ السَّبْقِ، ذَكَرْتُ تَقَدُّمَ قَوْمٍ كَانَ مِنْ خَلْفِهِمْ فَصَارَ هُوَ الْمُقَدَّمُ، وَيَصِيرُونَ خَلْفَهُ كَذَا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: وَمَنَاقِبُ عَبْدِ الْخَالِقِ كَثِيرَةٌ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ، وَكَانَ مَوْتُ عَبْدِ الْخَالِقِ بَعْدَ مَوْتِ الْبُهلُولِ بِسِنِينَ كثَيِرَةٍ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مَسْكِنُ عَبِد الْخَالِقِ بِالْقَرْنِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَدِينَةِ القْيَرْوَانِ.